وحدة المقاربات القانونية

تعذيب المعتقلين وإعدامهم في سجون النظام السوري

 

المحتويات

مقدمة

أولًا: مفهوم التعذيب

ثانيًا: التعذيب في سجون النظام

ثالثًا: إعدام المعتقلين في سجون النظام

رابعًا: حالة المنشق “قيصر”

خامسًا: الاختطاف وإعدام المعتقلين من الجماعات المسلحة في سورية

خلاصة

 

 

مقدمة

تؤكد آلاف الشهادات لمعتقلين سابقين كانوا محتجزين في السجون ومراكز التحقيق التابعة للنظام السوري انتهاج الأجهزة الأمنية سياسة التعذيب والقتل الممنهجين بحق المعتقلين، إلا أن النظام يطعن في صحة هذه المعلومات على الرغم من عشرات التقارير التي أعدتها المنظمات الدولية والسورية الناشطة في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان من مثل منظمة أمنستي، وهيومن رايتس واتش، وأطباء من أجل حقوق الإنسان، ولجنة التحقيق المستقلة بشأن سورية، والشبكة السورية لحقوق الإنسان، والمركز السوري للإعلام وحرية التعبير وغيرهم، وتستند التقارير إلى مقابلات أجريت مع شهود كانوا محتجزين لدى النظام وأطلق سراحهم. وقد تعززت صدقية الشهود بشأن انتهاج سياسة التعذيب والقتل الجماعي في سجون نظام الأسد بعد انشقاق أحد أفراد الشرطة العسكرية في بداية 2014 الذي أسندت إليه خلال الأعوام الثلاثة التي سبقت انشقاقه مهمة تصوير جثامين المعتقلين وتوثيقها، إذ غادر سورية وفي حوزته عشرات آلاف الصور التي تعود إلى جثامين معتقلين ماتوا في مراكز الاعتقال السورية. وقد أثبت التحقيق الذي أجراه الخبراء مع المنشق الذي أعطي لقب “قيصر” والتحليل الذي أجروه للصور أن الضحايا  قد قتلوا في سجون النظام من جراء التعذيب أو حال الاعتقال السيئة أو إساءة المعاملة أو الإهمال الطبي أو الجوع.

تتناول هذه الوقة البحثية واقع التعذيب والقتل الجماعي للمعتقلين في السجون ومراكز التحقيق التابعة للنظام السوري، وهي تسنتند إلى التقارير التي أصدرتها المنظمات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان الدولية والسورية بهذا الخصوص. وتتناول الورقة أيضًا التعذيب في مراكز الاعتقال التابعة للمجموعات المسلحة التي تحارب النظام.

 

أولًا: مفهوم التعذيب

التعذيب هو “أي عمل ينتج منه ألم أو عذاب شديدان، جسديًا كان أو عقليًا، يلحق عمدًا بشخص ما بقصد الحصول من هذا الشخص أو من شخص ثالث على معلومات أو على اعتراف، أو معاقبته على عمل ارتكبه، هو أو شخص ثالث أو تخويفه أو إرغامه هو أو أي شخص ثالث، أو عندما يلحق مثل هذا الألم أو العذاب لأي سبب من الأسباب يقوم على التمييز أيًا كان نوعه، أو يحرض عليه أو يوافق عليه أو يسكت عليه موظف رسمي أو أي شخص آخر يتصرف بصفته الرسمية … “.[1] وليس من السهل التمييز بين أفعال التعذيب من جهة والمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة من جهة أخرى. إلا أنه لا ينبغي لهذا الجدل الفقهي أن يضفي أي مشروعية على أفعال التعذيب أو المعاملة اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة.

ينص اتفاق مناهضة التعذيب لعام 1984 على واجب الدول الأطراف اتخاذ “.. إجراءات تشريعية وإدارية وقضائية وغيرها لمنع أعمال التعذيب في أي إقليم يخضع لاختصاصها القضائي. ولا يجوز التذرع بأي أوضاع استثنائية أيًا كانت، سواء أكانت هذه الأوضاع حالة حرب أم تهديدًا بالحرب أم عدم استقرار سياسي داخلي أم أي حالة من حالات الطوارئ العامة الأخرى مسوِّغًا للتعذيب. ولا يجوز التذرع بالأوامر الصادرة عن موظفين أعلى مرتبة أو عن سلطة عامة بوصفها مسوغًا للتعذيب”.[2]

يعد التعذيب انتهاكًا خطرًا للمعايير الدولية لحقوق الإنسان من مثل اتفاق حقوق الطفل لعام 1989، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وإعلان الأمم المتحدة الصادر في 9 كانون الأول/ ديسمبر 1975 حول حماية الأشخاص جميعهم من التعرض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة، واتفاق مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو المهينة لسنة 1984 لاحقًا (الاتفاق). ويعد التعذيب من المخالفات الجسيمة لقواعد القانون الدولي وأحكامه الإنساني المنصوص عليها في اتفاقات جنيف الأربعة بشأن حماية ضحايا المنازعات المسلحة لعام 1949 وبروتوكوليها الإضافيين لعام 1977، والنظام الأساس للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998 (نظام روما)، وهو يرقى إلى مستوى جريمة الحرب والجريمة ضد الإنسانية متى ارتكب في إطار الهجوم الممنهج والواسع ضد الأشخاص المدنيين.[3]

في ضوء الحظر المطلق على التعذيب وغيره من أشكال المعاملة القاسية والمسيئة، ليس هنالك من تسويغ لهذه الأفعال تحت طائلة التذرع بوجود حال استثنائية، تقتضيها حالة حرب أو التهديد بالحرب أو عدم استقرار سياسي داخلي أو أي حالة من حالات الطوارئ العامة الأخرى. ومن هذا المنطلق، فإن قانون الطوارئ الذي كان ساريًا في سورية على مدى أربعة عقود الذي عُدِّلَ لاحقًا لا يجيز للنظام السوري تعذيب المعتقلين أو التذرع بالحرب لتسويغ التعذيب.

