تحليل سياسي

التحركات الإيرانية الجديدة: تحدٍ أم مراجعة للاستراتيجيات

 

المحتويات

أولًا: مقدمة

ثانيًا: الأسد في طهران – روحاني في بغداد

ثالثًا: اجتماعات عسكرية في دمشق

رابعًا: فشل السياسة الروسية في إدارة التوازن الصعب في الصراع السوري

خامسًا: خاتمة

 

 

 

أولًا: مقدمة

شهدت الأسابيع القليلة الماضية جملة من التحركات ذات طابع سياسي وأمني من طهران وإليها، تركت انطباعًا بأن إيران أرادت أن تبعث برسائل إلى الجهات التي تريد أن تصلها رسائلها، منها زيارة الأسد إلى طهران الغامضة في دوافعها والمعلن من نتائجها، وكذلك زيارة الرئيس الإيراني حسن روحاني وطبيعة الوفد المرافق له والعراقيين الذين التقاهم من مسؤولين رسميين أو قيادات حزبية أو المرجعية الشيعية، ثم تلا هذين التحركين اجتماع رؤساء أركان الجيوش الإيرانية والعراقية والسورية في دمشق، وغاب -أو غُيِّب- عنها الجانب الروسي على الرغم من حالة التنسيق الأمني التي تجمع الأطراف الأربعة، واستدعت زيارة لوزير الدفاع الروسي إلى سورية من دون أن تُعرف بدقة الأمور التي بحثها شويغو مع الأسد أو الرسالة التي حملها إليه من بوتين.

وقد أثيرت الكثير من الأسئلة والتكهنات على خلفية تلك التحركات والرسائل التي رافقتها في محاولة من المهتمين، دولًا أو أحزابًا أو أفرادًا، لمعرفة توجهات السياسة الإيرانية في هذه المرحلة، التي تشتد فيها العقوبات الأميركية، ويتوسع جهد الولايات المتحدة لمحاصرة إيران وعزلها سياسيًا على المستوى الدولي، وقد ذهب البعض إلى الاستنتاج بأن إيران تحاول استعادة زمام المبادرة في سورية، بعد أن أحجمت حتى عن الرد على الاستهداف الإسرائيلي المؤثر لمواقع تمركزها على الأراضي السورية، وإفهام الأطراف التي تضغط عليها في عدد من الملفات، ومنها وجودها العسكري في سورية، بأنها ماضية في استراتيجيتها ولن تثنيها تلك الضغوط أو التهديد بالحرب عن خططها، وأنها مستعدة لكل الاحتمالات، ولديها النية على المواجهة العسكرية في حال فرضت عليها، والقدرة على إيذاء أعدائها من خلال تحالفاتها في المنطقة أو ميليشياتها المنتشرة في أكثر من دولة شرق المتوسط. كما أن الاستنتاج بأن إيران ربما تكون أمام مرحلة من إعادة الحسابات والتركيز على النفوذ الاقتصادي بديلًا قد يكون ممكنًا عن التموضع العسكري في سورية، الذي بات مكلفًا لها، استنتاج له ما يبرره في ظل المعطيات الدولية والإقليمية التي ترافقت مع مجيء الإدارة الأميركية الجديدة وانسحابها من الاتفاق النووي، وسعيها الحثيث لتحجيم الدور الإيراني، وتطمين حلفائها في المنطقة إزاء خطرها.

فعلى أي الخيارين سوف ترسو إيران في المرحلة المقبلة، أم أن الصراعات الداخلية وهيمنة الجناح المتشدد وذراعه العسكرية، الحرس الثوري الإيراني، على مراكز القرار في طهران، يدفعها إلى العمل على الخيارات المتاحة كافة، ما دامت الولايات المتحدة تقدم خيار العقوبات الاقتصادية على خيار الحرب حتى الآن، وتقطيع الوقت على أمل مجيء إدارة أميركية جديدة، قد توصل ما قطعته الإدارة الحالية من حبال الود والتفاهم الضمني، التي ربطت بين طهران وواشنطن في المرحلة الماضية؟

 

