وحدة الترجمة والتعريب

نحو سياسة أميركية جديدة في سورية

 

اسم المادة الأصلي Toward a New U.S. Policy in Syria
الكاتب كاثرين بوير وسونر كاغابتاي وباتريك كلاوسون ومايكل إيزنستاذ وجيمس ف جيفري وبابارا ليف وماثيو ليفيت ودينس روس وروبرت ساتلوف،
مكان النشر وتاريخه معهد واشنطن لسياسات الشرق الادنى
رابط المادة https://www.washingtoninstitute.org/uploads/Documents/

pubs/SyriaPolicy-FINAL.pdf

ترجمة علي صارم

 

 

 

 

المحتويات

التوصيات السياسية

أعمال نوعية

الشأن السوري

الشمال الشرقي لسورية وقرار مجلس الأمن الدولي 2254

تعزيز العقوبات الاقتصادية

تنسيق استراتيجية أميركا بين إيران وسورية

 

 

 

التوصيات السياسية

ستمنع العقوبات وحظر الطيران في شمال شرق سورية قوات نظام الأسد والقوات الإيرانية من الهجوم عليها الذي -إن حصل- سيغضب السكان المحليين السنة ويحفز ولادة جديدة للدولة الإسلامية. هذه المنطقة -إضافة إلى العقوبات- ستفرض خسارة على نظام الأسد عبر حرمانه من المال والدخل المطلوب كي يضمن السيطرة والمحافظة على شبكات الرعاية التي تدعم سلطته. سيخلق هذا بدوره أعباء مالية إضافية على روسيا وإيران في جهدهما للمحافظة على بشار الأسد معوّمًا، بافتراض أن قدرة طهران على دفع مثل هذا الدعم ستقلصها سياسة الحد الأقصى من الضغوط الأميركية. تخاطر الحملة الإسرائيلية في الوقت نفسه لمنع إيران من بناء بنيتها التحتية العسكرية في سورية بتعريض انتصارات النظام العسكرية الصعبة للمخاطر. يفرض هذا معضلة على موسكو: ترتبط بالتكلفة المتزايدة لإبقاء الأسد في السلطة، ويستتبع المخاطرة بحرب إسرائيلية – إيرانية في سورية، أو العمل مع الولايات المتحدة من أجل التخلص من الأسد والمحافظة على المكتسبات الروسية هناك.

 

أعمال نوعية

يجب على الولايات المتحدة لكي تفي بالمرام بالنسبة إلى هذه الأهداف العريضة أن تقوم بالخطوات العسكرية والاقتصادية الآتية في سورية:

“منع انبعاث الدولة الإسلامية ومنع إيران من تشييد مراكز عسكرية واستخباراتية دائمة في سورية والهلال الخصيب”.

“منع  القوات الإيرانية والسورية من الوصول إلى شمال شرق سورية بعد هزيمة داعش وتعزيز منطقة حظر طيران  في شمال نهر الفرات وشرقه مستخدمين القوى الجوية والحضور المتبقي المحدود على الأرض”.

“المحافظة على منطقة حظر طيران حتى التطبيق الكامل لقرار مجلس الأمن الدولي 2254 الذي يسعى لحكومة سورية مستقرة من دون الأسد والقوى الإيرانية التي تدعم حكمه”.

“دعم الجهد الإسرائيلي في رمي الفتنة بين إيران وروسيا ونظام الأسد، والغارات الإسرائيلية على المواقع العسكرية الإيرانية”.

“مضاعفة العقوبات على البنوك التي تقدم ائتمانات إلى نظام الأسد، ومزودي الموارد إلى وكلاء إيران السوريين، وأصدقاء الأسد الذين يسهلون الاستثمارات الإيرانية في سورية”.

“مساعدة حلفائها في شمال شرق سورية لإيجاد أسواقٍ بديلة للصادرات الزراعية والنفط الذي يباع حاليًا للأسد.

“العمل مع تركيا في منبج وأي مكان آخر لخلق نفوذ ضد الروس”.

 

 الشأن السوري

بعد مرور أكثر من سبع سنوات على الصراع، سورية الآن ساحة قتال فريدة في العالم للقوى العسكرية الأميركية والروسية والتركية والإسرائيلية والإيرانية، الكل يعمل مع قوى من الجيش العربي السوري وحزب الله اللبناني وميليشيا شيعية مدعومة من إيران، والحركات القومية الكردية وأعداد عريضة من مجموعات سنية معارضة تتراوح بين القوى المعتدلة المدعومة من الولايات المتحدة إلى القوى المتطرفة المتحالفة مع القاعدة وداعش يكملها الظهور الدوري للقوة الجوية الإسرائيلية. يؤكد تنوع الوجود العسكري أهمية سورية بوصفها حلبة بارزة في التنافس الاستراتيجي في الشرق الأوسط اليوم، للقوى الإقليمية والعظمى في آن معًا.

بالنسبة إلى الولايات المتحدة فإن الشأن السوري هو:

“موطن لعاصمة الدولة الإسلامية المحررة حديثًا التي تبقى أرضًا محتملة لتوليد المجندين لطور مستقبلي محتمل للجهادية السنية العنفية”.

“حلقة حاسمة في مساعي إيران للسيطرة على ممر أرضي من البحر المتوسط إلى جنوب غرب آسيا، ولفتح جبهة أمامية ضد إسرائيل”.