 

ثانيًا: التعذيب في سجون النظام

على الرغم من الحظر المطلق للتعذيب بأشكاله كافة –الجسدية والنفسية– إلا أنه ما زال شائعًا في كثير من دول العالم. وتأتي سورية في مقدمة الدول التي تمارس التعذيب بوصفه سياسة ممنهجة، تمارسها أجهزة الأمن السورية بموجب قرارات رسمية، صادرة عن الحكومات المتعاقبة التي استحوذت على السلطة بالانقلابات العسكرية. وقد تفاقمت ممارسات التعذيب في سورية بعد استيلاء حزب البعث على السلطة وفرض حالة الطوارئ عام 1963، اتسع نطاقها وأصبحت أكثر وحشية طوال عهد حافظ الأسد، وذلك في معرض سعيه الحثيث لفرض نظام توتاليتاري (شمولي) قائم على توريث السلطة.

ظاهرة التعذيب في السجون السورية هي سياسة ممهنجة، تمارسها مختلف الأجهزة الأمنية لنظام الأسد على مدار عقود بقرارات رسمية تصدر عن المسؤولين الحكوميين والقادة العسكريين والأمنيين. ولم تتوقف سياسة التعذيب بعد استيلاء حزب البعث على السلطة، وفرض حالة الطوارئ عام 1963، بل اتسع نطاقها، وازدادت حدتها. وقد استُغِلَّت حالة الطوارئ التي فرضت في سورية منذ آذار/ مارس 1963 واستمرت لغاية نيسان/ أبريل 2011 لممارسة التعذيب ومختلف أشكال المعاملة السيئة والمهينة والحاطة بالكرامة ضد المواطنين السوريين، إذ وفرت لأجهزة الأمن المختلفة الغطاء لتنفيذ عمليات الاعتقال التعسفي مددًا غير محدودة، غالبًا ما تستمر سنوات أو عقود عدة، فضلًا عن الاختفاء القسري لعشرات آلاف السوريين والعرب (الفلسطينيين واللبنانيين) في سجون الأسد. وقد أدت هذه السياسة إلى حرمان المعتقلين من الحماية القانونية والقضائية التي تكفلها القوانين العادية، فضلًا عن حماية أفراد قوات الأمني الضالعين في ارتكاب أفعال التعذيب وتمكينهم الإفلات من العقاب.

اتسع نطاق التعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة والمهينة والحاطة بالكرامة في عهد حافظ الأسد ووارثه بشار الأسد، إذ أضحى التعذيب سياسة ممنهجة، تمارس بقرار صادر من رأس السلطة وبموافقته، بهدف القضاء على أي معارضة فاعلة أو محتملة لنظام حكم الأسد الشمولي “التوتاليتاري”، بصرف النظر عن توجهات هذه المعارضة، حتى ولو كانت سلمية. وبات المواطن السوري حتى بالتفكير وحده في معارضة سلطة “بيت الأسد” المطلقة مهددًا بالاعتقال التعسفي والتعرض لصنوف التعذيب كافة على أيدي رجالات الأجهزة الأمنية المختلفة كإدارة الاستخبارات الجوية، شعبة الاستخبارات العسكرية، شعبة الأمن السياسي، إدارة الاستخبارات العامة فضلًا عن الشرطة العسكرية.

في معرض الرد على السؤال بأن “هناك من يقول إن روايات السجن السياسي التي توغل في وصف التعذيب، هي إحدى الأدوات التي تساعد النظام الدكتاتوري القاتل في نشر الرعب الذي يريده، ومن ثم تساهم في طول مرحلة وجوده”؟ أجاب مصطفى خليفة مؤلف رواية “القوقعة” بما يلي:

“تجنبًا لسوء الفهم، لا نستطيع أن نقول إن روايات السجن السياسي هي إحدى “أدوات” النظام، لكن يمكن القول إن النظام قد يستفيد موضوعيًا من هذه الروايات كي يرفع من جدار الخوف في وجدان الناس. وقد عشت هذا الهاجس لمدة عامين تقريبًا بعد نشر “القوقعة”. وهذا الموضوع جد دقيق، فالخيارات صعبة للجميع بمن فيهم الدكتاتور، فواجبك كمناضل أن تنقل للعالم ما يجري من فظاعات، وخوفك أن يستفيد الدكتاتور من هذا، وحيرة الدكتاتور بين أن يسمح لهذا النوع من الكتابة بالانتشار لأنه يفزع الناس، أو يمنعه لأنه يفضح ممارساته وكذبه وادعاءاته”.[4]

يعتقل الشخص في سورية لمحض كونه معارضًا للسلطة، أو في حال ثارت الشكوك لدى الأجهزة الأمنية حول معارضته السلطة، فيتعرض للاعتقال التعسفي والاختفاء القسري، ويجري إخضاعه لأقسى أشكال التعذيب. وواقع الحال في سورية أن أجهزة أمن السلطة تتمادى في تعذيب المعتقلين منذ ما قبل انطلاق الثورة السلمية في آذار/ مارس 2011، إذ كان التعذيب، وما زال، يتميز بالقسوة والوحشية، ما يؤدي في أحيان كثيرة إلى وفاة المعتقلين، أو التسبب لهم بإعاقات خطرة. وتجري ممارسات التعذيب في سجون النظام السوري بسرية وفي ظل تكتم شديد، ولم يحدث أن جرت معاقبة أي من مرتكبي هذه الجرائم الخطرة، إذ إنها تجري بموجب أوامر وتوجيهات مباشرة من رأس النظام.[5]

