تحليل سياسي

الاتفاق الروسي – التركي حول إدلب: التحديات والفرص

 

المحتويات

أولًا: مقدمة

ثانيًا: إخراج الاتّفاق

ثالثًا: مواقف من الاتفاق

رابعًا: إيجابيات وسلبيات.. فرص وتحدّيات

خامسًا: روسيا خضوع للأمر الواقع أم انتظار الفرصة المناسبة؟

سادسًا: المهمة التركية الصعبة

سابعًا: هل تكون بداية الحلّ السياسي من إدلب؟

ثامنًا: خاتمة

 

 

 

أولًا: مقدمة

على الرغم من انحياز روسيا إلى جانب النظام، فإن تدخلها الفاعل في سورية خريف 2015، بغطاء غير معلن أو بغضّ النظر من قبل الولايات المتحدة، سمح لها بالتّفرد تقريبًا بقيادة جهد معالجة الملفّ السوري باسم مكافحة الإرهاب وعلى حساب المعارضة السورية المسلّحة.

كانت سلسلة مؤتمرات أستانا، بخاصة منذ اتفاقات خفض التصعيد في بداية العام 2017، الإنجاز الدبلوماسي الروسي اللافت في هذا الخصوص، وذلك من خلال جمع دولتين متنافستين في سورية هما تركيا وإيران، وقد وقفت الأولى إلى جانب المعارضة، فيما وقفت الثانية إلى جانب النظام، وعلى طول الخطّ.

وبينما كان التعاون الوثيق بين الدول الثلاث يجري على الأرض بهدف إعادة صوغ الواقع السوري بما يلائمها، كان العالم، ممثّلًا بدوله الفاعلة، يراقب المشهد ويضع بعض الحواجز والخطوط الحمر المتحركة أمام التحالف الثلاثي، إلى أن وصل الأمر إلى إدلب، حيث لم تعد تنفع التكتيكات التي جرى تطبيقها في مناطق أخرى، وأفضى تضارب المصالح في هذا التحالف، فضلًا عن الاعتراض الدولي على عملية إدلب المرتقبة، إلى إخراج الاتفاق الروسي – التركي في سوتشي، كحلّ مؤقّت.

 

ثانيًا: إخراج الاتّفاق

لم تمضِ عشرة أيام على القمة الثلاثية التي جمعت رؤساء روسيا وتركيا وإيران، في طهران، في 7 أيلول/ سبتمبر 2018، والتي صدر عنها بيان مُكرّر لا يشي بأي اتّفاق محدّد حول منطقة خفض التصعيد الأخيرة في إدلب، بل يوحي بأن الروس والإيرانيين يدعمون توجه النظام للهجوم على إدلب، حتى جاء اجتماع الرئيسين الروسي والتركي في سوتشي، في 17 أيلول/ سبتمبر 2018، ليتم الإعلان في ختامه عن التوصّل إلى اتّفاقٍ ثنائي حول المسألة.

هكذا، أمام تصاعد موجة الرافضين لعملية الاجتياح، وخوف الأوروبيين من موجة نزوح جديدة إلى بلدانهم عبر الأراضي التركية، والموقف الأميركي الحازم في ما يتعلق باحتمال استخدام الأسلحة الكيماوية، فضلًا عن تسريب إعلان مبادئ الحلّ السياسي في سورية، الصادر عن مجموعة الدول السبع المصغّرة، الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وألمانيا ومصر والسعودية والأردن، والذي تمّ تقديمه إلى المبعوث الأممي، ستفان ديمستورا، في 14 أيلول/ سبتمبر 2018؛ واللقاء الرباعي (التركي، الفرنسي، الألماني والروسي) في 14 أيلول/ سبتمبر 2018 في أنقرة، الذي بحث مخاطر العملية العسكرية في إدلب، أمام كل ذلك، انحنى الروس أمام العاصفة ووقّعوا الاتفاق مع تركيا في 17 أيلول/ سبتمبر 2018.