ثانيًا: الأسد في طهران – روحاني في بغداد

فجأة، ومن دون مقدمات، أُعلن عن زيارة قام بها الأسد وحيدًا إلى طهران في 25 شباط/ فبراير الماضي، لم يُعلَن في بيانات رسمية عما دار خلالها، وما الاتفاقات التي أبرمت، أو وعد الأسد بتوقيعها، إلا أن الصور القليلة التي نُشرت عن لقاء الأسد بالمرشد على خامنئي بحضور مستشاره للأمن القومي، علي لاريجاني، وقاسم سليماني، قائد فيلق القدس، دلّل على طغيان الطابع الأمني للزيارة عما سواه، فلم يُدع إلى هذا اللقاء لا رئيس الجمهورية الإيرانية ولا وزير خارجيته المفترض حضورهما على المستوى البروتوكولي على الأقل. فما الذي أرادته طهران من الأسد، وفي هذا التوقيت؟

في ظل الضغوط التي تتعرض لها، بخاصة لجهة التركيز على إخراج قواتها والميليشيات التي تتبعها من سورية، وعلى خلفية ذلك، تعرضت مواقعها إلى مئات الغارات الإسرائيلية في الأعوام الثلاثة الأخيرة من دون أن ترد، لا تريد إيران أن تُجر إلى حرب واسعة غير قادرة على تحمل تبعاتها. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن اشتداد التنافس وحرب المواقع بينها وبين الروس الذين يريدون الإمساك بالملف السوري كله، تمهيدًا للتحكم في الحلول السياسية، وتقاسم مناطق النفوذ ما بعد الحرب، يجعل إيران في حاجة، أكثر من أي وقت مضى، إلى أن يعيد الأسد، ومن طهران تحديدًا، التأكيد على شرعية وجودها في الأراضي السورية؛ فتصبح هي وروسيا القوتين الوحيدتين اللتين تتمتعان بوجود شرعي في سورية، وهو ما يتفق من وجهة نظرهما مع القانون الدولي، على عكس وجود بقية القوى المتدخلة.

والسؤال الذي يطرح نفسه، تبعًا لذلك، ما قيمة التأكيد الذي أعلنه الأسد حول شرعية الوجود الإيراني، ومن هو الطرف الذي تريد أن تسمعه هذا التأكيد، في ظل تزايد الضغوط التي تواجهها؟، المرجح أن روسيا هي المقصودة بهذا التصرف الإيراني كإجراء احترازي، خشية أن يضغط الروس على الأسد، ويدفعوه إلى الطلب من إيران المغادرة إذا كان قادرًا على ذلك، علمًا أن مثل هذا الطلب، قياسًا على تاريخ العلاقات السورية الإيرانية منذ ثمانينيات القرن الماضي، ليس في نية الأسد، ولم يعد في مقدوره.

لم تقتصر زيارة الأسد على الجانبين الأمني والعسكري، بل تعدتّهما إلى الجانب الاقتصادي، فقد استثمرت إيران كثيرًا في الوضع الاقتصادي السوري، وقدمت للنظام السوري ما قيمته 12 مليار دولار على شكل خطوط ائتمان مصرفية أو ديون ومستحقات لسلع استجرتها الحكومة السورية على مدى سنوات الحرب، يُضاف إليها 20 مليارًا أنفقتها إيران على تنظيم وتدريب وتسليح ميليشيات محلية، أو تلك التي استقدمتها من العراق ولبنان وأفغانستان وباكستان واليمن، وهي تعمل على ترجمة هذا الاستثمار المادي على شكل مكاسب اقتصادية ومواقع نفوذ، وقد سبق لإيران أن وقعت في العام 2017 عددًا من الاتفاقات في مجالات الزراعة والصناعة والكهرباء ومشغل خليوي ثالث، واستثمار الفوسفات الذي ذهب لاحقًا للروس، لكن هذه الاتفاقات لم تجد طريقًا للتطبيق حتى الآن، إما لعدم حماس النظام لإشراك إيران في تحكم رجالاته في مفاصل الاقتصاد السوري، وإما نتيجة ضغوط روسية لإضعاف الوجود الإيراني.