تؤكد تقارير المنظمات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان أن مختلف أجهزة أمن النظام السوري وفي مقدمتها الاستخبارات الجوية والاستخبارات العسكرية والأمن السياسي والاستخبارات العامة تنتهج ممارسات التعذيب وأشكال المعاملة السيئة والمهينة واللاإنسانية كلها على أوسع نطاق ممكن منذ آذار/ مارس 2011 وتحديدًا في السجون ومراكز الاحتجاز والمستشفيات التابعة للسلطة. ومع  بدء الاحتجاجات السلمية التي انطلقت في أنحاء سورية كلها في آذار /مارس 2011 لجأ النظام إلى استخدام القوة المفرطة في مواجهة المحتجين السلميين، بما في ذلك استهدافهم بالقتل، وعمليات الاعتقال التعسفي لكل من يشتبه بمشاركته في الاحتجاجات السلمية. وعلى الرغم من إعلان النظام إلغاء حالة الطوارئ في نيسان /أبريل 2011، إلا أن ذلك لم يؤدِّ إلى أي تغيير يذكر في ممارسات التعذيب والاعتقال التعسفي والاختفاء القسري للأشخاص المشتبه بمعارضتهم للنظام والمشاركة في الاحتجاجات السلمية من أجل الحرية والكرامة. وتظهر تقارير المنظمات الدولية انتهاج الأجهزة الأمنية السورية التعذيب وأشكال المعاملة السيئة والمهينة واللاإنسانية كافة على نطاق واسع منذ آذار/ مارس 2011  في السجون ومراكز الاحتجاز والمستشفيات التابعة للسلطة.[6]  وقد أدى التعذيب إلى إلحاق معاناة شديدة بعشرات آلاف السوريين، من المدنيين الذكور معظمهم، إضافة إلى محتجزات يتعرضن للإيذاء والعنف الجنسي. وتدل وتيرة التعذيب ومدته وقسوته على وفاة كثيرين، إذ توفي في سجن صيدنايا منذ 2011 ما يزيد على 17 ألف شخص من الرجال والنساء والأطفال.[7]

يجب إبلاغ الشخص الموقوف بالتهمة الموجه إليه، وأن يتم تقديمه على وجه السرعة إلى القضاء، وأن يحاكم خلال مدة معقولة أو أن يفرج عنه في حال ثبتت براءته. ولكل شخص حرم من حريته من جراء التوقيف أو الاعتقال الحق في الرجوع إلى المحكمة لكي تفصل في مشروعية اعتقاله، وأن تأمر بالإفراج عنه في حال كان اعتقاله منافيًا للقانون، وحق الحصول على تعويض ملائم في هذه الحالة. وتنطوي ممارسات النظام السوري بحق المعتقلين وتعريضهم للموت أو الاختفاء القسري في الأحيان معظمها على انتهاك صارخ للمعايير الدولية لحقوق الإنسان التي تقضي بوجوب معاملة المحرومين من حريتهم كلهم معاملة إنسانية، وأن يعاملوا بوصفهم أبرياء حتى ثبوت إدانتهم.[8]

وثقت منظمات حقوق الإنسان السورية والدولية عشرات أساليب التعذيب وغيرها من أشكال المعاملة السيئة والمهينة والحاطة بالكرامة التي تنتهجها أجهزة الأمن السورية، بما في ذلك: الضرب المبرح واللكم والركل مددًا طويلة، الضرب باستخدام الأسلاك والسياط والعصي والمواسير بما في ذلك على باطن القدمين (الفلقة)، تعليق الضحية في السقف من المعصمين بحيث لا تكاد قدماه تلمسان الأرض أو تعليقه في الھواء تمامًا بحيث يقع ثقله كله على المعصمين، ما يؤدي إلى التورم والألم الشديد (الشبح)، تعليق الضحية مع تقييد المعصمين خلف الظھر، تقييد الضحية على لوح مسطح، مع تعليق الرأس في الھواء حتى لا يدافع الضحية عن نفسه (بساط الريح)، إرغام الضحية على الانحناء من الخصر ووضع رأسه وعنقه وساقيه وأحيانًا ذراعيه داخل إطار سيارة بحيث تشل حركته تمامًا ويعجز عن حماية نفسه  (الدولاب أو إطار السيارة)، الصعق بالكھرباء، الإعدام الوھمي، تھديد الشخص المعتقل بالإعدام والاغتصاب وكذلك وباعتقال واغتصاب افراد أسرته، تعريض الشخص المعتقل للبرودة والحرارة، الاعتداء الجنسي، التعليق مع قلب الرأس إلى أسفل، انتزاع الأظافر، استخدام الأحماض لحرق الجلد والجسد.[9]

 

ثالثًا: إعدام المعتقلين في سجون النظام

كل سوري يثار حوله الشك في أنه معارض للنظام يكون بالضرورة عرضة للاعتقال التعسفي والاختفاء القسري، إذ يقضي معتقلون كثيرون موتًا داخل السجن من جراء التعذيب وإساءة المعاملة من الأجهزة الأمنية التابعة للنظام.[10] وتؤكد تقارير المنظمات الدولية كافة ومنظمات حقوق الإنسان أن الوفيات داخل سجون النظام السوري أصبحت ظاهرة شائعة منذ انطلاق الثورة السورية في آذار/ مارس 2011، وتحدث يوميًا، إذ يقضي كل يوم عشرات الأشخاص داخل السجون ومراكز الاحتجاز والتحقيق التي تديرها أجهزة أمن النظام. وتشير التقارير الدولية التي تستند إلى شهادات معتقلين سابقين لدى النظام ممن أطلق سراحهم إلى أن الأسباب الرئيسة لوفاة المعتقلين في سجون الأسد تعود إلى انتهاج الأجهزة الأمنية سياسة تعذيب المسجونين وإساءة معاملتهم واحتجازهم في أوضاع صعبة.[11]