تضمّن الاتفاق إقامة منطقة منزوعة السلاح، من 15 إلى 20 كيلومترًا، بين فصائل المعارضة المسلحة وقوات النظام حول محافظة إدلب، على أن ينتهي نزع الأسلحة الثقيلة وانسحاب الجماعات المسلحة منها في أواسط شهر تشرين الأول/ أكتوبر 2018، علاوة على تعزيز نقاط المراقبة التركية وتسيير دوريات مشتركة روسية – تركية في هذه المنطقة وضمان حرية حركة السكان والبضائع، وصولًا إلى فتح طريقي حلب – حماه وحلب – اللاذقية قبل نهاية العام الحالي. ترك الاتفاق ارتياحًا واضحًا، دوليًا ومحليًا، وخلال 48 ساعة فقط، بحسب المرصد السوري لحقوق الإنسان، عاد نحو 7 آلاف لاجئ إلى بلداتهم وقراهم التي هجروها قبل الاتفاق.

إن حصول الاتفاق الروسي – التركي حول إدلب بهذه السرعة قد يُفسَّر بأن المشاورات ربما كانت قد قد وصلت إلى مرحلة متقدّمة نتيجة اجتماعات وزراء خارجية ودفاع روسيا وتركيا في موسكو قبل مؤتمر طهران، لكنّ أمرًا ما حال دون الإعلان عنه خلال هذه القمة، وتم ترحيله إلى اجتماع الرئيسين بوتين وأردوغان في سوتشي، وكان إعلان طهران عن موافقتها الفورية على الاتفاق نتيجة تعرّضها للمزيد من الضغوط الأميركية، وربما دفع احتمال أن تقف الولايات المتحدة ضدّ الاتفاق إن ساهمت إيران في تطبيقه على الأرض، الروس لاستبعاد إيران من المشاركة في الاتفاق المذكور من خلال مناورة سوتشي. من جهة ثانية، ربما تعرّضت روسيا لضغوط جدية من الأطراف الغربية، فأرادت التحرّر من عبء الموقف الإيراني والعمل مع تركيا.

الاحتمال الثاني هو أن تكون الخلافات بين روسيا وتركيا قد وصلت إلى حدّ حرج قبل الاجتماع وإبّانه، وكان لا بدّ من ترميم تحالفٍ حقّق الكثير لمصالح هاتين الدولتين، ولم يستنفذ طاقته بعدُ. وكانت روسيا قد شنّت العديد من الغارات وأطلقت الكثير من التهديدات في الشهر الذي سبق الاتفاق، فضلًا عن الحشود الضخمة لقوات النظام وحلفائه على حدود محافظة إدلب. أما أن تكون قد حصلت صفقة ما قدّمت روسيا بموجبها تنازلات لتركيا في سورية مقابل تنازلات تركية لروسيا في أماكن أخرى، فلا دلائل عليها حاليَا والأمر متروك للمستقبل.

 

ثالثًا: مواقف من الاتفاق

بمجرّد الإعلان على الاتفاق الروسي – التركي، توالت ردّات الفعل الدولية المرحّبة به، ففي اليوم التالي قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية في مقابلة مع وكالة سبوتنيك الروسية: “إننا نشجع تركيا وروسيا على اتّخاذ خطوات لمنع هجوم عسكري من جانب حكومة بشار الأسد وحلفائه في إدلب، ونرحب بأي جهد مخلص للحدّ من العنف في سورية”. وذهب الرئيس ترامب، في أثناء ترؤسه اجتماعًا لمجلس الأمن الدولي في نيويورك، 26 أيلول/ سبتمبر 2018، إلى حدّ شكر كلٍّ من روسيا وإيران وسورية وتركيا على “جهدها المبذول من أجل منع معركة عسكرية في محافظة إدلب السورية”. وبعد أقل من أسبوعين على الاتفاق الروسي – التركي أعلن المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية، جيمس جيفري، أن “الوضع الراهن في إدلب مجمّد، وهذا في حدّ ذاته معجزة”.