تسعى إيران لتفعيل هذه الاتفاقات، وضمان مشاركة الشركات الإيرانية في عمليات إعادة الإعمار عندما يحين الاشتغال عليها، وذلك عبر إنشاء شركات مشتركة متخصصة مع الجانب السوري، وتقديم التسهيلات اللازمة لشركات القطاع الخاص الإيراني في مجال الاستثمار، وقد سبق لوزير الاقتصاد والتجارة الخارجية السوري أن أكّد قبل شهر من الزيارة أن الشركات الإيرانية “ستتمتع بالأولوية في إعادة إعمار سورية في مرحلة ما بعد الحرب، كما بدأنا بوضع اليد على المشكلات والعوائق التي تقف في طريق تطوير العلاقات بين البلدين، ونسعى لحلها”.

وقد تداول الإعلام في عقب الزيارة معلومات حول موافقة الأسد خلالها على نقل إدارة ميناء الحاويات في مرفأ اللاذقية إلى إيران في بداية تشرين الأول/ أكتوبر المقبل، وهو يضم 23 مخزنًا تتسع لثلاثة ملايين طن من المواد، وفي حال تم هذا النقل فسيكون ميناء اللاذقية نهاية الطريق البري الذي يُراد له أن يربط طهران بالبحر الأبيض المتوسط عبر العراق وسورية، كما يمكن أن تستخدمه إيران لنقل السلاح إلى ميليشياتها في سورية ولبنان، متجاوزةً العقبات التي تواجهها حاليًا بسبب مراقبة القوات الأميركية الموجودة في العراق وقاعدة التنف السورية لطرق التهريب التي تسلكها.

لقد وعد الأسد بتشكيل لجنة مشتركة لإنجاز هذا الانتقال قانونيًا وإداريًا، وفي حال تم ذلك ضمن الموعد المحدد، فإنه سيثير غضب الروس، لأنهم يعتبرون الساحل منطقة نفوذ حصرية، لهم فيها قاعدة بحرية بطرطوس وقاعدة جوية في حميميم، كما أنه سيكون مدعاة كي يتمدد القصف الإسرائيلي نحو تلك المنطقة بالتنسيق مع الروس وبرضاهم، لكن قبل هذا وذاك سيُحرم السوريون من أهم منفذ بحري وتجاري، وسيضيف بعدًا آخر لرفض السوريين للوجود الإيراني في بلدهم. ويلمح خبراء إيرانيون أن إيران، من ضمن سياساتها البراغماتية، قد تضم الميناء، بالاتفاق مع الصين، إلى مشروع الصين للربط البحري والبري والجوي بين الشرق والغرب المعروف بطريق الحرير الجديد، كي يكون للصين مصلحة في الدفاع عن الاستحواذ الإيراني على ميناء اللاذقية، ويغيب عن ذهن هؤلاء الخبراء -إلا إذا كان قصدهم تضليل الشعب الإيراني- أنه من غير المنطقي أن تشتري الصين سمكًا في البحر، والأولى لها أن تذهب مباشرة إلى الدولة السورية صاحبة الشأن. لذلك كله ونظرًا إلى حجم العوائق التي سوف تلجم السعي الإيراني وليست مقتصرة على الجانب السوري، فقد تخفض إيران من طموحاتها، وتكتفي بالحصول على تسهيلات في ميناء اللاذقية لا أكثر.

بعد زيارة الأسد إلى طهران بأسبوعين، حطّ الرئيس الإيراني حسن روحاني رحاله في بغداد، ويرجح أن الأهداف ذاتها التي دفعت لوجود الأسد في طهران، جاءت بروحاني إلى بغداد بزيارة لمدة ثلاثة أيام من 11 – 13 آذار/ مارس 2019 وقابل خلالها الرئاسات الثلاث وبعض زعماء القوى المؤثرة مثل عمار الحكيم زعيم تيار الحكمة، وختمها بلقائه المرجع الشيعي الأعلى بالنجف علي السيستاني.

