دراسات في الأدب والفن

ما علاقة الشعر بالثورة؟ مقدمة نظرية في قراءة الشعر السوري خلال الانفجار الكبير

لم يعد غريبًا ملاحظة تكرار الأسئلة النمطية ذاتها حول دور الشعر، والأدب بعامة، في مراحل الأزمات الكبرى التي تعصف بمجتمع ما. ومن هذا الباب رأينا ونرى تساؤلات لا تكفّ عن الطرح حول الشعر السوري في مرحلة ما بعد آذار 2011، وهي المرحلة التي تمّ توصيفها من قبل عدد من الكتاب (بالانفجار الكبير). وهو بالفعل تعبير يعطي بأريحية خالية من الأدلجة المسبقة، نوعًا من حرية الحركة، وأنت تتابع ما صدى ذلك (الحدث) على النص الشعري. فتحت مظلة (الانفجار الكبير) ممكنٌ أن نتكلم عن أطياف من الشعراء مختلفين في الرؤيا السياسية حول سورية (الانفجار)، لكن اختلافهم على ما فيه من تناقضات وتناحرات إلغائية أحيانًا، لم يكن ليحرّم علينا رصد الشعر نفسه، إلا ما خان بدرجة أساسية رسالته الطبيعية التي لا يمكن تلويثها بصراعات أيديولوجية أو اصطفافات ضيقة الأفق. و(ما خان) هنا تذهب إلى الشعر وليس إلى الشعراء. فهناك بطبيعة الحال شعرٌ رديء يحمل قيمًا ملوثة بخلفيات صراعٍ دمويّ لا مصلحة لركامة الإنسان فيه.

وإذا كان ما جرى (انفجارًا كبيرًا)؛ فليس بالضرورة كناتج ميكانيكي أن يكون الشعر قد أنجز (انفجارًا كبيرًا) في مملكته، لا سيما أننا لا ننطلق من مثل هذا الرابط الميكانيكي بين الموضوعين. وإذا كان عدم حدوث انفجار شعري أمرًا غير مستحبّ ولا مرغوب، فهو ليس سيئًا إلى درجة اتهام الشعر وإدانته. وفي حدود المتاح والمقدور عليه، تمّ لشعراء هنا وهناك أن يقدموا ما لديهم، وما قدموه كان هو الأرضية التي بنيت عليها هذه المقدمة.

تنطلق هذه الأوراق النقدية من كونها (مقدمة نظرية) لقراءة الشعر السوري الموازي لذلك الانفجار الكبير، وليست قراءة تطبيقية تستدعي مثول الشاعر بنصوصه، بل هي مبنيّة بصورة مركزية على القراءة المستمرة للشعر السوري، ومن حركته وآفاقه ومآلاته تمّ تشكيل هذه المقدمة، لأننا لو ذهبنا هنا ضمن محاور هذه المقدمة إلى استدعاء الشعراء بالأسماء، فسوف نحتاج إلى تفصيلات ومساحات أوسع قد يستوعبها كتابٌ ينطلق من هذه المقدمة. هي إذًا بناءٌ نظريّ محمولٌ على قراءة واقعية أفضت في النهاية إلى تشكيل هذه المقدمة. ومن نافل القول أن ما ارتكزنا عليه في المقدمة هو (كثيرٌ) من الشعر السوري، وليس (كله)، فتلك فضيلة لا يزعمها أحد. ولكن كما هو متاح نقديًّا، فإن الكلام على المنجز الأدبي يتمّ من خلال (ظواهره) العامة. وعلى هذا كانت دراسات تحمل عناوين مثل: (الشعر السوري في الخمسينيات، الشعر المصري في السبعينيات، الشعر الألماني بعد الحرب)… إلخ.

لا تحمل هذه الأوراق أي اعتقاد بعلاقة وظيفيّة للشعر يؤديها تجاه الثورة. ففي الأساس يكمن عمل الشاعر في الثورة، التي تبدأ من اللحظة التي يجد نفسه شاعرًا. نعاني الشعر المتكلف لموضوع الثورة، كما عانينا شعرًا جبانًا في علاقته باللغة مثلًا، والمرأة، والتاريخ والوجود. سوف نجد أن كثيرًا من الشعر العربيّ جبان متخاذل في هذا الموضوع، وهذا ينطبق على علاقة الشعر بالثورة كـ (موضوع). إن الشعر الخلاق لا يرضخ لطبيعة الخطاب السياسي الثوريّ بوصفه عملية اجتماعية وشعبية وانقلابية، حتى لو وقف مع ذلك كله، بل ينبغي له الوقوف مع ذلك، ولكن حين يدخل في لعبة الشعر، فعليه أن يحترم خصوصية شروط اللعبة ولا يُدخلها في شروط أخرى.

