الأبحاث الاجتماعية

الصحة النفسية للشباب السوري في دمشق (دراسة حالة)

أولًا: الإطار النظري والمنهجي للدراسة

1- إشكالية الدراسة وأهميتها

شكلت سنوات الحرب السورية الثماني كثيرًا من الآثار النفسية السلبية وكذلك الاجتماعية في شرائح المجتمع كافة من أطفال ونساء وشباب وكبار السن. فقد كان حجم المعاناة التي عايشها الشعب السوري سواء في الداخل أم في الخارج كبيرة ومؤثرة في جوانب حياته كلها.

وفي ما يخص الداخل السوري، فقد رافق الحرب في مظاهرها العنفية في المستوى العسكري، تضييقًا وحالة من الحياة القسرية في المناطق الخاضعة لسيطرة النظام في سورية.

اختلفت تأثيرات الحرب في المستوى المادي (من تدمير وقتلى وجرحى) بين مدينة وأخرى، وحتى بين منطقة وأخرى في المدينة الواحدة بحسب توترات الأوضاع الميدانية العسكرية على مدى سنوات الصراع في سورية.

من ثم، اختلفت أيضا تأثيرات الحرب في المستوى النفسي والاجتماعي من حيث درجة الشدة على السوريين، وإن كانت الآثار السلبية قد لحقت بالشرائح الاجتماعية كلها في محل وجودها الجغرافي.

صحيح أن واقع “الصحة النفسية” للسوريين في سورية ما قبل الحرب لم يكن سليمًا، أو ينقصه كثير من المقومات، لكن مسببات ضعفه كانت مختلفة عن أسبابه في وقت الحرب، ومن ثم أفرزت المسببات في الحالتين كلتيهما عددًا من الآثار المختلفة.

تسلط هذه الدراسة الضوء على آثار “حالة الحرب” بكل ما تتضمنه من مفرزات على الصحة النفسية للشباب السوري المقيم في مدينة دمشق. وذلك لأهمية هذه الشريحة العمرية التي كبرت في أثناء سنين الحرب، ولأهمية موضوع الصحة النفسية الذي يؤسس لشخصية سليمة معافاة أو شخصية مريضة تحتاج إلى التأهيل.

 

2- أهداف الدراسة

– تحديد العوامل التي تؤثر سلبًا في الصحة النفسية للشباب.

– معرفة الاضطرابات المصاحبة للشاب خلال سنين الأزمة.

 

3- مفهومات الدراسة

الصحة النفسية: الصحة النفسية هي حالة من العافية يستطيع فيها كل فرد إدراك إمكاناته الخاصة والتكيّف مع حالات التوتّر العادية والعمل بصورة منتجة ومفيدة والمساهمة في مجتمعه المحلي. وهي حالة من اكتمال السلامة بدنيًا وعقليًا واجتماعيًا، لا انعدام المرض أو العجز فحسب.[1]

الصدمة: حالة من الضغط النفسي تتجاوز قدرة الفرد على التحمل والعودة إلى حالة التوازن السابقة. وتعرف بأنها “خبرة قاسية أو شديدة قد تكون جسمية أو عقلية أو نفسية أو عاطفية وتؤثر تأثيرًا كبيرًا في شخصية الفرد وقد تصل إلى حد الاضطراب النفسي أو العقلي أو الجسمي وقد يكون هذا الاضطراب دائمًا وقد يزول بعد مدّة من الزمن”.[2]

اضطراب ما بعد الصدمة: جرى تصنيف اضطراب ما بعد الصدمة بأنه مرض نفسي من جانب جمعية الطب النفسي الأميركية. و”ينجم هذا الاضطراب عندما يتعرض شخص ما لحدث مؤلم جدًا (صدمة) يتخطي حدود التجربة الإنسانية المألوفة (أهوال الحروب، رؤية أعمال العنف والقتل، التعرض للتعذيب، والاعتداء الجسدي الخطر والاغتصاب، كارثة طبيعية، الاعتداء الخطر على أحد أفراد العائلة)، بحيث تظهر لاحقًا عوارض عدّة؛ نفسية وجسدية (التجنب وتبلد الأفكار والصور الدخيلة، اضطراب النوم والتعرق والخوف وضعف الذاكرة والتركيز).[3]

ويمكن أن يحدث اضطراب ما بعد الصدمة في أي مرحلة عمرية، ويمكن أن تظهر الأعراض بعد الحدث الصادم مباشرة أو بعد وقت قصير أو طويل، ويشعر الفرد بقصور في الجوانب الوظيفية والبيولوجية واختلال سلوكي وسيكولوجي.