لقد حاول روحاني تقديم العلاقة الإيرانية العراقية بطريقة مختلفة عما تعمده مسؤولون إيرانيون في السابق، من إظهار لغة الاستعلاء والتحكم عند حديثهم عن العراق، ربما لأسباب تتفاعل داخل نظامه في طهران، بحيث تقدم فيه إيران الطابع المدني والدبلوماسي على علاقتها بالعراق بديلًا عن الطابع الأمني الذي ساد سابقًا، ربما نتيجة مراجعات قام ويقوم بها النظام الإيراني بحكم تغير المعطيات في المرحلة الأخيرة، ليس فقط لجهة الضغوط الخارجية بل أيضًا لتغير المزاج الشيعي تجاه الهيمنة الإيرانية على العراق، وما خلفته من نتائج كارثية على الصعد كافة، عبر العراقيون عن ذلك بتظاهراتهم التي عمت الجنوب الصيف الماضي، وكانت ذروتها حرق القنصلية الإيرانية في البصرة أيلو/ل سبتمبر الماضي، وكذلك حرق مقارّ الميليشيات الشيعية التي تتبع طهران. ومما دلل على ذلك قوله يوم وصوله إلى بغداد إن العراق “دولة عربية وإسلامية مهمة، يمكنه أن يلعب دورًا في تحسين العلاقات بين دول المنطقة”، ويمكن على المنوال ذاته قراءة ما قاله السيستاني لروحاني في أثناء لقائه إن السيادة العراقية “يجب أن تُحترم، وأن تبقى الأسلحة بيد الدولة”، والمعنى ذاته كرره بيان مكتب السيستاني الذي أكّد أن “المرجع الشيعي يُرحّب بأي خطوة في سبيل تعزيز علاقة العراق بجيرانه على أساس احترام سيادة الدول، وعدم التدخل بالشؤون الداخلية”.

هذا من حيث الشكل، أما من حيث المضمون، فإنه على الرغم من التأكيد الإيراني على الهدف الاقتصادي للزيارة، إلا أنها لم تخلُ من الأبعاد الأمنية أو ما يخدمها، ومنها تأكيد الهيمنة الإيرانية على العراق أحد دولتي مرور الخط البري لوصولها إلى المتوسط، وكذلك الضغط على البرلمان العراقي لاستصدار قانون يلزم الحكومة العراقية بإخراج القوات الأجنبية من العراق والمعني قوات التحالف الدولي لمحاربة (داعش)، خصوصًا القوات الأميركية الموجودة في قاعدة الأسد الجوية، وذلك من ضمن عملية شد الحبال المتعددة الأوجه الدائرة بين الأميركان والإيرانيين على الساحة العراقية بحكم أهميتها الإستراتيجية لكلا الطرفين.

ومن المعروف أن الطلب الإيراني، لم يتوافر له بعد حوامل بين النواب، خاصة الكتل المؤثرة، وأن هناك كتلًا تطالب ببقاء القوات الأميركية لمنع عودة (داعش)، وآخرها مناشدة رئيس البرلمان العراقي الولايات المتحدة من واشنطن الإبقاء على قواتها في العراق ما دام خطر (داعش) قائمًا، لكن يبقى من الأسباب المهمة للزيارة إبرام ما يلزم من اتفاقات تؤمن التفاف إيران على العقوبات الأميركية؛ فالعراق بوابة إيران التجارية نحو العالم، ومن المؤكد أن هذا ليس بغائب عن العين الأميركية، التي تضغط على الحكومة العراقية لالتزام العقوبات، لكن ليس إلى الحد الذي يقطع الحبل الذي يربطها بالعراق، بحكم الضغط الإيراني المعاكس وصاحب السطوة على النظام العراقي.

