تحليل سياسي

قمة هلسنكي بين ارتفاع التوقعات وتواضع النتائج

 

 

المحتويات

أولًا: مقدمة

ثانيًا: في مجريات القمة

ثالثًا: قمة هلسنكي وممكنات التموضع الإيراني في المنطقة

رابعًا: القضية السورية على طاولة القمة

خامسًا: خاتمة

 

 

 

أولًا: مقدمة

حظيت قمة هلسنكي بين الرئيسين الأميركي دونالد ترامب ونظيره الروسي فلاديمير بوتين، التي عُقدت في 16 تموز/ يوليو 2018 في العاصمة الفنلندية باهتمام دولي كبير، فاق النتائج التي تمخضت عنها، وتناولتها مراكز البحوث والدراسات المهتمة بالعلاقات الدولية بالدرس والتحليل، ليس فقط بسبب رمزية هلسنكي الموروثة من الحرب الباردة بين المعسكرين آنذاك بحكم حياديتها، وكونها شكّلت من خلال لقاءات القمة التي احتضنتها بين قادة المعسكرين محطة تبريد الحرارة بينهما، بل بحكم الاستعصاء في العلاقات بين الدولتين، نظرًا إلى الملفات الكثيرة العالقة بينهما في سياق الصراع على النفوذ الدائر في أكثر من ساحة دولية ملتهبة أبرزها في الشرق الأوسط.

ليس خافيًا توجه روسيا البوتينية وسياساتها الاقتحامية التي تريد إعادة الاعتبار إلى دورها العالمي المفقود، وترسيخ معادلات تموضع استراتيجي جديد من المشكوك في قدرتها على الإيفاء بمتطلباته، هذا التوجه دفع إليه بالدرجة الأولى الوهم بوجود تراجع في الدور الأميركي على مستوى العالم، الذي أوحت به سياسات الإدارة الأميركية في عهد أوباما، والضعف الذي ينهك الاتحاد الأوروبي والاندفاع الصيني الذي لا يُبدي تنافسًا مع الجارة الروسية.

قمة هلسنكي هي الأولى بين الدولتين منذ أن احتلت روسيا القرم وتدخلت في شرق أوكرانيا عام 2014، وقد ذهب البعض في المبالغة إلى حد اعتبار القمة “يالطا” جديدة، من دون الأخذ في الحسبان اختلاف الظروف وطبيعة العلاقات الدولية الراهنة وموازين القوى الفعلية التي تحكم عالم اليوم، إلا أنه وقياسًا إلى ما أُعلن من نتائج حتى الآن، فإن القمة لا تعدو عن كونها محاولة أو رغبة في فتح ثقب في الجدار القائم في العلاقة بين الدولتين، فالقضايا الثلاث الرئيسة التي ناقشها الرئيسان، وهي (الملف النووي لكوريا الشمالية وقضية انتشار السلاح النووي، ومشكلة القرم وأوكرانيا، وكبح التمدّد الإيراني في المنطقة ومن ضمنه القضية السورية)، قد تحظى بتفاهمات أولية حول بعضها، لكنها تحتاج إلى قمم أخرى وإلى تحضيرات لم تكن كافية في هذه القمة، أو أن شروطها لم تنضج بعد. يُدلّل على ذلك اتفاق الرئيسين على تشكيل لجان متابعة للبحث في التفاصيل والآليات في حال سمحت المشكلات الداخلية لكل منهما بحلحلة المسائل العالقة، وفتح أفق جديد بينهما ينقل علاقتهما من علاقة تنافس استراتيجي إلى علاقة تعاون، لكن الشيء الواضح والثابت في مخرجات هذه القمة أن أحد أهم الرابحين منها هو “إسرائيل”، ولم يجد الرئيسان حرجًا في تأكيدهما الحار على اتفاقهما على ضمان أمن إسرائيل ومراعاة مصالحها في سورية، حتى بدا هذا الاتفاق أشبه بمصادقة على اتفاق بوتين – نتنياهو الذي سبق القمة بثلاثة أيام خلال زيارة بنيامين نتنياهو لموسكو لهذا الغرض.