بعد الإعلان عن الاتفاق مباشرةً، صرّح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية، بهرام قاسني، لوكالة “تسنيم” بأن “إيران لن تشارك في العمليات العسكرية في إدلب” وإن “حلّ الوضع في إدلب يجب أن يكون دون خسائر بشرية”. وفي اليوم التالي وصف وزير الخارجية الإيراني، محمد جواد ظريف، نتائج الاتفاق بـ “الدبلوماسية المسؤولة”.

فرنسا، التي حذّرت من حدوث “كارثة إنسانية وأمنية” في إدلب، طالبتها تركيا بدعم الاتفاق في مجلس الأمن”، كما جاء في تصريح أدلى به وزير الخارجية الفرنسي، جان إيف لودريان في 21 أيلول/ سبتمبر 2018 إلى صحيفة “لوموند”.

من جهتها، طالبت المفوضية الأوروبية بأن “يضمن الاتفاق… حماية الأرواح والبنى التحتية المدنية ووصول المساعدات الإنسانية بشكل دائم ودون عوائق”، جاء ذلك في تصريح المتحدثة باسم المفوضية، مايا كوسياسيتش في 18 أيلول/ سبتمبر 2018. واعتبرت ألمانيا، التي يخيفها مجيء المزيد من اللاجئين السوريين وتنامي شعبية اليمين المتطرف المعارض للاجئين، الاتفاقَ “إشارة جيدة”. كما أصدرت وكالة الأنباء القطرية بيانًا جاء فيه: “تُرحّب دولة قطر بالاتفاق الروسي – التركي على إقامة منطقة منزوعة السلاح بين المعارضة السورية المسلحة وقوات النظام السوري”.

أما النظام السوري، فقد وافق على الاتفاق، مدّعيًا أنه جاء “نتيجةً لمشاورات مكثّفة بين الجمهورية العربية السورية وروسيا وبتنسيق كامل بين البلدين” وإنّه “سيتيح عودة مؤسسات الدولة إلى العمل في إدلب”. وتعني موافقة النظام على الاتفاق من الناحية القانونية بأنه موافق على الوجود التركي على الأرض السورية، وأن شرعية هذا الوجود تماثل شرعية الوجود الروسي ذاته.

المعارضة، بدورها، رأت أن الاتفاق “قضى على آمال الأسد في استعادة سيطرته الكاملة على سورية”، ومهما يكن، تعتبر مواقف النظام والمعارضة غير ذات أهمية، فالنظام لا يملك غير الاحتماء بروسيا، فيما المعارضة لا تملك إلاّ التشبّث بما بقي لها في إدلب بحماية الحليف التركي.

وإن كانت الفصائل المسلحة المدعومة من تركيا، كـ “الجبهة الوطنية للتحرير”، لا تملك غير تأييد الاتفاق، فإنّ للفصائل الإرهابية رأيٌ آخر، وقد سارعت جماعة “حراس الدين”، المنشقّة على “جبهة النصرة” سابقًا، إلى إعلان رفضها للاتفاق، في حين أعلنت “هيئة تحرير الشام”، في 24 أيلول/ سبتمبر 2018، أنها ستحدّد موقفها من الاتّفاق خلال أيام. وفي 27 من الشهر ذاته نقلت مصادر في المعارضة السورية أن الهيئة أبلغت تركيا موافقتها على الاتفاق سرًّا وعبر طرفٍ ثالث، لكنّ الأمر لا يبدو منطقيًا في ضوء الانقسامات الموجودة ضمن صفوف الهيئة، ويبدو أنه مجرّد شراء للوقت أو تهويمات رغبوية للمعارضة التي سرّبت مثل هذه الأنباء. وحتى بعد انقضاء نصف المدة الممنوحة لتركيا لتنفيذ الاتفاق، لم يُعلن سوى عن اجتماعات لم تسفر عن شيء بين فصائل موالية لتركيا و”هيئة تحرير الشام” لإقناعها بالانسحاب من المنطقة منزوعة السلاح.

