تحليل سياسي

المهمة الصعبة… إعادة تأهيل النظام السوري عربيًا

 

المحتويات

مقدمة

أولًا: محاولات تمهيدية

ثانيًا: تراجع سريع

ثالثًا: عدم اكترث مُفتعل

رابعًا: الرغبة بالعودة إلى ما قبل الثورات

خامسًا: تأثيرات روسيا وإيران

سادسًا: مواقف دولية لاجمة

خاتمة: صعوبة التأهيل

 

 

 

مقدمة

تحتضن تونس الدورة الثلاثين لجامعة الدول العربية في شهر آذار/ مارس المقبل، ورافق التحضيرات لهذه الدورة إرهاصات إعلامية حول سعي بعض الدول العربية لإشراك رأس النظام السوري بشار الأسد في هذه القمة، وتأهيل نظامه وإعادته إلى الجامعة العربية بعد سبع سنوات ونيّف من تعليق الجامعة مشاركة وفود سورية في اجتماعاتها؛ لعدم تنفيذ النظام السوري تعهداته ضمن خطة العمل العربي لحل الأزمة السورية.

رافق هذا “الهرج” خطوات جدّية ملموسة من بعض الدول العربية لم يظهر أن لها دورًا سوى تلميع صورة النظام السوري وتسهيل عودته إلى الجامعة العربية، وباتت هذه العودة المستهجنة من أبرز القضايا التي تُقلق المعارضة السورية، وتثير استغراب الكثير من الأطراف ذات الصلة بالملف السوري، إقليمية وأوروبية، نظرًا إلى أن العودة ستكون مجانية ما دامت الأسباب التي جرى بسببها تجميد عضوية سورية في الجامعة لم تنتهِ أو تتغير.

ترفض تشكيلات وهيئات المعارضة السورية الخطوات العربية التقاربية مع النظام السوري، وتشدد على ضرورة أن يبقى هذا النظام خارج الجامعة العربية طالما لم يقم بإنجاز أي تغيير سياسي وفق القرارات الدولية والقرارات العربية الخاصة بالقضية السورية.

 

أولًا: محاولات تمهيدية

انتهى عام 2018 في سورية بحدثٍ اعتقد الكثيرون أنه بداية تحوّل عربي جذري، سيؤثر في العام 2019 بكليّته، ويتعلق بمحاولات عربية لتعويم النظام السوري عبر إعادته إلى مقاعد الجامعة العربية، وتُرجمت هذه المحاولات خطوات عملية وإجراءات دبلوماسية، إذ أعادت دولة الإمارات العربية ودولة البحرين، في 27 كانون الأول/ ديسمبر الماضي، افتتاح سفارتيهما في دمشق، في خطوة اعتقد بعضهم أنها ستكون مقدمة لاستعادة النظام السوري إلى أروقة جامعة الدول العربية في قمتها الثلاثين المقبلة.

بررت الإمارات والبحرين الاقتراب من الأسد وإعادة العلاقات الدبلوماسية معه بأنه “لدرء الهيمنة الإيرانية، وحماية سورية من التدخلات الإقليمية، ومساعدتها للحفاظ على وحدتها وسيادتها”، وهي تبريرات رفضتها المعارضة السورية لهشاشتها في رأيهم، خاصة في إطار نظام الوصاية المتعددة المفروض في “سورية الأسد”، والتدخل الروسي والإيراني الفج لمصلحة النظام، والذي وصل إلى مستوى الهيمنة على قرار النظام وسياساته وتوجهاته العسكرية.

قبل ذلك بأيام، وتحديدًا يوم 16 كانون الأول/ ديسمبر، زار الرئيس السوداني عمر البشير دمشق، قادمًا بطائرة روسية خاصة، أعادته بعد ساعات من لقاء الرئيس السوري بشار الأسد، ليتفقا على “إيجاد مقاربات جديدة للعمل العربي تقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، استنادًا إلى الظروف والأزمات التي يمر بها كثير من الدول العربية”.