من الصعب نفي صحة التقارير التي تتحدث عن ممارسات التعذيب في سورية لأنها مبنية على شهادات الناجين، إذ يؤكد تقرير منظمة العفو الدولية الصادر في شباط /فبراير 2017 أن “.. سجن صيدنايا العسكري هو المكان الذي تقوم الدولة السورية فيه بذبح شعبها بهدوء. ويشكل المدنيون الذين تجرؤوا على التفكير بمعارضة الحكومة، الأغلبية الساحقة من الضحايا. وجرى منذ العام 2011 إعدام آلاف الأشخاص خارج نطاق القضاء في عمليات شنق جماعية تُنفذ تحت جنح الظلام، وتحاط بغلاف من السرية المطلقة. وقُتل آخرون كثر من المحتجزين في سجن صيدنايا من جراء تكرار تعرضهم للتعذيب والحرمان الممنهج من الطعام والشراب والدواء والرعاية الطبية. ويدفن قتلى صيدنايا في مقابر جماعية. ولا يمكن لأحد أن يزعم أن مثل هذه الممارسات المنهجية وواسعة النطاق تُرتكب من دون تفويض من الحكومة السورية في أعلى مستوياتها”.[12] وقد وثقت المنظمات الدولية ما يزيد على 17 ألف حالة وفاة لمعتقلين داخل سجون النظام السوري خلال المدّة 2011 – 2016، فضلًا عن أكثر من 65 ألف حالة اختفاء قسري لأشخاص، جلهم من المدنيين، ومنهم ناشطون، صحافيون، عاملو إغاثة وأطباء. والواضح أن اعتماد النظام سياسة ممنهجة في قتل المعتقلين وإخفائهم القسري يستهدف نشر الرعب بين السوريين وردعهم عن إبداء أي معارضة لنظام الاسد.[13]

تتعدد أسباب وفاة المعتقلين داخل سجون النظام السوري وفقًا للمعطيات التي بحوزة هيئات المراقبة الدولية ومنظمات حقوق الإنسان، إذ إن أسباب الوفاة الشائعة هي التعذيب وإساءة المعاملة، الجوع وسوء التغذية، والضغوط النفسية التي تؤدي إلى رفض المعتقلين للأكل والشرب، والإهمال الطبي المتعمد وعدم توفير العلاج اللازم للمرضى والنقص الشديد في الأدوية، والمعاناة من جراء الأمراض وتحديدًا الأمراض الجلدية المعدية والتهابات الجهاز الهضمي التي ينتج منها الجفاف والإسهال الشديدين. ثم إن نقص الطعام والهواء النقي وحالة الاكتظاظ داخل الغرف والزنزانات تؤدي إلى انتشار الأمراض بين المعتقلين.[14]

إن إصرار نظام الأسد على منع هيئات المراقبة الدولية المختلفة ومنظمات حقوق الإنسان الوطنية والدولية من مثل اللجنة الدولية للصليب الأحمر ولجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية” المنشأة بموجب قرار مجلس حقوق الإنسان 1/17- S في آب /أغسطس 2011 من الدخول إلى السجون ومراكز الاعتقال والتحقيق التي يديرها ويشرف عليها، يؤكد أنه يخفي كثيرًا من الحقائق بشأن مصير عشرات آلاف المعتقلين. ولذلك، فإنه يخشى من اطلاع هذه الهيئات والمنظمات على سجلات السجون الرسمية الخاصة بأوضاع الاحتجاز ومعاملة المسجونين والوفاة داخل سجونه، لأنها ستفضي إلى كشف حقيقة ارتكاب أجهزة أمن النظام جرائم خطرة بحق المعتقلين، تتمثل بالقتل من جراء التعذيب والاختفاء القسري.

تؤكد آلاف الشهادات لمعتقلين سابقين وأفراد من الأجهزة الأمنية حقيقة انتهاج أجهزة أمن النظام لسياسة قتل المعتقلين في السجون ومراكز الاعتقال والتحقيق. وقد أدلى عشرات المعتقلين السابقين في سجون النظام بشهاداتهم أمام لجنات التحقيق ومنظمات حقوق الإنسان، إذ قال معظمهم إنهم شاهدوا أشخاصًا توفوا أمامهم من جراء تعرضهم للتعذيب والضرب المبرح، وبسبب النقص الحاد في الخدمات الطبية والأدوية والطعام، وسوء التغذية. فوفقًا لشهادات أطباء سوريين ممن عملوا في المستشفيات العسكرية في سورية، غالبًا ما كانت قوات الأمن تأتي بجثامين المسجونين المتوفين إلى المستشفيات العسكرية، وتجبرهم على تدوين سجلات مزورة تؤكد وفاة المعتقلين من جراء أزمات قلبية. وتحتفظ الاجهزة الأمنية داخل مقراتها بسجل من الوثائق الرسمية المزورة للأشخاص المتوفين وأسباب وفاتهم، ومن ثم تدعي أمام الإعلام والمجتمع الدولي بأنها لا تقتل المدنيين والأبرياء.[15]

تنطوي ممارسات النظام السوري وأجهزته الأمنية المتمثلة بقتل المعتقلين في السجون على انتهاك خطر للمعايير الدولية لحقوق الإنسان التي تضمن لكل إنسان الحق في الحياة بصفته حقًا ملازمًا لكل إنسان يحميه القانون، وأنه لا يجوز حرمان أحد من حياته تعسفًا.[16] ثم إن سياسة قتل المعتقلين التي تمارسها أجهزة أمن النظام في السجون ومراكز الاعتقال لها هي انتهاكات جسيمة لقواعد القانون الدولي الإنساني التعاقدي والعرفي التي تمنح الحماية للأشخاص جميعهم المحرومين من حريتهم لأسباب تتصل بالنزاع، وتنص على وجوب معاملتهم على نحو إنساني في الأحوال كلها، بما في ذلك الحماية من القتل والتعذيب والمعاملة القاسية أو المهينة أو الحاطة بالكرامة.