لقد وقَّع روحاني مع الحكومة العراقية عددًا من الاتفاقات الاقتصادية في مجالات الربط السككي والكهربائي، ورفع معدلات التبادل التجاري، واستخدام العملات الوطنية في المبادلات التجارية بحسب ما جاء في البيان الختامي، الذي تضمن أيضًا ، توقيع روحاني اتفاقًا مع رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي، بتفعيل اتفاقية الجزائر لعام 1975 والبروتوكولات الملحقة بها، التي اعترف العراق بموجبها آنذاك بحقوق الملاحة الإيرانية في مياه شط العرب مع تعديلات جديدة- أو ربما كانت بنودًا سرية- تحصل بموجبها إيران من تحديد الحدود البحرية على نصف شط العرب جغرافيًا ومائيًا، كذلك النص على أنه تعود إلى العراق السيطرة على منصة العمية، بدلًا من ميناء العمية الواقع نهاية شط العرب، وهذا يعني قانونيًا أن العراق تنازل عن الميناء، لأن تعبير منصة لا يطابق تعبير ميناء، وسيحول حق العراق في الميناء في أحسن الأحوال إلى مجرد تسهيلات بحرية. إن ما وقّعه عادل عبد المهدي، يشكل تنازلًا من العراق عن حقوقه التاريخية والجغرافية وسيادته على شط العرب التي ضمنتها اتفاقية 1937، وبذلك يكون العراق تنازل أيضًا من دون مقابل عن الإجراءات التي تضمنتها اتفاقية الجزائر، والتي يمكن اللجوء إليها في حال ظهر خلاف في التفسير، ومنها طلب إعادة التفاوض حول بنود الخلاف أوتوسيط طرف ثالث أو اللجوء إلى التحكيم الدولي.

 

ثالثًا: اجتماعات عسكرية في دمشق

شهدت دمشق من ضمن التحركات الإيرانية اجتماعًا لرؤساء أركان جيوش إيران والعراق وسورية في 18 آذار/ مارس الفائت، وبحسب وكالة (إرنا) الإيرانية، فإن هذا الاجتماع “هو الأول من نوعه على مستوى رؤساء الأركان لمناقشة سبل مكافحة الإرهاب والتعاون الإقليمي وتطوير العلاقات العسكرية والدفاعية”، ولوحظ غياب الجانب الروسي، على الرغم مما يربط بين الأطراف الأربعة من تنسيقٍ أمني منذ العام 2016. ويمكن من خلال متابعة التصريحات في عقب الاجتماع تتبع الأبعاد الأمنية والعسكرية له، فقد أكد رئيس الأركان الإيراني محمد باقري أن بلاده “ستواصل محاربتها للإرهاب في سورية”، نافيًا نيتها الانسحاب منها، وتابع باقري واصفًا الاجتماعات العسكرية التي جرت في دمشق بأنها “مهمة للجميع، وأن ما تمخض عنها سيساعدنا في الاستمرار في مواجهة التحديات والأخطار والتهديدات التي أفرزها انتشار الارهاب التكفيري، وتمدّده في هذه المنطقة الحيوية من العالم”، وأن أهداف بلاده في سورية تتحدد بـ “استتباب السيادة الوطنية ووحدة التراب السوري وخروج جميع القوات الموجودة في سورية دون إذن منها”. أما رئيس الأركان العراقي محمد الغانمي، فقد أكّد أن الحدود العراقية السورية “ممسوكة أمنيًا من قبل القوات العراقية والسورية، وأن المنفذ الحدودي بين البلدين سيفتح خلال أيام”، من دون أن يحدد المنفذ المقصود، أما وزير الدفاع السوري فقد اقتصر تصريحه على هموم نظامه بقوله إن بلاده “ستعيد بسط سيطرتها على كامل الجغرافيا السورية سواء بالمصالحات أو بالقوة العسكرية، وأن إدلب لن تكون تحت سيطرة تحرير الشام، كذلك شمال شرق سورية سيتم التعامل معه بالمصالحات أو بتحرير الأرض”، وأشار إلى أن “وجود أي قوات دون دعوة رسمية من الحكومة السورية، هو وجود احتلالي”، كما أكد أن لدى قواته “عوامل القوة القادرة على إخراج القوات الأميركية من التنف باعتبارها قوة احتلال!”.

ما إن انتهى لقاء رؤساء الأركان الثلاثة في دمشق بيوم واحد، حتى كانت دمشق على موعد مع وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو بتكليف من بوتين، وهدفت زيارته، بحسب قناة روسيا اليوم، إلى “بحث قضايا محاربة الإرهاب والجوانب المختلفة لضمان الأمن في منطقة الشرق الأوسط ومسألة التسوية في فترة ما بعد الحرب”، أن الإرباك وضعف الانسجام في خبر روسيا اليوم حول هدف الزيارة، يترك انطباعًا بأن ما حمله شويغو في رسالته التي لم يكشف عن مضمونها، بأن الزيارة جاءت للوقوف عما بحثه الأسد في طهران، وما طلبته إيران في اجتماع رؤساء الأركان الثلاثة، ونقل انزعاج موسكو حول تجاهلها وعدم التنسيق معها في التحركات الأخيرة، ولم يقتصر على ما أكّده بيان الرئاسة السورية من أن “ملف إدلب كان الملف الرئيسي في مباحثات الأسد شويغو”. فهل سيكون الصراع الدائر في سورية أمام مرحلة متطورة من التنافس الروسي الإيراني، وهل يمكن أن يتطور إلى صراع مكشوف؟ إذا كان الأسد قد انتهى فعليًا من لعب دور التوازن في علاقته بين حليفيه الروسي والإيراني، وانحاز إلى الطرف الإيراني.