مقر للحكومة المركزية التي في حالتها الضعيفة تحتفظ بقدرة تطوير السلاح الكيماوي الخطر واستعدادها لاستخدامه.

دولة مواجهة في عدد من نزاعات المنطقة المتفجرة، من الصراع العربي- التركي- الكردي في الشمال إلى الصراع الإسرائيلي- الإيراني/ حزب الله في الجنوب.

مصدر محتمل للتدفق الهائل للاجئين الذين يهدد تدفقهم استقرار الدول المجاورة (مثل الأردن ولبنان) أوروبا البعيدة.

منصة للبحرية الروسية وبوابة استخبارية في شرق المتوسط.

آخذين بالحسبان الأولوية المهمة للولايات المتحدة بتفكيك الأسلحة النووية لكوريا لشمالية، في ما يخص دور بيونغ يانغ في المحاولة الأكثر وقاحة في التوالد النووي، بناء مفاعل لإنتاج البلوتينيوم في الخُبَر.

في هذا المحيط المعقد تحتاج الولايات المتحدة إلى استراتيجية واضحة تحدد أهدافها العامة والطرائق والوسائل الملائمة لتنفيذها. بتعبيرات أوضح، يجب أن يكون الهدفان الرئيسان لسياسة الولايات المتحدة المتعلقة بسورية هما منع إعادة تشكيل داعش بوصفها كيانًا إرهابيًا له وجود في مقاطعات ومواجهة توسع النفوذ الإيراني، المتضمن وجودًا عسكريًا وبنية تحتية (لكن ليس المحدد بهما). يتطلب إنجاز هذه الأهداف التزامًا في الوقت كله وعددًا من مرتكزات النفوذ.

إن الوجود العسكري للولايات المتحدة في شرق سورية أساس للنصر على داعش، ويجب ألا يُدرس انسحابها ما لم تكون البدائل في المكان الذي يضمن القدرة النشطة على منع انبعاث داعش. أما من ناحية إيران، فسوف لن يكون نهج فرض العقوبات الاقتصادية الصارمة والشديدة الذي فضلته إدارة ترامب كافيًا بحد ذاته لإجبار طهران على تغيير سلوكها في سورية أو في المنطقة. إذا كانت الحكومة ملتزمة جديًا بالأهداف الاثني عشر المحددة في خطاب 21 أيار/ مايو لوزير الخارجية مايك بومبيو، مواجهة إيران في سورية أساسية.

يمكن للضغط الاقتصادي على طهران أن يزيد من السخط الشعبي ويهدد النظام، لكن إذا انتصر فيلق الحرس الثوري الإسلامي في ميدان القتال في الوقت الراهن، سيكون القادة الإيرانيون بموقع جيد للجدال بأن مقاومة أكثر من دون إصلاح اقتصادي في البلد وتسوية من الخارج هي طريق النجاح. يجب أن تضمن الولايات المتحدة أن يبدو نهج ”المقاومة“ للحرس الإيراني قضية خاسرة، يعرّض إيران للخطر نوعًا ما أكثر مما يعزز قدرتها، ولا ينجز أهدافها، ويحتاج إلى تكاليف عسكرية عالية ودائمة. سورية هي المسرح الذي يمكن أن تثبت فيه الولايات المتحدة ذلك، وعلى الرغم من جهده كله، لا يستطيع الحرس الثوري أن يضمن ”الجسر البري“ الذي يتبجح به، ذلك أن إيران لا تستطيع استخدام سورية منصة لإبراز قدرتها ضد إسرائيل، والدول العربية وتركيا، وأن اتفاقًا سياسيًا سيكون ضروريًا لكن ليس وفق شروط طهران.

دور روسيا في هذه المحاولة ضروري لكنه غير مؤكد. فعلى الرغم من عقود شراكة موسكو- طهران، حملت الكراهية نحو الولايات المتحدة والخوف من الجهادية السنية، فليس بالضرورة أن تدعم روسيا طموح إيران في سيطرتها على أراضٍ من لبنان حتى جنوب شرق آسيا أو توقها إلى فتح جبهات جديدة ضد إسرائيل. وليس بالضرورة أن تشاركها في هدف وجود ميليشيات دائمة في سورية من خلاله تسيطر طهران -أكثر مما هو الأسد- بفاعلية على البلد. تمارس الولايات المتحدة من خلال ارتباط وثيق وتعاون تام مع حلفائها، ضغطًا حقيقيًا على روسيا بإظهار تعرض مشروع موسكو الخاص للخطر بسبب حماية نظام الأسد. العامل الأفضل تموضعًا لخلق الفتنة بين إيران من جهة، وروسيا والنظام السوري من جهة أخرى، هو إسرائيل، لأن إسرائيل تستطيع أن تضع روسيا في مأزق: إما بكبح الموقف العدائي لإيران أو بمواجهة احتمال الحرب بين إسرائيل وإيران وحزب الله التي تُخاض على أراضٍ سورية مع احتمال إمكان أن تتعرض الأسهم الروسية للخطر في البلد. في هذا الوضع، يجب أن تتضافر عقوبات الولايات المتحدة على إيران بمزيج من الدبلوماسية القوية بين حلفائها الإقليميين (تركيا وإسرائيل والعربية السعودية والإمارات العربية المتحدة) وتقييدات على تحركات إيران. ولإنجاز هذه الأخيرة يجب الاحتفاظ بأعداد قليلة من جنود الولايات المتحدة وفرض منطقة حظر طيران في الأراضي الشمالية المسيطر عليها حاليًا من الولايات المتحدة وتركيا.