يروي جان جاك لورسكل في كتابه (عنفُ اللغة)[1] واقعةً ذات معنى بعيد، عن الرسامين الفرنسيين كورو[2] وكوربيه[3]، إذ يذهبان معًا في رحلات للرسم، فيُمضي الأول ساعاتٍ في البحث عن زاوية مناسبة لينصب فيها منصّة الرسم، بينما الثاني يديرُ ظهره له ويبدأ برسم ما يراه أمامه مباشرة.

الحادثة سواءٌ أكانت كما يسميها أسطورةً، أم كانت واقعيةً، فهي تحمل أكثر من دلالة، ويمكننا (انتهازها) على أكثر من وجه، وفي حالات متناقضة. فمن ناحية يبدو من الضروري أن نبحث بعمق وتأمل عن زاوية نظر، حتى لا نقع في الارتجال والتّسرع، بعكس الذي يبدأ بالتحليل والتقولات مباشرةً، كذلك من ناحية نقيضة، ثمةَ ما ينبغي أن نقوله مباشرةً، ومن غير تردد، لأنه من المفترض أن تكون زاويةُ النظر أساسًا واضحةً في أذهاننا، ويبدو معها من يستغرق وقتا في التأملات التي قد تصل به في مواقف حاسمة، كما هي الآن الحالة السورية، إلى أن يتذرّع بأسبابٍ معقّدة في ذهنه وحده، عن سبب التباطؤ والتلكّؤ في اتخاذ موقف واضح لا لبس فيه. وإذا وضعنا كلمة (شاعرين) بديلًا من (الرسامين) فسوف نعثر على قطاعين شعريين واسعين في التجربة السورية الموازية للمأساة السورية الراهنة والمستمرة؛ قطاع يعمل بتروٍّ وحكمةٍ مصحوبين بالخبرة والممارسة، وقطاع قد نحكم عليه بالتسرع في تحديد زاوية النظر، وهذا منه كثيرٌ ربما كانت كثرته برهانًا سيئًا على أن الشعر يستجيب للانفعالات وردود الفعل أكثر من غيره من الأنواع الأدبية، في حين إن الإبداع برمّته ينبغي له التريث، ولا يعني التريث أن تنتظر سنين طوالًا للكتابة، بل إن التريث هو في عدم تأليف نصوص شعرية تسمى (قصائد) من منطلق التنفيس في ما يشبه عملية تطهير ذاتيّ خلاصيّ. لا شك في أن للفنّ مثل هذا الدور، على ألا ينسينا ذلك أن الشعر ليس تسجيلًا ميكانيكيًا لنبضات قلب مريض تنعكس بسرعة على شاشةٍ مضاءة.

واستطرادًا في ذلك، تحضر في الذاكرة النقدية فرضيتان حول كتابة الشعر في مثل هذه الأحوال، واحدة منهما عبر عنها نزار قباني حين سئل عن شعره (السياسي) فقال: “وبكل صراحة، أعلن أمامكم أن كل الملاحم السياسية التي ملأنا بها الدنيا قرقعةً وضجيجًا.. لم تكن أكثر من ريبورتاجات صحفية وضعها التاريخ في سلّة المهملات”[4] (1994) والفرضية الثانية أعلنها ممدوح عدوان في فترة الانتفاضة الفلسطينية الأولى، حين رفع مقولته: (أيها الشعراء، اكتبوا شعرًا رديئًا)! وكما يظهر مباشرة، فهناك رأيان متناقضان في هذه الحالة. نتذكر هاتين الفرضيتين لنرى أنهما صالحتان للمثول في أدوات القراءة النقدية الموازية للشعر السوري الذي صاحب ذلك (الانفجار)، على أن رأي نزار قباني بما فيه من قسوة نقدية غير مسبوقة على ذاته، هو الأصعب لدى أي مرحلة شعرية، أو تجربة شعرية شخصية. فنادرون أولئك الشعراء الذين يعيدون النظر إلى هذا الحدّ البالغ الصراحة في نتاجهم، بل إنهم يستكينون إلى (البحبوحة) التي بررها ممدوح عدوان أخلاقيًّا، فمن أجل الوقوف إلى جانب الانتفاضة ودفاعًا عنها لا بأس من كتابة الشعر الرديء، وهذا ما حصل في نصوص سورية كثيرة، استغلت ذلك الانفجار السوري الشرعي لتأخذ منه مسوغات وجودها وانتشارها. والرداءة تلك ليست في النصوص العادية والخالية من أي ملمح شعري فقط، بل هي مبثوثة في تلافيف نصوص تنافقُ وترائي المشهدَ لتكسب شرعية أكثر تُستثمَر في مجالات شتى إعلاميًّا وماديًّا ونشاطًا، إذ صار يكفي أن تعلن شتم النظام وتأييد (الثورة) عبر لغة نمطية هامدة فقيرة، لتفتح لك أبواب الانتشار. ما الذي يفضح الشاعر في مقام التقييم النقدي؟ إن ذلك ينصبّ أساسًا على (اللغة). فاللغة تشكّل التحدي الأكبر والأعمق للشاعر أكثر من غيره من الأدباء، فما يدخل في وعيه ولاوعيه من تجارب مادية ومعنوية، تختمر هناك في طبقات روحه، بنيتهِ العميقة، لتتحرك في ما بعد طالبةً منه أن يقولها، يشكلها في صياغات وتركيبات لغوية. هنا تبدأ معاناته مع اللغة، خاصة حين تكون اللحظة التاريخية التي تحيطه وتشرط حركة كتابته، هي كتلك اللحظة السورية التاريخية النادرة. من جهة فإن تلك التجارب والرؤى والخبرات كلها تصل إلى درجةٍ من الكثافة والغموض والتداخل إلى حدّ ألا يُتركَ للشاعر إمكان قولِها كما هي على وجه التحديد والتعيين، ومن جهة ينبغي عليه ألا ينتظر كثيرًا ليقول، فهناك استحقاقات أخلاقية وإنسانية، وهناك من ورائها استحقاقات جمالية فنية. وكثيرًا قيل عن أزمة الشاعر مع اللغة، التي تضيق كلما اتسعت الرؤيا، أو التي تضعه أمام جدارٍ مسدود، أو تلك التي تتهرب من بين يديه وتتأبّى على الاستجابة لما يريد قوله بالضبط. أما إذا كانت الخلفية لذلك ما حدث ويحدث سوريًّا، فإن الرؤية مضطربة مشوشة، وأحيانا عصيّة على الانضباط خارج منطق الانفعال والخراب الداخلي الذي يميز الشاعر في هذه الحالة من غيره ممن هم يشاركون في تلقّي الخراب المادي والملموس على طول الوقت، بل إن هؤلاء على الأقل من الناحية الأخلاقية، مؤهلون أكثر منه لحمل الرؤية والتعبير عنها حتى ولو كان عبر ردود فعل وتقصفات وجدانية وتشظٍّ واقعي لا يرحم ولا ينتظر عملًا شعريًّا يتفضل عليه بالرؤية ولا الرؤيا.