ومع أن الرئيس البشير مطلوب من قبل المحكمة الجنائية الدولية، ويواجه اضطرابات سياسية واقتصادية في بلده، بل انتفاضة شعبية تطالب بالتغيير السياسي، ولا يمثل أي ثقل فاعل في السياسة العربية، إلا أن زيارته حملت في طياتها أبعادًا سياسية مهمة، كونها الزيارة الأولى لرئيس عربي منذ اندلاع الثورة السورية عام 2011، وسارعت الخارجية الروسية إلى التعليق على تلك الزيارة وأعربت عن أملها في أن “تُسهم في إعادة العلاقات بين الدول العربية وسورية”، و”استئناف عضويتها الكاملة في جامعة الدول العربية”.

في سياق موازٍ، أعلن جهاز المخابرات العامة المصرية في 23 كانون الأول/ ديسمبر، عن زيارة لعلي مملوك، رئيس مكتب الأمن الوطني السوري، إلى مصر، ولقائه رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية اللواء عباس كامل، وقالت وكالة الأنباء السورية إن الجانبين “بحثا مختلف القضايا ذات الاهتمام المشترك، بما في ذلك القضايا السياسية والأمنية وجهود مكافحة الإرهاب”.

ليست الزيارة الأولى لمملوك إلى القاهرة، لكن توقيتها الذي تزامن مع قرار الإمارات، أثار الريبة، خاصة أن مصر ترتبط مع الإمارات والسعودية والبحرين بتحالف رباعي متين في الوقت الراهن، ومن الممكن أن يكون التحرك المصري جزءًا من تحرك سعودي تجاه النظام السوري.

وهناك قواسم مشتركة كثيرة بين الرياض وأبوظبي، منها الحرب في اليمن وحصار قطر، والموقف المناهض لتركيا، وهذه القواسم زادت من الشكوك في إمكانية إعادة العلاقات الدبلوماسية بين الرياض ودمشق كما فعلت أبوظبي.

قبلها بأيام، وصلت أولى الرحلات الجوية من دمشق إلى تونس مباشرة، بعد انقطاع دام سبع سنوات، ومعروف أن تونس تشهد جدلًا بين أنصار الثورة التونسية الذين يرون استضافة الأسد عارًا على هذه الثورة، وبين أنصار الأسد الذين شرعوا في حملات دعائية تُبشّر بما يسمونه “انتصار نظام الممانعة على قوى الإرهاب”، ولا يرى أولئك في ما ارتكبه الأسد من جرائم ضد الإنسانية بحق شعبه أي ضير. ورئيس الجمهورية التونسية منخرط في المحاولات العربية الرامية إلى إعادة تأهيل نظام الأسد من جديد.

في مطلع العام، وافق الأردن على افتتاح معبر نصيب الحدودي مع سورية، بعد أن سيطرت قوات النظام السوري على المعبر بدعم عسكري روسي، ومصالحات مع بقايا المعارضة المسلحة في الجنوب السوري، وهذه الموافقة الأردنية تُمهّد الطريق أمام تطبيع اقتصادي مع النظام السوري الذي أغلقت الحرب كل منافذه البرية مع دول الجوار (عدا لبنان)، وهو في حاجة كبيرة إلى إعادة افتتاحها.

اتبع ذلك تصريح للعاهل الأردني عبد الله الثاني يوم 23 كانون الثاني/ يناير 2019 قال فيه “علاقاتنا ستعود مع سورية كما كانت من قبل”، وهو الذي استبق ذلك التصريح بفتح معبر نصيب الحدودي بين الأردن وسورية منتصف تشرين الأول/ أكتوبر الماضي.

في الموضوع نفسه، لم يستبعد حسام زكي، الأمين العام المساعد لـجامعة الدول العربية، خلال مؤتمر صحفي في 24 من الشهر ذاته حدوثَ تغيّر بخصوص إعادة تفعيل عضوية النظام السوري في الجامعة قريبًا، وأشار إلى “وجود نقاش بين الدول الأعضاء حول الأمر”.

من جهته، دعا البرلمان العربي، مجلس جامعة الدول العربية واللجان المعنية إلى “العمل والتنسيق من أجل إعادة سورية إلى الفضاء العربي”، في بيانه الصادر عن الجلسة الثالثة التي عُقدت في القاهرة، في الـ 11 كانون الأول/ ديسمبر الماضي.