هذه التكلفة منخفضة نسبيًا ومتوسطة الخطورة ومرتفعة العائدية السياسية وملائمة عندما تقوّم الولايات أنه من الآمن العودة إلى مقاربة الجو/ الأرض كي تمنع انبعاث داعش.

في السيطرة على الشمال الشرقي لسورية (30 في المئة من البلد، والمنطقة الأكثر غنى بالموارد) بالقوة الحالية الصغيرة للولايات المتحدة، فإن واشنطن تحتفظ بنفوذ ذي مغزى ضد موسكو وطهران ودمشق. مع الاتفاق الحديث على إدارة منبج، يجب على الولايات المتحدة وتركيا أن تتوافقا سريعًا على شروط الولايات المتحدة في الإشراف على الشمال الشرقي. ستسيطر القوات التركية – الأميركية المتحالفة على 40 في المئة من أراضٍ سورية تقريبًا. اتفاق جلي مع أنقرة سيزيد الجذب المغناطيسي لتحريك الأتراك بعيدًا من عملية آستانة التي انطلق بها فلاديمير بوتين ليساعد روسيا وإيران في تحديد وضع مستقبل سورية. ستكون هذه هي اللحظة التي يوضح فيها للشريكين الأساسيين لأميركا في الخليج الفارسي أنهما يجب “أن يقوما بخطوات جادة” مع انتشارٍ لبعض القوات السعودية والإماراتية على الأقل، ودعمٍ مالي مهم ومسعى سياسي مع بوتين وقد واظبا مجتهدين على مغازلته طوال السنوات الخمس السابقات.

في هذه الأثناء من الواجب الإشارة إلى عزم الولايات المتحدة على النضال ضد تحول الوضع الراهن السوري المؤكد لمصلحة موسكو/ طهران، إذ يتحرك النظام السوري في جنوب غرب سورية، مع غطاء جوي روسي، ما يحضر لإنهاء سبع سنوات من الحرب الأهلية الواسعة على الأقل الآن. الحملة الأميركية ضد الدولة الإسلامية تنتقل إلى طور جديد في شمال شرق سورية؛ بينما ينتظر شركاء إقليميون ومنافسون قرار الرئيس ترامب المتعلق بمستقبل وجود قوات الولايات المتحدة هناك وفي منبج.

يتنامى بالفعل إدراك انسحاب الولايات المتحدة في المنطقة، جزئيًا بسبب وجود مناقشة عامة في أميركا حول انسحاب الجنود من سورية. توحي مثل هذه الحركة بضعف الولايات المتحدة وعدم قدرة البقاء للأصدقاء والأعداء معًا وعدم الرغبة في مواجهة طهران والتخلي عن الحلفاء (مثل الأكراد السوريين وإسرائيل) عند مواجهتهم تهديدات قاسية، ونقض الإخلاص لهؤلاء الجاهزين في المنطقة للانضمام إلى واشنطن في تقليص وجود إيران (مثلًا العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وإسرائيل). وأخيرًا يقوض الانسحاب من سورية فعليًا منطق الوجود العسكري للولايات المتحدة في العراق، إذ إن هذا التعهد طويل الأمد هو أساسي لبناء مقدرة قوى الأمن العراقية في مواجهة أي عودة لداعش وهزيمتها. تعرض المقاربة البديلة المقدمة هنا طريقة لإنجاز الولايات المتحدة أهدافها الأساسية في سورية مع تقليص بصمة القدم العسكرية للولايات المتحدة.

 

الشمال الشرقي لسورية وقرار مجلس الأمن الدولي 2254

عند الأخذ بالحسبان إمكان انسحاب القوات الأميركية وكيفيته، تملك حكومة ترامب ثلاثة خيارات؛ الأول: يمكن أن يلغي الرئيس توجيهه أو ببساطة لا ينفذه، ويحافظ على قوة أرضية في الشمال الشرقي، ثانيًا: يمكن أن تنسحب الحكومة ببساطة من دون خطة” اليوم التالي“. ثالثًا: من الممكن أن ترحل القوات البرية مع المحافظة على” مراقبة“سياسية وعسكرية في الشمال الشرقي عبر تنسيق مع قوى محلية، تحديدًا حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) وقوات سوريا الديمقراطية (قسد)- وتركيا كافية للمحافظة على الحكم الذاتي المحلي والاستقرار تحرم النظام السوري أو داعش من المنطقة.