الشاعر ـ في الوضع الطبيعي الآمن ـ حين يرضى عما أنجزه هو شاعر خائبٌ، فاشلٌ، يدعي الوصول، وما في الشعر وصولٌ. الشاعر يموت ولا يقول ما يريده، ولو قال ما يريده، لانتهى الشعرُ من العالم. وهو بكل تأكيد لا يحقّ له أن يدعي قول ما أراده وهو يعاين عن قرب أو بعدٍ، تلك المأساة التي عصفت بالبشر والطبيعة والحلم والقيمِ والسياسة والاقتصاد…إلخ بل إنه سيضع يده بشكل فاقع على (عجزه) عن القول مهما قال. وربما دفع اليأس بعضهم للصمت، لكن في الحقيقة، ومن منظور امتلاك القدرات الشعرية الخاصة، لا أظن أن مبرر اليأس مقنع أخلاقيًّا لصمت بعض الشعراء، خاصة وأن بعضًا منهم تجده مشاركًا في الحياة العامة بصورة أو بأخرى، في الداخل أو في الخارج، ما يدفع المراقب النقدي للحكم على أن ذلك انسحابٌ وتخاذل وليس صمتًا. هناك ما يمكن تسميته بالصمت الجمالي، مناقضًا الصمتَ الأخلاقي، الصمت الثاني مرفوض في لحظات كبرى من دمار وخراب وقتل، أما الصمت الجمالي فهو طريقة أداء الشاعر (باعتبار الحديث عن الشعر هنا) في تقديم نصوص تقول وترصد وتتأمل في تلك الأزمات الطاحنة. بوصف آخر إن الصمت الجمالي هو انخراط في اللحظة العاصفة، بأدوات الهدوء والتأمل التي تتطلبها الشروط الجمالية للشعر، وذلك ما استطاع الشعراء السوريون فعله في عدد وإن كان قليلًا من الأمثلة، وكان هذا مؤشّرًا على سلامة البوصلة الفنية لدى هؤلاء. في حين انشغلت الكثرة العمومية بتقليد ما يكتب أفرادها هنا وهناك، ليتم إعادة استنساخه وطرحه في سوق التشابه والتماثل المحايد، وقد ساعدت وسائل الاتصال الحديثة على شيوع مثل هذا النمط كثيرًا.

ويلاحظ أن مزاج القراءة في هذه المرحلة بات مزاجًا محددًا يدور في فلك الحدث والواقع اليومي، ما يجعل كثيرين يقرؤون النصوص الشعرية كلها تحت تأثير هذا الواقع، وأحيانًا تكون القراءة خاطئةً، فليس معقولًا أن يكون الشعرُ مرتبطًا على طول الوقت بالواقع، وانعكاسًا مباشرًا وآنيًّا له، مهما بلغت خصوصيته واستثنائيته. ليس معقولًا أن تطرح قصيدةٌ مثلًا فكرة فلسفية أو وجودية أو كونية، ويأتي الآخرون ليقزّموها ويحصروها في شؤونٍ لا تمتّ بصلة مباشرة لها.