كذلك حاولت أطراف لبنانية مقربة من النظام السوري، ومن إيران، الدفع لدعوة الرئيس السوري إلى حضور القمة الاقتصادية التي استضافتها العاصمة اللبنانية في كانون الثاني/ يناير من هذا العام، لكن تلك المساعي اصطدمت بتيار آخر قوي لا يريد أن يطبع لبنان العلاقات مع النظام السوري، وارتفعت نبرة التحدي بين الطرفين وفشلت المحاولات ولم تتم دعوة النظام السوري إلى هذه القمة، التي كانت فاشلة وفق المقاييس كلها، لأن لبنان لا يمكنه توجيه دعوة إلى الأسد إذا لم يُنسّق مع الجامعة العربية.

أما وزير الخارجية العراقي، فقد أعلن من موسكو في 30 كانون الثاني/ يناير أن بلاده تدعم عودة دمشق إلى الجامعة العربية، وهو كلام حظي بترحيب وارتياح روسي. وعلى التوازي، روّجت مواقع إعلامية سورية أو مقربة من النظام السوري، أن مسقط تستعد لإعادة تفعيل سفارتها في دمشق، وتصاعد حديثها أيضًا عن توجه شبيه ستسلكه الكويت قريبًا، وادّعت أنها تقدّمت بطلب إلى النظام السوري من أجل إعادة فتح سفارتها.

كذلك، كان هناك موقف مفاجئ لوزير الخارجية البحريني، عندما التقى نظيره السوري وليد المعلم في نيويورك على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة، وقال إنه يؤيد عودة النظام إلى الجامعة العربية.

منذ تعليق مشاركة النظام السوري في اجتماعات الجامعة العربية، بسبب الحرب التي شنّها على الشعب المطالب بالحرية، ظلّت هناك دول تطالب بعودته، ومنها الجزائر والعراق ولبنان، ودول أخرى، مثل مصر، تبنت هذا الموقف لكن من دون إعلان، وهذا الموقف يتناقض مع كان من المفترض أن تتمسك به هذه الدول تجاه نظام دمّر واحدة من أهم الدول العربية.

وتتبنى الإمارات ومصر فكرة براغماتية، مفادها أن الطلب من النظام السوري تحجيم أو قطع علاقته بإيران هو أمر أشبه بالمستحيل، وعليه من الأفضل للدول العربية أن تشترط قضايا أخرى قابلة للتنفيذ من قبل النظام السوري، كتأكيد التزامه قرارات الجامعة والإجماع العربي أو موافقته على إعادة مناقشة كيف يمكن للجامعة العربية أن تُساهم في إيجاد حل مناسب ومقبول للأزمة السورية.

 

ثانيًا: تراجع سريع

تغيرت التصريحات والتلميحات العربية، بشكل سريع، إذ سرعان ما أعلنت مصر أنها لن تغيّر موقفها من النظام السوري، وأكّد الرئيس عبد الفتاح السيسي لنظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون أن النظام السوري لن يعود إلى الجامعة العربية في قمة تونس المقبلة، وطالبت مصر النظام السوري باتخاذ إجراءات للعودة إلى الجامعة العربية، وأشار وزير الخارجية المصري سامح شكري في 8 كانون الثاني/ يناير إلى أن الظروف الراهنة تشير إلى عدم اتخاذ الحكومة السورية خطوات للحفاظ على أمن سورية، ما يجعل الأمر على ما هو عليه، وقال إن عودة سورية إلى الجامعة مرتبطة بتطور المسار السياسي لإنهاء الأزمة.

في 14 كانون الثاني/ يناير، فندت المملكة العربية السعودية في بيان إعادة افتتاح سفارتها في العاصمة السورية، بعد شائعات إعلامية، وقالت الخارجية السعودية إن الخبر عار من الصحة جملة وتفصيلًا. كذلك نفى نائب وزير الخارجية الكويتي خالد الجار الله، أن تكون بلاده قد تقدمّت بطلب إلى الحكومة السورية من أجل فتح سفارتها في دمشق.

بعدها بيوم، أعلنت وزارة الخارجية القطرية أن الدوحة “لا ترى ضرورة لإعادة افتتاح السفارة القطرية في العاصمة السورية دمشق”، وقال وزير الخارجية القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني إنه لا يرى ضرورة لإعادة فتح سفارة بلاده في دمشق، مشيرًا إلى معارضة قطر لعودة سورية إلى الجامعة العربية، وشدد على أن موقف قطر “داعم للحل في سورية إذا كان مدعومًا من الشعب السوري”، وأوضح “هناك أسباب أدت إلى تعليق عضوية وتجميد مشاركتها في الجامعة العربية، الأسباب ما زالت قائمة ولم تزل، فلا نرى هناك أي عامل مشجع لعودة سورية”.

