تحليل سياسي

النجاح والفشل في مؤتمر وارسو للسلام والأمن

 

المحتويات

أولًا – مقدمة

ثانيًا: حول مقدمات المؤتمر ومخرجاته

ثالثًا: الصراع الخفي على النفوذ بين الغرب الأوروبي وأميركا

رابعًا: مواجهة إيران مقابل التطبيع (الصفقة التي لم تُنجز بعد)

خامسًا: حول الأمن والسلم الدوليين

سادسًا: إيران أمام تحديات جديدة

سابعًا: خاتمة.

 

 

 

أولًا – مقدمة

مرّ شهران على خطاب وزير الخارجية الأميركية جورج بومبيو على مدرج الجامعة الأميركية في القاهرة، الذي أعلن فيه عن سعي بلادة لـ “عقد قمة عالمية تهدف إلى تشكيل تحالف دولي، يدفع إيران للتصرف بصورة لائقة، ويناقش قضايا الاستقرار، وضمان عدم وجود تأثير إيراني يزعزع الاستقرار في المنطقة”. فقد عقد المؤتمر في العاصمة البولندية وارسو يومي 13 و14 شباط/ فبراير 2019 بحضور ممثلين عن 60 دولة، وبرعاية أميركية بولندية، وحمل رمزيتين أرادتهما الولايات المتحدة من وراء هذا المؤتمر، أولاهما رمزية مكانية مثلتها وارسو مقر حلف وارسو الذي انهار مع انهيار الاتحاد السوفياتي عام 1991، وتغيير بولندا لاتجاهها من حليف لموسكو إلى حليف يزداد التصاقًا بالولايات المتحدة حتى على حساب جيرانه الأوروبيين وحلفائه الأطلسيين بدافع الخوف من جيرانه في الشرق، وثانيهما رمزية التوقيت الذي وافق احتفالات إيران بالذكرى الأربعين لثورة الخميني، لكن الأهم من هاتين الرمزيتين اللتين ركزت عليهما الولايات المتحدة، أنها أرادت تحقيق هدفين متداخلين يتلخصان بتتويج تطبيع عربي إسرائيلي من ضمن مواجهة الخطر الإيراني وتمهيدًا لإطلاق صفقة القرن، لكن من غير المعروف إلى أي مدى حققت الولايات المتحدة نجاحًا على هذا الصعيد، فالوزراء العرب لم يكونوا واضحين كفاية، ويُعتقد أن الراعي الأميركي لم يرد إحراجهم أكثر في هذه المرحلة.

في هذا المؤتمر، ظهر الخلاف الأميركي الأوروبي بكل وضوح من خلال تعمّد الأوروبيين خفض مستوى التمثيل، وغياب مسؤولة السياسة الخارجية للاتحاد الأوروبي فيدريكا موغريني، وعجز المؤتمر في تحقيق ما كان مخططًا له في رأب الصدع وتقريب المواقف السياسية بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية، سواءً ما تعلق منها بإيران أو بملفات اخرى تتباعد فيها رؤى الطرفين في مرحلة يزداد فيها القلق الأوروبي والخشية من انكشاف استراتيجي للاتحاد الأوروبي في ظل التموضعات الاستراتيجية الجديدة على المستوى الدولي، التي تلوح في الأفق لكل من الولايات المتحدة وروسيا والصين.

حاولت إيران وأتباعها في المنطقة التبشير بفشل المؤتمر حتى قبل عقده، وهذه المحاولة، وإن صدقتها بعض حيثيات المؤتمر، إلا أنها تعكس قلقًا حقيقيًا في إيران من حالة الحصار الاقتصادي والسياسي التي تشدد الخناق عليها بهدف إجبارها على تغيير سلوكها في زعزعة الاستقرار في المنطقة، وإجبارها على التخلي عن برنامجها الصاروخي وطموحاتها النووية.

 

ثانيًا: حول مقدمات المؤتمر ومخرجاته

أطلق جورج بومبيو دعوته عن نية بلاده عقد مؤتمر في وارسو بهدف مواجهة إيران في النصف الأول من كانون الثاني/ يناير الماضي في سياق جولته الشرق أوسطية، وجاءت بالتزامن مع زيارة جون بولتون لكل من “إسرائيل” وتركيا، وعكس هذا تشددًا متزايدًا في السياسة الأميركية تجاه إيران، وكانت النية متجهة أساسًا إلى توجيه الدعوة إلى الدول المشاركة في التحالف الدولي لمحاربة “داعش”، وعددها يفوق السبعين دولة، إضافة إلى أربع منظمات دولية.

