تحليل سياسي

روسيا و”إسرائيل”: بين الشراكة التكتيكية والاستراتيجية

 

المحتويات

أولًا: مقدمة

ثانيًا: مسار تصاعدي

ثالثًا: مراعاة متبادلة

رابعًا: قلق إسرائيلي

خامسًا: اللوبي والاقتصاد

سادسًا: وسطاء

سابعًا: خاتمة

 

 

 

أولًا: مقدمة

لا تختلف العلاقة الروسية – الإسرائيلية بعد التدخل العسكري الروسي المباشر في سورية كثيرًا عن العلاقة بينهما قبل ذلك؛ فقد كان هناك مستوى جيد من التنسيق بين الطرفين، والفرق الوحيد أنه كان يُعتقد قبل هذا التدخل أن الولايات المتحدة وحدها هي التي تقف إلى جانب “إسرائيل” لحمايتها من تداعيات الملف السوري عليها، لكن بعد التدخل الروسي اتّضح أن روسيا تقوم بالدور نفسه أيضًا إن لم يكن بشكل أكبر.

خلال ثماني سنوات من الحرب، ضمنت روسيا مصالحها الأمنية والاستراتيجية في سورية، واستطاعت “إسرائيل” بلورة تفاهمات مع روسيا للحفاظ على مصالحها الأمنية هي أيضًا، وأسهمت روسيا في تمكين “إسرائيل” من ضمان هذا الأمن بيسر، على الرغم من أنها كانت تدّعي أنها لا ترسم استراتيجياتها بناء على المصالح الإسرائيلية، كما حرصت روسيا على الحفاظ على توازن المصالح بينها وبين “إسرائيل”، التي تعتبرها قوة إقليمية لا بدّ من أخذ مصالحها في الحسبان، مثلما أخذ النظام السوري بهذه المصالح، فبقيت “إسرائيل” حيادية طوال سنوات الحرب تستفيد من جميع الأطراف، النظام وروسيا وأميركا، ولا تتأثر بما يجري ولا يتجرأ عليها أحد، ولا تتحرك ضد أحد، إلا عند نقل سلاح إلى (حزب الله) أو قيام إيران بتحرّكات تعتقد أنها ضدّها.

 

ثانيًا: مسار تصاعدي

أدركت الحكومات الإسرائيلية في وقت مُبكّر أهمية العلاقات مع روسيا بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وعملت على تطويرها في مختلف المجالات، السياسية والعسكرية والاقتصادية، ونجحت في ذلك إلى حد بعيد، ولعبت روسيا دورًا في التحكم في الصراع العربي الإسرائيلي، وهو دور كانت “إسرائيل” تُرحب به دائمًا على اعتبار أنه لم يكن ضاغطًا عليها في يوم من الأيام.

بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، تراجع دور روسيا على المستوى الدولي، كما تراجع دورها في الشرق الأوسط أيضًا، على حساب نمو الدور الأميركي، ولم يعد لها دور يّذكر في الملف العربي – الإسرائيلي، وكانت الثورة السورية بالنسبة إلى روسيا فرصة ذهبية لتعود بقوّة إلى الشرق الأوسط، فوقفت إلى جانب النظام السوري ودعمته سياسيًا وعسكريًا، واستخدمت حق النقض (الفيتو) اثني عشرة مرة في مجلس الأمن لإجهاض قرارات تُدين ممارساته، وصولًا إلى التدخّل العسكري المباشر في سورية في أيلول/ سبتمبر 2015.

في سورية، لم تُغفل روسيا مصالح “إسرائيل”، كما لم تُغفل الأخيرة أن روسيا دولة كبرى تُصرّ على أن يكون لها وجود ونفوذ في شرق المتوسط، فبُنيت العلاقة تدريجيًا كشراكة مصلحية بينهما في سورية، وصار التنسيق بينهما حيويًا لضمان مصالحهما في المنطقة عمومًا، خاصة في المجال العسكري والأمني، فلا تُمانع “إسرائيل” النفوذ القوي لروسيا في سورية، ولا تعترض روسيا على استخدام “إسرائيل” الأجواء السورية لضرب شحنات الأسلحة الإيرانية المتَّجهة إلى (حزب الله) اللبناني، وساهمت السياسة الأميركية الغامضة والسلبية المنكفئة نسبيًا في رفع مستويات التنسيق بين البلدين، أو ربما كان الأميركيون موافقين على هذا التنسيق على أن يكون ضمن حدود متفق عليها.