 

رابعًا: إيجابيات وسلبيات.. فرص وتحدّيات

بادئ ذي بدء، ثمة شبه إجماع على أن الاتفاق الروسي – التركي يُجنِّب إدلب كارثة إنسانية على المدى القريب، لا يعني ذلك أن المشكلة قد انتهت أو أن الاتفاق قابلٌ للتطبيق من دون تحدّيات وعقبات، إذ إن الوضع في إدلب مرتبط بالحل النهائي للمسألة السورية، بصورة ما، الأمر الذي يجعل الاهتمام به لا يقتصر على الطرفين المتّفقين، إنما ينال اهتمام أطرافٍ كثيرة، محلية وإقليمية ودولية، بخاصة الدول الكبيرة الفاعلة وذات النفوذ في سورية، وعلى رأسها الولايات المتحدة التي تسيطر، عملياً، على شمال شرق سورية. كما يفتح الاتفاق نافذة للبحث عن حلّ نهائي لموضوع الجماعات الإرهابية، كمقدّمة لخروج المقاتلين الأجانب الذين جلبتهم إيران للقتال إلى جانب النظام.

ساهم تعزيز الوجود التركي، منذ إقامة نقاط المراقبة المدجّجة بالسلاح، ولو بصورة غير مباشرة، في انتعاش محدود للمجتمع المدني في محافظة إدلب، من خلال الحدّ من سطوة الجماعات المسلّحة، وبخاصة (هيئة تحرير الشام) والجماعات ذات التوجُّهات المشابهة، ما انعكس مؤخرًا في التظاهرات التي عمّت المحافظة لإحياء فعاليات الثورة. في كل الأحوال، ذكّر المجتمع المدني في إدلب بوجوده، وحاول لفت انتباه العالم إلى المأساة التي قد تحصل إن حدث اجتياح المحافظة، بما يساير الموقف التركي، وفي وقتٍ تبدو فيه كل الطرق مغلقة أمام أكثر من 3 ملايين مدني قد يطالهم القصف وتحاصرهم نيران الاشتباكات.

إن الحديث المتكرّر للنظام وروسيا حول قيام بعض الجماعات المسلّحة بالتحضير لهجوم كيماوي بالتعاون مع منظمة “الخوذ البيضاء”، وما قد يعنيه ذلك من نيّة مبيّتة لاستخدام الأسلحة الكيماوية، دفع الغرب لتهديد النظام بردّ قويّ في حال استخدم هذا السلاح في معركته المرتقبة. لذا، فإن الاتّفاق يبعد، على المدى المنظور، خطر حدوث تداعيات تتعلّق باستخدام الأسلحة الكيماوية والردود المحتملة عليها، الأمر الذي قد يخلط الأوراق في إدلب، ويضيف المزيد من التعقيدات على واقعٍ معقّدٍ في الأصل.

إذا كان ما سبق يعدُّ من إيجابيات الاتفاق، فإن المخاطر التي قد ترافق إجراءات تنفيذه ماثلةٌ بقوةٍ أيضًا، منها احتمال حصول احتكاكات عسكرية مباشرة بين القوات التركية الموجودة في نقاط المراقبة والفصائل الرافضة لتطبيق الاتفاق، أو غير مباشرة، بين الفصائل المساندة لتركيا، مثل “الجبهة الوطنية للتحرير”، والفصائل الرافضة، ما يتسبّب بفوضى شاملة ونزوح المدنيين من مكان إلى آخر داخل المحافظة، في حال استمرت تركيا بمنعهم من دخول أراضيها.

في هذا الصدد، يمكن أن يكون لقطر دور في الوساطة مع “هيئة تحرير الشام” (النصرة سابقًا)، من خلال محاولة إقناعها بحلّ نفسها، مع أنّ لتركيا قدرة على التواصل مع الهيئة، ولقطر سوابق في مثل هذا النوع من الوساطات والمفاوضات، مثل الوساطة التي قامت بها مع “جبهة النصرة” في اتفاق البلدات الأربع، الزبداني ومضايا وكفريا والفوعة، والذي دخل حيز التنفيذ في 13 نيسان/ أبريل 2017، وغيرها.