طبيعة الشعر تفترض أن يذيب الشاعر التفاصيل والوقائع كلها في رؤية شاملة للعالم، وهو لذلك ليس تعليقًا ولا تحليلًا ولا رد فعل على الواقع والأحداث.

يعطينا هذا الأمر مثالًا فجّا على رغبة الناس، أو ما يعرف بالجمهور، في التعامل مع الشعر على أنه (وظيفةٌ) لا فنّ. لهذا تظهر ألقاب مائعة في هذه الأحوال مثل (شاعر الثورة) (شاعر الحرية) (شاعر الوطن)… إلخ، ويغيب في ذلك كله اللقب الأهمّ وهو (شاعر الشعر)، ولا تصمد هذه الألقاب أمام تفكيك الذهنية الجماعية لتلقّي الشعر وهي الذهنية التي يدخل الحسّ القبائليّ في ثناياها. حيث تريد كل قبيلة (معاصرة) الاحتشاد وراء (شاعرها). إن الفحص النقدي لكل من لقب نفسه بتلك الألقاب أو رضي أن يكون طرفًا في لعبتها، سوف يفضي إلى ضحالة الشعر وغلبة الشعار.

قليلٌ من التذكير بطبيعة الشعر لا يضرّ، وقليل من اتساع زاوية القراءة يعطي النص مدى أرحب مما يريد بعضهم حصره فيه.

ولا يمكن أن نهمل نوعًا من الأسئلة المتولدة من تلك الذهنية الجماعية والدوغمائية، ومنها: (هل يرقى الشعر السوري إلى مستوى هذه الكارثة ـ الحدث ـ التراجيديا، التي يكتب عنها؟) نصِفُ مثل هذه الأسئلة بالدوغمائية لأنها مطروحة من غير أدنى تفكير. ما جرى في سورية هو بكلمات قليلة: قتل، قصف، وحشية، ذبح طائفي، تشريد تخريب تجويع. هذه قضية أولى، تقابلها القضية الآتية: الشعر نشاط جمالي يوطد الإنسانية والأمل والحياةَ والحرية والتنوع والانطلاق الإنساني، فكيف تريد من الشعر أن يرقى إلى مستوى القصف والقتل والتشريد والتجويع؟ هذا بالضبط ما تعنيه تلك الجملة! ونحن علينا أن نعكس السؤال ليصبح: لماذا لا يرقى السوريون في هذه الكارثة إلى مستوى قيم الشعر؟ الشعر هنا ليس قصيدة مكتوبة ومجازات متعوب عليها، بل هو جوهر الوجود وفرحه وحريته وحبه وجماله، هو القيم الكبرى والبسيطة التي يسعى الإنسان إلى امتلاكها والتمثل بها. وإذا كان علينا أن نجيب على ذلك السؤال الساذج بجواب عمليّ لقلنا: لا لم يرق الشعر إلى ذلك المستوى، ولكن هذا لا معنى له وهو يشبه قضية فاسدة في المنطق، غير مكتملة الأدوات لتصبح سؤالًا ذا معنى. كل ما جرى في سورية يصب في خانة السفالة والوضاعة، ولا يمكن لشعر أن يرقى إلى الأسفل والوضيع.

أما إذا أردنا رؤية عناصر أخرى في القضية، فنقول: إن الحروب والثورات والقتل والدم، ذلك كله يمضي وينقضي، ويصبح نقطة سوداء في ذاكرة البشر، وما يبقى عادة هو الشعر الذي واكب وتأثر وانشغل بتلك الأمور. وبكل تفاؤل نقول نعم، هناك شعر سوريّ سوف يبقى شاهدًا شهيدًا على هذه المرحلة، وهو ككل مرحلة شعرية إبداعية، كمّ قليلٌ، لكنه موجودٌ ولا يمكن لمتابعٍ تجاهله. وكونه قليلًا لا يعني أيّ شيء سلبي، فكل شعر حقيقي قليل في أي مكان وزمان. أما أولئك المتشائمون الذين لا يقدمون سوى أسئلة باهتة مكررة ومستهلكة: أين الشعر مما يجري؟ وأين الفن وأين…إلخ فهؤلاء لا وقت لديهم ليرصدوا ما يتحرك على أرض الشعر وغيره من الأدب، وهم مشغولون بالمردود الإعلامي والمادي لنشاطهم. ويبدو أن إنكار الإبداع جزء من عملهم.