مع اندلاع الثورة السورية، كان هناك قلق إسرائيلي من حدوث قلاقل في بلد ظلّت حدودها معه آمنة طوال أربعة عقود، ولأنها تعرف التأثير الروسي في النظام السوري، قام رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بأولى زياراته إلى روسيا في أيار/ مايو 2013، ثم أتبعها بزيارة ثانية في تشرين الثاني/ نوفمبر من العام نفسه، ثم زادت وتيرة الزيارات، وبعد التدخل الروسي العسكري المباشر في سورية قام نتنياهو بزيارة إلى روسيا في أيلول/ سبتمبر 2015، مع رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، هرتسي هليفي، ورئيس هيئة الأركان، غادي إيزنكوت، وكان هدف اللقاء التنسيق بين البلدين عسكريًا، خاصة لجهة عدم التصادم، ولإيصال وجهة نظر “إسرائيل” بأنها لن تسمح لإيران و(حزب الله) بنقل أسلحة عبر الأراضي السورية، وللتأكيد على أن لها “حق” في الدفاع عن نفسها أو توجيه ضربات استباقية لأي جهة تريد في سورية.

كرّت سبحة زيارات نتنياهو إلى روسيا، فزارها مع الرئيس الإسرائيلي رؤوبين ريفلين أربع مرات في العام 2016، وفي عام 2007، وكانت آخر زيارة له إلى روسيا في شباط/ فبراير 2019، وكان الهدف الأساس من جميع هذه الزيارات هو بحث الملف السوري والتدخل الروسي في سورية وحماية مصالح “إسرائيل” في هذه المنطقة الجغرافية من العالم.

بعد آخر زيارة له إلى موسكو، قال نتنياهو إنه اتفق مع روسيا على تأمين خروج القوات الأجنبية من سورية وهو يُشير بشكل أساس إلى القوات الإيرانية على الأراضي السورية، وهذا الأمر لم تنفِه روسيا، كما لم تصدر أي ردة فعل إيرانية عليه.

بعد التدخل الروسي العسكري المباشر في سورية، بدأت “إسرائيل” بشنّ هجمات جوية على عشرات المواقع التابعة لقوات النظام السوري وقصفت مستودعات ومخازن تابعة لـ (حزب الله)، كما قصفت حمولات عسكرية في مطار دمشق وغيره، ولم يحل الوجود الروسي في سورية من قيام “إسرائيل” بمئات الطلعات الجوية التدميرية فوق الأجواء السورية، وهذا يدلّ على تفاهم ضمني كامل بين الطرفين على أحقية “إسرائيل” بعمل ما تراه مناسبًا لأمنها، وعلى حرص روسيا على عدم المساس بالمصالح الإسرائيلية التي حددها نتنياهو.

في هذا الإطار، يمكن استذكار كلام عاموس يدلين مثلًا، رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية (آمان)، الذي قال فيه إن التدخل الروسي في سورية قلَّص مساحة المناورة العسكرية الإسرائيلية المسموح بها في المجال الجوي السوري؛ حيث لا تمنع روسيا “إسرائيل” من القصف داخل سورية، إلا أن “إسرائيل” تمتنع عن الاقتراب من دائرة الصواريخ المضادة للطائرات التي نصبتها روسيا في سورية، وهذا الكلام دليل ضوء أخضر روسي لـ “إسرائيل” لتفعل في سورية تقريبًا ما تريد لحماية أمنها.