تجدر الإشارة إلى أن الفصائل الرافضة للاتّفاق، مثل “حراس الدين” شرعت بالتحريض ضدّه منذ اللحظة الأولى، وربما التحضير للاصطدام مع تركيا التي توجد قواتها في 12 نقطة مراقبة مسلحة تمّ تعزيزها مؤخرًا بالأسلحة الثقيلة والمزيد من القوات الخاصة، فمن الصعب، في الواقع، الوثوق بالجماعات الإرهابية والتكهُّن بتصرفاتها.

يأتي الخطر على الاتّفاق من النظام السوري أيضًا، وهو الذي يريد أن يحارب بقوات حلفائه، ولا يجد مفرًّا من الخضوع لمشيئتهم، ما قد يدفعه للجوء إلى عمليات التخريب وإثارة الفتن، فقد كشف المرصد السوري لحقوق الإنسان عن نقل النظام السوري لمئات من عناصر داعش من دير الزور إلى إدلب ليلة الأحد في 23 أيلول/ سبتمبر 2018.

أما إيران، فموقفها ملتبس، مع أنها أيدت الاتفاق ونحت تصريحات مسؤوليها نحو السلمية، فيما لا يمكن تفسير قبولها بتهجير أهالي كفريا والفوعة قبل شهرين كمؤشر على الرغبة في الحسم العسكري في إدلب، إذ قد يشير هذا التهجير إلى عكس ذلك أيضًا. مع ذلك، يبقى احتمال اصطدام الميليشيات المدعومة من إيران مع نقاط المراقبة التركية واردًا، كضربٍ من خلط الأوراق.

ولن يكون فتح الطرقات الرئيسة، أهمها طريق حلب – حماه وحلب – اللاذقية، أمرًا سهلًا، وتحتاج هذه الطرق إلى الحماية، فهل ستقوم بذلك دولٌ أو ميليشيات تابعة لها؟ وما هو الثمن؟ ومن المعروف أن “جبهة تحرير الشام” تسيطر على معظم المعابر بين محافظة إدلب ومناطق النظام وعلى 60 في المئة من مساحة المحافظة، ويدرُّ عليها ذلك المزيد من الأموال، ما يفسّر معارضتها المبدئية لاتفاق سوتشي، وحشدها لأنصارها في المركز الثقافي بإدلب، في 24 أيلول/ سبتمبر 2018، للتحريض ضدّه، كرسالة موجّهة للأتراك قبل غيرهم.

يأتي الخطر على الاتفاق أيضًا من الدولتين المتّفقتين، إذ لا يبدو أن روسيا كانت تريد مثل هذا الاتّفاق، وقد وجدت نفسها هذه المرة، مقارنة بمناطق خفض التصعيد الأخرى، في مواجهة مواقف دولية رافضة لمعركة إدلب، فاختارت التريُّث ورمي الكرة في الملعب التركي، من خلال توريط الأتراك بحل مشكلة معقّدة تتمثّل بإنهاء الجماعات المتطرفة خلال فترة زمنية قصيرة لا تتعدّى الشهر، وانتظار الفرصة الملائمة للالتفاف على الاتفاق وفسخه، كما فعلت في مرات سابقة. مع ذلك، فإنّ أولى بوادر التعاون بين الدولتين لتنفيذ الاتفاق كان الإعلان يوم الجمعة 21 أيلول/ سبتمبر 2018، عن وضع خارطة أولية للمنطقة العازلة حول إدلب، ومواقع انتشار القوات الروسية والتركية فيها.

تركيا، بدورها، ربما تعوّل على تحسّن العلاقات الأميركية – التركية، التي لا بد أن تكون، في جانب منها، على حساب العلاقات الروسية – التركية، ما يمنح الأتراك مرونة أكبر في رفض الانصياع للمطالب الروسية والعودة إلى سياسة استغلال الخلاف الأميركي – الروسي لتوسيع نطاق نفوذهم في الشمال السوري، وربما عودة تركيا إلى الانضواء بفعالية تحت راية الحلف الأطلسي، ولو أن ذلك يتطلّب وقتًا وتحولاتٍ عميقة في السياسات، ما زالت مؤشراتها غير واضحة حتى الآن.