توافقًا مع الموقف المصري والسعودي، انتقد الأمين العامّ للجامعة العربية أحمد أبو الغيط في 16 كانون الثاني/ يناير قيام دول عربية بإعادة فتح سفاراتها لدى النظام السوري، معتبرًا أن ذلك “خطأ جسيم”، وموضحًا أن إعادة نظام الأسد إلى الجامعة يتمّ بالتوافق وليس بالتصويت، وقال في مقابلة تلفزيونية، إن الأطراف العربية “وقعت في خطأ جسيم ومتسرع بعودة التمثيل الدبلوماسي إلى دمشق”.

كذلك أعلنت الحكومة الموريتانية، في 11 كانون الثاني/ يناير أن رئيس البلاد محمد ولد عبد العزيز، لن يزور سورية كما تناقلت وسائل إعلام مقربة من النظام السوري، وعلى الرغم من أن نواكشوط تحتفظ بعلاقات دبلوماسية كاملة مع سورية، ولم تغلق السلطات الموريتانية السفارة السورية في نواكشوط، وظلت الزيارات الوزارية متواصلة بين البلدين، بخلاف بقية الدول العربية التي قاطعتها، إلا أن الرئيس الموريتاني لم يقبل أن تُحسب عليه مثل هذه الخطوة في الوقت الراهن.

هذه التراجعات أُعلنت بعد اجتماع وزاري عُقد في البحر الميت في الأردن نهاية كانون الثاني/ يناير، لوزراء خارجية كل من السعودية والإمارات والكويت والبحرين ومصر والأردن، حيث كان الموضوع الأبرز الذي تمت مناقشته خلال الاجتماع -وفق البيانات الرسمية- هو عودة سورية إلى جامعة الدول العربية، فضلًا عن ضغوط أميركية مُرجّحة على هذه الدول لوقف ما قد تقوم به.

 

ثالثًا: عدم اكترث مُفتعل

من جهته، تعامل النظام السوري مع هذه الحملة الإعلامية بفوقية، إذ أكد نائب وزير الخارجية السوري ​فيصل المقداد​، في بيان، أن “من يحاول تجاهل سورية أو فرض شروط عليها للعودة إلى الجامعة العربية​ لن ينجح”، مشددًا على أن “ما يهم سورية هو موقعها في المنطقة ومشاركتها في كل ما يتعلق بالقضايا المصيرية للأمة العربية”، مشيرًا إلى أن “سورية لا يمكن أن تخضع للابتزاز ولا للتهاون في ما يتعلق بقضاياها الداخلية وقضاياها العادلة”.

لكنّ المسؤول السوري ألمح إلى وجود من يرفض هذه العودة السورية إلى الجامعة العربية، وقال “إن ما أثير حول عودة سورية إلى الجامعة العربية وعودة السفارات، كل ذلك نتابعه ونعمل على تحقيقه، لكن الضغوط التي تُمارس إقليميًا ودوليًا تحول دون ذلك”.

أما وسائل الإعلام السورية، فقد تحدثت عن “جهود عربية ودولية كبيرة” لإعادة سورية لشغل مقعدها في جامعة الدول العربية، وأن هذه الجهود “تتم بالتنسيق مع الأصدقاء الروس”، وما يجري تداوله في الأروقة السياسية والدبلوماسية “هو أن قرار تجميد عضوية سورية كان خاطئًا”، وراحت بعض تحليلات المقربين من النظام السوري تقول إن سورية لم تطلب العودة إلى الجامعة العربية، وكل ما يجري ما هو إلا جهد خاص بالأطراف “المحبة لسورية”، والأطراف “التي ندمت” على تأييدها لقرار تجميد عضوية سورية، وإن الحكومة السورية “مترددة” فيما إذا كانت ستوافق على العودة أم لا!

ينسجم الموقف الحالي للنظام السوري، وآراء الإعلام المؤيد للأسد، مع موقفه المُطالب بـ “نسيان الجامعة العربية” ورفض التجاوب مع أي مبادرة أو اقتراح للجامعة العربية منذ عام 2011.