 

ثالثًا: مراعاة متبادلة

راعت “إسرائيل” كثيرًا حضور روسيا كدولة كبرى في الملف السوري، وكدولة مؤثرة في شرق المتوسط، المنطقة الاستراتيجية التي تتقاطع فيها مصالح روسيا والولايات المتحدة والكثير من الدول الإقليمية، وسعت منذ بدء الثورة السورية عام 2011 إلى التنسيق مع روسيا، على الرغم من أن الأخيرة حليفة لإيران، العدو الأول -النظري- لـ “إسرائيل”، وتفهّمت رغبة روسيا في العودة لتكون قوة عظمى عبر شرق المتوسط، وعبر البوابة السورية تحديدًا، فوقعت معها اتفاق عدم تصادم، وفتحت خطًا عسكريًأ ساخنًا نهاية العام 2015، ونسّقت معها خاصة خلال السنتين الأخيرتين حتى في الضربات العسكرية الجوية الإسرائيلية التي كانت تستهدف ميليشيات (حزب الله) ومعسكراته وأسلحته المنقولة من سورية، فلم تستخدم روسيا منظومة صواريخ إس300 التي نصبتها في سورية، وأعلنت غير مرة أنها على علم مسبق بالغارات الإسرائيلية، وكذلك نجحت “إسرائيل” بمنع صفقات صواريخ روسية متطورة مضادة للطائرات كانت ستُرسل إلى النظام السوري وإيران، كما نجحت في أن يبقى تشغيل منظومة صواريخ اس 300 المُرسلة إلى سورية بيد الروس لا بيد النظام السوري.

في المقابل، راعت روسيا “إسرائيل” إلى حد بعيد، وتفهّمت حساسية “إسرائيل” من اقتراب الصراع في سورية إلى حدودها، ولجمت النظام السوري من القيام بأي مغامرة متهورة هناك، كما لم تزوده بأي أسلحة استراتيجية يمكن أن تهدد التفوق العسكري الإسرائيلي. ومن ناحية ثانية، حاولت لعب دور الطرف الوسيط القادر على تقريب وجهات النظر وتهدئة التوتر المُحتمل بينها وبين إيران، وقلّصت أي تفكير إيراني باستعداء “إسرائيل”، كما ضمنت استمرار “إسرائيل” كطرف حيادي تجاه ما يجري في سورية بين النظام والمعارضة، وبقيت تنظر إلى “إسرائيل” كحليف استراتيجي في الشرق الأوسط، خاصة بعد أن تقلّص ظاهريًا دور الولايات المتحدة في المشهد، وترددها وغموضها الدائم في التعامل مع الملف السوري، وإعلانها مطلع العام الجاري رغبتها في الانسحاب العسكري الكامل من سورية.

قبل دخول القوات الروسية إلى سورية بدا أن هناك بعض التوتر بين روسيا و”إسرائيل”، وعدم تنسيق كامل، وضبابية في الرؤية والخطط، خاصة في ما يتعلق بالملف النووي الإيراني الذي تدعمه الأولى وتُحاربه الثانية، وملف السلاح الكيماوي الذي ألمحت في حينه روسيا إلى أن سحبه يستدعي سحب السلاح النووي الإسرائيلي، وهو ما أثار في حينها زعماء “إسرائيل”.

بعد دخول القوات الروسية إلى سورية بدأت ملامح التفاهم والتفهّم بين البلدين، فما يجمعهما في سورية أكثر مما يفرقهما، من مصالح سياسية وأمنية وعسكرية واستراتيجية، والتنافس الدولي والإقليمي على وحول سورية يستدعي توسيع دائرة التحالفات المضادة، وهذا ما سعى إليه كلا البلدين، وتفهّمت “إسرائيل” المصالح الروسية في سورية، وامتنعت عن التنديد بالجرائم الروسية في سورية، كما امتنعت عن الحديث عن الحرب الروسية على جورجيا، أو ضمِّ شبه جزيرة القرم وتدخلها في أوكرانيا، مخالفة الموقف الأميركي الرسمي.