 

رابعًا: حالة المنشق “قيصر”

“كان الغرض من توثيق تلك الجثث التحقق من أنه لم يجرِ الإفراج عن أي من أولئك المعتقلين من الفروع الأمنية ولإبلاغ عائلات المعتقلين بوفاتهم في الوقت الملائم، إذ كان سبب الوفاة المعلن في كل مرة إما “نوبة قلبية” أو “مشكلات تنفسية” وكذلك لتتأكد السلطات المعنية من تنفيذ تلك الإعدامات”.[17]

ينفي بشار الأسد صحة التقارير الدولية بشأن انتهاكات حقوق الإنسان في سورية وبضمنها ممارسات التعذيب وقتل المعتقلين بالجملة وعن سابق إصرار. إلا أن تعنت النظام في منع دخول منظمات ومراقبين دوليين إلى سورية والوصول إلى السجون ومراكز التحقيق من أجل الاطلاع على حقيقة الأوضاع، تشير إلى وجود أدلة قوية حول إخفائه أمورًا كثيرة بشأن القتل تحت التعذيب داخل السجون التابعة للنظام. فالوثائق والشهادات التي في متناول اليد تدحض مزاعم بشار الأسد بشأن نفي حدوث أعمال تعذيب وقتل للمعتقلين في سجونه، إذ تثبت الصور التي التقطها المنشق “قيصر” الذي عمل مصورًا لدى الشرطة العسكرية التابعة للنظام مدة 13 عامًا حجم الجرائم التي ترتكبها الأجهزة الأمنية ضد المعتقلين في سجون الأسد من جراء التعذيب والضرب الوحشي والخنق والتجويع.

غادر المنشق السوري الذي أطلق عليه اسم “قيصر” سورية في آب/ أغسطس 2013، وأبلغ فريقًا من الخبراء والمحامين الدوليين والناشطين السوريين الذين قابلوه أنه صوّر هذه الجثامين، وأرشف آلاف الصور في سياق عمله مصور الطب الشرعي الرسمي للشرطة العسكرية التابعة للنظام. أدلى “قيصر” بشهادته أمام عدد من المحامين والمحققين وأمام الكونغرس الأميركي، وأكد أن الصور التقطت داخل المستشفيات العسكرية السورية. فقد جاء في شهادته أمام الكونغرس: “ما ترونه هنا مرآب مستشفى عسكري. اعتدنا أن نستغل المشرحة، لكنهم كانوا يحضرون مزيدًا من الجثث، لذا قررنا استعمال المرآب دائمًا”. وطبقًا لفريق الخبراء الدوليين الذي أعد التقرير الأول عن هذه المجموعة من الصور، غادر “قيصر” سورية بعد أن انشق عن النظام وبحوزته ما يزيد على 50 ألف صورة مدمجة بأقراص ممغنطة وأقراص تخزين صغيرة.[18] وقد سلم “قيصر” الصور إلى “الحركة الوطنية السورية” التي سلمت بدورها أرشيف الصور إلى “الجمعية السورية للمفقودين ومعتقلي الرأي”. وأرسل الأرشيف الذي يحتوي على أكثر من 53.000 صورة إلى كثير من المنظمات الدولية المعنية بحقوق الإنسان، منها منظمتا أمنستي وهيومن رايتس واتش.[19]

استعانت المنظمات الدولية بخبراء في مجالات الطب الشرعي والقانون لقراءة الصور التي التقطها “قيصر”. وقد استنتج الخبراء أنها تثبت وفاة هؤلاء الأشخاص بينما هم قيد الاعتقال، أو بعد نقلهم إلى مستشفى عسكري. وتطابق ذلك مع شهادة “قيصر” حول حقيقة التقاط الصور داخل المشرحات، أو في فناء مرآب سيارات في أحد المستشفيات العسكرية، وأن مصوري الشرطة العسكرية السورية التقطوا الصور، بالتنسيق مع مسؤولي الطب الشرعي، في المستشفى 601 العسكري ومستشفى تشرين العسكري، الكائن في دمشق. وأكدت الشهادات والتقارير كافة احتجاز العدد الأكبر من الضحايا الذين التقطت لهم الصور في الفرع 215 سيئ  الصيت (يطلق عليه عدد من المعتقلين السابقين “فرع الموت”)، وهو يخضع لإدارة الاستخبارات العسكرية، الفرع 227 أو فرع “المنطقة”،  فرع الاستخبارات الجوية في دمشق، الفرع 235 المعروف باسم فرع فلسطين .ووفق شهادات معتقلين سابقين ورجال أمن منشقين وتحليل أصحاب الاختصاص، تؤكد الأدلة أن وفاة المعتقلين ناجمة عن تعريض الجسم لصدمات قوية، الخنق، التجويع، طلق ناري في الرأس، جروح كبيرة مفتوحة في أجسام المعتقلين، أو جروح من جراء طلق ناري، أو دماء جافة خرجت من تجاويف الجسم. وقد أظهرت كثير من الصور أجسادًا هزيلة، تظهر عليها آثار تعذيب.[20]

تدحض استنتاجات فريق التحقيق إنكار النظام المتواصل ممارساته التعذيب وقتل السجناء المحتجزين في السجون ومراكز التحقيق التي يديرها، وتؤكد موثوقية شهادة “قيصر”، وأهمية المعلومات التي قدمها. وأشار المحققون إلى أن ما أفاد به “قيصر” بشأن توثيق النظام لجثامين الأشخاص المقتولين بوساطة الصور تؤكد مدى حاجة النظام إلى هذه الصور للتأكد من تنفيذ الأجهزة الأمنية للقرارات الصادرة بحق الأشخاص المقتولين في المعتقلات. وعدّ فريق التحقيق هذه الصور بمنزلة مؤشر قوي على حقيقة أن القتل قد جرى بصورة ممنهجة ومنظمة، وبموجب أوامر صادرة عن القيادة العليا. وشدد فريق التحقيق على موثوقية شهادة “قيصر “بشأن تجويع المعتقلين، إذ إن الهزال الواضح على أجساد القتلى يشير إلى استخدام النظام سياسة التجويع كأحد أساليب التعذيب وإساءة المعاملة.[21]