لقد تبدلت عناوين المؤتمر بين عدد من الأسماء من “الناتو العربي” إلى “تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي”، ثم استقر أخيرًا على “مؤتمر وارسو للسلام والأمن في الشرق الأوسط”، وكان مفهومًا من جدول أعمال المؤتمر أنه سيشكل ستّ لجان عمل ومتابعة لتنفيذ توصياته التي يُؤمل التوصل إليها، وهذه اللجان حددت بـ (1- محاربة تهديد الأمن السيبراني، 2- الصواريخ الباليستية، 3- محاربة الإرهاب، 4- العمل على توفير أمن الطاقة، 5- توفير أمان الطرق البحرية، 6- حقوق الإنسان)، كما كان مقررًا أن يكون الملف السوري حاضرًا من خلال بحث التسوية السياسية.

إن المستهدف الأساسي من هذا المؤتمر هو إيران دون سواها، وما تغيير عناوين المؤتمر والدول التي حضرته، وعددها ستون دولة، ومستوى التمثيل الضعيف لعموم الحاضرين، كلها تشير إلى حجم التعارضات في الرؤى والمواقف بين الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين وحتى العرب، وتبين من خلال الكلمات التي ألقيت في المؤتمر حجم التباين القائم، وأن ثمة جهدًا لا بدّ من بذله في هذا الاتجاه، وتسويات لا بد من إبرامها بين الفاعلين من الحضور حتى يمكن شحن المؤتمر بالطاقة اللازمة، حتى يكون فاعلًا وقادرًا على تحقيق الأهداف المعلنة.

عمليًا عقدت أربع جلسات في يومي المؤتمر، في الجلسة الأولى جرى التركيز على ملف نزع السلاح مثل الصواريخ الباليستية، أو الحد من إنتاج الصواريخ ومنصات إطلاقها، وكذلك طائرات الدرون، أما في الجلسة الثانية فقد خصصت للأمن السيبراني، في حين أن الجلسة الثالثة كرّست لمحاربة الإرهاب وتجفيف منابع تمويله ودعمه، وجلسة رابعة رأسها مايك بنس نائب الرئيس الأميركي خصصت لعملية السلام الفلسطيني الإسرائيلي.

يقول وزير الخارجية البولندي غاسيك تشابوتوفيش “إن بلاده، وإن كانت من الدول المؤيدة للاتفاق النووي، إلا أن هذا لا يحجم قدرة إيران على القيام بأنشطة تزعزع أمن المنطقة واستقرارها”، وتابع “إن تدخلات إيران في سورية تؤثر سلبًا في المنطقة”، أما مايك بنس فأكد في كلمته أن إيران “تُشكّل أكبر خطر يواجه السلام والأمن في الشرق الأوسط”، في حين أشار بومبيو إلى أن المؤتمر “يهدف إلى تخفيف التوتر في المنطقة إلى أطول مدة ممكنة”، ومن الواضح أن هذه التصريحات غير المتناغمة، تفسر إلى حدً كبير حدود النجاح الذي أراده المنظمون لهذا المؤتمر، وهو على كل حال ليس ذلك النجاح الذي يعتد به، قياسًا على الأهداف المعلنة، إلا إذا تابعت الولايات المتحدة جهدها على هذا الطريق، واعتبرت المؤتمر مجرد جولة ستتبعها جولات كما اقترح الفرنسيون. ومن هنا، فإن البيان الختامي للمؤتمر لم يصدر باسم أعضاء المؤتمر، وإنما باسم الدولتين الراعيتين، الولايات المتحدة وبولندا، اللتين شددتا فيه على ضرورة أن يؤسس هذا المؤتمر للاستقرار في الشرق الأوسط، ومرة ثانية جدد بومبيو في ختام المؤتمر دعوته إلى التعاون من أجل التوصل إلى اتفاقية عالمية حول تهديدات إيران، محذرًا من أن “التحديات لن تبقى محصورة في الشرق الأوسط بل إنها ستتجه إلى أوروبا والغرب”.

 

ثالثًا: الصراع الخفي على النفوذ بين الغرب الأوروبي وأميركا

ثمة هواجس حقيقية عند الأوروبيين أصحاب النفوذ التقليدي في الشرق الأوسط، من تمدد النفوذ الأميركي في المنطقة على حسابهم، وقد بدأ ذلك بالظهور منذ حرب الخليج الثانية التي أتاحت تكثيف الوجود الأميركي في المنطقة عسكريًا وسياسيًا، وبما أنه ليس للأوروبيين تلك القدرة على الدخول في مواجهة مع حليفهم الأكبر والمتحكم في قرارهم الاستراتيجي ضمن حلف الأطلسي، فإنهم يناورون ويطالبون تارة ويحذرون تارة أخرى، يمانعون هنا ويسهلون هناك اعتمادًا على قاعدة اجتماعية كامنة في واقع المنطقة جرى تأمينها منذ فترة الاستعمار الأوروبي مطلع القرن العشرين.