 

ثانيًا: في مجريات القمة

أن تُعقد أول قمة بين رئيسي الدولتين الأبرز على الساحة الدولية بعد عام ونيف على وصول ترامب إلى البيت الأبيض، يعني أن العلاقات بين الدولتين على درجة من التعقيد والتنافر في الملفات كافة، يصعب معها توقع اختراقات كبيرة في هذه العلاقات، فالرئيس الأميركي مُكبّل بالاتهامات الموجهة إلى روسيا بالتدخل في الانتخابات الأميركية الأخيرة التي جاءت بترامب إلى الرئاسة، وتحمل تشكيكًا بشرعية انتخابه، ويرغب في طي صفحتها، في حين أن معارضيه ومراكز القوى في الداخل الأميركي تبحث بشكل حثيث عن أي أدلة تُثبت تورط روسيا في الانتخابات، وآخرها القائمة التي نشرها مكتب التحقيقات الفدرالي قبيل القمة، وتضم 12 اسمًا من الروس التابعين للمخابرات الروسية، وتوقيف موظفة من أصول روسية متهمة بمحاولة اختراق مكاتب الأحزاب الأميركية، كما أن الرئيس الأميركي لديه شركاء في الاتحاد الأوربي وحلف الأطلسي لا يستطيع تجاهل وجهات نظرهم ومواقفهم من توجهات السياسة الروسية بعد أوكرانيا، لكن الأبعد من ذلك هو أن الولايات المتحدة تريد من روسيا أن تُساعد في الضغط على كوريا الشمالية لنزع سلاحها النووي، وتُساعد في إخراج إيران من سورية وتحجيمها في بقية دول المنطقة ودفعها للتخلي عن طموحاتها النووية بعد أن ألغى ترامب الاتفاق النووي الذي وقعته إدارة أوباما مع إيران عام 2015، كذلك أن تُساعد في إنجاز حل سياسي في سورية لا يتعارض والمصالح الأميركية، ويحفظ بعض المصالح الغربية، وربما على المستوى الاستراتيجي إسهام روسيا في الجهد بعيد المدى لتطويق التمدّد الصيني الذي يتخذ من الاقتصاد عنوانًا له، ويُهدّد المصالح الأميركية، ويخل بالتوازنات الدولية على المدى البعيد كما تراها الولايات المتحدة. فأين تقف روسيا من هذه الرغبات أو في الأحرى المطالب الأميركية؟.

لن نتوقف عند الحركات الاستعراضية التي يُمارسها بوتين عادة مع الزعماء الآخرين الذين يلتقيهم بتعمده التأخر عن موعد اللقاء؛ مع ذلك دام اللقاء بين الرجلين أكثر من ساعة ونصف بشكل انفرادي، لم يكشف عما دار فيها، وساعتين أخريين مع وفدي الطرفين، لكن ما كشف عنه المؤتمر الصحفي الذي عقده الرئيسان في عقب القمة بيّن أن مساحة التفاهمات الأولية كانت ضيقة، ومن غير المعقول أن يكون هناك ما هو مهم ولم يُكشف عنه، فليس هناك من سر ذي طابع سياسي، يمكن أن يدوم طويلًا في العلاقات بين الدول.