 

رابعًا: فشل السياسة الروسية في إدارة التوازن الصعب في الصراع السوري

منذ 30 أيلول/ سبتمبر 2015، تاريخ التدخل العسكري الروسي في سورية، سواء أكانت تريد التدخل لتحسين شروطها الدولية في ملفات ليس بالضرورة مكانها في سورية، أو أنها استدرجت لهذا التدخل كي تقوم بأعمال لا يجيزها القانون الدولي، ولا تريد الأطراف التي استدرجتها القيام بمثل ما قامت به، حرصت روسيا على تقديم نفسها بداية بأنها تمارس دور التوازن في إدارة وتوجيه الأطراف الموجودة على الأرض لجهة النظام وإيران وما يتبعها من ميليشيات، ثم لاحقًا مع تركيًا و”إسرائيل”، وعلى المستوى الدولي تقديم نفسها من خلال الآلة العسكرية الهائلة التي سخرتها، بأنها القوة القادرة على إنهاء الصراع في سورية، واجتراح الحلول اللازمة له وفق رؤية تخدم توجهاتها، وقد كانت هاتان المهمتان سهلة في بداية التدخل الروسي، لأن الأطراف كافة كان يجمعها إلى حدود بعيدة هدف هزيمة الثورة السورية بالدرجة الأولى، ومن ثم ضمان كل طرف لدوره ونفوذه في هندسة سورية المستقبلية.، وبعد ثلاث سنوات ونيف، وبعد أن تقهرت قوى الثورة العسكرية منها والسياسة، أو أضعفت إلى الدرجة التي أخرجتها من معادلات الصراع وفق المعطيات الحالية، بدأت تظهر تباينات الأطراف، التي كانت قابلة أو ساكتة عن الدور الروسي، فالتناقض في الأهداف والاستراتيجيات لكل طرف، يتبدى واضحًا بشكل مضطرد، وسوف يطيح بالمرتكزات كافة التي اعتمدتها السياسة الروسية في سورية، فقد أصبحت إدارة التوازن صعبة إلى درجةٍ تفضح المأزق الروسي في سورية.

لقد عرقلت روسيا عن عمد مسار جنيف الذي كانت طرفًا فيه، وفي جميع القرارات الأممية التي يستند إليها، على أمل نجاحها في إنجاز حلّ آخرٍ لم يكتب له النجاح حتى الآن، من خلال أطراف محلية وبمساعدة أطراف إقليمية، وتقديمه إلى الغرب بديلًا عن المسار الأممي، بما يزيد من دورها العالمي؛ فالغرب، وفي مقدّمه الولايات المتحدة، لم يعترف لروسيا بإنجازها العسكري ولم يسمح لها بترجمته إلى مكسب سياسي، وهو يصرّ على حل من خلال مسار جنيف من الواضح أن شروطه لم تنضج حتى الآن، كما أنه يربط إعادة الإعمار بعملية سياسية موثوقة وشاملة وحقيقية وفقًا لآخر بيان للدول الأربع (الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وألمانيا) بمناسبة الذكرى الثامنة للثورة السورية، وأضاف البيان إلى ذلك “إن قمع النظام للشعب السوري لم ينته وتعهدت هذه الدول بمساءلة المسؤولين عن جرائم الحرب في سورية، حيث وصف الوضع في سورية بأنه أسوأ أزمة إنسانية منذ الحرب العالمية الثانية”.