في هذا السياق، مأمولٌ أن يراجع الشاعرُ ذاته من النّواحي جميعها، من كل اتجاه، الذات الفردية والجماعية والكونية والثقافية والطبيعية. في وقتٍ يستمرّ فيه سفح الدم السوري، والعربي بعامّة، على يدِ الطغيان السياسي والعسكري الباطش، كما على يد الأصوليات المسلّحة التي يمكن وصفها بأنها متكاملةٌ من حيث طبيعتها السياسية والدينية. ويجد الشاعر نفسه في مثل هذا المشهد المأزق مطالبًا بأن يكون منسجمًا مع مفهوم الحرية بغضّ النظر عمّن يكون عدوًّا. وينبغي له أن يعبّر في رؤيته ومواقفه عن انحيازه للحرية سواء أكان من يسرقها هو نظامٌ استبدادي أم نظامٌ فكريّ ثقافي منغلقٌ. حتى إن الحرية بوصفها مفهومًا كبيرًا لا ينتظر وجود عدوّ مجسّد حتى يكتمل معناه، فالحرية ضرورة قائمة بذاتها وليست متعدية لشروط أخرى تبرهن عليها. وهنا يكمن خصبّ دلاليّ هائل للشعر ومخيلته أو علاقته الملموسة.

وفي أصل نظرة الشاعر للعالم تكمن تلك الطاقة المقدسة العاشقة للحرية، وباعتبار أن الدولة في تاريخنا العربيّ سرعان ما تصبحُ سلطةً، فعلى الشاعر دائمًا معارضة الدولة / السلطة، وكل اتفاق معها وانسجام وتصالح هو خيانةٌ لطبيعة الحالة وتعدٍّ على حدود الحرية. لا يمكن للشعر إلا أن يكون معارضًا، وينبغي التفريق بين معارضته وبين الشكل السياسي للمعارضة، فالشعرُ حتى لو كان ينطوي على موقف سياسي، لكنه يتحرر من لغة السياسة ومتطلباتها وتعبيراتها، ففي التقاء الشكلين قتلٌ للشعر الحقيقي. وهنا تحضر وظيفة الموهبة الفائقة للشاعر، هي ما يحصّن انزلاقه في الخطاب السياسيّ.

يقف الشعرُ غاضبًا من شعراء سوريين مهمّين، يفتخر بهم تاريخ الشعر ومستقبله، كانت مواقفهم السياسيةُ بمعزل عن النص الشعريّ، مواقفَ متهاويةً إلى دركٍ، إن لم يكن أسفل، فهو سافلٌ. ومع الانتقاد القاسي لهؤلاء، ورفض أدائهم واستهجانه، فلا يجوز خلط الأوراق بعضها ببعض، بحيث يعثر بعضهم، على فرصةٍ لا أخلاقيّة يمارسون فيها تشفّيهم وهوسهم بقتل تاريخ هؤلاء الشعراء، ونسف عشرات السنوات من عمرهم الإبداعي والثقافيّ، بحجة الموقف السياسي. تلك ساعةٌ تحتاج إلى شجاعةٍ وعقلانيّة باهظة، ربما لم تتوافر للكثيرين وهم يعانون القتل والنسف والذبح والتهجير والاغتصاب… إلخ. ولكن إذا كان لبعضهم فرصةٌ أخرى للتفكير بشكل نقدي وعقلاني فلا يجدر بنا أن نرفضه. حيث من المجدي دائمًا أن يوجد من يفكّر ويؤشّر على الطريق السليم على المستوى النقدي. على أننا لا نتهاون لا نقديًّا ولا أخلاقيًّا مع (نصّ شعريّ سوريّ) يحمل قيم الذبح والطائفية والتشبيح والطغيان. فإذا ما وجد هذا النص فلا نتردد في فضحه والتشهير بأخلاقيات صاحبه.

ولكن عادةً يواصل الشعر بطبيعته الجوهرية، بحثه عن آفاق التعبير الجمالية مهما كان الواقع دمًا وحربًا وقتلًا وتشويها للروح، فلا مجال للشعر إلا أن يفكّر بطريقته في الواقع، فلا يغفل عن ضرورة تقديم نماذج من الجمال والحب والمواقف الإنسانية المنسية، في عتمة بحر الدم. لا بد للشعر أن يقلب الطاولة دائمًا على طغاة وجاهلين وعسكريين يدعسون على الورد والقمح والروح، بأن يسرق الورد والقمح والروح إلى جانبه ويحتضها ولا سبيل له غير ذلك. هذا لا يعني أن يجمّل الشعر الواقعَ، فما مرّةً طولب الشعر بالكذب والنفاق، وليست مقولة “أجمل الشعر أكذبه”، إلا واحدةً من المقولات التي تعامل معها لاوعينا بطريقة مؤذية لطبيعة الشعر. حيث الكذب هنا ليس تحريف الأخلاق، بل هو الخيال الطبيعي الذي يقول للآخرين ما لا يرونه وما لا يقع في حسابهم.