في هذا المؤتمر قال الرئيس الروسي إن العلاقات مع أميركا “تمرّ بمرحلة عصيبة لكن من دون سبب موضوعي”، وأضاف “إن الأوضاع العالمية تغيرت بصورة جذرية تمامًا، ومحادثات اليوم تعكس رغبتنا في تحسين الأوضاع في العلاقات الثنائية”، أما في الشأن السوري فقد قال: “يجب إعادة الوضع في الجولان وفقًا لاتفاق وقف إطلاق النار بين سورية وإسرائيل عام 1974″، وشدّد على أن إحلال السلام في سورية “يمكن أن يكون مثالًا للتعاون بين البلدين”، ونفى من جديد تدخل بلاده في الانتخابات الأميركية، كما عبّر عن استعداده لقبول قيام محققين أميركيين بمقابلة متهمين روس، والتحقيق معهم على الأراضي الروسية في حال قبلت أميركا المعاملة بالمثل.

من جهته، قال ترامب إن قمة هلسنكي “ناقشت مسألة الانتشار النووي في العالم”، وأكّد على ضرورة “الضغط على إيران من أجل وقف عنفها في الشرق الأوسط”، وأشار إلى أن واشنطن وموسكو “تعملان من أجل ضمان أمن إسرائيل”، لكن ما أثار عليه عاصفة من الغضب في الأوساط الأميركية ومواقع القرار قوله: “علاقات أميركا وروسيا تحسنت منذ أربع ساعات”، وأنه “تحدث مع بوتين عن العلاقات بين البلدين وعن قضايا أخرى مهمة لكلينا، وكان حوارنا بناءًا وعميقًا”، بل ذهب إلى أبعد من ذلك بالقول “كان على أميركا أن تُجري هذا الحوار مع روسيا منذ زمن بعيد، وكان من الغباء تأجيله”، كما نفى أي تواطؤ مع موسكو فيما يخص الانتخابات، وأثنى على مقترح بوتين بشان التحقيقات ووصفه بأنه “أمر رائع”، مقرًا بأن الدبلوماسية “هي الخيار الأفضل للعالم ككل وليس فقط بين روسيا وأميركا”.

ما إن انتهى المؤتمر الصحفي حتى انهالت التعليقات وردات الفعل الغاضبة على أداء ترامب خلال المؤتمر الصحفي، واتهم بالخروج على الأعراف الدبلوماسية عندما اتهم مكتب التحقيقات الفدرالي والمخابرات الأميركية باختلاق الاتهامات لروسيا بالتدخل في الانتخابات الأميركية، كما هاجم الإدارات الأميركية والحزب الديمقراطي. لقد كانت بعض الردود قاسية لدرجة تخوينه؛ فقد قال جون برينان المدير السابق لوكالة المخابرات الأميركية بين عامي 2013 و2017 إن أداء ترامب في هلسنكي “ليس أقل من خيانة” وغرد أيضًا “لم تكن تصريحات ترامب حمقاء فحسب بل بدا ألعوبة بين يدي بوتين”، وتساءل “أين أنتم أيها الوطنيون الجمهوريون”، أما السيناتور جون ماكين فقد صرّح بالقول “لم يتقاعس الرئيس ترامب عن قول الحقيقة عن خصم فحسب، ولكن رئيسنا الذي يتحدث باسم أميركا للعالم، تقاعس عن كل ما يجعلنا ما نحن عليه، جمهورية شعب حر كرس نفسه لقضية الحرية في الداخل والخارج، وتابع إن قمة هلسنكي كانت خطًا مأسويًا”.

لم يستطع ترامب مواجهة موجة هذه الانتقادات التي وصلت إلى حدّ طلب مساءلة المترجم في الجلسة الانفرادية في جلسة استجواب أمام الكونغرس لمعرفة ما دار فيها، واضطر إلى التراجع عن هجومه على المؤسسات الأمنية الأميركية مبررًا ما حصل بأنه خطأ لغوي، كما اضطر إلى تأجيل دعوته إلى الرئيس بوتين لزيارة البيت الأبيض إلى العام المقبل.