وكان وزراء الخارجية العرب قد تقدّموا بمبادرة لحل “الأزمة” إلى القيادة السورية، لا تخرج عن مطالب المجتمع الدولي، وتتضمن 13 بندًا، أهمها: الوقف الفوري للعنف، إطلاق سراح المعتقلين السياسيين، وتعويض المتضررين، وبدء الاتصالات السياسية الجدية ما بين النظام وممثلي قوى المعارضة على قاعدة الندية والتكافؤ والمساواة، وتأليف حكومة وحدة وطنية ترأسها شخصية مقبولة من المعارضة، وإجراء انتخابات رئاسية تعددية عام 2014، لكن النظام السوري أبدى تحفظه ورفض التجاوب مع هذه المبادرة، واعتبرها تدخلًا في شؤونه الداخلية، وأكد أنه سيعتبر هذه المبادرة و”كأنها لم تصدر”، وفي حينها رفضت القيادة السورية استقبال الأمين العام للجامعة إن كانت زيارته كحامل للمبادرة العربية.

إثر ذلك، تدهورت الأوضاع كثيرًا بين سورية والدول العربية الأخرى، وخاصة الخليجية، ووصلت إلى حد تجميد مقعد سورية في الجامعة، ووقف التعامل مع النظام السوري.

 

رابعًا: الرغبة بالعودة إلى ما قبل الثورات

منذ اندلاع ثورات الربيع العربي، بدأ الكثير من الحكام العرب العمل ضد إرادة الشعوب وعكس حركة التاريخ الحتمية، وزاد الكثير منهم من غيّه واستبداده وشموليته في الحكم، فيما عمل آخرون على تغيير الشكل مع بقاء المضمون، لتفادي امتداد ثورات الربيع العربي إلى بلادهم، ومع انطلاق الثورة السورية، واستخدام النظام السوري العنف المطلق ضدها، واستعانته بحليف إيراني يحمل مشروعًا فارسيًا احتلاليًا لا يأبه بمطالب وحاجات الشعب، وإطلاقه الميليشيات الطائفية تعبث في سورية قتلًا وتدميرًا، وتسهيل النظام السوري للحركات الإسلامية المتشددة للصعود إلى واجهة الثورة، وتوفيره الظروف المناسبة للتنظيمات الإرهابية الدولية التكفيرية لتنشط وتتمدد في الأراضي السورية، كل هذا دفع العديد من الحكام العرب لتخويف الشعوب من الثورة، واضعين المآلات السورية كحجّة للامتناع عن التغيير والتمسك بالوضع السياسي والأمني الراهن في بلادهم تحت عنوان “الاستقرار”.

هذه السياسة، بطبيعة الحال، جعلت العديد من الدول العربية تدافع عن نظام شمولي “زميل” في سورية، فلم تقطع الخيوط معه، وظلّت على مسافة قريبة منه، صحيح أنها لم تنفتح عليه بشكل علني، ربما لتتماشى مع الإجماع العربي والإقليمي والدولي، لكنها كانت ضمنيًا لا تُمانع بأن يُعاد تأهيله، ليعود إلى “نادي” الأنظمة العربية الديكتاتورية الأمنية.

منذ انطلاق الثورة السورية، عكست سياسات الجامعة العربية مواقف الدول الأعضاء المنضوية فيها، وأظهرت بشكل جليّ تناقضاتهم وخلافتهم بالرؤى والمواقف، وثبّتت حالة الانقسام بين الأنظمة الحاكمة في هذه الدول، وغياب تمثيل مصالح الشعوب المفترض أن تمثلها هذه الأنظمة والجامعة العربية أيضًا، وبعد أن كانت الجامعة العربية شبه مشلولة وشكلية وبروتوكولية، صارت وسيلة لتشريع وحماية السلطات الحاكمة للدول الأعضاء، وبشكل أو بآخر، مُشرِّعة لقمع ومواجهة الشعوب العربية المحكومة بأنظمة ديكتاتورية أزلية وأبدية.