إن الخوض في تفاصيل المشكلات التي باتت تواجه روسيا مع الأطراف المتدخلة، يوضح تراجع قدرتها على الإمساك بالوضع السوري وضبط ايقاعه، بما يخدم أهدافها في سورية بدءًا بحليفيها الأقربين، النظام وإيران. فالروس اعتبروا أن زيارة الأسد إلى طهران، من دون التنسيق معهم، تقويضًا لجهدهم في تطبيع علاقات النظام مع الجامعة العربية والدول العربية، وهذا الجهد الذي أراد الروس منه إشراك العرب وإيران في سعيهم لتعويم النظام، قد أفشله النظام عندما اعتبر الأسد في خطابه الأخير أن التطبيع يجب أن يأتي كنتيجة طبيعية لانتصاره الموهوم، من دون إغفال الدور الأميركي في كبح رغبة بعض الدول في تطبيع علاقتها بالنظام. أما إيران، فإنها باتت تصعد من مواجهاتها الجارية بشيءٍ من الصمت مع الروس سواءً من خلال المواجهات، التي راحت تتكرر في أكثر من موقع بين أتباع الطرفين على الأرض، أو عرقلتها للجهد الروسي في إعادة تأهيل الجيش السوري من خلال محاولة كل من الطرفين الإمساك بمفاصل التحكم في الجيش والأجهزة الأمنية، وكذلك عرقلة الجهد الروسي في تقوية الفيلقين الخامس والسادس كجزء من الجيش السوري المستقبلي، وفي هذه الحيثية يبدو التناقض في أهداف الطرفين على أشده، فالروس يريدون جيشًا قويًا والتخلص من الميليشيات التي نشأت خلال الحرب كميليشيا الدفاع الوطني وغيرها العشرات، وبعضها يتبع الحرس الثوري الإيراني تنظيمًا وتدريبًا وتسليحًا وتمويلًا، في حين تسعى إيران لإضعاف الجيش النظامي لمصلحة تعميم الظاهرة الميليشياوية، لأنها تخدم استراتيجيتها في إضعاف الدول التي تستهدفها، كما أن تبعية هذه الميليشيات ستؤول لها كما حصل في العراق.

لا شك أن احتدام الصراع الإيراني الروسي مفهومٌ ومتوقعٌ، نظرًا إلى اختلاف استراتيجيتهما في سورية، وحجم الاستثمار الإيراني الكبير ماديًا وبشريًا، الذي لن تفرط فيه إلا مكرهةً، ويضاف إلى ذلك تراجع ثقة إيران بالموقف الروسي بعدم المساومة على وجودها، في حال توافرت فرصة مساومة مقنعة للروس. هنا يبرز السؤال حول موقف الأسد واحتمال ميله لصالح إيران، هل هو بسبب ضعف ثقته بالروس من حيث احتمال مساومتهم على رأسه، بحكم أن اهتمامهم ينصب في العمق على النظام، وليس على أشخاص بعينهم؟ أم يندرج في إطار محاولته اللعب على الطرفين، أو حتى ضربهما ببعضهما، وفقًا إلى ما ذهبت إليه التايمز اللندنية بكثير من المبالغة؟ لكن المرجّح أن الأسد لم يحصل من الغرب على الضمانات اللازمة بإعادة تأهيله والعودة بالوضع السوري إلى ما كان عليه قبل العام 2011؛ لذلك فهو يلوذ بإيران أكثر فأكثر، سواء أكان راغبًا أم مكرهًا.

أما بالنسبة إلى تركيا، فشأنها شأن بقية المتدخلين، إذ تتناقض أهدافها أيضًا مع إيران وروسيا، وهدفها الأساس منع قيام أي صيغة كردية على حدودها، ولذلك لن تفرط بالتنظيمات المسلحة الموجودة في إدلب قبل أن تحقق أهدافها أو بعضها. وإذا كانت إيران توافقها في هذه الحيثية، فإن روسيا لا توافقها، لكنها لا تريد قطع التواصل أو التفاهمات التي تحققت بين الطرفين بعد صفقة حلب – (درع الفرات)، وما فتئت روسيا تعطي تركيا الفرصة تلو الأخرى لتنفيذ اتفاق إدلب الموقّع في 17 أيلول/ سبتمبر 2018، كي لا تعطي تركيا فرصة الفكاك من تفاهماتها مع الروس وإعادة المياه إلى مجاريها مع الولايات المتحدة الأميركية، لأن المعارضة الأشد للموقف التركي من قوات (قسد)، تأتي من الولايات المتحدة وبعض الدول الأوروبية، فرنسا وألمانيا تحديدًا.

