دراسات لباحثين متعاونين

قراءة في ندوة التجارب الدستورية

عقد مركز حرمون للدراسات المعاصرة ندوةً حول تجارب سورية الدستورية، في 21 و22 كانون الأول/ ديسمبر المنصرم، وقد شارك في الندوة باحثون سوريون متعددو المشارب والتوجهات، وقدموا أوراقًا شملت محاور الندوة المختلفة التي تضمنت تحليل التجربة الدستورية السورية، وماهية النظام الذي تحتاجه سورية المستقبل، وجدل العلاقة بين الدين والدولة في الدستور، ومرجعية الدستور، ومفهوم فصل السلطات، ومفاهيم المواطنة والحرية، وواقع اللجنة الدستورية وسيناريوهات مستقبلها المتوقعة.

ما يلفت النظر في النقاشات التي دارت -على الرغم من أهمّية ما قُدّم- أن البعد الماضوي كان ذا وزن نوعي كبير في النقاشات؛ فما يزال الحديث عن التجارب الدستورية التي حفل بها التاريخ السوري، منذ تجربة دستور عام 1920، آخذًا حيزًا لا يمكن ألا يُلحظ، في تأكيد على الشغف بالمقارنة بين الماضي الذي يبدو مشرقًا، بالمقارنة مع الحاضر الذي لا يكف عن نشر ظلامه الدامس.

ولا شك في أن الاستفادة من دروس الماضي مهمة ذات شأن، وهي ليست ترفًا بل ضرورة، ولكن ما يؤخذ على محاولات الاستفادة هذه هو المقارنة الاستاتيكية التي لا تأخذ في الحسبان السياق الذي صيغت دساتير الماضي في ظله، ولا الاختلاف النوعي للسياق الحالي الذي يجب صياغة دستور في ظل متغيراته. فقد كانت دساتير سورية قبل حكم البعث انعكاسًا لتوازن بين بنى طبقية، لكل منها تمثله الأيديولوجي ضمن سياق تشكيلة قبل رأسمالية، كما كانت في جزء منها نتيجة تفاعل مع قوى خارجية، لا يمكن إغفال أثرها في واقع البلاد السياسي والاقتصادي والاجتماعي.

ولعل مقارنة نصوص بنصوص تعفي من يقارن من عبء الحفر العميق في المتغيرات، وتزيح عنه همّ التأمل العميق في حجم المغايرة بين الحاضر والماضي، ولكنها تمثل خرقًا متسعًا على الرقع في محاولة الفهم والتحليل؛ فالواقع الراهن لا يشبه -بأي حال- واقع سورية في عقود ما قبل الاستقلال وما بعده، وصولًا إلى حكم الاستبداد الأسدي المطلق، بل ثمة أكثر من ذلك، إذ يمكن القول بلا تحفظ إنه بات مغايرًا كليًا -بالنظر إلى حجم الدمار والتشظي على كل الأصعدة- للحال قبل 2011.

ليست الدساتير نصوصًا مجردة، ولا هي نصوص تتحول إلى نواظم للحياة بمجرد وضع آليات لضمان عدم الانحراف عنها، كما أكد كثيرون، ولكنها نصوص تعكس واقعًا ينبغي مقاربته، وهي مهمة بالغة الصعوبة في الواقع السوري اليوم الذي تغيب فيه الحدود بين الزيف والحقيقة، وتصمّ فيه أصوات الرصاص الآذان الواعية، ويمنع دخان الحرب من تكوين رؤية شاملة. وبناء على ذلك؛ فإن تضافر الجهود لا مندوحة عنه لتشكيل رؤية تتوخى التكامل والشمول.

يمكن القول إن الندوة قد حققت خطوة في طريق طويل لتكامل الرؤى الجزئية، ولكن الطريق لا يزال متشعبًا متعرجًا، ويحتاج إلى بذل جهود أكبر وأكثر تبصرًا.