هذا الصراع ازدادت حدته في عهد إدارة ترامب التي تضغط على الأوروبيين في أكثر من ملف، وتهدِّدهم بنزع الغطاء الاستراتيجي عنهم وفقًا لمقولته” الحماية مقابل تحمل الأعباء”، ثم أخذ شكلًا أكثر وضوحًا، بعد أن انسحب ترامب من الاتفاق النووي الذي توصلت إليه إدارة سلفه أوباما على حساب مئات ألوف الضحايا الذين قتلوا على يد الميليشيات الإيرانية في أكثر من دولة، كانت أشدّها في سورية، عندما غض أوباما الطرف عن تدخلات إيران مقابل التوصل إلى ذاك الاتفاق.

لم يوافق الأوروبيون على قرار ترامب بإلغاء الاتفاق النووي، وما تبعه من عقوبات فريدة وقاسية، لم تتح للأوروبيين ولا لغيرهم البحث في أي بدائل، تحمي شركاتهم واستثماراتهم من أن تطالها العقوبات الأميركية، حتى الآلية التي اقترحها الاتحاد الأوروبي لإيجاد مخرج قانوني لتعامل الشركات الأوروبية مع إيران في مجالات اقتصادية محددة وآلية دفع محدّدة، لم تكن عملية، ولم ترضِ إيران. فلدى الأوروبيين خشية حقيقية، من أن تنهار إيران تحت ضغط العقوبات، أو عبر عمل عسكري ما زال بعيد الاحتمال، أو باضطرابات داخلية ليست مستبعدة بسبب من تردي الأوضاع المعيشية، فتقع إيران في الحضن الأميركي، ويخسرها الأوروبيون كمنطقة نفوذ مغرية، وعلى الرغم من أن الأوروبيين يشاركون الأميركيين قلقهم تجاه ملف الصواريخ الباليستية، وإلى حد ما حيال تدخلاتها المؤذية في المنطقة، إلا أنها غير كافية في نظرهم لتبرير التشدد الأميركي، خلا عن المشاركة فيه، وهم على قناعة، خصوصًا الدول الأوروبية الأساسية: بريطانيا وفرنسا وألمانيا، بأنه يمكن بالحوار اقناع إيران بتغيير سلوكها وسياستها، وأن ما يذهب إليه البعض من أن المواقف الأوروبية وتمسكها بالاتفاق النووي هو مجرد تكتيك، غايته إلزام إيران بالاستمرار بالاتفاق وعدم الانسحاب منه، على أمل تغيير لاحق في السياسة الأميركية بهذا الخصوص، هذا الرأي على معقوليته النظرية، وعلى الرغم من تصريح وزير الخارجية الفرنسية بأن فرنسا وإيران “سوف يعيدان تبادل السفراء ما دامت إيران ستحافظ على الاتفاق النووي”، إلا أن الوقائع لا تؤيد مثل هذا الافتراض؛ فقد طفى الخلاف الأوروبي الأميركي إلى السطح في مؤتمر وارسو، ولم يفضحه ضعف التمثيل المتعمدفحسب، إذ أرسلت فرنسا على سبيل المثال مندوبها إلى مفاوضات الملف النووي المعروفة آنذاك مجموعة (5+1)، كما برر وزير الخارجية البريطاني حضوره باهتمام بلادة بالملف اليمني الذي يمكن أن يناقش في المؤتمر.

في هذا السياق، قال وزير الخارجية البولندي إن المأمول من المؤتمر “أن يُحدث نوعًا من التقارب بين الموقفين الأوروبي والأميركي”، وتابع تشابوفيتش في لهجة جمعت بين التقريب في وجهات النظر والتحذير من عقابيل التباعد الأوروبي-الأميركي “إن المشكلات في الشرق الأوسط معقدة، والاتحاد الأوروبي لا يملك القدرة الكافية لحلها”، أما بومبيو الذي قال قبل المؤتمر إن “كل الملفات سوف تناقش في المؤتمر، بما فيها القلق الأوروبي من الانسحاب الأميركي من سورية”، فقد انتقد الأوروبيين خلال المؤتمر، واتهمهم بأن مواقفهم “تُعزز سياسات إيران العدوانية”، أما مايك بنس فقد طالب الأوروبيين بالانسحاب من الاتفاق النووي، وإذا كان المطلوب من المؤتمر إحداث تقارب أوروبي-أميركي في الموقف من إيران على ما أمل الوزير البولندي، فإن كلمة بنس باعدت المواقف بحكم تباعد المصالح والمقاربات لكلا الطرفين.