صارت الساحة السورية ميدانًا جديدًا لتعزيز العلاقات والتفاهمات بين روسيا و”إسرائيل”، ويبدو أن الطرفين متفقان أيضًا على أهمية بقاء النظام السوري في الحكم، على الرغم من أن “إسرائيل” تُصرِّح دائمًا بأنها لا تُفضّل طرفًا على آخر؛ فما يوفّره لهما، فعليًا، من فوائد ومصالح واستقرار عسكري وأمني، كافٍ ليدعماه، ويبدو أنهما اتفقا أيضًا أخيرًا على وجوب تحجيم النفوذ الإيراني في سورية، بافتراض أن الوجود الإيراني العسكري والاقتصادي والأمني بات أكثر ضررًا لروسيا من فائدته، إلى جانب كونه خطرًا مركزيًا بالنسبة إلى ”إسرائيل”.

 

رابعًا: قلق إسرائيلي

صحيح أن التنسيق بين روسيا و”إسرائيل” فسح المجال لـ ”إسرائيل” لإظهار نفسها كدولة مهمة ومستقرة في المنطقة، والتفاهمات الثنائية حول العديد من القضايا العسكرية والأمنية باتت ترسم صورة للعلاقة الاستراتيجية المستقبلية بين البلدين في المنطقة، إلا أن “إسرائيل” تنتابها مخاوف من روسيا بسبب قضايا أقل أهمية في الوقت الراهن، لكنّها تبقى مصدر قلق لـ “إسرائيل”، ولا تثق بالنظام الروسي الحالي إلى الدرجة التي تسمح فيها بإغماض عينيها عن هذه الخلافات في وجهات النظر التي قد تتحول يومًا إلى خلافات عميقة.

يُقلق “إسرائيل” ذلك التحالف الذي صنعته روسيا مع كل من إيران وتركيا؛ فروسيا سمحت لإيران بأن تكون قريبة جدًا من الحدود الإسرائيلية، والاتفاق الأميركي الروسي على إبعاد الأخيرة لإيران والجماعات المسلحة التي تديرها في سورية عن الحدود الفاصلة بين سورية و”إسرائيل” مسافة 85 كم في آب/ أغسطس 2018 لم يُطبقه السوريون والإيرانيون بشكل مقبول بالنسبة إلى ”إسرائيل”، وما زالت إيران قريبة من الحدود السورية الإسرائيلية عبر حزب الله اللبناني المتغلغل في الجولان السوري المحتل.

هذه الوعود والإجراءات الروسية، على ما يبدو، غير كافية لـ ”إسرائيل” التي لها موقف مختلف؛ فقد صرّح أكثر من مسؤول إسرائيلي، منهم وزير التعاون الدولي الإسرائيلي، تساهي هنغبي، بأن هذا التموضع غير كاف، ولن تقبل “إسرائيل” بأي وجود لإيران في سورية إطلاقًا.

تُقلق “إسرائيل” الصواريخ الإيرانية طويلة المدى، والطائرات المسيرة عن بعد التي نُشرت في سورية عبر (حزب الله)، وكذلك مصانع تطوير الصواريخ، والأسلحة التي تُنقل من إيران إلى لبنان عبر سورية، وتعتبرها جميعها تُشكّل تهديدًا لأمنها.

كما لا تُقنع “إسرائيل” حجّة روسيا بأنها غير قادرة على إرغام إيران على مغادرة سورية بشكل تام، كما قال السفير الروسي لدى “إسرائيل”، أناتولي فيكتوروف، والذي ألمح إلى استمرار موسكو في انتهاج سياسة غض الطرف عن الهجمات الإسرائيلية التي تستهدف شحنات أسلحة (حزب الله) اللبناني وإيران ومواقعهما في سورية، كتعويض لقصر ذات اليد.