من الممكن أن يثير الخيار الأول مشكلات الإقرار القانوني في حال انتهاء قتال داعش -المسوّغ لمثل هذا الوجود في بلد معادٍ- وسيورط الولايات المتحدة بحزب الاتحاد الديمقراطي/ وقوات سوريا الديمقراطية. الخيار الثاني سوف يسمح لداعش أن تتشكل من جديد بين السكان العرب السنة ما يشير إلى ضعف الولايات المتحدة في الإقليم كله، بصورة مشابهة للانسحاب من العراق في 2011. في الوقت نفسه سيتوقف الدعم عن قوات الولايات المتحدة الموجودة في العراق المجاور الذي يساعد في استقرار ذلك البلد المهم استثنائيًا (الذي يتفاخر بأنه ثاني أكبر منتج للنفط في المنطقة وثالث أكبر احتياطي) ويواجه الجهد الإيرانية هناك. مع الخيار الثالث -المحافظة على دور ما بعد الانسحاب من الشمال الشرقي الكافي حيث يحرم الأسد وحلفاؤه الإيرانيين منه- تخلق الولايات المتحدة بتكلفة ومخاطرة قليلة نفوذًا عسكريًا مهمًا بسبب الحرب (وبخاصة إذا نسقت مع الوجود التركي في الشمال الغربي والعمليات العسكرية الإسرائيلية في سورية)، وعلى الدور الإيراني بعد الحرب. إذا ترابطت المعلومات المتعلقة بالانسحاب مع العقوبات، فسوف تزيد من التكلفة على النظام وإيران، وتخلق نفوذًا كبيرًا على طاولة التفاوضات. يستطيع مثل هذا الضغط أن يكمل بقوة النفوذ الدبلوماسي المتأصل في قرار مجلس الأمن 2254 الذي يدعو إلى الانتقال السياسي كي يضمن أمن البلد والمنطقة، و”الحصار” الأميركي على إعادة الإعمار الأجنبية بعد الحرب في حال غياب نتيجة سياسية مقبولة متناسبة مع 2254.

هناك خيارات شتى متاحة لمثل تلك المراقبة العسكرية السياسية تتضمن منطقة حظر طيران على غرار عملية مراقبة الشمال فوق كردستان العراق في 1991-2003. في تلك الحملة، كانت دوريات الجو الأميركية والسياسة المعلنة قادرة على منع تهديدات صدام حسين لكردستان خلال تلك المدّة (على الأقل حتى 1996)، بينما عمل الوجود العسكري التركي والأميركي المحدود على الأرض مع أكراد البشمركة على ترسيخ الوضع. لا يمكن لمركز مراقبة جوية في سورية أن يكون دائمًا، لكن إلى أن تقام حكومة وطنية ثابتة تلبي توقعات قرار مجلس الأمن الدولي 2254، مثل هذه السياسة يمكن أن تضغط على الأسد وضامنيه للموافقة على حل سياسي وسط من خلال حرمانه من الدخول إلى أراضٍ وسكان ووموارد مهمة (وبخاصة النفط والزراعة). يمكن لهذه المقاربة أن تكون أكثر فاعلية إذا تآزرت مع نظام عقوبات قوي. من الممكن أن تلبي انسحاب جنود الرئيس المنتدبين[1]. وحتى إذا لم تجبر الحملة الأسد وحلفاءه على التسوية، ستحدد على الأقل موقع الولايات المتحدة في منع إعادة انبعاث داعش وتحدد تمدد النفوذ الإيراني في المنطقة.

نُفذ مثل هذا النشاط “الدفاعي” من القوة الجوية المزودة بفرق ارتباط ومستشارين على الأرض بصورة متكررة (بما فيها مراقبة الشمال نفسه) من دون تفويض واضح من الكونغرس أو تفويض دولي، نظرًا إلى أنه يجنب المخاطر، والتكلفة والالتزامات الرمزية للوجود على الأرض. هذا النوع من العمليات يتطلب موجودات جوية أميركية مهمة لكن معظمها موجود بالفعل في المنطقة، والخيار مع أنه مكلف يجب أن يكون أقل تكلفة من الانتشار المستمر لقوة مشاة قوية تضم 2000 عنصر مع حملة جوية لمواجهة داعش. أي عملية كهذه تتطلب دبلوماسية حذرة مع حزب الاتحاد الديمقراطي/ قوات سوريا الديمقراطية (اللذين يقدمان قوة الدفاع الموجودة على الأرض) باستمرار مع التجمعات العربية وتركيا وحكومة كردستان الإقليمية في العراق وبغداد (إذ إن طرق الإمداد الرئيسة في الشمال السوري تجري عبر العراق وخصوصًا في إقليم كردستان). ستكون المصالحة ضرورية إلى حد ما بين تركيا وحزب الاتحاد الديمقراطي الذي يعدّ فرعًا من آلهة الانتقام ضد أنقرة، حزب العمال الكردستاني.

إضافة إلى ذلك، فإن الولايات المتحدة وشركاءها الدوليين بحاجة إلى أن يقدموا مساعدات إنسانية محدودة للشمال الشرقي ودعم الأسواق البديلة للنفط والمنتجات الزراعية (غالبًا وعلى الأرجح الحكومة كردستان الإقليمية أو العراق) من أجل المحافظة على قابليتها للحياة ودعم الحكم المحلي في آن معًا. يجب أن يدار هذا الجهد بمستوى أكثر تواضعًا من متابعة البناء الوطني في أفغانستان والعراق.

كثير من المراقبين يشككون في الفاعلية والمخاطر المرافقة لمثل هذه المناطق، بيد أن المخاطر متأصلة في أي سيناريو سوري، وتعمل الولايات المتحدة حاليًا على منطقة حظر طيران غير رسمية في الشمال الشرقي. لا تعتمد كثيرًا على الـ 2000 جندي الموجودين هناك، حتى إذا سحب معظمهم، لكن نوعًا ما على عناصر أخرى موجودين حاليًا؛ القوة الجوية الأميركية، وحلفاء محليين على الأرض، وتفاهمات سياسية متبادلة مع لاعبين آخرين على ألا يتحدى كل منهم الاهتمامات الأمنية الأساسية للآخر.