 

رابعًا: مواجهة إيران مقابل التطبيع (الصفقة التي لم تُنجز بعد)

كان واضحًا من خلال التحضيرات للمؤتمر والتصريحات التي تخرج من هنا وهناك من الدول المعنية بصراعات الشرق الأوسط، ومنها الصراع العربي الإسرائيلي، أن المؤتمر أريد له تمرير أو تتويج حالة من التطبيع بين الدول العربية و”إسرائيل” على خلفية أن الطرفين يواجهان عدوًا مشتركًا وأكثر خطورة على أمن المنطقة من بقية التهديدات التي تواجهها، ألا وهي إيران وأذرعها الميليشياوية الموجودة في أكثر من دولة عربية بهدف زعزعة أمن واستقرار المنطقة، وهذا المنطق الذي يجري تعميمه لتمرير صفقة أكبر تنهي الصراع الفلسطيني الإسرائيلي من ضمن صفقة ما زالت غامضة المعالم دعيت صفقة القرن، يشي غموضها وطرائق تمريرها، بأنها لن تكون عادلة بالشكل الذي أقرته قرارات الشرعية الدولية وحل الدولتين، الذي من المفترض أن يفضي إلى قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة على أراضي الـ 67 وعاصمتها القدس الشرقية، وحل معضلة قضايا الحل النهائي الأربعة التي وقف التعنت الإسرائيلي وسياسة الاستيطان التي قضمت معظم أراضي الضفة الغربية حائلًا دون انجازها، في ظل تغاضٍ أميركي واضح وعدم التزام بالاستحقاقات التي رتبتها أوسلو على الولايات المتحدة كدولة راعية. إذًا كان معروضًا على العرب، أن ينجزوا التطبيع من خلال شراكة عربية إسرائيلية ضمن تحالف السلام والأمن في الشرق الأوسط لمواجهة إيران.

قبيل المؤتمر طلبت السلطة الفلسطينية التي رفضت الحضور من الدول العربية عدم الحضور، ولم يكترث لطلبها أحد، أما نتنياهو الذي حضر المؤتمر فقد صرح قبل عقد المؤتمر بأنه “يُشكّل نقطة تحول تاريخية، فقد تناغم الصوت العربي الذي سيحضر المؤتمر مع الصوت الإسرائيلي في اجتماع استثنائي لمواجهة الخطر المشترك الذي يمثله النظام الإيراني”.

لم يشهد المؤتمر بحثًا جادًا ولا مستفيضًا لهذه النقطة، وما خلا العرض العمومي الذي قدمه جاد كوشنر صهر الرئيس ومندوبه الخالص للملف الإسرائيلي الفلسطيني، عما قدمته بلاده لتسهيل وإعادة الحياة للمفاوضات المتوقفة بين الطرفين، واستعيض عن البحث في آليات إحياء عملية السلام بالجلسات البروتوكولية في مأدبة العشاء التي حضرتها الوفود، وهذا قدم مادة لجوقة الممانعة للنيل من وزراء الخارجية العرب الذين حضروا.

توصل المؤتمر إلى عدد من النتائج لكن ردات الفعل المتناقضة والمسجلة بعد المؤتمر تدحض معظمها، فهناك من اعتبره إنجازًا واختراقًا غير مسبوق، وهناك من قلل من أهميته، وهذا دليل على أن شيئًا ذا معنى لم ينجز، إما لأن الدول العربية التي حضرت، ليست مستعدة بعد أو غير قادرة على تحمل تداعيات مثل هذه الخطوة، وأرادت فصلًا بين الموضوعين، أي التطبيع والتحالف، ورأت أن الموضوع يحتاج إلى مزيدٍ من الوقت، أو احراز تقدم في عملية السلام المتعثرة بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني، بناءً على ما تناقلته وسائل الإعلام بأن الملك السعودي أبلغ بومبيو، أثناء جولته المتوسطية، بأن التطبيع بين العرب و”إسرائيل” مرهون بتحقيق السلام، وأن المبادرة العربية للسلام التي تقدمت بها السعودية إلى مؤتمر القمة العربية الذي عقد في بيروت عام 2002 ما زالت على الطاولة؛ وإما لأن الولايات المتحدة اكتفت بهذا القدر في هذه الجولة.

