وحدة المقاربات القانونية

فشل الرعاية لما بعد الصراع غياب فاعلية التطبيق القانوني للرعاية الصحية العقلية بالنسبة إلى السوريين الذين هم تحت نظام الحماية الموقتة في تركيا

المحتويات

رصد صحة اللاجئين العقلية وتداعياتها

التحليل القانوني

الخاتمة

 

 

 

رصد صحة اللاجئين العقلية وتداعياتها

“في ثلاث السنوات الأخيرة وحدها، فقد أكثر من 12 ألف لاجئ حياتهم. لقد فقد مئات الآلاف من الناس خلال هذه التجربة القاسية والصادمة أرواحهم وصحتهم العقلية”. كانت هذه هي الكلمات التي قالها اختصاصي الأطفال النفسي عصام داوود، في معرض حديثه عن أزمة اللاجئين الناجمة عن الصراع في سورية، خلال برنامج (TED) بشأن الصحة العقلية للاجئين السوريين الذين وصلوا إلى أوروبا بعد عبورهم خطر البحر المتوسط[1]. من الصعب الحصول على بيانات دقيقة عن مدى انتشار الإضرابات الصحية العقلية التي تؤثر على اللاجئين السوريين في البلدان المضيفة. ولكن، من خلال دراسات محدودة حول هذا الموضوع: من الواضح أن هناك زيادة في تشخيص اضطرابات الصحة العقلية عند اللاجئين أعلى بكثير مما هي عند السكان المستقرين. وفق دراسة في عام 2015، اختبرت 6000 لاجئ من البالغين والأطفال، أظهرت أن 54 بالمئة منهم يعانون اضطرابات عاطفية شديدة، بما في ذلك الاكتئاب والقلق”[2]. وهذا الاضطراب يكون بحدوث أزمات غير مرئية، تنتج عن صدمة الحرب، مثل: الاكتئاب، والقلق، واضطرابات ما بعد الصدمة، والميول الانتحارية التي جعلت حياتهم ما بعد الصراع والصدمة معركة مستمرة بلا هوادة[3]. ما سأسعى إليه في هذا البحث بعد تحليل أوسع، ليس رصد حالة الصحة العقلية بين اللاجئين فقط، ولكن رصد التداعيات التي تضاعف من هذه المسألة أيضًا، مثل: الآليات القانونية غير الكافية، سواء أكانت تلك الموجودة، أم تلك غير الملتزم بها، أم تلك التي تفتقر إلى حماية رفاهيتهم في الحاضر، مع التركيز على تركيا.

لفهم السياق الحالي في تناول معالجة قضايا الصحة النفسية عند اللاجئين السوريين، من الضروري تقدير الثقافة المحيطة بالموضوع- قبل الصراع- التي تتخلل نفسية اللاجئين والنازحين. تقليديًا، كان الحصول على علاج الصحة العقلية يحمل مجموعة غامضة. وفي النتيجة، إن له تأثيرًا سلبيًا في معدل الأشخاص الذين يسعون إلى العلاج الأساسي بوصفهم لاجئين[4]. تتراجع الصحة العقلية -والأمراض- دائمًا أمام أهمية الأمراض الجسدية، حيث يركز الأطباء -بصورة مفهومة- على المحافظة على الحياة في المقام الأول، مع المعالجة التدريجية للأذى على المدى الطويل، بحسب الأهمية التدريجية. إضافة إلى ذلك، كانت هناك مشكلة في قلة وجود الأطباء الناطقين بالعربية الذين يفهمون المعايير الاجتماعية، هذه المعايير التي تكون عائقًا أمام أولئك المعرضين للخطر، ومن يحجمون عن تلقي الرعاية الصحية العقلية، في وقت يكون العلاج حاجزًا أمام خلخلة الاستقرار الغربي[5].

ومع أن الأعراض لا تظهر بكثافة في البداية، فإنها سوف تخرج إلى العلن إذا تركت من دون علاج، ويمكن أن تتحول هذه الاضطرابات النفسية الصغيرة إلى أمراض نفسية أكثر خطورة، مثل: الفصام، أو اضطراب الشخصية المزمن. مما يتطلب المزيد من التدخل والعلاج، أكثر مما لو تمت معالجة المرض منذ البداية.  وقد لوحظ في حالات النزاع، أن الاضطرابات العقلية -مثل القلق والإجهاد اللاحق للصدمة- تميل إلى الزيادة بنسبة 15 إلى 20 بالمئة، من نسبة 10 بالمئة التي تظهر عند السكان العاديين[6].