على أرض الواقع لاحظنا وتابعنا نصوصا وكتبًا في هذه المرحلة، تتخذ من القيم الجمالية مظلّةً أخلاقية راقية يردون بها على القيم المتسفّلة الاستبدادية الفاقعة. فلم تغب عن بال هذه التجارب قيم الحب والفرح والطبيعة والغناء والجسد والتأمل. حتى لو لمسنا في أعماقها بصمة الأسى والشرخ الوجداني، فهذا تحصيل حاصل، بل هو موجود أصلًا من قبل هذه المرحلة، لكنه الآن صبغ بشكل أوضح بملامح الحزن والجرح والضياع. ويمكن تسجيل جرأة فصيحة هنا لتلك النصوص الشعرية التي لم تجد حرجًا في التعبير عن رغبات العشق والجنس والإيروتيكا! فتلك بالفعل شجاعةٌ ينتصر فيها الجمالي الفطريّ الطّبيعي، على الدم والقتل ومعجمه. على الرغم مما قد تتهم به هذه النصوص من سلبيات آتية من خارج حقل الشعر وتقييمه، لا سيما أن أصحاب هذه النصوص هم أنفسهم كتبوا عن هذه المرحلة بخرابها ودمارها ما رأوه يكفي ليشكل شهادة، ولكنهم وفي نوع من المقاومة الغريزية لدى الكائن الإنساني، استنفروا معجم العشق والجنس والطبيعة في شعرهم، مع أنه إلى حدّ كبير وبدهيّ ساد خطاب الموت والحرب والقبر، وما يصاحب ذلك من معجم لغوي وأساليب ومجازات يتم توظيفها لتوضيح العلاقة مع تلك المفردات أكثر. وامتزج القلق الفردي الذاتي بالقلق الجماعي، وتشاءمت نصوص كثيرة وطرحت رؤية سوداء. وثمة من غلبه حسّ العدم المطلق، وليس هذا خيارًا لدى الشاعر الذي وجد أمامه مأساةً وتراجيديا كونية لا وصف لها في بشاعتها وقبحها وآلامها. ومن البدهي أن تفصح القصيدة الآن عن هذه التراجيديا الدموية النادرة، ولكن سؤال الفنّ حين يتم تدويره فقط في هذه الرؤية، فإن محاور كثيرة ضرورية تغيب وتتعطل.

يمكن الزعم أن هناك نكهة بدأتْ تتشكل في القصيدة السورية. تمثلت هذه النكهة في الأفق الفني أو الموضوعي للقصيدة، فمن الطبيعي حضور مشهد القتل والموت والجوع والحصار اليومي ومعاناة البشر العاديين خلف أسوار حصارهم. وهذا لم يكن موجودًا بصيغة قوية في القصيدة السورية، وإن كان موجودًا ففي حال ارتباطه بتجارب حصار وقمعٍ لآخرين (فلسطين والعراق مثالًا)، أما الآن فقد تمثلَ العلاقة مع واقع مباشرٍ بصورة أكثر وضوحا وحدّةً، واقع مرئيّ متجسد، وليس الأمر مجازًا كما كان ربما من قبل.

الآن لوحظ قبول بعض الشعراء بأن يكون أكثرَ تسامحًا مع الحالة الميتافيزيقية للغة الشعرية، لأنهم في قلب واقعٍ تفاصيله لا تحتمل كثيرًا من الماورائيات المغرقة، تفاصيل هذا الواقع دخلت في نسيج القصيدة، تفاصيل تذكرنا بأيام الحروب العالمية حرفيًّا، وهذا يقتضي تخفيفًا من الحمولةِ المفارقة للواقع. هناك شعراء خاضوا الكتابة في شكل شعري جديد لم يكونوا يقبلون الخوض فيه من ذي قبل، هناك الآن نصوص ذات طبيعة مفتوحة، وربما فوضوية، وربما سوريالية تناسب غرابة الواقع الجديد الفريد، نقول سوريالية من دون حصر المعنى في الغموض والإبهام، بل هو وصفٌ يذهب إلى أقصى حدود الواقع، لكنه واقع أكثر من سورياليّ.