أي تدخل موقت يجب أن يكون مرتبطًا باستراتيجية تشجيع روسيا كي تتعاون في مقابل “النصر” تحديدًا استقرار سورية، وتراجع طموح إيران هناك، ومنع انبعاث داعش (تتضمن ردة الفعل حكم خدم إيران للسكان العرب السنة الذي شوهد في سورية والعراق في 2013-2014). هذا يتطلب تنسيقًا بين حلفاء الولايات المتحدة السوريين وحزب الاتحاد الديمقراطي وإسرائيل وتركيا للتركيز على نتيجة ما بعد الحرب (رسميًا تحت القرار 2254) لأن الولايات المتحدة سوف تكون موجودة لتقايض على وجودها في الشمال الشرقي. في الحد الأدنى فإن مثل هذه الحصيلة يجب أن تلبي الاحتياجات الأمنية لحلفائها، وتخفض بشدة الدور الإيراني في البلد. بالمقابل، يمكن للولايات المتحدة أن تقبل بوجود عسكري روسي وتسويات سياسية من دون نهاية فورية لنظام الأسد، ما دامت تلك التسويات لن تخدع شركاء الولايات المتحدة وبخاصة حزب الاتحاد الديمقراطي /وقوات سوريا الديمقراطية أو تشجع تهديدًا جديدًا من داعش أو القاعدة.

بالإجمال إن أي انسحاب عسكري كامل من الشمال الشرقي سينظر إليه بوصفه تخليًا من الولايات المتحدة عن دورها في سورية ونصرًا كاملًا للأسد وطهران، ودفعًا للولايات المتحدة إلى خارج العراق، وتعزيزًا لطموح إيران في سورية بوصفها منصة إطلاق آلية ضد إسرائيل، وهكذا يرتفع خطرَ الحرب بين الاثنتين مع إمكان توريط الولايات المتحدة.

 

تعزيز العقوبات الاقتصادية

العقوبات الاقتصادية هي لب استراتيجية الإدارة الأميركية “لمواجهة إيران، لكنها على الأرجح غير كافية كي تخرج إيران من سورية. ما يزال هناك كثير مما يمكن للإدارة الأميركية أن تفعله كي تطور مستوى وطنيًا “خطة سورية” لتنفيذ أوسع العقوبات على إيران التي تهدف إلى الدحرجة المتراجعة لنفوذ الجمهورية الإسلامية في المنطقة. وإذا تآزرت هذه العقوبات مع خطة حرمان النظام وطهران من المنطقة الأغنى بالموارد في سورية، يمكن عندها للولايات المتحدة وشركائها أن تكسب نفوذًا مهمًا في العملية السياسية.

لا يوجد نقص في ” الخطافات” لمثل هذه العقوبات، فقد أخضِعت كثير من الكيانات السورية للعقوبات ضمن برامج صوبت على الأشياء كلها من أسلحة الدمار الشامل إلى الفساد. العقوبات الاقتصادية على نظام الأسد التي تشمل تلك التي تبنتها مجموعة “أصدقاء سورية” في 2012 والعقوبات الأميركية المفروضة في أعوام أسبق، لم تكن فاعلة إلى حد كبير في إحداث ضغط على النظام، بسبب التدفق الضخم للموارد من عرابي الأسد. مع ذلك، فقد رفعت تكلفة الإنقاذ على طهران. بعيدًا عن الدعم العسكري لقوات الأسد والميليشيات الشيعية، أبقت إيران الاقتصاد السوري عائمًا، مانحة الائتمانات لشراء البترول الإيراني والبضائع الأخرى ومزودة بحبل السلامة المالي للبنوك. يخضع عدد من الفاعلين الإيرانيين في سورية للعقوبات أو سيخضعون للعقوبات عندما يعاد فرض العقوبات المتعلقة بالاتفاق النووي. تقدم العقوبات الأخيرة فرصة كي تجذب الانتباه ثانية إلى الثروة التي صرفتها إيران في سورية والهزء بالقواعد الدولية والمعايير التجارية.

يمكن على وجه الخصوص تسليط الضوء على طهران في ثلاثة مجالات تشجع شركاء أميركا كي يثبتوا العزم. أولًا يجب على الإدارة أن تعاقب البنوك المتورطة في اتفاقات الائتمان للنظام السوري. فمنذ 2013 بسطت إيران ملايين الدولارات كائتمانات لدمشق بشرط وجوب استخدام الاعتمادات المالية لشراء النفط الإيراني، والآلات وبضائع أخرى. أثبتت القروض أنها مصادر مهمة لدخل الأسد وأصدقائه الحميمين، إذ تسدد إيران الفاتورة بينما تملأ الأرباح جيوبهم. حددت الصحافة السورية والإيرانية البنوك المتورطة، مثل بنك تنمية الصادرات الإيراني والبنك التجاري السوري، ضمن بنوك أخرى. يجب على الولايات المتحدة تشجيع الاتحاد الأوروبي كي يعمل ضد بنك تنمية الصادرات الإيراني بناء على عمله مع البنوك السورية ضمن قائمة عقوبات الاتحاد الأوروبي.