كذلك يُقلق “إسرائيل” تزويد سورية بسلاح روسي مُتقدّم، وبقدرات ومعلومات استخباراتية، ودخول سلاح روسي إلى الساحة السورية، سواء بيد الجيش أو “الفيالق” التي شكّلتها روسيا وتأتمر بأوامرها، حيث ترى “إسرائيل” أن هذا السلاح سيبقى جزء منه في سورية بعد انتهاء الحرب، وقد يكون جزء منه موجهًا ضد “إسرائيل” في يوم من الأيام.

لكنّ “إسرائيل” مع هذا، تسعى بكل الوسائل لإبقاء علاقتها بروسيا جيّدة، ربما لأنها تُدرك أنها لا تستطيع تحقيق كل مصالحها مع روسيا في سورية، لكنّها على الأقل تُحقق بفضل روسيا الحد الكافي من هذه المصالح على الصعيد الأمني والعسكري.

كذلك، هناك شريحة من المسؤولين الإسرائيليين الذين يرون أن العلاقة بين روسيا و”إسرائيل” في سورية هي علاقة تكتيكية موقّتة، والتفاهمات تقنية ليس لها انعكاسات استراتيجية بعيدة المدى، ويدعون إلى عدم التفاؤل والمبالغة في تقدير وتقييم التفاهمات بين البلدين، لكن قد ينفي هذا الأمر إسقاط طائرة حربية روسية في أيلول/ سبتمبر 2018 بسبب “إسرائيل”، من دون أن يكون لروسيا ردة فعل سلبية عنيفة ومستمرة ومتصاعدة، كردة الفعل تجاه تركيا بعد أن أسقطت طائرة حربية روسية في حادثة مشابهة في تشرين الثاني/ نوفمبر 2015. وعلى الرغم من الحملة الإعلامية التي اجتاحت روسيا في ذلك الوقت، والتي اتخذت طابعًا شعبيًا، ورسميًا أيضًا، إلا أن القيادة الروسية قررت إذابة الجليد بسرعة، وأن تُسامح “إسرائيل” على فعلتها، في تنازل روسي واضح.

 

خامسًا: اللوبي والاقتصاد

يقطن في “إسرائيل” ما يزيد على مليون شخص ينحدرون من جمهوريات الاتحاد السوفياتي سابقًا، وتصل نسبة المهاجرين القادمين من الاتحاد السوفياتي وروسيا إلى نحو 15 في المئة من إجمالي عدد سكان “إسرائيل”، الأمر الذي يعتبر عاملًا مؤثرًا بلا شك في العلاقات بين البلدين.

ليس العدد وحده ما يحدّد أهمية المهاجرين الروس إلى “إسرائيل”، إنّما نوعيّتهم أيضًا، فجلّهم من حاملي الشهادات العليا والمستويات الثقافية المرموقة، فضلًا عن وجود الكثير بينهم من رجال الأعمال والمستثمرين والعلماء.

لكن الأهم من هذا هو اللوبي اليهودي في روسيا، والذي يعمل بشكلٍ ضاغط في روسيا لمصلحة “إسرائيل”، ويتدخل في السياسة بشكل قوي، ويفرض رؤاه ومطالبه ومصالحه على الطبقة الحاكمة الروسية.

يستغل هذا اللوبي تراجع دور الولايات المتحدة في المنطقة، فيعمل على تعزيز العلاقات الإسرائيلية الروسية، بما يفيد “إسرائيل” ويعزز مكانتها وأمنها في الشرق الأوسط، وقد تغلغل في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية والإعلامية الروسية بشكل قوي، وربما بقوة تفوق قوة اللوبي اليهودي في الولايات المتحدة، ويبلغ عددهم في روسيا نحو مليون نسمة، ويمثلون أقل من واحد في المئة من سكان روسيا، لكنّهم -وفق مراقبين- يُمثّلون نسبة تراوح بين ثلث ونصف شاغلي المناصب السياسية والاقتصادية والإعلامية والثقافية والعلمية المهمة في روسيا.