 

خامسًا: روسيا خضوع للأمر الواقع أم انتظار الفرصة المناسبة؟

لو لم تُواجَه روسيا بالمزيد من الضغوط والمعوقات في إدلب، لكانت استمرت في اتّباع سياساتها نفسها في مناطق خفض التصعيد السابقة، واستخدمت مزيجًا من الوسائل العسكرية والتسويات لإخضاع منطقة خفض التصعيد الأخيرة في سورية. كانت العقبة الأهم أمام روسيا هي صعوبة التضحية بحليف الضرورة التركي، الذي خاف أن يتحمّل عبء موجة هجرة سورية جديدة قد تبلغ عدة ملايين إلى أراضيه. العقبة الثانية هي أن لا مكان آخر لنقل المسلحين الرافضين للتسويات إليه، ومعظمهم وصلوا إلى إدلب لأنهم رفضوا هذه التسويات في مناطق أخرى. العقبة الثالثة هي أن الغرب لن يتقبّل حصول معركة دموية وسط مئات آلاف المدنيين بهذه السهولة، ولا يمكن لروسيا تجاهل التهديدات الغربية في حال تمّ استعمال الأسلحة الكيماوية أو بدونها، فضلًا عن الثمن الباهظ الذي قد تدفعه روسيا وحلفاؤها هذه المرة، في معركة تعدُّ وجودية بالنسبة إلى الكثير من المقاتلين.

وربما دفعت الخلافات العميقة في قمة زعماء تحالف أستانا في طهران الروس للتفكير بمخرجٍ موقّت، فكان الاتفاق فرصةً لالتقاط الأنفاس، ويمكن التنصُّل منه في الوقت الملائم، فشماعة الإرهابيين في إدلب حاضرة دومًا، مع أن ما يحصل من مستجدات يشير إلى أن تلك الفرصة التي ينتظرها الروس قد لا تأتي، بل إنهم بدأوا بمطالبة الأتراك بتفسيرات تعجيزية للاتفاق، مثل أن تكون مسافة المناطق العازلة 15 كم، وأن تكون فقط في مناطق المعارضة، وأن يشرف النظام على طريقي اللاذقية – حلب وحلب – حماه، في حين أن الأتراك يطالبون بأن يكون الطريقان تحت إشراف روسي – تركي مشترك.

أمر آخر يخصّ الحليف الإيراني، الذي لم تكن مواقفه بتلك الحدّة من التأييد والمساندة لعمليات الاجتياح، وجنح مؤخرًا للحديث عن “الدبلوماسية المسؤولة” و”حماية أرواح المدنيين”. فمن جهة، من الصعب أن تضحي إيران بعلاقتها مع الجار التركي في الوقت الذي تتعرّض فيه إلى المزيد من الضغوطات والعقوبات الأميركية، ومن جهة ثانية، ربما وجدت إيران الفرصة سانحة لتنتقم من الحليف الروسي الذي سمح لإسرائيل بتوجيه الكثير من الضربات الموجعة لمواقعها في سورية من دون أن يفعل شيئًا، أو أن تكون هي قادرة على الردّ، ولو بما يحفظ الكرامة.

 

سادسًا: المهمة التركية الصعبة

المهمة الملقاة على عاتق تركيا عسيرة، ولديها أقلّ من شهر لإقامة المنطقة العازلة بالتعاون مع روسيا، وعشرون يومًا ونيّف لسحب الأسلحة الثقيلة منها، وهي مدّة تعجيزية في ضوء إعلان بعض القوى الإرهابية عن رفضها للاتّفاق، ومعظمها يرابط في مواجهة القوات النظامية وحلفائها، أي في قلب المنطقة التي ستصبح منزوعة السلاح. وقد يكون بطء الإجراءات التركية حجةً للروس من أجل التنصُّل من الاتفاق والقيام بعملية عسكرية يصعب تحديد مدتها واتساعها.