في خريف عام 2011 قدّمت الجامعة العربية مبادرة تتعلق بالوضع في سورية، كانت متوازنة في حينها، لكن عدم وجود أي سلطة للجامعة على أعضائها من جهة، بحجّة “سيادة” الدول الأعضاء، وخوف بعض الأنظمة أن ينسحب إليها ما جرى في سورية، ودعمها بشكل خفي للنظام السوري للحفاظ على شقيق قد يجلب زواله المشكلات لها، وتفضيل بعض الدول الإصلاحات التدريجية الخفيفة، وتحسسها من شعارات الحرية والديمقراطية وتداول السلطة، لتناقض هذه المفاهيم مع وجودها، وقبل ذلك رفض النظام السوري لها بصلافة وتشدد غير مسبوق، كل هذا أفشل هذه المبادرة ودفنها.

في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، اتخذت الجامعة العربية قرارًا بأغلبية ساحقة يقضي بتجميد عضوية سورية في الجامعة العربية بسبب مماطلة النظام السوري في الالتزام بمبادرتها، وفي 21 كانون الثاني/ يناير 2012، سلّم رئيس بعثة المراقبين العرب، محمد مصطفى الدابي، تقريره حول عمل البعثة. وخلال اجتماع لوزراء الخارجية العرب، طرحت الجامعة العربية رؤيتها إلى الحل السياسي على المدى الأبعد، والمتمثل بتأليف حكومة وحدة وطنية، تمهيدًا لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية ديمقراطية، ودعت رئيس النظام السوري، بشار الأسد، لنقل صلاحياته إلى نائبه فاروق الشرع، كما طالبت بسحب الجيش من المدن والبلدات وضمان حرية التظاهر السلمي والإفراج عن المعتقلين والحوار بين النظام ومختلف أطياف المعارضة. وافق المجلس الوطني السوري المعارض على المبادرة، بينما رفضتها روسيا ورفضت إحالتها على مجلس الأمن، وعَدّها النظام “تدخلًا سافرًا” في شؤونه الداخلية.

بسبب ضعف آليات الجامعة العربية، شكّلت مبادرتها الأساس لتدويل القضية السورية، وتحولت إلى مبادرة عربية – دولية في شهر شباط/ فبراير 2012، حين طرح المبعوث الأممي كوفي عنان خطته ذات النقاط الست، وانتهى دور الجامعة العربية نهائيًا، وحتى اليوم، لتتصرف كل من دولها بصورة منفردة بحسب ما تقتضي مصالحها.

تفاوتت الأدوار التي لعبتها الدول العربية في الحدث السوري إلى حد كبير؛ منها ما دعمت النظام، ولو بخجل، كالجزائر والعراق، أو أعلنت عن سياسة النأي بالنفس علنًا والتأييد للنظام السوري ضمنًا، كلبنان والأردن ومصر، أو دعمت الثورة السورية، مثل عدد من الدول الخليجية.

لكن جميع الأنظمة العربية تقريبًا خوّفت شعوبها مما جرى في سورية، واستخدمت الحالة السورية كمثال لمن سيفكّر في أن يقوم بثورة، ووظفت كثيرًا وسائل إعلامها لترسيخ فكرة أنه من الأفضل التخلي عن فكرة الثورات حتى لا تعمّ “الهمجية” كما حال الحرب السورية، وهذا بطبيعة الحال، يدفعها في الوقت نفسه إلى تفضيل فكرة أن يبقى النظام السوري ويعود كما كان قبل عام 2011 كدليل آخر على عبثية الثورات وفشلها الحتمي.

يتداخل مع هذا الموقف الذاتي موقف آخر يتعلق بمصالح وتوازع نفوذ الأنظمة العربية، وهذا يستدعي منها إعادة النظر في التحالفات كل حين، وموازنة مصالحها بغض النظر عن أي معايير وقيم حقوق الشعوب وإراداتها.

 

خامسًا: تأثيرات روسيا وإيران

كانت بعض الدول العربية تخشى من التمدد الإيراني منقطع النظير، والهيمنة الواضحة للحرس الثوري الإيراني خلال السنوات الأولى التي تلت الثورة على القرار السياسي والعسكري للنظام السوري، وكانت تخشى أن يتحول الوجود الإيراني إلى هيمنة ونفوذ إقليمي – دولي انطلاقًا من سورية، واعتبرت بعضها إيران دولة استعمارية، فطالبت بخروجها من سورية كشرط لتخفيف الضغط على النظام السوري، وأيّد بعضها (الإمارات والسعودية والبحرين) التدخل الروسي في سورية خريف عام 2015 لأنه سيضع حدًا للتمدد والتمرد الإيراني وفق اعتقادها.