أكد فريق التحقيق وخبراء الطب الشرعي أن الجثامين في الصور معظمها لشبان تتراوح أعمارهم بين العشرين والأربعين عامًا، وبعضهم قد تصل أعمارهم الستين عامًا. وتظهر الصور أن الآثار البادية على أجساد المعتقلين تثبت استخدام أفراد الأجهزة الأمنية أساليب متنوعة من التعذيب، بما في ذلك الضرب بأدوات قاسية كالعصي، الخنق باستخدام الرباط، الصعق الكهربائي. أما حقيقة ظهور عدد كبير من الشباب في هذه الصور من دون إصابات واضحة تدل على أنّ الموت حدث لأسباب غير طبيعية.[22]

 

خامسًا: الاختطاف وإعدام المعتقلين من الجماعات المسلحة في سورية

لا يقتصر ارتكاب الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني خلال الأزمة السورية على النظام السوري فحسب، بل إن الجماعات المسلحة معظمها ضالعة هي الأخرى في ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وهنالك كثير من المعطيات والدلائل التي تثبت ضلوع هذه الجماعات وقادتها في ممارسة أعمال الخطف والاعتقال التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري وأعمال القتل والإعدام خارج نطاق القضاء.[23] وقد شهدنا خلال مدّة الحرب إقدام الجماعات المسلحة على القيام بعلميات اختطاف لمدنيين وقتلهم أمام العامة، فضلًا عن التمثيل بجثامين القتلى على غرار ما حدث مؤخرًا مع المقاتلة الكردية في منطقة عفرين، إذ جُرِّد جثمانها من الملابس، وجرى التمثيل بجثمانها بصورة وحشية بدافع  الانتقام، ما أثار جدلًا إعلاميًا بشأن صدقية شريط الفيديو.[24]

تنتهج الجماعات المسلحة بعلم قادتها، وبموجب أوامر وتعليمات صادرة عنهم، سياسة اختطاف الأشخاص الذين يختلفون معهم في الرأي، أو الذين يعارضون توجهاتهم، ولا يلتزمون بالنظم التي تفرضها هذه الجماعات، ما تسبب بكثير من حالات القتل خارج نطاق القضاء والاختفاء القسري. وتستهدف جرائم المجموعات المسلحة الناشطين وخصوصًا المدافعين عن حقوق الإنسان، من مثل حادثة اختطاف رزان زيتونة، وسميرة الخليل، ووائل حمادة وناظم حمادة الذين اختطفوا في دوما في كانون الأول/ ديسمبر 2013، داخل منطقة خاضعة لسيطرة جيش الإسلام، وما زال مصيرهم مجهولًا حتى الوقت الحالي.[25] وتشمل عمليات الاختطاف والاعتقال التعسفي والاختفاء القسري التي تقوم بها الجماعات المسلحة المناهضة للنظام، الصحافيين والمحامين وناشطي حقوق الإنسان والنساء والأطفال وأفراد من جنود النظام ومليشيات الشبيحة التي تسانده، فضلًا عن أفعال الخطف والقتل المتبادلة بين الجماعات المسلحة المتقاتلة في ما بينها. وبحسب المعطيات المتوافرة لدى الشبكة السورية لحقوق الإنسان، اختُطف ما يزيد على 360 صحافي وناشط إعلامي خلال المدّة 2012 – 2016 في محافظتي حلب وإدلب وحدهما. يشار إلى ان أهل الضحايا وأقاربهم يخشون التبليغ عن حالات الاختطاف والاعتقال التعسفي والاختفاء القسري بسبب الخوف من أعمال الانتقام من الجماعات المسلحة.[26]

تمارس الجماعات المسلحة والمحاكم التابعة لها عمليات إعدام موجزة وخارج نطاق القانون على نطاق واسع، من دون أي مراعاة لأدنى معايير حقوق الإنسان وقواعد القانون الدولي الإنساني. وتشمل عمليات الإعدام أسرى من قوات النظام ومليشيات الشبيحة التي تقاتل إلى جانبه ومقاتلين من الجماعات المتناحرة التي تعارض النظام، بما في ذلك تنفيذ عمليات إعدام بإجراءات موجزة أمام العامة. وتشير تقارير المنظمات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان إلى وفاة المحتجزين في مراكز الاحتجاز التي تديرها الجماعات المسلحة، فضلًا عن المصير المجهول للأشخاص الذين تعرضوا للاختطاف القسري، ممن مر سنوات طويلة على اختطافهم.[27]

ترتكب الجماعات المسلحة (جبهة نورالدين زنكي وحركة أحرار الشام والجبهة الشامية والفرقة 16 وجبهة فتح الشام (النصرة سابقًا) وغيرها انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني، ترتقي إلى مستوى جرائم الحرب، كتعذيب المحتجزين لديها وإساءة معاملتهم، وتنفيذ الإعدامات بحقهم بإجراءات موجزة (منظمة العفو الدولية: لقد كان التعذيب عقابًا لي: عمليات الاختطاف، والتعذيب والقتل بإجراءات موجزة تحت حكم الجماعات المسلحة في حلب وإدلب في سورية). وأكدت اللجنة الدولية المعنية بالتحقيق في الجمهورية العربية السورية ارتكاب جبهة فتح الشام وداعش وغيرها من الجماعات المسلحة جرائم حرب جرائم ضد الإنسانية في سياق احتجازها للأشخاص، تتمثل بالقتل العمد والتعذيب وغيره من ضروب المعاملة السيئة.