لوحظ أيضًا انتشار النص القصير والومضة والبرقيّة أكثر من مراحل سابقة، وإذا كان هذا ملمحًا فنيًا مستمرًّا في بناء القصيدة، فإن هيمنته أكثر في ظلّ تحولات خطرة وحاسمة على كل صعيد، خاصة لدى أصحاب التجارب الجديدة الشابة، تدلّ على فقرٍ أسلوبيّ وقلة خبرة في مباني الشعر. على الرغم من أن هناك من يحاجج في أن المرحلة لا تستدعي نصوصًا تركيبية معقدة وطويلة، فهذه لها زمنها وشروطها المختلفة. نعم تلك حجة فيها جانبٌ محقّ، على أن ما دلّ عليه الواقع أن تلك الحجة كانت مبررًا واهيًا في الوقت نفسه لمن لا قدرة لديه إلا على طرح نصوص سريعة وربما مرتجلة برقية وامضة. وقلة من أسماء الجيل الجديد من انتبه إلى أن الفرصة أيضًا مواتية لتترك أثرًا فنيًّا أقوى ملازمًا لهذه التحولات الكبرى. وعلى الجهة الأخرى برزت بعض تجارب في (الهايكو) ذات صلة مباشرة ويومية بمجريات الواقع وتفاصيل العسكر والحواجز والبيوت المقصوفة والحكايات المهمشة المنسية، ونعرف أن طريقة الهايكو في أساسها قائمة على القول المختصر والمركز، أي أنها تجربة شعرية مستقلة موائمة للواقع السوريّ القائم على الانفلاش والتواتر في الأحداث على مدار الوقت. وقد أتيح لنا الاطلاع على شبه مجموعة شعرية مما يمكن تسميته (بهايكو الحرب) كتبت في الداخل ومن خلال تجربة حسية واقعية لصاحبها، فيها ما يمكن بجدارة نقدية وصفه بأنه نفسٌ شعريّ عالٍ وجديد. هذه حالة من الحالات طبعًا، لا تنفي وجود قصائد قصيرة ليست بهايكو، بل مكتوبة بنظام إيقاعيّ حديث، منها ما كتبه أحد شعراء الداخل عبر هذه السنوات، وربما كانت هي النصوص الوحيدة التي ذهبت في الكتابة إلى نقطة طرح الأسئلة الكبرى حول التراجيديا السورية، في صياغة ندرت شجاعتها حول مسائل السلطة والشعب والحرية والقتل والقاتل والهوية والمستقبل… إلخ. إن بروز نصوص قصيرة بهذا المستوى لاثنين من جيلين متباعدين تمامًا، يحمل دلالة فنية واضحة ملخّصها أن الشكل الفني لا مشكلة في استثماره لدى أي جيل حين يتوافر له القدر الكبير من الموهبة والشعرية البعيدة. حتى وإن اختلفت تسميات هذا الشكل بين هايكو، وقصيدة قصيرة. وأهمية هذين المثالين أنهما من الداخل مباشرة، وعلى احتكاك دائم مع نبض الموت والذعر والقصف والشعور بالقلق الوجودي كحقيقة ملموسة، وليس على سبيل الرفاهية التأملية.

من ناحية أخرى، برزت بصورة جليّة الكتابة الشعرية النسائية. وقد وفّرت هذه المرحلة الدموية من تاريخ سورية كثيرًا من عوامل الاستلهام للشاعرة السورية، فحصنتها من الانزلاق في ما هو اعتيادي ومكرور من موضوعات ورؤى الشاعرات اللواتي يحصرن مشاغل الكتابة في قضايا العلاقة مع الشريك العاطفي وأحوالها وصعودها وانتهائها. بكل تأكيد فإن هذه موضوعات للكتابة لا يمكن نفيها، لكن قدْر الإبداع فيها بات صعبًا إلا على التجربة المغامرة المثقفة الموهوبة بجدارة الموهبة لا بجدارات مُصاحبة. لذلك رأينا أن كتابة الشاعرة السورية في هذه المرحلة كانت ذات تنوّعٍ لا شكّ في أنه تأثر بالمناخ المسيطر، وكان لا بد أن يكون صدى أو استجابة شعرية له. على أن ذلك بطبيعة الحال لا يلغي وجود قصيدة الحب والجسد كما تمت الإشارة قبل، فتلك موضوعات لا تفنى، لكن ما حصل أن المرأة استنفرت حساسية فائقة تجاه الكارثة، وراحت تنسج بعناية أنثوية مشاعر الانكسار في أعماق المرأة الأم والعشيقة والجدة، مصغية للإحساس المدمّر الذي نما وينمو في خفايا العلاقات الإنسانية التي تشوهت وطرحتْ مسخًا فاقدًا للجمالية وفاقدًا للمعنى والقيمة. وكانت المرأة الشاعرة صوتَ المرأة السورية إلى حدّ مقنعٍ، تتلمّس انعكاس الشعور التراجيدي بالخسران والفقد على روح المرأة بوصفها تحمل دائمًا أبعد مما يحمله غيرها من آثارٍ وجدانية في مجتمعٍ يصوغه الذكر المستبد الطاغي، بحربه وسلمه، لتجد المرأة ذاتها منفيّة مهمّشة. لقد انتقمت الشاعرة السورية للمرأة أيّما انتقام في كثير من النصوص الشعرية الجيدة، وتركتها تقول ما تشاء داخل النصّ، وحشدت الاستعارات والصور والدلالات والأسرار، ذلك كله في سبيل توطيد قيمة الأنوثة ردًّا على تسفّلِ الذكورة || الرجولة. وجاهدت الشاعرة بقصائدها في سبيل تغليب الجمالِ حتى لو كان مكسورًا خائبًا، على الزمان والمكان. وعرفت كيف تعيد كتابة المكان الغائب بفعل الدمار الشامل الذي أصيب به المكان السوري، وهذا ما كان متاحًا للشعراء جميعهم في أية حال، أي للشعراء أيضًا، لكننا دائمًا نرى ملمسًا أنثويًّا خاصًا لا سيما في الثقافة التي تسلب المرأة صوتها وإمكاناتها.