ثانيًا، ناظرين إلى ما وراء الشبكات المالية، يجب أن تستهدف العقوبات التزويدات الإيرانية بالموارد إلى وكلائها في سورية التي تجري بصورة رئيسة من خلال الجسر الجوي من إيران إلى دمشق. تدرب إيران وتسلح الميليشيات الشيعية قبل نقلها لتقاتل في منطقة القتال في سورية عبر طائرات تجارية غالبًا. وقبل إزالتها من قوائم العقوبات الأميركية وفق شروط الاتفاق النووي، كانت عشرات الطائرات من أسطول الجو الإيراني التي حددها قسم وزارة المالية الأميركية بناءً على استخدامها في نقل الميليشيا وتجهيزات السيطرة على الحشود إلى نظام الأسد. يعرض إعادة تطبيق العقوبات على الأسطول الجوي الإيراني في الأشهر المقبلة فرصة كي يركز الضوء على أن مثل هذا النشاط لم يتوقف على الرغم من الاتفاق النووي. لن توقف العقوبات الجسر الجوي أو تسبب الإفلاس لبنك تنمية الصادرات الإيراني لكنها تستطيع أن تلقي الضوء على دور شركات نقل إيرانية أخرى في تعزيز الجسر، مثل شركة ماهان للنقل الجوي التي لم تُحذف من قوائم العقوبات في الاتفاق النووي وتنجح مع ذلك في توسيع خطوطها في أوروبا وآسيا خلال تلك المدّة.

ثالثًا يجب على المالية أن تعمل مع الشركاء الخليجيين كي تعاقب أصدقاء الأسد الذين يسهلون الاستثمارات الإيرانية طويلة المدى في سورية. حفز اقتصاد الحرب السوري نخبة جديدة من رجال الأعمال لتحل محل الأشخاص المستهدفين مثل رامي مخلوف الذي فرضت عليه العقوبات عام 2008. هذه المجموعة مفيدة للنظام لأنها خارج العقوبات؛ ولدى عدد منهم أصول في دول الخليج بينما يستفيدون من الاستثمارات الإيرانية. العمل المتحد بين وزارة المالية الأميركية والأعضاء الآخرين في مركز مكافحة تمويل الإرهاب في الرياض سيرسل رسالة إلى النخبة السورية مفادها أن علاقتهم مع الأسد وإيران ستكون مكلفة لهم. يجب أن تشجع الولايات المتحدة الإمارات على وجه الخصوص كي تحدد وتعترض على موجودات هؤلاء الأشخاص المتورطين في هذه المشروعات. يجب على الجيل الجديد من أصدقاء الأسد الحميمين أن يختار بين أن يحافظ على ثروته في الخارج وأرباح الاتفاقات الإيرانية.

بشكل منفصل، يجب على واشنطن أن تقدم المساعدة إلى الشمال الشرقي لسورية وتدعم زراعته وتجارته النفطية. يبقى نظام الأسد المشتري الرئيس للنفط من هذه المنطقة عندما كانت تحت سيطرة داعش أو قسد. على الرغم من أن استخراج النفط يجري في الشمال الشرقي، فإن تحويل النفط إلى كهرباء –بما فيه إعادة تزويد الشمال الشرقي بالكهرباء– يجري في مناطق بقيت تحت سيطرة النظام خلال الصراع.

يمكن الطلب من دول الخليج أن تتحمل تكلفة تسهيلات توليد الكهرباء الجديدة في منطقة حظر الطيران. إن مسألة قطع هذه المشتريات عن النظام، وحرمان قسد من هذا الدخل هي مسألة صعبة لها عواقب على الوضع الإنساني وتساؤلات صعبة على الاستقرار. من الممكن أن يُرسل هذا النفط عبر خط كركوك – سيحان لكن هذا يتطلب موافقة العراق وتركيا (أو أن يمزجوا الخام السوري والعراقي). يمكن للاستيراد الإضافي من إيران أن يكون بديلًا من النظام؛ من حين إلى آخر، تصدر إيران إلى سورية ما يعادل 52000 برميلًا يوميًا. توجد آلية مشابهة مع السلع الزراعية إذ يأتي ثلثي حبوب البلد من الشمال الشرقي تقريبًا. أي استراتيجية تهدف إلى قطع مثل هذه الموارد عن النظام تحتاج إلى أن تأخذ في الحسبان كيف وأين يُسمح بها. يجب أن يُبذل الجهد كي يعزز قدرات الإنتاج المحلي وتوليد الوظائف في المنطقة ضمانً لعدم عودة داعش.

 

 تنسيق استراتيجية أميركا بين إيران وسورية

أضاف النجاح الملحوظ في حقل المعركة السوري إلى رصيد فيلق الحرس الثوري الإيراني. يزعم الفيلق -مع بعض المسوغات- أنه أنقذ الأسد. والأكثر أهمية، فإنه ينظر إلى قوة الحرس بشكل واسع في المنطقة بوصفها مصدر تأثير وحليفًا موثوقًا لأصدقائه رشيقًا في التدخل السريع، قادرًا على تعبئة كثير من المقاتلين، وقوي في أرض المعركة. يوافق كثيرون على زعم الحرس الثوري في أنه هزم أميركا في سورية: إذ أصرت واشنطن على رحيل الأسد، بينما أصرت إيران على بقائه.