إن المشكلة الحالية لأزمة الصحة العقلية بين اللاجئين السوريين فريدة من ناحية تأثيرها، ليس لأن الأطفال يتأثرون بالصدمة التي بين الأجيال فقط، ولكن لأن الأطفال، من جانب آخر، هم ضحايا الصدمة [التي تعرض لها جيل آبائهم].  بل إن الأطفال أنفسهم يعانون كارثة فجيعة الأمراض العقلية، لتعرضهم شخصيًا لتجربة [الصدمة]. كان هذا الأثر عميقًا إلى درجة أن لم يعد تعريف اضطراب الإجهاد اللاحق لصدمة النفسية يعالج الحالة العقلية لهؤلاء الأطفال. في الواقع، لم يعد علاج اضطراب ما بعد الصدمة من اختصاصات التعريف الخاص بها، ما قاد المتخصصين في الصحة العقلية إلى تصنيف حالة جديدة لهؤلاء الأطفال: “متلازمة الدمار البشري”[7]. هذه المصطلحات الجديدة المصوغة هي نتيجة لتدمير لا مثيل له، ولا يشبه ما “يراه الجنود في الحرب”، ولا سابقة له في خبرات الأطباء المتخصصين. وحتى هنا في هذا الأمر، فغالبًا ما يكون الأطباء في موقف الخاسر في ما يتعلق بالعلاج؛ لأن هذا العلاج محدود في قدرته على المساعدة. وكما أشار أنس مغربية، وهو طبيب في الجمعية الطبية السورية الأميركية: “نحاول سد الثغرات -نحن فقط نضع العصابة- ولكن جهد منظمات الإغاثة جميعها يشفي الجرح”[8]. في المقارنة مع أطفال آخرين في مناطق أخرى من العالم، وجد الباحثون في مخيم (إصلاحية) في تركيا، أن نسبة 44 في المئة و45 في المئة من الأطفال الذين شملهم المسح قد أظهروا أعراض الاكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة. هذا في تناقض صارخ مع المعدل العالمي لهذه الاضطرابات عند الأطفال، وهو أقل بعشر مرات مما هو عند نظرائهم السوريين[9].

إن اللاجئين هم أكثر عرضة للإصابة العقلية في أثناء مغامرة العبور التي يرافقها خطر التعرض للصدمة، وخطر تكرارها في أثناء الطريق. إلى جانب طبيعة فقدان الاستقلالية والقدرة على التحكم في سلامة المرء وعزيمته، من غير المستغرب أن تزداد معدلات الصدمات بشكل مضاعف بعد الرحلات الجوية. ” أظهرت دراسة أجريت بالتعاون مع منظمة أطباء بلا حدود في إيطاليا بأن 60 في المئة من طالبي اللجوء الذين تمت مقابلتهم، قد تعرضوا لأحداث مؤلمة -محتملة- قبل المغادرة، في حين قد أبلغ 89 في المئة منهم عن صدمة أثناء الرحلة[10].

 

التحليل القانوني

 

لا تحمي مبادئ الحماية الأساسية، في الحالات معظمها التي يظهر فيها الدمار والخراب بشكل واسع، ليس لأنها غير موجودة، وإنما لأنها لم تؤخذ بالحسبان، أو لأن ليس لها السلطة في التنفيذ؛ لتضمن السلامة التي وجدت من أجلها. في سياق شامل، يمكن ملاحظة العناية الأولية للحقوق الصحية في عهود مثل الإعلان العالمي لحقوق الانسان: “لكل فرد الحق في مستوى معيشة ملائم من الصحة والرفاه لنفسه ولعائلته”[11]، وأيضًا في العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية: “تقر الدول الأطراف في هذا العهد بحق كل إنسان في التمتع بأعلى مستوى من الصحة الجسمية والعقلية يمكن بلوغه”[12]. غير أننا، إذا أخذنا اللاجئين المندرجين في اتفاقية اللاجئين لعام 1951 بالحسبان، فإننا نجد أنه لا يوجد اعتبار في معاملة صحة اللاجئين مع نفس المعاملة المقدمة للمواطنين، على الرغم من وجود نصوص في الاتفاقية تنص صراحة على المساواة في معاملة اللاجئين مع ما يتعلق بالمواطنين[13]. وتجب الإشارة أيضًا إلى أن فرض الحماية الصحية سوف يولد الصعوبات معها؛ إن لم تأخذ العناية بالصحة العقلية بالحسبان.