وتؤكد التقارير الدولية أيضًا ارتكاب الجماعات المسلحة كالجبهة الإسلامية وفتح الشام وداعش أعمال عنف وحشية بحق المدنيين الذين يجري اختطافهم، كالضرب، واحتجازهم رهائن في أوضاع صعبة وغير إنسانية، إذ يعانون نقص الغذاء والدواء ووسائل التدفئة. وباتت السّاحات العامة مسرحًا لعمليات بتر الأعضاء والْجَلد والقتل العلنية التي تمارسها داعش استنادًا إلى القانون الديني “الشرعي” وبغطائه، بدعوى مخالفة فكر الجماعة، ذلك كله يأتي في سياق الهجوم المنهجي وواسع النطاق على السكان المدنيين، مما يلحق بهم ألمًا ومعاناة بدنية ونفسية شديدين.[28] كذلك الأمر، تمارس المجموعات المسلحة أفعال التعذيب بصورة منهجية ضد الأسرى من مقاتلي الجيش السوري الحر ووحدات الحماية الشعبية الكردية وقوات النظام، فضلًا عن تنفيذها الممارسات ذاتها بحق المدنيين.

تمثل ممارسات الجماعات المسلحة المختلفة المتمثلة بالاعتقال التعسفي والاختفاء القسري والتعذيب وإعدام المعتقلين بحق المدنيين وأفراد من قوات النظام والمليشيات التي تقاتل إلى جانبه خرقًا لقواعد القانون الدولي الإنساني، وهي بمنزلة انتهاكات جسيمة ترقى إلى مستوى جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية. ويشكل إعدام هؤلاء الأفراد بإجراءات موجزة انتهاكًا خطرًا للقانون الإنساني الدولي ولمعايير حقوق الإنسان مثل إصدار أحكام الإعدام وتنفيذها من دون أن تكون صادرة عن محكمة أصولية تتوافر فيها شروط المحاكمة العادلة وضماناتها جميعها.

القانون الإنساني يحدد معايير السلوك الإنساني، ويستهدف الحد من وسائل وأساليب القتال خلال العمليات العسكرية من أجل التقليل من حجم المعاناة الإنسانية في أوقات النزاع المسلح. ومن هذا المنطلق، تنطبق أحكام القانون الدولي الإنساني وقواعده، أو قوانين الحرب سابقًا، على سلوك أطراف النزاع المسلح غير الدولي الدائر في سورية، بما في ذلك الجماعات المسلحة، بقصد توفير ضمانات الحماية لكافة الأشخاص الذين لا يشاركون في العمليات القتالية، خصوصًا المدنيين، فضلًا عن الجرحى والمرضى والأسرى من قوات الخصم والمسجونين. وتُعدّ قواعد القانون الإنساني ملزمًا لأطراف النزاع المسلح جميعهم بما فيهم الجماعات المسلحة التي تقاتل النظام.[29]

 

خلاصة

عندما سئل مصطفى خليفة هل قوقعته هذه سُجنا جميعًا فيها؟ هل هي انتقام من الذل والقهر، أم انتقام من السجان، أم هي حالة تخلص من وجع لا يمكن أن يستمر داخلك؟ أم حالة إعادة واستحضار للوجع نفسه؟ أجاب مصطفى خليفة: “هو كل هذا. لقد كانت تجربة سجن تدمر تجربة مذهلة القسوة، وصادمة القهر، كنا نرى أساليب تعذيب لم تكن تخطر على بال أحد، كنا أنا وصديقي المعتقل نراقب بذهول حركات أحد الجلادين، نراقب ما يرتسم على وجهه من حقد وفي الوقت نفسه من انتشاء أثناء تعذيب السجين، ثم التفت صديقي المعتقل نحوي وقال لي: طوال عمرنا ونحن نناضل في سبيل الشعب السوري، فهل من الممكن أن يكون هذا الجلاد السوري هو أحد الذين كنا نناضل في سبيلهم؟ لقد كانت كمية المعاناة والذل تجعلنا نقترب من حد الإصابة بالفصام، ويبدو أن كل ممارسات النظام السوري في خارج وفي داخل السجن، تعتمد على مبدأ واحد هو مبدأ إذلال الإنسان بكل معنى الكلمة، وتحطيمه من الخارج ومن الداخل، وجعله يرى نفسه مجرد حشرة لا أكثر ولا أقل. إن هذا الكم من الإذلال الذي تجرعناه على مدى 15 سنة كان لا بد من أن ينفجر، ومن حسن حظي أن انفجاري كان عن طريق الرواية، نعم هي محاولة لتفريغ ما في داخلي. وهي محاولة لتعرية هذا الوحش أيضًا”. [30]

يمثل انتهاك المتحاربين من قوات النظام والجماعات المسلحة التي تقاتلها للمعايير الدولية لحقوق الإنسان ولقواعد القانون الدولي الإنساني التي تحظر أفعال تعذيب المحتجزين أو إعدامهم خارج نطاق القانون أو من دون محاكمة سواء أكانوا مدنيين أم مقاتلين ممن ألقوا سلاحهم وأضحوا عاجزين عن مواصلة القتال بسبب الأسرى أو الجرح أو المرض جريمة حرب. وينص القانون الدولي الإنساني على تحميل القادة العسكريين والسياسيين مسؤولية جنائية عن جرائم الحرب التي يرتكبها من هم في إمرتهم، في حال ضلوعهم مباشرة في ارتكاب هذه الجرائم، أو إعداء الأوامر بارتكابها أو السكوت عليها على سبيل الامتناع عن الإتيان بأي عمل كان من شأنه منع حدوث هذه الجرائم أو التقليل من تبعاتها.