لهذا اللوبي تأثيراته القوية في السياسة الخارجية الروسية، وسياستها في الشرق الأوسط، وتجاه “إسرائيل” على وجه الخصوص، وتجاه الصراع العربي – الاسرائيلي، وقد سعى للسيطرة على أهم ركائز الاقتصاد الروسي من خلال عملية الخصخصة وبناء امبراطوريات اقتصادية وإعلامية ضخمة خلال مرحلة انهيار الاتحاد السوفياتي وما بعده، وهو ما ساعده في تحقيق سيطرة لها حسابها في السياسية الروسية، وصار كثير من شخوصه من المقربين من النظام الحاكم في روسيا، والرئيس فلاديمير بوتين على وجه الخصوص، والذي سانده أباطرة الإعلام اليهود في حملته الانتخابية خلال دورته الرئاسية الأولى.

كذلك، لا بدّ من الانتباه إلى أن العلاقات الاقتصادية الجيدة بين روسيا و”إسرائيل”، تلعب أيضًا دورًا تكميليًا بينهما في الجانب الأمني؛ فهناك تعاون بين وكالتي الفضاء الروسية والإسرائيلية منذ عام 1994، لتنظيم التعاون في مجال الفضاء وإطلاق الصواريخ الفضائية والأقمار الاصطناعية، وهناك تعاون واسع بين الشركات الروسية والإسرائيلية في مجال المواصلات، وتكنولوجيا المعلومات وتكنولوجيا الزراعة وقطاع الأعمال الخاصة بالماس والمعادن، ومجال الطاقة والنفط، والصناعة الكيماوية والغذائية والطبية، وأيضًا في مجال إنتاج أجهزة الاتصال الحديثة، وتصدير التكنولوجيا الدقيقة لروسيا، وتبادل الخبرات في هذا المجال، وتطبيق التكنولوجيا الإسرائيلية الخاصة بالاتصال عن طريق الأقمار الصناعية في روسيا، وهناك تعاون كبير بينهما في مجال صنع التقنيات والأنظمة التي تقدم خدمات طبية عن بعد، كما ألغت حكومات البلدين عام 2008 تأشيرة الدخول بينهما، وزاد عدد السياح الروس إلى ”إسرائيل” ليصل إلى نحو 600 ألف سائح سنويًا، بنسبة 20 في المئة من حجم السياحة الوافدة إلى “إسرائيل”، ووفق الأرقام، فإن التبادل التجاري بين البلدين يقترب من 3 مليار دولار سنويًا.

ومع أن الدولتين قامتا بتوسيع علاقاتهما الاقتصادية كثيرًا، إلا أن الركيزة الاقتصادية لعلاقتهما لا تتمتع بأهمية كبيرة على المستوى الاستراتيجي، لكن بفضلها تحولت روسيا إلى شريك تجاري مقرب من “إسرائيل”، وصار هناك تعاون كبير في مجالات التقنيات والعلوم بينهما.

كل هذه العوامل البشرية والاقتصادية تلعب دورًا دائمًا في جعل روسيا تأخذ في الحسبان المصالح الإسرائيلية أينما كانت، وبعد الصراع الذي دار في سورية وحولها، صار حريًا بروسيا أن تأخذ مصالح “إسرائيل” بشكل لصيق، ذلك أن الخطر بات قريبًا من أبوابها.

 

سادسًا: وسطاء

بحسب ما أكدته وسائل إعلام إسرائيلية، يلعب رئيس الوزراء الإسرائيلي دور الوسيط بين روسيا والولايات المتحدة في ما يتعلق بالمسألة السورية، علمًا أن الموقف الأميركي يتوافق مع الموقف الإسرائيلي إلى حد كبير حول هذه المسألة.

تعمل “إسرائيل” بأقصى قدراتها لتحجيم النفوذ الإيراني في سورية، وهي قضية أساس بالنسبة إلى الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي ألغى الاتفاق النووي مع إيران، لكنّ خوف “إسرائيل” من الانسحاب الأميركي دفعها لتوطيد العلاقة مع روسيا، وربما، من أجل ألّا تُغرّد خارج السرب الأميركي، أعلن دونالد ترامب مؤخرًا نيّته الاعتراف بسيادة “إسرائيل” على هضبة الجولان السورية المحتلة، كنوع من الرشوى التي تحتاج إليها “إسرائيل” كثيرًا، وليس مستبعدًا أن تُمارس “إسرائيل” بعض الابتزاز مع الطرفين، روسيا والولايات المتحدة، لتحقيق أعلى مستوى من المصالح لها.