حصيلة القضايا خطرة في الوقت الذي تكون فيه إيران ممزقة بالجدل حول كيف ستحل عددًا من الأزمات التي تواجهها، يمكن للحرس الثوري أن يجادل بأن طريقته في العمل أفضل. يستطيع الفيلق، ويفعل هذا، أن يشير بشكل صحيح إلى أن الإصلاحيين/ والتكنوقراط الإيرانيين مزيفون/ إذ أثبتوا أنهم غير قادرين على إنهاء عزلة البلد. وأن استراتيجيتهم في اتفاق “الأسلحة النووية فقط” (فهو ضعيف، ومحدود الوقت) ولم ينفذ. بالمقابل يستطيع الفيلق أن يجادل في أن استراتجيته في المقاومة قد أنجزت أهدافها وخصوصًا في سورية. بالتأكيد الإيرانيون ممتعضون من التكلفة، ولكن في النهاية النجاح يخدع على الأقل المرشد الأعلى وصانعي القرار الذين همهم الأساسي هو الدفاع عن الثورة. عمومًا، النجاح في الحرب يعطي الشرعية ويحشد الناس حول الحكومة.

بينما نجاح الحرس الثوري متواضع ومكلف، ما يزال سجله أفضل من أي سياسة أخرى تبنتها الجمهورية الإسلامية، في الخارج أو الداخل. القائمة الطويلة لفشل النظام – صوصًا في حل المشكلات الاقتصادية– تجعل استراتيجية الحرس الثوري الإقليمية تبدو جيدة بالمقارنة. فحكومة الرئيس حسن روحاني لم تتخلَ عن وعودها في تقليل الاضطهاد، وتحقيق الازدهار، ومعالجة الفساد والمحسوبية التي تشجع الغضب الشعبي.

تعود المشكلات الاقتصادية الشديدة إلى أثر الضغط الاقتصادي الأميركي المنسق. تزيد العقوبات الأميركية المحكمة الاستياء الشعبي ضد النظام. ما يخلق فرصة للتغيير، كما شهدنا في رسالة حزيران/ يونيو التي وقعها أكثر من مئة إيراني بارز يدعون فيها إلى حوار مباشر غير مشروط مع إدارة ترامب. لكنه يخلق مخاطرة في أن التغيير سيكون بالاتجاه الخاطئ.

يحاول الحرس الثوري أن يقدم نفسه بديلًا من حشد روحاني غير الكفء. تدعو المقالات الصحافية الإيرانية إلى رئيس عسكري -ويقول مستشارو القائد الأعلى منذ زمن طويل إن إيران ستكون أفضل من دون هذه الحكومة– ما خلق مناخًا لتصريح روحاني في 27 حزيران/ يونيو في أنه لن يستقيل. استدعى تصريحه إلى الذاكرة القول المأثور لشكسبير “السيدة تحتج كثيرًا”[2] لماذا يستحضر موضوع الاستقالة ما لم يكن مجبرًا على أن يفعل ذلك تمامًا؟

إذا كان الحرس الثوري يجادل في أنه انتصر في حقل المعركة، فإنه سيكون في وضع جيد للقول إنه يستطيع أن ينقذ إيران عندما تكون مصالحها مهددة. تستطيع القيادة أن تزعم أن الأمة في خطر، وليس فقط النظام. يمكن لعب هذه الورقة جيدًا إذا أخذنا بالحسبان نمو الروح القومية الإيرانية التي حلت إلى حد كبير محل الأيديولوجيا الثورية الإسلامية. سيكون خامنئي مرتاحًا بالتأكيد في أن يجادل بأن الطريق إلى النجاح يكون عبر المقاومة أكثر مما هو عبر الإصلاح الاقتصادي والانفتاح.

إذا نجح الحرس الثوري، فلن تستطيع حكومة الولايات المتحدة أن تنجز الأهداف الاثني عشر التي حددها وزير الخارجية بومبيو في 21 أيار/ مايو. لذا يجب على واشنطن أن تتأكد من أن مقاربة الحرس الثوري يُنظر إليها داخل إيران على أنها استراتيجية خاسرة مقاربة تعرض البلد للخطر، وتتطلب تكلفة عسكرية عالية مستمرة، وتمنعها من زيادة قوتها أو إنجاز أهدافها. سورية هي المسرح الأساس هنا لأن الحرس الثوري يعرضها نموذجًا لنجاحه.

توجد فرصة ممتازة وبتكلفة متواضعة تظهر أن الحرس الثوري لم يحقق أهدافه الأساسية. فقد وضع تأكيدات كبيرة على الجسر البري من طهران إلى البحر المتوسط عبر شرق سورية الذي يمكن أن يوجد في حال سيطر حلفاء إيران على منطقة وادي نهر الفرات المتوسط أو منطقة الصحراء في غربها التي لا يسيطرون عليها تمامًا الآن. للولايات المتحدة مصلحة قوية في ضمان سلطة محلية معتدلة ومستقرة في تلك المنطقة –هذا يبقي إيران خارج المنطقة- لأن المنطقة إذا أصبحت تحت سيطرة الشيعة المتعصبين، فإن ذلك سيلهب السكان السنة، ويسعر انبعاثًا للجهاديين السنة الراديكاليين.

لا تريد واشنطن أن تتكرر في منطقة وادي الفرات الأوسط الكارثة المفاجئة التي حدثت في الموصل في العراق، حيث حرض التعصب ضد السلطات السنية على عودة الجهادية السنية. ما دامت تسيطر على منطقة وادي الفرات الأوسط حكومة محلية معتدلة ومستقرة تبقي الحهاديين في وضع الدفاع عن النفس، فلن تملك إيران جسرًا بريًا عبر المنطقة.