جاء ترامب إلى القمة بعد زيارة إلى بريطانيا، الحليف الأوروبي الأقرب للولايات المتحدة، وبعد قمة لحلف الأطلسي، أغضب فيها الأوروبيين من إعادة ترديد مطالباته لهم بزيادة مخصصاتهم المالية في ميزانية الحلف، كما سبق له وفرض ضريبة عالية على مستوردات الصلب من أوروبا، واعتبرهم خصومًا تجاريين، لا بل ذهب إلى درجة تحريض بريطانيا على مقاضاة الاتحاد الأوروبي بدلًا من مفاوضته على خروجها منه، وهو الطلب ذاته للرئيس الفرنسي بترك فرنسا للاتحاد مقابل عقد شراكة بينها وبين أميركا. فهذا الرئيس ارتجالي يفتقد إلى مقومات العمل السياسي بما يليق بدولة كالولايات المتحدة، إنه رجل صفقات عندما يتمكن من التقاطها، لذلك لم يكن أداؤه مستغربًا خلال المؤتمر الصحفي، ومن الخطأ البناء عليه. في المقابل فإن النخب الأميركية لديها خشية من أن يؤدي أداء ترامب الارتجالي إلى تراجع الدور الأميركي في قيادة العالم، وبات شاغل معارضيه هو تصيد هفواته ونسف شرعية انتخابه لإخضاعه أو إخراجه من البيت الأبيض، وهو يُدرك حدود قوته في دولة مؤسسات لا يستطيع مواجهتها بشكل قاس، فالكونغرس الذي فرض العقوبات على روسيا مثلًا لا يمكن رفعها إلا بموافقته، وربما كان الرئيس غير مستعد لخوض معركة مع هذه المراكز لا يملك أدوات كسبها، وإدارته التي شهدت استقالات، خلال سنتها الأولى، لم تشهدها إدارة سابقة، وهي مرشحة إلى مزيد من الاستقالات نتيجة عناده وقراراته الفردية والارتجالية من مثل الموافقة على وقف المناورات المشتركة مع كوريا الجنوبية من دون استشارة وزير دفاعه.

بغض النظر عن الملاحظات الشكلية التي أحاطت بالقمة، فإنه من الواضح أنه ليس هناك من اتفاقات أو صفقات أنجزت، فالخلافات في تصورات الطرفين لكل الملفات المطروحة، هي خلافات عميقة من الصعب جسرها، وكلها مرتبطة بأطراف أخرى حليفة لأحد الطرفين، ولها مصالح ورؤى متباينة لا بدّ من أخذها في الحسبان أكانت في سورية أو أوكرانيا وحتى في كوريا الشمالية، لذلك كان من الطبيعي ألا تسفر القمة عن اتفاقات أو صفقات ولا حتى تفاهمات، والشيء الوحيد الذي أُنجز هو اتفاقهما على حماية أمن “إسرائيل”، بل ذهب البعض إلى التخمين أن القمة لم يكن لها جدول أعمال بدليل عدم صدور شيء عنها اتفاقًا كان أم خلافًا حول أي قضية، بل أراد لها الطرفان أن تكون مجرد فاتحة للبحث المستقبلي في القضايا التي تهمهما.

 

ثالثًا: قمة هلسنكي وممكنات التموضع الإيراني في المنطقة

يبدو أن إيران كانت الحاضر الأكبر على طاولة القمة؛ فالولايات المتحدة و”إسرائيل” تبديان تصميمًا عاليًا على إنهاء الوجود العسكري الإيراني المباشر الممثل بقواعدها العسكرية وحرسها الثوري، أو غير المباشر عبر الميليشيات والأذرع التي استجلبتها من العراق ولبنان وأفغانستان وباكستان، أو تلك التي جندتها من السوريين، وتتكفل بتمويلها وتسليحها وتدريبها، فالمهمة أنجزت ولم يعد هناك من حاجة للوجود الإيراني في سورية، على ما صرح به نتنياهو بقوله “لقد جاءت إيران إلى سورية لمواجهة التنظيمات الإسلامية التي تحارب الأسد، والآن استقر نظامه ولم تعد تشكل تهديدًا له، لقد انتهت المهمة”، ولم يعد سرًا أن “إسرائيل” والولايات المتحدة غضتا الطرف عن التدخل الإيراني في سورية عام 2012 بحسب ما تقتضيه مصالحهما وموقفهما من عملية التغيير التي نشدتها الثورة السورية.