تقبع المهمة الأصعب في آلية عمل روسيا في العلاقة مع “إسرائيل”، وحرصها المعلن على هواجس الأمن القومي الإسرائيلي كما يصرح المسؤولون الروس، وتؤكده ممارساتهم على الأرض، وفي الوقت نفسه لا يريدون التضحية بإيران من دون مقابل، لذلك هم يعدون ويتهربون من وعودهم بإخراج إيران من سورية. وفي زيارة نتنياهو الأخيرة إلى موسكو التي تزامنت مع زيارة الأسد إلى طهران، أعيد تفعيل التنسيق الروسي الإسرائيلي فوق الأراضي السورية، والتعهد بعدم تسليم صواريخS300  إلى الجيش السوري، ما يعني ضوءًا أخضر لإسرائيل لمعاودة عملياتها ضد مواقع التموضع الإيراني، وتجاوزًا نهائيًا للتوتر الذي حصل في عقب إسقاط طائرة التجسس الروسية فوق اللاذقية الصيف الماضي، وكانت آخر الضربات قصف أهداف إيرانية قرب مطار حلب ليلة 28 آذار/ مارس الماضي، وربما كان الإنجاز الأهم لزيارة نتنياهو هو إعلان بوتين عن نيته “تشكيل مجموعة عمل دولية تضم الأطراف الإقليمية والدولية المعنية والنظام وربما المعارضة”، الأمر الذي أزعج الإيرانيين، لكن ثمة كثير من الشكوك والتساؤلات رافقت الطرح الروسي في حال كتب له النجاح، تتعلق أساسًا بمحاولة إعادة تأهيل النظام دوليًا، أو بمحاولة تحميل عبء إخراج الإيرانيين للدول المشاركة في هذه المجموعة، أو ربما كان بوتين يلقي ببالونات اختبار لجسّ نبض الدول الغربية حول استعدادها لفتح باب المساومة للحل السياسي لا أكثر، خصوصًا مع وجود مؤشرات تدلِّل أن روسيا تستعجل الحلّ والخروج من المستنقع السوري، الذي بات حمله أكبر من طاقتها، وهو ما يفسر ارتباكها عندما أعلن ترامب عن نيته الانسحاب من سورية، لأنها لا تريد أن تبقى وحيدة في مواجهة تعقيدات الصراع في سورية، بغض النظر عما يدعيه مسؤولوها ومطالباتهم بخروج القوات الأميركية.

 

خامسًا: خاتمة

على الرغم من تصريحات وزير الدفاع الإيراني بأن بلاده “نظّمت ودرّبت وسلّحت مئتي ألف من القوات الشعبية في كل من العراق وسورية”، وتهديده بأنها قادرة على إيذاء الدول التي تناصب إيران العداء، واجتماع رؤساء أركان الجيوش الثلاث في دمشق، إلا أن المؤشرات كافة تدلِّل على أن إيران، وأكثر من أي وقت مضى، مضطرة إلى إعادة حساباتها، ومراجعة استراتيجيتها التوسعية في المنطقة، لأنها غير قادرة على خوض مواجهة واسعة مع “إسرائيل” أو الولايات المتحدة الأميركية أو كلتيهما، وعندها لن تفيدها روسيا، لذلك يرجح أن تغلب على تحركاتها في هذه المرحلة الأبعاد الاقتصادية وتغليب العلاقات المدنية على الأمنية في علاقتها مع الدول المتدخلة فيها، والعمل بهدوء على الخيارات الأخرى بالقدر الذي تسمح به الأوضاع، فالتقدير يذهب إلى أن الممانعة الأميركية أو الإسرائيلية لنفوذ اقتصادي معين لإيران في سورية أو في المنطقة، ستكون أقل بما لا يُقاس إزاء التموضع العسكري أو الأمني.

شارك هذا المقال

قم بالتسجيل لتلقي النشرة الدورية