تبدأ معالجة موضوع المجموعات المسلحة في المنطقة منزوعة السلاح بتحديد ماهية المجموعات التي ستبقى وتلك التي ستغادر وإلى أين؟ وفي اليوم الأخير من شهر أيلول/ سبتمبر 2018، أي بعد نحو أسبوعين على الاتفاق، أعلن “المرصد السوري لحقوق الإنسان” عن مغادرة أول فصيل مسلح “فيلق الشام” المنطقة منزوعة السلاح غرب حلب، ولم يلبث هذا الفصيل، كما “الجبهة الوطنية للتحرير”، أن أنكر أي حركة لأسلحته الثقيلة في المنطقة منزوعة السلاح.

في كل الأحوال، قد يكون تنفيذ المرحلة الأولى هو الأسهل؛ أي ترحيل المسلحين خارج المنطقة العازلة، ضمن محافظة إدلب، ولو أن ذلك مرتبط بموقف “هيئة تحرير الشام” النهائي من الاتفاق، بعد أن رفضته مجموعة “حراس الدين” المرتبطة بـ “القاعدة”.

المشكلة الأكبر هي وجهة الترحيل النهائية في حال حصلت المرحلة الأولى بسلاسة، فهل سيتم ترحيل الجماعات المصنّفة إرهابيةً، دوليًا وتركيًا، إلى مناطق سورية تسيطر عليها تركيا، كعفرين، بنيّة “تدويرهم” للقيام بمهمات أخرى مرتبطة بالمصالح التركية، مثل مواجهة بقايا المشروع الكردي في شمال سورية؟ أو يتم ترحيلهم إلى البادية بالاتفاق مع روسيا، تمهيدًا للتعامل معهم في مرحلة تالية، وهو احتمال ضعيف يعاكس خطّ ترحيل الرافضين للتسويات من مختلف مناطق سورية إلى إدلب.

الاحتمال الثاني هو ترحيل الإرهابيين إلى بلدانهم الأصلية، ما يتطلّب تعاونًا دوليًا، بخاصة من قبل الدول التي جاؤوا منها، في حين يتمثّل الخيار الثالث بتسرُّبهم أو تسريبهم إلى دول أخرى ما زالت تشهد نزاعات مسلحة، كاليمن وليبيا وصحراء سيناء، مع أنّ ذلك دونه المزيد من العوائق والمواقف الدولية الرافضة لهذا الإجراء، والدول الواقفة له بالمرصاد.

وفي كلّ الحالات، يصعب التخلّص من الإرهابيين الأجانب من دون معارك عسكرية يتوقّع ألاّ تقتصر المشاركة فيها على تركيا والفصائل المدعومة منها، فقد يكون تدخل روسيا وقوات النظام ضروريًا لتشكيل فكّي كماشة من أجل الإطباق على هذه العناصر، وربما يكون الاتفاق الروسي – التركي قد لحظ وضع خطّة للتخلّص من هؤلاء (يبلغ عددهم عدة آلاف مقاتل ينضوون في إطار جماعة “حراس الدين” و”الحزب الإسلامي التركستاني” و”هيئة تحرير الشام – جبهة النصرة سابقًا”)، من خلال لجان التنسيق الأمنية العاملة بين البلدين بهذا الخصوص، ولا سيّما أنهم لا يشكلون خطرًا على الأمن القومي التركي فحسب، إنما على الأمن القومي لروسيا أيضًا، وربما هو الأمر الوحيد الذي يُفترض أن لا خلاف عليه بين الدولتين الموقعتين على الاتفاق.

المطروح فيما يتعلق بـ “هيئة تحرير الشام” هو العمل على تقسيمها إلى فصيلين، وفقًا لمقياس التعاون مع تركيا أو الرفض، حيث من المتوقّع أن ينحاز معظم المقاتلين السوريين في الهيئة إلى تركيا ويقبلوا بالاتفاق، في حين سيرفض ذلك معظم المقاتلين العرب والأجانب، وربما بعض المقاتلين السوريين أيضًا.

 

سابعًا: هل تكون بداية الحلّ السياسي من إدلب؟

كان لا بدّ من وقف الجموح الروسي لاجتياح إدلب، ليس فحسب بسبب حتمية حدوث كارثة إنسانية، اعتاد العالم على العديد منها في سورية منذ بدء الثورة على نظام الاستبداد، إنما أيضًا لأن ذلك سيضّر بمصالح الآخرين المنتظرين حصة من الكعكة السورية المهشّمة، وأولهم الحليف التركي لروسيا في أستانا.