استنادًا إلى الدستور التركي، في مادته 56 التي تقول: “لكل شخص الحق في أن يعيش حياة صحية متوازنة”. ولقد ذكر [الدستور] أيضًا، بغرض ترسيخ الخدمات الصحية الجماعية: “قد يتم تقديم التأمين الصحي العام بموجب قانون”[14]. وقد انعكس ذلك في النهج المتبع في تشريع قانون الحماية المؤقتة الذي تقدمه الحكومة التركية لأولئك الذين يندرجون ضمن ما يسمى بـ “الحماية المؤقتة”. يشمل نطاق هذا التعريف المواطنين السوريين واللاجئين ومعدومي الجنسية الذين جاؤوا إلى تركيا: “بسبب الأحداث في سورية، بعد 28 نيسان/ أبريل 2011”[15]. تحدد المادة 27 من تشريع الحماية المؤقتة، الالتزامات الصحية على الدولة، وتحدد مجموعة الخدمات الصحية المتاحة للسوريين التي يندرج ضمنها: الخدمات النفسية والاجتماعية كجزء من جدول أعمالها الصحي، مع توضيح أن هذه التدابير سيتم تنفيذها بالتنسيق مع “شركاء الحل الداعمين”[16]. كذلك، يمكن العثور على مادة نظيرة لها في نظام وزارة الداخلية [التركية]، التي تنظم معايير حقوق أولئك الخاضعين للحماية المؤقتة والدولية: يمنح قانون الأجانب والحماية الدولية، الحق في الرعاية الصحية الأولية صراحة[17].

مثلما هو قائم حاليًا، تندرج سياسة الصحة النفسية في تركيا ضمن السياسة الوطنية في تطوير الصحة والصحة العقلية، التي تطبق من قبل الإدارة العامة للرعاية الصحية الأولية في وزارة الصحة. تسعى الأهداف العامة لهذه الاستراتيجية إلى توفير الموارد اللازمة، بغرض التنفيذ الفاعل للرعاية الصحية النفسية من أجل مواطنيها. بينما لا يوجد نص محدد للحقوق العامة للاجئين بعد. يعترف في بعض الحالات أن طبيعتها معرضة للخطر. ولا يوجد نص يركز بشكل أدق على احتياجات مجموعات معينة، على سبيل المثال: في معاملتهم للأطفال الذين يعتبرون بالحاجة إلى علاج شامل من خلال “أسر الرعاية، ومؤسسات التعليم والمدارس والمعاهد والمعلمين”[18].

 

الخاتمة

بحسب ما ذكرت سابقًا؛ إن الحواجز الموجودة في الحياة اليومية هي في حالة تناقض غريب مع الحماية التشريعية والسياسية الموجودة حاليًا. على سبيل المثال: إن السوريين الذين هم تحت قانون الحماية الموقتة- عندما يسجلون لدى الحكومة- لهم الحرية في طلب المساعدة من الرعاية الصحية الأولية الممنوحة لهم. ولكن، غالبًا ما تتم إعاقتهم بسبب الحواجز اللغوية مع تعقيدات المرافقة لعلاج الصحة العقلية، ما يجعل الأمر أكثر صعوبة مما هو عليه. بالتزامن مع “ندرة الاختصاصيين بالصحة العقلية”، فإن التحديات التي تواجه إعمال القانون ما زالت قائمة، وأولئك الذين يحتاجون إلى رعاية مناسبة غالبًا ما يفتقرون إليها[19]. مع ذلك، هناك أمل أن يتم التركيز عليه في المنطقة مع تطوير إعادة التعديل المستمر على الخطة الإقليمية الثالثة، الخطة الإقليمية للاجئين والقدرة على التكييف التي تهدف إلى مواءمة احتياجات الصحة العقلية للاجئين مع الموارد المالية والبشرية المتاحة في تركيا. وقد ظهر ذلك في برنامج مصور للرعاية الصحية الوقائية، ولتوسيع خدمات الصحة النفسية الحالية “لتلبية الاحتياجات على جميع مستويات الرعاية الصحية”[20]. من الواضح أن هناك تباعدًا في العرض والطلب على مرافق الصحة العقلية بين اللاجئين السوريين في تركيا، والسكان الذين هم في أمس الحاجة إليها كذلك.