يتركز الجهد الإسرائيلي على إخراج إيران من سورية ولو على مراحل، وهي على عكس ما تهدد به، لا تريد خوض حربِ شاملة مع إيران على الأراضي السورية، بل تعتمد الضربات الجوية للمواقع الإيرانية بغية جعل هذا الوجود مكلفًا، ولا بأس أن تساهم روسيا من خلال نفوذها بتقليص هذا الوجود وترك باقي المهمة للولايات المتحدة. أما الولايات المتحدة، فإنها تريد ليس إخراج إيران من سورية وتخليها عن برنامجها النووي فحسب، بل تريد من إيران وقف نشاطها الذي يزعزع استقرار المنطقة كلها، في سورية والعراق ولبنان واليمن، والتهديد الذي تشكله لدول الخليج الحليفة، ويحبذ الطرفان الأميركي والإسرائيلي أن تقوم روسيا بجزء من هذه المهمة. فهل روسيا مستعدة لمثل هذا الدور؟ وهل لديها الإمكانية الفعلية، وما هو المقابل الذي تريده؟.

تشير التصريحات والمواقف الروسية المتناقضة، التي تصدر عن المسؤولين الروس حول مصير الوجود الإيراني في سورية إلى روح مساومة، تلوح بها إذا توفر لها مقابل مجزٍ في ملف أو أكثر من الملفات العالقة بينها وبين الغرب، ذلك أن العلاقات الروسية الإيرانية متشابكة في أكثر من ملف من سورية إلى أفغانستان إلى آسيا الوسطى والملف النووي، وبالأخص أن الوجود الإيراني على الأرض السورية هو حاجة لروسيا التي تعتمد في تدخلها على سلاح الجو، علاقة تقارب التحالف سيكون مكلفًا لروسيا فكها؛ ففي مؤتمره الصحفي مع وزير الخارجية الأردنية أيمن الصفدي يقول لافروف: “من غير الواقعي تمامًا توقع أن تنسحب إيران من سورية، وعلى القوى الإقليمية أن تناقش مواطن الشكوى المتبادلة وأن تتفاوض على تسوية”، لذلك من غير المتوقع أن تكون روسيا جادة في الضغط على إيران في الملف السوري، بل هي تناور وتدور الزوايا على أمل أن تتوسط في صفقة بين “إسرائيل” وإيران، تضمن فيه “إسرائيل” حدودها الجنوبية بضمانة روسية مباشرة، وتُترك إيران في باقي الأراضي السورية، فالتنافس الإيراني الروسي في سورية لا يرقى إلى مستوى تنافس استراتيجي، ويمكن فهم زيارة لافروف برفقة وفد أمني إلى “إسرائيل” في 23 تموز/ يوليو 2018 في هذا السياق حاملًا مشروع صفقة تبتعد فيها إيران مسافة 100 كم عن حدود الجولان، وهذا العرض الروسي الذي رفضه نتنياهو، وطلب تفكيك الوجود العسكري الإيراني وصناعة الصواريخ التي يزيد مداها على 100 كم في سورية، وإحكام إغلاق الحدود العراقية السورية في وجه إيران وإمداداتها بالسلاح لحزب الله اللبناني، ويُتوقع أن هذه الصفقة تم التوافق الروسي الإيراني عليها في أثناء زيارة علي أكبر ولايتي مستشار المرشد خامنئي إلى موسكو، التي تزامنت وزيارة نتنياهو إليها قبيل قمة هلسنكي.