في تأمل من جهة أخرى لمجريات الندوة، لوحظ -كما جرت العادة- سوء نية لا يقوى البعض على إبقائه مستبطنًا عاملًا في السر، ففي النقاش حول مشاركة تضمنت شرحًا للمبادئ فوق الدستورية وضرورتها، أصرّ البعض على محاكمة المشاركة بمحاكمة غير منصفة للمشارك، والتشكيك في هاجس أقلوي يكمن خلف ما قدمه. وهو ما ينبئ بخطر بالغ يُخشى أن يتحول إلى صراع مديد بين السوريين، ما دام انعدام الثقة واستبطان العداء تجاه الآخر من أبناء الوطن، على هذه الدرجة من الوضوح.

ولا نستطيع أن نغفل ملاحظة مهمة تتمثل في مشاركات اقتصرت على طروحات مدرسية بحتة لمفاهيم دستورية وقانونية، لا تضيف إلى الموضوع جديدًا، إذا اتفقنا أن المطلوب من حوار كهذا هو مقاربة عملية تقدّم للسوريين ما ينفعهم في ظل المأساة التي يكتوون بنارها، وفي ظل تحول قضيتهم إلى قضية لا يمثلون فيها لاعبًا أساسيًا.

وفي ما يتعلق بالمشاركات التي تطرقت إلى اللجنة الدستورية، كان واضحًا وجود فريقين: أحدهما يستخف بها غير قانع بجدواها، والآخر يراهن على أهميتها انطلاقًا من أنها الممكن الواقعي. وهو استقطاب يكاد فيه الخلاف الفكري يتحول إلى خلاف شخصي، واتهامات من الطرف الأول للثاني بالمتاجرة بالمأساة لمصلحة أطراف خارجية، ومن الطرف الثاني للأول بانعدام الرؤية الواقعية وفقدان البصيرة السياسية. وهو تغاير يمكن تفهمّه، ولكنه يتحول إلى ظاهرة غير صحية، إذا لم يتفق الطرفان على جعل الخلاف وسيلة للوصول إلى مشتركات مستولدة من جوف الحوار المسكون بالهمّ السوري.

ما مثّل إضاءة مهمة في الندوة هو الإشارة إلى تمتع السوريين في الماضي بحياة برلمانية دستورية تعددية، فيها فسحة مهمة من الحرية، أجهضها العسكر بالدرجة الأولى، وهي مهمة، لأنها تؤكد قدرة السوريين على بناء دولتهم بالاستناد إلى دستور عصري وضرورة سد الطريق أمام المتسلقين من أعداء الديمقراطية، وعدم منحهم فرصة للتسلل عبر ثغرات وجدت في الماضي لتكرار مغامراتهم المدمرة.

إن النقاش حول الدستور الذي تحتاجه سورية أكثر من ضروري، ولكنه يحتاج إلى تصور أمسّ رحمًا بالواقع الحالي، وإلى استفراغ للجهود في درك هذا الواقع، وقبل هذا وذاك، يحتاج إلى النية المخلصة والتجرد من الأهواء؛ لأن المأساة السورية لا تحتمل ترف المناكفات والصراعات الجانبية.

مناف الحمد

مدير صالون الكواكبي في مركز حرمون للدراسات المعاصرة، باحث في الثقافة الإسلامية والفكر الليبرالي، إجازة في الهندسة الكهربائية من جامعة حلب، إجازة في الاقتصاد من جامعة دمشق، ماجستير في إدارة الأعمال من جامعة حلب، سنة ثالثة في قسم اللغة العربية في القسم الجامعي في معهد الفتح الإسلامي التابع للأزهر، له عدد من الكتب المنشورة، منها: الدولة المدنية في الفكر الإسلامي المعاصر، ثلاثي المعارضة السورية من الولادة العسيرة إلى الشيخوخة الباكرة، المجالس المحلية في دير الزور، إضافة إلى أبحاث ومقالات عديدة في عدة مواقع وصحف

شارك هذا المقال

قم بالتسجيل لتلقي النشرة الدورية