وحدة المقاربات القانونية

الآثار القانونية المترتبة على النزاع المسلح في سورية

مقدمة

انتشر التداول في مفهوم تدويل النزاعات المسلحة غير الدولية أو الداخلية على نطاق واسع خلال السنوات الأخيرات، وخاصة في ضوء النزاعات التي تدور رحاها في بعض دول الشرق الأوسط، كسورية واليمن وليبيا. فحال تدخل قوى خارجية في نزاع مسلح غير دولي (None International Armed Conflict- NIAC) ، تنشأ الحاجة إلى تحديد طبيعة النزاع من حيث كونه نزاعًا دوليًا، أم نزاعًا غير دولي أو داخلي، أم إنه نزاع غير دولي له صفة التدويل (Whitelaw, 2016).[1] وفي الأحوال كلها، يثور السؤال بشأن الآثار القانونية المترتبة على أي نزاع مسلح، والقواعد والأحكام القانونية التي تحكمها.

انتشرت ظاهرة تدويل النزاعات المسلحة الداخلية بعد الحرب العالمية الثانية، ومنذ حرب فيتنام تحديدًا، حيث باتت صفة ملازمة للدول النامية التي تتحكم فيها أنظمة مستبدة وفاسدة، جاءت إلى الحكم عبر الانقلابات العسكرية. وبحكم عدم استقرار هذه الأنظمة التي لا تعبر عن تطلعات شعوبها في الحرية والعدالة، فإنها تواجه في الأحيان معظمها احتجاجات، تبدأ بصورة اضطرابات شعبية داخلية احتجاجًا على سياسات الحكومة وممارساتها، ما تلبث أن تتحول -في معظم الأحيان- إلى نزاعات مسلحة داخلية (حروب أهلية) بين القوات الحكومية وجماعات مسلحة مناهضة لها. هذا الواقع، غالبًا ما يتيح المجال لتدخل قوى إقليمية كبرى، بطلب من المتحاربين، أو بموافقتهم الضمنية، ما يحدث تغييرًا في طبيعة النزاع، ويؤثر في جعله أكثر تعقيدًا.

لعل النزاع المسلح الدائر في سورية منذ ما يزيد على سبعة أعوام هو أوضح نموذج للتدخلات الخارجية الواسعة والمتشعبة، بحكم استقطابه قوى إقليمية ودولية مختلفة ومتصارعة في ما بينها كالسعودية وتركيا وإيران وروسيا والولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا وفرنسا، فضلًا على مئات المليشيات والمجموعات المسلحة التي تتلقى الدعم من هذه الدول. أضفى هذا على هذه الحرب الداخلية صفة حرب بالإنابة، تدار لمصلحة هذه الأطراف، بمعزل عن إيلاء أي حساب لتطلعات السوريين ومصالحهم على اختلاف انتماءاتهم القومية والعرقية والدينية.[2]

تسلط هذه الورقة البحثية الضوء على النزاع المسلح في سورية، والآثار القانونية المترتبة عليه. سنستعرض في سياق الورقة مسار الحوادث عرضًا مقتضبًا من حيث تطور الاحتجاجات السلمية إلى نزاع مسلح داخلي، ومن ثم تكييف النزاع المسلح ومدى ملاءمته لتوصيف النزاع المدول وقواعد القانون الدولي الإنساني موضع التطبيق وأحكامه. في القسم الأخير سنستعرض النزاع السوري بصفته نموذجًا للتدويل وإبراز قواعد القانون الدولي الإنساني وأحكامه والمعايير الدولية لحقوق الإنسان واجبة السريان.

تستند هذه الدراسة والمعلومات الواردة فيها إلى قراءة الدراسات القانونية التي أجريت بخصوص تدويل النزاعات المسلحة الداخلية، وتحليل قواعد القانون الدولي الإنساني العرفي والتعاقدي وأحكامه ذات العلاقة، ومراجعة تقارير ووثائق لجنة التّحقيق الخاصة بالجمهورية العربيّة السّورية، وتقارير الّمنظّمات الدّولية والسورية لحقوق الإنسان.

[1] Ian, Whitelaw. Internationalization of Non-International Armed Conflict, Perth international Law Journal 30, 2016, P. 1.

[2]كذلك الامر بالنسبة إلى النزاع الدائر في اليمن الذي استقطب دول مجلس التعاون الخليجي بقيادة السعودية لدعم القبائل العربية، بينما تدعم إيران الحوثيين وحلفاءهم اليمنيين، ما يجعلها حربًا داخلية أو اهلية تدار بين السعودية وإيران ولمصلحتهما.

 

شارك هذا المقال

قم بالتسجيل لتلقي النشرة الدورية