تتصاعد الضغوط الأميركية على إيران، ويجري تجديد العقوبات القديمة، وفرض عقوبات جديد سوف ترهق الاقتصاد الإيراني لدرجة كبيرة، قد تؤدي لانهياره في نهاية المطاف. يقول بومبيو وزير الخارجية الأميركية في جلسة استجواب أمام الكونغرس: “نعمل نحن وشركاؤنا في المنطقة على ردع السلوك الإيراني الشرير، وتحجيم الحوثيين في اليمن وحزب الله في لبنان وسورية”، الأمر الذي يوحي بحسب بومبيو أن الولايات المتحدة لا تريد تغيير النظام الإيراني بل تغيير سلوكه وإجباره على وقف نشاطه العنفي وتدخلاته في المنطقة، لكن إيران لا ترى الأمور على هذا النحو، بل تنظر إلى الطلب الأميركي بتغيير سلوك النظام، أنه لا يعدو أن يكون حيلة، فالنظام الإيراني قام على مجموعة من الثوابت في مقدّمها التوسع والنفوذ والقوة، لذلك تعلو نبرة التهديد الإيراني المضاد للولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة، إذ يرى نظامها أنه إذا لم تتمكن إيران من تصدير نفطها، فلن يستطيع الآخرون تصدير نفطهم عبر مضيق هرمز، بل ذهب الرئيس الإيراني حسن روحاني إلى حد تهديد أميركا بأنها ستواجه أم الحروب في حال هاجمت إيران، وفي السياق ذاته هاجم الحوثيون ناقلات نفط سعودية في مضيق باب المندب، ما دفع السعودية لوقف تصدير نفطها عبر المضيق حتى إشعار آخر، وقد تخطو الكويت الخطوة نفسها في تنبيه للعالم بأن طرق النفط الدولية باتت مهددة بشكل مباشر من قبل إيران وأتباعها، وهو ما قد يؤثر في السوق العالمي للنفط ورفع أسعاره لدرجة ضاغطة على الاقتصاد العالمي.

صحيح أن التهديدات الإيرانية في جزئها الأكبر موجهة إلى شد العصب الداخلي، لكن من السذاجة تصور أن إيران ستتخلى عما أنجزته من نفوذ في المنطقة طالما فاخرت فيه، واستثمرت فيه أموالًا ودماءً، وإذا ترك لها الخصوم ترف إدارة حروب بالوكالة، فلن تتوانى عن خوضها حتى النهاية، لذلك كله من المستبعد أن تدخل إيران في مواجهة من أي مستوى مع الروس في سورية حتى لا يصبح ظهرها مكشوفًا، كما أن روسيا لن تفرط بعلاقتها مع إيران قبل رسو الصراع على سورية على بر يحفظ مصالحها.

 

رابعًا: القضية السورية على طاولة القمة

من المؤكد أن القضية السورية أخذت حيزها في القمة، فالصراع الدائر منذ سبع سنوات ونيف أوصلته التدخلات الإقليمية والدولية إلى نهاياته العسكرية، ودخل أو يكاد مرحلة المساومات الدولية على رسم خطوط النفوذ والسيطرة، لكن النتائج المعلنة عن القمة تقول أن الشروط غير ناضجة بشكل كاف بعد، فاتفاق الرئيسين على ضمان أمن “إسرائيل” وانهيار منطقة خفض التصعيد في الجنوب، التي كانت تضمنها الولايات المتحدة والأردن، وقبول “إسرائيل” بوصول جيش النظام إلى خطوط الفصل في الجولان، التي كانت قائمة قبل اندلاع الثورة السورية، يدلل على أن مرحلة توزيع النفوذ الإقليمي لم تنته بعد. “إسرائيل” وحدها ضمنت حصتها بموافقة روسية مقابل قبولها الحفاظ على سلطة الأسد، ولم تحسم بعد مسألة الوجود الإيراني والتركي أو الشكل الذي سوف تنتهي عليه بانتظار معرفة مصير إدلب، والمآل الذي سوف تنتهي إليه سيطرة (حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي) شمال سورية، ذلك أن المفاوضات بين هذا الحزب والنظام السوري التي جرت بموافقة أميركية، ما زالت في بدايتها.