السيطرة على الصحراء في غرب المنطقة الوسطى لوادي الفرات ربما تكون غير ممكنة من السلطات في البداية هناك، لكن الحضور الأميركي المستمر في التنف المدعوم بالقوة الجوية يمكن أن يساعد في إنجاز ذلك الهدف ويطمئن الأردنيين الذين ينزعجون من التجاوزات الإيرانية في الوصول إلى حدودهم.

ألح الرسميون الأميركيون غالبًا على أن أهمية الجسر البري مبالغ فيها من الإيرانيين والإسرائيليين. ربما تكون الحالة هكذا، لكن القول بهذه الطريقة لا يخدم المصالح الأميركية. الولايات المتحدة في وضع جيد كي تنكر على الإيرانيين ما يدعونه وما يريدونه وما يخاف الإسرائيليون من حصوله. إذا كان الحرس الثوري يحدد النجاح بالسيطرة على الجسر البري، بينما تستطيع الولايات أن تنكر عليهم ذلك نتيجة ثانوية لمبادرات تنفذ لأسباب أخرى، عندها يمكن لواشنطن أن تشير بصوت عال إلى أن إيران لم تنجز أهدافها التي حددتها.

روسيا هي البديل؛ كما ذكر سابقا، عززت موسكو شراكة مع طهران لسنوات، بُنيت على كراهية مشتركة ضد الولايات المتحدة والخوف من المتطرفين السنة، لكنها لا تتشارك بالضرورة مع أهداف إيران كلها المتعلقة بسورية وإسرائيل. تملك الولايات المتحدة حظًا قليلًا في استثمار ذلك الخلاف لأن روسيا وإيران تتقاسمان هدفًا مهمًا مشتركًا بخصوص تقليص نفوذ أميركا في المنطقة. تريد روسيا من الولايات المتحدة أن تقبلها قوة عظمى، لذلك تتشوق موسكو إلى محادثات مع واشنطن حول مستقبل سورية. لا يعني هذا أن روسيا تملك الإرادة أو الإمكان لتفعل أي شيء يقيد إيران فعليًا. يملك الكرملين الدوافع كلها كي يوافق على المبادرات الأميركية في الابتعاد عن طهران لكنه يتجنب تنفيذها ضمن أسس ثابتة.

اللاعب ذو الموقع الأفضل لخلق فتنة بين إيران وروسيا هو إسرائيل، لأنها يمكن أن تواجه روسيا بخيار لا ترغب في صنعه: فإما أن تكبح الموقف العدواني لإيران أو تواجه عبء تكلفة الأسد بسبب إذعانه لإيران –أو الحرب الإسرائيلية/ مع حزب الله وإيران كحد أقصى. تريد روسيا أن تبقى في شروط جيدة مع طرفي الصراع المحتمل كليهما، ولا تريد لمثل هذا الصراع أن يشكل خطرًا على حليفها الأسد. وكجزء من جهد خلق الفتنة، يجب على إسرائيل أن تظهر إرادتها باستعمال القوة ضد إيران بينما تقبل الأسد لكنها تحتفظ بخيار فرض التكلفة عليه، أيضًا خصوصًا عندما تتحدى دفاعاته الجوية الطيران الإسرائيلي. ويجب على الولايات المتحدة أن توضح لإسرائيل وروسيا ألا اعتراض لها على سياسة إسرائيل النشطة في منع إيران من تأسيس وجود عسكري دائم في سورية. يبدو أن القدس قد قررت أن القوة العسكرية هي العنصر المفتاحي في مثل هذه السياسة. يجب على واشنطن أن تستمر في تجاوبها مع التجديد، وتحديدًا ألا ترفع أي اعتراضات. تخدم مصالح أميركا جيدًا إذا ظنّت طهران أن الولايات المتحدة قد أعطت الضوء الأخضر لإسرائيل كي تفعل ما تراه ضروريًا لمنع وجود إيران في سورية من أن يصبح تهديدًا لهم.

لسوء الحظ، قد لا تنجح إسرائيل في فصل روسيا عن إيران. ويمكن لطهران أن تغرس مخالبها في سورية عميقًا جدًا درجة أن عملاءها ووكلاءها لا ينفصلون عن القوى السورية والحكومة السورية مع كون الإيرانيين الشريك المسيطر في هذه العلاقة. إن من الحكمة للولايات المتحدة أن تحتاط ضد هذه النتيجة المحتملة من خلال متابعة الضغط على الأسد حتى يُظهر كامل الاستقلال عن إيران، من غير المحتمل أن يحصل ذلك إذا أخذنا بالحسبان القوة البشرية المستنفدة لنظامه والاعتماد على العنصر الإيراني على الأرض. ما دامت إيران ووكلاؤها –خصوصًا المقاتلين الأجانب– فاعلين في سورية، يجب على السياسة الأميركية أن تحتوي نظام الأسد وتتجنب الخطوات التي تؤدي إلى تقويته.

[1]المقصود هنا جنود النظام في الحسكة والقامشلي على الأرجح (المترجم)

[2]يعني المثل أنه عندما يستمر شخص بإنكار شيء ما بشدة لدرجة تجعلك تشك في أنه قد فعل ذلك الشيء. (المترجم)

 

اضغط هنا لتحميل الملف

شارك هذا المقال

قم بالتسجيل لتلقي النشرة الدورية