لكن التدخل الروسي عمليًا لم يكن ضد الأطماع الإيرانية، ولم يؤثر كثيرًا في وجود إيران في سورية، فبقيت تُسيطر على أجزاء من سورية عبر ميليشيات (حزب الله) اللبناني، وغيّرت أساليب تدخلها، وتلوّنت بما يتناسب مع مصالحها، وبما يمنع الروس من الإمساك بمفاصل سيطرتها، وتغوّلت في الدولة والاقتصاد والمجتمع، لحساب تخفيف السيطرة الميدانية خارج نطاق الحدود السورية اللبنانية، وخارج نطاق حدود العاصمة دمشق.

عدم الاكتراث الروسي هذا بلجم الدور الإيراني، أدّى إلى تصاعد الدور الأميركي، ليحدّ من محاولة الاستفراد الروسية بالحل السياسي، والوقوف في وجه النفوذ الإيراني في سورية، والذي توِّج بإلغاء الاتفاق النووي مع إيران، وتشديد العقوبات الاقتصادية عليها، ودعوتها إلى الخروج من سورية.

عندما أعلن الرئيس الأميركي عزمه على سحب قواته من سورية، انتشرت تكهنات بإمكانية أن يملأ الفراغ تحالف قوات عربية تحلّ مكان القوات الأميركية، لكن سرعان ما تبيّن أيضًا أن لا أحد يحسب لهم حسابًا، الأميركيون يريدون العرب أن يدفعوا التكاليف فحسب (خاصة السعودية والإمارات)، تكاليف تثبيت النفوذ الأميركي في المنطقة، من دون أن يعني ذلك أنهم سيكونون رهن إشارة من سيدفع، ولا حتى هادفين إلى حلف أميركي – عربي واضح ضد إيران.

كل هذا كان يجري وسط انكفاء عربي كامل، وغياب جوهري أو ثانوي للدور العربي الذي يمكن أن يتجلى بالجامعة العربية، انكفاء لم يكن وليد اللحظة، بل تزايد بشكل تدريجي منذ انطلاق الثورات العربية خصوصًا.

لا شك في أن من مصلحة روسيا وإيران أن تعود سورية إلى الجامعة العربية، فهذا الأمر يعني اعترافًا عربيًا بانتصار النظام السوري، وإعادة تأهيل له من بوابة واسعة، وحجّة تُرفع في وجه الغرب بضرورة أن يحذو حذو العرب في هذا المجال، وكذلك ستكون سورية أيضًا مُرتكزًا لهما في هذا المنبر العربي.

 

سادسًا: مواقف دولية لاجمة

كان التوجّه الأميركي والأوروبي عمومًا ينصح جامعة الدول العربية بأنه من السابق لأوانه قبول عودة النظام السوري إليها قبل حدوث عملية انتقال سياسي حقيقي، لكن بعد قرار الولايات المتحدة في نهاية كانون الأول/ ديسمبر الخروج من سورية، دعا الرئيس الأميركي دونالد ترامب السعودية لدفع تكاليف إعادة تأهيل البنية التحتية في الرقة بعد هزيمة تنظيم (داعش) بمبلغ 200 مليون دولار، من دون أن يشترط ضرورة حصول انتقال سياسي في سورية، أو حتى أن يُشير إلى ذلك.

غير أن وكالة (رويترز) نقلت في 18 شباط/ فبراير 2019 عن خمسة مصادر دبلوماسية أميركية، أن الولايات المتحدة تحث دول الخليج على الامتناع عن إعادة العلاقات مع نظام الأسد، بما في ذلك الإمارات العربية المتحدة التي أعادت علاقاتها مع دمشق لمواجهة نفوذ إيران المنافسة لها.

ذكرت الوكالة أن مسؤولين أميركيين وسعوديين تحدثوا إلى ممثلي دول الخليج الأخرى، وحثوهم على عدم إعادة العلاقات مع النظام السوري، بهدف منع دول الخليج من دعم عودة نظام الأسد إلى جامعة الدول العربية، وفك عزلته السياسية المستمرة منذ ثماني سنوات.

لفتت كذلك إلى عدم وجود دعم من واشنطن والسعودية، لإنهاء عزلة دمشق، ما سيجعل من الصعب على نظام الأسد جذب الاستثمارات اللازمة لإعادة البناء، وهو الأمر الذي عملت عليه روسيا، عندما شجّعت على إعادة تطبيع العلاقات العربية مع دمشق.