إن الحملة التي قادها النظام على درعا في 19 حزيران/ يونيو الماضي، وانهارت فيها فصائل المعارضة العسكرية من دون قتال يذكر، ويشبه إلى حدِ كبير انهيار فصائل المعارضة في الغوطة الشرقية، يؤكد أن الاتفاق الدولي على إنهاء الوجود العسكري للمعارضة السورية قطع شوطًا بعيدًا، وهو على مشارف نهايته، وما لعبة المصالحات المحلية التي يرعاها الروس، وترحيل من لا يرغب إلى الشمال السوري، إلا إخراجًا لهذا التوافق الدولي.

يذهب الكثير من المحللين والمتابعين إلى أن هناك اتفاقًا دوليًا أوليًا على تمكين الأسد من استعادة السيطرة على المناطق التي سبق أن فقدها أو أغلبها، قبل الشروع في الحل السياسي، الذي سوف تحدده مصالح القوى المتدخلة في الصراع السوري، وهذه التوقعات لمسار الصراع تؤكده إلى حدِ بعيد تحولات الواقع الميداني، منذ أن تدخلت روسيا بكل ثقلها في أيلول/ سبتمبر 2015 بهدف إنقاذ النظام الذي كان يتهاوى، وسوف يكون الشعب السوري الذي قدم خلال ثورته تضحيات أسطورية، وحرمه العالم من الفوز بحريته التي يستحق، أكبر الخاسرين فيه، إنها لعبة الأمم.

 

خامسًا: خاتمة

يرى الروس أن مجرد انعقاد القمة هو إنجاز في حد ذاته، أيًا كانت ضحالة نتائجها، لأنها فتحت طريقًا في العلاقات بين الدولتين، يمكن له في حال استمراره، أن يفك بعضًا من الاستعصاء في علاقتهم مع الغرب أكان في الملف الأوكراني أو غيره من الملفات، كما أنهم يراهنون على شخص ترامب وأدائه السياسي، وعلى التقرب من “إسرائيل” في إحداث اختراقات يبنون عليها في توجهاتهم الإستراتيجية في العالم، ومنها الاعتراف بمكانتهم ودورهم على المسرح الدولي وتاليًا مصالحهم، لكن لا يمكن أن تختصر أميركا بترامب كما اختصرت روسيا ببوتين، والاستراتيجية الأميركية التي أعلنها ترامب في 18 كانون الأول/ ديسمبر 2017 ، اعتبرت روسيا والصين منافسين استراتيجيين للولايات المتحدة، ومن المؤكد أن هذه لا تغيب عن ذهن الروس، لذلك يناورون مع كل الأطراف، وربما يعون بشكل أعمق أن الولايات المتحدة و”إسرائيل” ستدخلانهم في سلسلة من الاختبارات حول مدى جديتهم بالضغط على إيران لمغادرة سورية، وحول المقاربات التي هم مستعدون للذهاب فيها إلى المساهمة في إنجاز حل سياسي في سورية، من غير المؤكد أنه سيؤمن الاستقرار إلا بمقدار ما يقارب طموحات السوريين بالتغيير. أما فيما يخص الملفات الأخرى فثمة تعقيدات في العلاقة مع الولايات المتحدة بسبب المشكلات الداخلية التي يواجهها ترامب، وبحكم شركائها الأوروبيين الذين تقلقهم التوجهات الروسية، ولا يستطيع بوتين المراهنة على تعمق الخلافات بين ضفتي الأطلسي مهما دفعت عنجهية ترامب وضغوطه في هذا الاتجاه.

 

 

شارك هذا المقال

قم بالتسجيل لتلقي النشرة الدورية