التعاون العسكري بين نظام بشار الأسد وروسيا يزعج “إسرائيل”، لذا تحاول دائمًا إيجاد نوع من التوازن بين علاقتها بالولايات المتحدة وعلاقتها بروسيا، وهو ما عبّر عنه وزير النقل الإسرائيلي يسرائيل كاتس، الذي طالب البيت الأبيض بعدم ترك الأزمة السورية لتتلاعب بها روسيا كما تشاء، وحذّر من خطورة التفاهمات العسكرية بين سورية وإيران الرامية إلى إقامة قاعدة عسكرية إيرانية على غرار روسيا.

تحتاج روسيا إلى “إسرائيل” كوسيط مع الولايات المتحدة، بينما تحتاج “إسرائيل” إلى روسيا كوسيط مع إيران لتحجيم نفوذها في سورية دون التورط بحرب شاملة ومكلفة معها.

 

سابعًا: خاتمة

استطاعت “إسرائيل”، على الرغم من الحلف القائم بين روسيا وأعداء “إسرائيل”، أن تبني حول سورية تفاهمات مع روسيا وتضمن مصالحها الأمنية والعسكرية، وتتمثل في منع نقل سلاح من سورية إلى لبنان، ومنع اقتراب الحرب من حدودها، ومنح “إسرائيل” حق التصرف والقصف لأي تهديد لها قادم من داخل سورية. ومقابل ذلك استطاعت روسيا الحصول على ضمانات من “إسرائيل” بعدم التدخل في أي عملية عسكرية ضد قوات النظام، وألّا يكون لها طموح في التدخل في العملية السياسية في المرحلة الانتقالية.

تطمح “إسرائيل” إلى طرد إيران من سورية، وربما تؤيدها روسيا بذلك على المدى البعيد، لكنها مرحليًا لا ترغب في ذلك لأن لها مصلحة في بقاء القوات الموالية لإيران في الساحة السورية، باعتبار أنه لا قوات لروسيا الآن على الأرض، وعليه، يبدو أن “إسرائيل” تأقلمت مع فكرة تحجيم نفوذ إيران ومنعها من القيام بأي أعمال معادية لـ ”إسرائيل” بدلًا من طردها نهائيًا، وباتت المصالح الإسرائيلية والروسية متوافقة حتى في هذه النقطة.

من الواضح أن “إسرائيل” لن تتهاون في كل ما يمكن أن يمسّ أمنها من الجهة السورية، كما أنها تحتاج إلى حليف معها أفضل من حليف ضدها، في منطقة جغرافية حساسة تتداخل فيها المصالح والتناقضات، ويكثر اللاعبون ويتنافرون في سياسات متقلبة متغيرة بشكل سريع، وهذا الحليف في المرحلة الحالية هو روسيا، لكنّه ليس حليفًا دائمًا؛ إذ طالما ظلّ متماشيًا مع الرغبات والحاجات الإسرائيلية، فإن “إسرائيل” لن تقفز إلى الجانب الأميركي، ولن تُطالبه بالضغط على روسيا في أكثر من ملف، وستواصل تعاونها البراغماتي مع روسيا إلى أن تتغير مواقف الأخيرة.

لكل الأسباب السابقة، يبدو أن التقارب الروسي – الإسرائيلي تكتيكي أكثر منه استراتيجي، قائم على أهداف مشتركة واضحة موقّتة، ورؤية براغماتية متبادلة، وتعاون انتقائي مصلحي، لكنّه ليس تقاربًا راسخًا يستند إلى رؤية ثابتة بعيدة المدى.

شارك هذا المقال

قم بالتسجيل لتلقي النشرة الدورية