انتشر أيضًا النصّ المتداخل مع نصوص من هويات أدبية أخرى، وطبعت بعض كتب تحمل هذا الملمح، وارتفعت نسبة السرد والنثر في القصيدة. حتى إننا نجد في عشرات الأمثلة الممكنة تلاشي الفواصل بين جنسيات أدبية معروفة، وهذا، وإن كان دليل غنى واتساع في أدوات الكتابة، لكنه ضيّع فرصة ما على بعض الشعراء في التركيز على نوع أدبي ما، القصيدة أو القصة القصيرة أو الخاطرة المكثفة… إلخ. إن ذلك مفهوم من جهتين: الأولى مرتبطة بطبيعة المرحلة الكارثية والتي استدعتْ مناخات حروب عالمية، بما خلقته من تكسير لأعمدة الكتابة وبناها، والجهة الثانية تكمن في النزوع المستمر لدى الأجيال الجديدة في التجريب وتحطيم الأجناس في تعبير مباشر عن الثورة على هويات معطاة سلفًا. إن هذه الفكرة الأخيرة مشروعة بالكامل ولولاها لما حصل تطور في الأجناس والأنواع، لكنها لا ينبغي أن تتغلب على فكرة رديفة ولا غنى عنها هي أنه لا بد من اسمٍ ما للجنس الذي يُكتب. الاسم هنا ليس وصفًا بقدر ما هو كيانٌ واضح الملامح نتعامل معه ونعرف كيف نضعه في سياقات أدبية جمالية من داخل الشعر، أو القصة، أو غيرهما.

وبسبب واقع الخراب والدمار، انتشرت صورة المكان المدمر والحنين إلى صورته الأولى، من هنا نرى ما يمكن وصفه بشعر رثاء الأماكن والمدن والبيوت والجسور والشوارع والأسواق. وما فعله الشعر هنا كان بناء المكان والمحافظة عليه داخل اللغة، التي هي مكانٌ ووطن للشاعر. وهذا قد يلتقي فيه (شاعر الداخل) و(شاعر الخارج)، فالمكان هوية الاثنين معًا. مع لحظ أن شاعر الخارج قد يبرر له الذهاب أبعد في إعادة بناء المكان من حيث أنه في الحالتين خسره. وقد قرأنا، وسوف نقرأ، مثل هذه النصوص ليس على أنها نوستالجيا اعتيادية، بل على أنها نوعٌ من مقاومة الفناء باللغة، فليس للشاعر غير أدواته يبني بها ما هُدم.

إن الفضاء الممكن سوريًّا، حتى على صعيد الفكر والثقافة، سيكون فضاءً مختلفًا بالتأكيد وجديدًا وأشدّ حدّة ولبسًا، ولكن علينا هنا ألا نخرج عن سياق الرؤية النقدية لموضوع علاقة الإبداع بالوقائع الثورية والحركات والانتفاضات والحروب، وهي رؤية تفرض علينا التمتع بالدقّة والموضوعية لجهة أن نحكم على الإبداع بوصفه تجربة لغوية وجمالية قبل وبعد كل شيء. لأننا في هذه الظروف نقرأ دائمًا كتابةً مسطّحةً انفعالية ذات ترجيع غير جماليّ، ومع التقدير الأخلاقي والإنساني لها، لكننا لن نُخضعَ الأدبَ للعواطف، فصدقُ الموقف لا يصنع شعرًا.

[1]الكتاب من ترجمة د.محمد بدوي، ص120

[2]جان باتيست كميل كورو (1796-1875) ينتمي إلى مدرسة باريزون، درس الرسم في روما، وأمضى حياته الفنية في باريس، يعرف بواقعيته، ويضعه بودلير في مقدمة رسامي الحداثة.

[3]غوستاف كوربيه (1819-1877) درس الفنون الجميلة في باريس وسوريسرا، ويعرف بواقعيته في الرسم والنحت، من أعماله التي حظيت بالثناء (بعد العشاء في أورنان) بوصفها عملًا ثوريا، في ما قوبلت لوحته (هوماك) بنقد واسع.

[4]حوار مع نزار قباني، مجلة الهلال، (القاهرة: حزيران/يونيو)

شارك هذا المقال

قم بالتسجيل لتلقي النشرة الدورية