الدعم النفسي الاجتماعي: هو أي برنامج أو نشاط يستطيع تحسين قدرة الشخص على التعامل مع المتغيرات غير العادية لتخفيف معاناته الانفعالية والجسدية.

 

4- التعريفات الإجرائية

– المستوى التعليمي المنخفض: وقصدنا به في الدراسة مستوى التعليم الأساسي وأقل.

– المستوى التعليمي المتوسط: وقصدنا به مستوى الشهادة الثانوية والمعاهد المتوسطة (التي تحتاج إلى سنتين في الدراسة).

– المستوى التعليمي المرتفع: وقصدنا به مستوى المعهد العالي (أربع سنوات دراسية) والشهادة الجامعية فما فوق.

 

5- منهج الدراسة وأداتها

تعتمد الدراسة على “المنهج الوصفي التحليلي” الذي يصف الظاهرة محل الدراسة ويفسرها. ويعتمد هذا المنهج على تفسير الوضع القائم وتحديد الأوضاع والعلاقات الموجودة بين المتغيرات. ويتعدى ذلك إلى تحليل هذه البيانات، وربطها، وتفسيرها، وتصنيفها، واستخلاص النتائج منها.

وتتخذ البحوث الوصفية أشكالًا عدة مثل المسح survey النظري أو الميداني وتحليل المضمون Content Analysis دراسة الحالة وغيرها. ومهما اختلفت أشكال المنهج الوصفي إلا أنها جميعًا تقوم على أساس الوصف المنظم للحقائق والخصائص المتعلقة بظاهرة أو مشكلة محددة بصورة عملية ودقيقة.[4]

اعتمدت الدراسة على “دراسة الحالة” في محاولتها التوصل إلى نتائج علمية ودقيقة لها. وقد صممت استبانة دراسة الحالة لتكون جاهزة للتنفيذ وإجراء المقابلات مع العينة المختارة.

وكانت “المقابلة المنظمة” هي الأداة الرئيسة للدراسة. هذا وتعد المقابلة من الطرائق الرئيسة لجمع المعلومات في البحث النوعي. فعن طريقة المقابلة يستطيع الباحث أن يتعرف إلى أفكار الآخرين ومشاعرهم ووجهات نظرهم. وتمكن هذه الطريقة الباحث من إعادة بناء الحوادث الاجتماعية التي لم تلاحظ. وقد اعتُمدت المقابلة المنظمة للاستبانة المعدة مسبقًا، تجنبًا للأسئلة المفتوحة، ففي المقابلات المنظمة يتلقى المبحوثون جميعهم الأسئلة نفسها، وبالترتيب والطريقة نفسهما، ويكون دور الباحث محايدًا.

وقد نفذت الدراسة في مدينة دمشق عن طريق الباحث، واختيرت عينة من (20) مفردة موزعة على الذكور والإناث بالتساوي. من القاطنين في مدينة دمشق، في الفئة العمرية 18-35. وقد فُرِّغتْ الأجوبة يدويًا، واستخرجت النتائج النهائية.

[1]منظمة الصحة العالمية، https://www.who.int/features/factfiles/mental_health/ar/

[2]غسان يعقوب، سيكولوجية الحروب والكوارث ودور العلاج النفسي اضطراب ضغوط ما بعد الصدمة، (لبنان: دار الفارابي، د.ت)، ص 29.

[3]محمد أحمد النابلسي، الصدمة النفسية علم نفس الحروب والكوارث، (بيروت: دار النهضة العربية، د.ت)، ص 57.

[4]ذوقان عبيدات، البحث العلمي مفهومه أدواته أساليبه، (عمان: دار مجدلاوي، 1982)، ص31.

شارك هذا المقال

قم بالتسجيل لتلقي النشرة الدورية