[1]Essam Daod (2018) How we can bring mental health support to refugees, TED TalksAvailable at: https://www.youtube.com/watch?v=0g0S34XE2b8

[2] Centers for Disease Control and Prevention (2017) Mental Health, Syrian Refugee Health ProfileAvailable at: https://www.cdc.gov/immigrantrefugeehealth/profiles/syrian/health-information/mental-health/index.html#sixty-two

 

[3]Sahloul, M. Z. (2018) Why ignoring mental health needs of young Syrian refugees could harm us allAvailable at: https://theconversation.com/why-ignoring-mental-health-needs-of-young-syrian-refugees-could-harm-us-all-88284

[4]Havis, R. J. (2017) The Global Refugee Mental Health Crisis Available at: https://www.talkspace.com/blog/2017/05/global-refugee-mental-health-crisis/

[5]Al Hadid, F. (2016) Mental Health of Syrian Refugees in Jordan, Yale Global Health Review, 4Available at: https://yaleglobalhealthreview.com/2016/02/20/mental-health-of-syrian-refugees-in-jordan/

 

[6]Leigh, K. (2014) Syria’s Mental Health Crisis, The New York TimesAvailable at: https://kristof.blogs.nytimes.com/2014/08/01/syrias-mental-health-crisis/

[7] Davis, C. (2017) A doctor created a new term to describe the pain Syrian children are experiencingAvailable at: https://archive.attn.com/stories/15150/doctors-new-term-describe-syrian-childrens-suffering

[8] Ibid.

[9]Centers for Disease Control and Prevention (2017) Mental Health, Syrian Refugee Health ProfileAvailable at: https://www.cdc.gov/immigrantrefugeehealth/profiles/syrian/health-information/mental-health/index.html#sixty-two

 

[10] Naranjo Sandalio, R. (2018) Life After Trauma: The mental health needs of Asylum Seekers in Europe, Migration Policy Institute Available at: https://reliefweb.int/report/world/life-after-trauma-mental-health-needs-asylum-seekers-europe

 

[11]United Nations Human Rights Office of the High Commissioner (2018) Universal Declaration of Human Rights Available at: https://www.ohchr.org/EN/UDHR/Documents/UDHR_Translations/eng.pdf

[12]United Nations Human Rights Office of the High Commissioner (2018) International Covenant on Economic, Social and Cultural Rights Available at: https://www.ohchr.org/en/professionalinterest/pages/cescr.aspx

[13]Ekemkci, P. E. (2017) Syrian Refugees, Health and Migration Legislation in TurkeyAvailable at: https://www.ncbi.nlm.nih.gov/pmc/articles/PMC5028239/pdf/nihms774210.pdf

[14]Constitution of the Republic of Turkey (1987) Available at: https://global.tbmm.gov.tr/docs/constitution_en.pdf

[15]UNHCR (2018) Temporary protection in TurkeyAvailable at: https://help.unhcr.org/turkey/information-for-syrians/temporary-protection-in-turkey/

[16] National Legislative Bodies (2014) Turkey: Temporary Protection Regulation Available at: http://www.goc.gov.tr/files/_dokuman28.pdf

[17]Ministry of Interior Directorate General of Migration Management (2014) Law on Foreigners and International ProtectionAvailable at: http://www.goc.gov.tr/files/files/eng_minikanun_5_son.pdf

 

[18]Ministry of Health Turkey (2006) Republic of Turkey National Mental Health PolicyAvailable at: http://www.ihsandag.gen.tr/index_dosyalar/trnationalmentalhealthpolicy.pdf

[19]Karasapan, O. (2016) Syria’s mental health crisis, Future Development Available at: https://www.brookings.edu/blog/future-development/2016/04/25/syrias-mental-health-crisis/

 

[20]3RP Regional Refugee & Resilience Plan 2017-2018 (2016) https://reliefweb.int/sites/reliefweb.int/files/resources/TURKEY%20country%20chapter%20%28English%29.pdf

شارك هذا المقال

قم بالتسجيل لتلقي النشرة الدورية