يبدو من استعراض المواقف المؤيدة للاتفاق الروسي – التركي حول إدلب بأنه يمثّل نقطة تقاطعٍ لمصالح العديد من الأطراف، وقد جاء في الوقت الملائم، لا ليحلّ هذه المشكلة المعقّدة دفعةً واحدة، إنما ليمنح مختلف الأطراف المعنّية الفرصة لإعادة ترتيب أوراقها أو التقاط أنفاسها، على أمل حدوث تطورات إيجابية تفتح آفاقًا أخرى، ربما من خلال ربط مصير إدلب بتعزيز العملية السياسية شبه المتوقّفة.

كما أن ثقل الانخراط الأميركي في المسألة السورية، في الآونة الأخيرة، ضيَّق الخناق على محاولات الروس والإيرانيين للتحضير لحلّ سياسي يلائمهم، ما قد يفتح الطريق أمام إعادة تجميع الجهد الدولي المتنوع ليصبّ في اتجاه الحلّ المستند إلى مؤتمرات جنيف وتعديلاتها، والمدعومةً بأكثر من إعلان مبادئ ورؤية لحلّ المسألة السورية، والتي صدرت عن دول التحالف الغربي خلال السنوات الأخيرة، وما سينجم عن ذلك، في مرحلة تالية، من ضخّ المزيد من الأموال اللازمة لبدء خطوات إعادة الإعمار على نطاقٍ واسع.

انطلاقًا مما سبق، ثمة فرصة، ولو ضئيلة، للبناء على هذا التوافق الدولي الهشّ، وتطويره إلى توافقٍ على الحلّ السياسي في سورية، بعد إدراك الروس المتزايد بأنهم أضعف من أن يواجهوا إرادة الدول الغربية التي مالت إلى التوحُّد ضدّهم في نهاية المطاف، وإنّ كلام وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، عن أنّ “الاتفاق مرحليٌّ”، لا يعدو كونه هروبًا إلى الأمام من مواجهة هذا الاستحقاق. البديل عن هذا التوافق الدولي هو المزيد من الفشل والنشاط الإرهابي، والحروب الصغيرة التي قد تُشعل حروبًا كبيرة تصعب السيطرة عليها أو الإحاطة بنتائجها.

 

ثامنًا: خاتمة

يكثّف تعقيد الوضع الراهن في محافظة إدلب حوادث الثورة السورية وما أعقبها خلال سبع سنوات ونيّف، ومنه تداخل المصالح الإقليمية والدولية وتشابكها، واستعمال الجماعات الإرهابية أو إفساح المجال لها للانتشار كسلاح ضد الخصوم والأعداء، ما جعل من سورية أرض بلقانٍ جديدة تنتظر توافق الكبار على رسم خرائط النفوذ.

بناء على ذلك، ليس من المتوقّع أن يسفر الاتفاق الروسي عن تغيير جوهري في مستويات الصراع، واحتمال أن يضيع كفرصة أخرى من تلك الفرص الكثيرة التي ضاعت بين سنابك خيول المتنافسين داخل سورية وخارجها. فرقٌ واحد يتمثّل بأن الاتفاق جاء في بداية النهاية لمأساة القرن الواحد والعشرين السورية، ما قد يجعل منه نقطة ارتكازٍ أكثر ثباتًا للمضي قدمًا في اتجاه حلّها.

يمنح الحلّ، الذي ما زال بعيدًا في الأفق، الأمل للسوريين وينعش آمالهم، أو آمال من تبقّى منهم، لاستعادة كرامتهم وحريتهم، وقد خبروا كل المستبدين، قبل الثورة وبعدها، وأصبحوا أقرب إلى تقبُّل العيش خارج منظومات الاستبداد المتنوعة، العسكرية والمدنية والدينية.

 

 

شارك هذا المقال

قم بالتسجيل لتلقي النشرة الدورية