الجولة التي قام بها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو، قبل هذا الإعلان بيومين، وشملت خمس دول خليجية والعراق والأردن ومصر، كان أحد أهم أهدافها بحث ملف إعادة العلاقات بين نظام الأسد والدول التي قام بزيارتها، ونجح في هذا الأمر.

يُعتقد أن روسيا طرحت أمام الدول العربية إعادة علاقاتها مع الأسد مقابل خروج إيران من سورية، لكن هذا الأمر مستبعد التنفيذ من طرف روسيا لأنها ما زالت متمسكة بإيران وتحتاجها في الساحة السورية في الوقت الحالي.

يشير الموقف الأميركي إلى أن الأسد ما يزال بعيدًا من القبول، حتى بعد أن استعادت قواته السيطرة على معظم الأراضي السورية من قبضة الفصائل العسكرية المعارضة، بفضل مساعدة إيران وروسيا. وهذا الموقف الأميركي سيكون بيضة القبان بالنسبة إلى أغلبية الدول العربية، خاصة الخليجية، كي تتوقف عن أي تفكير في إعادة تأهيل نظام الأسد وقبوله في الجامعة العربية من جديد ممثلًا للشعب السوري.

 

خاتمة: صعوبة التأهيل

إن محاولة بعض الدول العربية إعادة النظام السوري إلى صفوف الجامعة العربية، تبخيسٌ كبير لكل معاني الثورة وقيمها، واستهتار بحق الشعب السوري، بالحرية والديمقراطية والدولة الحديثة، واحتقار لمفهوم تداول السلطة، وتيئيس للشعب السوري، خاصة ما يتعلق بالأمن والإرهاب والمستقبل، وإبراز لحاجة أنظمة الدول العربية الشمولية غلى بعضها بعضًا.

وفي جميع الأحوال، سواء عاد نظام الأسد إلى الجامعة العربية أم لم يعد، لن يُغيّر شيئًا من معادلة حاجة سورية إلى ثورة مستمرة ضد النظام الشمولي، ولن يضيف شيئًا للنظام السوري، ذلك أن الجامعة العربية هي “كيان شبه ميت” بالنسبة إلى أغلبية الشعوب العربية، وكل ما سيؤدي له هو المزيد من تأجيج الجدل الداخلي بين أنصار الحرية الذين يعتقدون أنه لا يمكن أن تنتصر قضايا الأمة ما لم يتحرر الفرد أولًا من نير الاستبداد.

من المستبعد أن يبدأ تعويم النظام السوري عربيًا، من نواحٍ سياسية أو استخباراتية – أمنية أو اقتصادية، فأساليبه وحروبه الكلامية ومواقفه المعادية، لا تؤهله كي يعود كسابق عهده في علاقاته مع الدول العربية، كما أن الدول الفاعلة في الملف السوري لا تريد عودة “ظافرة” للنظام السوري إلى الجامعة العربية، فلديها جملة من الشروط والحسابات والأولويات التي يجب أن تتحقق قبل أن “يستمتع” الأسد بأي نصر من هذا النوع.

تقول المعارضة السورية إن الشعب السوري الذي طالب بالعيش الكريم والحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، يستحق أن تؤخذ مطالبه في الحسبان عربيًا، وإن النظام السوري الذي دمّر نحو نصف البنى التحتية السورية، وتسبب بمقتل ما يُعتقد أنه مليون من السوريين، وساهم في تهجير نحو 10 ملايين إلى خارج سورية، لا يستحق مثل هذه الهرولة العربية نحوه، قبل أن يقوم بتغيير حقيقي في سلوكه ودستوره وقوانينه وأجهزته الأمنية المنفلتة، ويقبل بعملية انتقال سياسي طبقًا لقرار مجلس الأمن الدولي 2254، وهي المطالب نفسها التي قطعت الدول العربية علاقاتها بالنظام السوري استنادًا إليها لأنه لم يحققها، وهو لن يحققها حتمًا حتى لو أعادت الأنظمة العربية علاقاتها معه من جديد، ومن الأفضل لها أن تتريث إن كانت بالفعل لسان حال شعوبها.

 

شارك هذا المقال

قم بالتسجيل لتلقي النشرة الدورية