بحكم التشوهات العميقة في بنية القضاء الرسمي السوري التابع للنظام، ولكونه تابعًا وغير نزيه، فضلًا عدم أهلية القضاة للنظر في الجرائم الخطرة والبت فيها، فإنه يتعين على الدول جميعها إعمال مبدأ الولاية القضائية العالمية والبدء في البحث على المتهمين بارتكاب هذه الجرائم في سورية أيًا تكن جنسيتهم، وملاحقتهم والقبض عليهم، ومحاكمتهم أمام محاكمها الوطنية.

[1]  اتفاق مناهضة التعذيب وغيره من ضروب المعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية او المهينة لسنة 1984، المادة 1.

[2]  اتفاق مناهضة التعذيب، المادة 2.

[3]  اتفاق جنيف الرابع، المادة 147. اتفاق حقوق الطفل، المادة 37. نظام روما الأساسي الخاص بمحكمة الجنايات الدولية لعام 1998، المادتان 7 و 8.

[4]مصطفى خليفة: “القوقعة” شاهد عيان على سجون نظام الأسد. لقاء أجرته ميسون شقير مع مصطفى خليفة، العربي الجديد، 16 شباط/ فبراير 2018.

[5] بعيدًا عن العين .. بعيدًا عن الخاطر: الوفاة أثناء الاحتجاز في الجمهورية العربية السورية. تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية، كانون الثاني /يناير 2016.

[6] Emma Carbol, Disappearance, Arbitrary Detention, Torture and Execution: The Most Extensive Crimes in Syria. Harmoon Centre for Contemporary Studies, 2018.

[7] إنه يحطم إنسانيتك: التعذيب والمرض والموت في سجون سورية، منظمة العفو الدولية (أمنستي إنترناشيونال)، 2016.

[8]  العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية ، المادتان 9 و 10.

[9]  أقبية التعذيب: الاعتقال التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري في مراكز الاعتقال السورية منذ آذار/ مارس  2011. هيومن رايتس واتش 2012.

[10]  سورية: تحقيق العدالة لضحايا الاختفاء القسري. منظمة العفو الدولية، آب /أغسطس 2017.

[11]  بعيدًا عن العين .. بعيدًا عن الخاطر: الوفاة أثناء الاحتجاز في الجمهورية العربية السورية. تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية، كانون الثاني/ يناير 2016.

[12] سورية: المسلخ البشري: عمليات الشنق الجماعية زالإبادة الممنهجة في سجن صيدنايا بسورية. منظمة العفو الدولية، 2017.

[13]  بين السجن والقبر: حالات الاختفاء القسري في السجون السورية. منظمة العفو الدولية (أمنستي انترناشيونال)، 2015.

[14]  إنه يحطم إنسانيتك، مصدر سبق ذكره.

[15]  تقرير لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن الجمهورية العربية السورية، آب/أغسطس 2014.

[16]  العهد الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، المادة 6.

[17]  مقتبس من شهادة “قيصر” لفريق التحقيق:

تقرير حول موثوقية الأدلة المتعلقة بتعذيب وإعدام المعتقلين في سجون النظام السوري جرى إعداده لمصلحة  كارتر- روك و شركة المحاماة في لندن( شارع سانت أندرو، لندن. http://etilaf.org/tempfiles/Ar_syria-report-execution-tort.pdf

[18]  تقرير حول موثوقية الأدلة المتعلقة بتعذيب وإعدام المعتقلين في سجون النظام السوري. مصدر سبق ذكره.

[19]  لو تكلم الموتي: الوفيات الجماعية والتعذيب في المعتقلات السورية. هيومن رايتس واتش 2015.

[20]  تقرير حول موثوقية الأدلة المتعلقة بتعذيب وإعدام المعتقلين في سجون النظام السوري. المصدر نفسه.

[21]  المصدر نفسه.

[22]  المصدر نفسه.

[23]  لقد كان التعذيب عقابًا لي: حالات الاختطاف والتعذيب والقتل بإجراءات موجزة تحت حكم الجماعات المسلحة في حلب وادلب في سورية. منظمة العفو الدولية، 2016.

[24]  BBC عربي: http://www.bbc.com/arabic/42919563

[25]  في ذكرى اختطافهم..”رزان زيتونة” ورفاقها في تقريرين أحدهما يلمح إلى اعتقالها لدى “جيش الإسلام”، زمان الوصل، 10/12/2016.

https://www.zamanalwsl.net/news/article/75517

[26]  لقد كان التعذيب عقابًا لي، المصدر نفسه.

[27]  لقد كان التعذيب عقابًا لي، المصدر نفسه.

[28]  حكم الرعب: الحياة في ظل الدولة الاسلامية في العراق والشام في سورية. تقرير اللجنة الدولية المعنية بالتحقيق في الجمهورية العربية السورية، تشرين الثاني/ نوفمبر 2014.

[29]  لقد كان التعذيب عقابًا لي، مصدر سابق.

[30]  مصطفى خليفة: “القوقعة” شاهد عيان على سجون نظام الأسد. مصدر سبق ذكره.

نزار أيوب

مدير وحدة الأبحاث القانونية في مركز حرمون للدراسات المعاصرة، من الجولان المحتل – مجدل شمس، حائز على شهادة الدكتوراه في القانون الدولي، وهو باحث ومحام ينشط في مجال الدفاع عن حقوق الانسان في الأرض المحتلة، عمل كمحام وباحث قانوني مع عديد من المنظمات الأهلية الفلسطينية ومنها مؤسسة “الحق” الفلسطينية في رام الله خلال الفترة 2000-2013، له العديد من الدراسات التي تعنى بالوضع القانوني للأراضي العربية المحتلة (فلسطين والجولان) منذ عام 1967، اعتمد في الفترة 2014-2015 مستشارًا وباحثًا لدى مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (أنكتاد) في مجال التجارة الدولية والقوانين الدولية والداخلية التي تحكم عملية التجارة الفلسطينية.

شارك هذا المقال

قم بالتسجيل لتلقي النشرة الدورية