ردّد مساعد الرئيس الأميركي للمفاوضات الدولية، غرينبلات، ما قاله نتنياهو: إن المؤتمر “تاريخي بالفعل”، وغرد من داخل المؤتمر “يسرّ الولايات المتحدة، أن ترى ممثلين لأكثر من 60 دولة ومنظمة في حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي، هنا اليوم، حقًا إنه تجمع تاريخي في تنوعه”، ونسب له أيضًا قوله إن القضية الفلسطينية “لم تعد القضية المركزية لدول المنطقة، وباتت صراعًا من عدة صراعات تشهدها المنطقة”، وإن إيران هي التهديد الرئيس لمستقبل السلام والأمن الإقليمي، وهذا ما لم يفهمه القادة الفلسطينيون، ونتيجة لذلك، فإنهم معزولون عن الحقائق الجديدة، وهذا مؤسف جدًا”.

أما وزير الخارجية الإماراتي عبد الله بن زايد فقد أقر بحق “إسرائيل” في الدفاع عن نفسها إزاء تهديدات إيران وحزب الله، لكن وزير الخارجية البحريني خالد بن حمد آل خليفة فقد ذهب إلى أبعد من نظيره الإماراتي في هذه الحيثية عندما قال “إن مواجهة التهديد الإيراني يعد أخطر وأهم من القضية الفلسطينية في الوقت الحالي”.

قد يكون نتنياهو والمتحمسون له من المسؤولين الأميركيين الذين ضخموا إنجاز وارسو لغايات انتخابية، يريد استثمارها في الانتخابات الإسرائيلية المزمعة في شهر أبريل/ نيسان المقبل، إلا أن شيئًا مهمًا على طريق التطبيع قد تحقق، ولو أنه ما زال دون الطموحات الإسرائيلية، وأن الأنظمة العربية باتت أكثر استعدادًا لفتح أبواب التطبيع مع “إسرائيل”، ومع ذلك فإن الإنجاز الحقيقي ليس هنا، فهناك أنظمة عربية عقدت معاهدات سلام مع “إسرائيل”، وطبعت علاقاتها معها منذ عشرات السنين، لكن شعوبها لم تطبع بعد، بانتظار سلام عادل، وهذا هو قاعدة السلام الحقيقي القابل للحياة والذي تبحث عنه “إسرائيل”، لكنها تريده من دون ثمن، لأن التطرف اليميني والصهيوني والطغمة العسكرية في “إسرائيل”، ليست جاهزة للسلام، وهذا ما لا تريد أن تسمعه دوائر صنع القرار الأميركية.

 

خامسًا: حول الأمن والسلم الدوليين

لم يكن الأمن والسلم في عالم الدول مستقرًا إلا بشكل نسبي، وهو دائم التقلب في إطار سعي أو رغبة البشرية في الوصول إلى حالة أكثر استقرارًا، لكن هذا، كما هو معلوم، مناقض لطبيعة التاريخ من حيث هو تاريخ صراع، ويبدو أن العالم يمر في هذه الفترة بحالة من عدم الاستقرار، يشوبها القلق أو عدم اليقين حول المستقبل عند بعض الدول، أو رغبة التوسع والهيمنة عند بعضها الآخر، كما أن بعضها يحاول أن ينتهز فرصًا من دون أن تكون واثقة من إمكاناتها، وهذه اللوحة بتعقيداتها تتجسد بشكل واضح في منطقة الشرق الأوسط، وليس هناك من يقين حول الشكل الذي سوف ترسو عليه.

مبعث هذا التمهيد أن الصدف زامنت في الأسبوع الثاني من شباط/ فبراير الفائت ثلاثة مؤتمرات، تبحث في الأمن والسلم في العالم عامة والشرق الأوسط خاصة، أولهما مؤتمر وارسو الذي رفضت موسكو حضوره، بحجة أن بيانه الختامي قد صيغ بشكل مسبق من قبل الولايات المتحدة وبولندا، وحذرت من النتائج السلبية لهذا المؤتمر، علمًا بأن روسيا لم تُقبل في التحالف الدولي لمحاربة “داعش”، كما أن تركيا لم تجد لها مصلحة في الحضور حرصًا على علاقتها مع إيران التي تتعرض لعقوبات اقتصادية، لا تحبذ تركيا الالتزام بها، وثانيهما مؤتمر “سوتشي” الذي جمع ضامني أستانا الثلاث في رابع قمة لهم، لبحث مصير اتفاق إدلب والمنطقة الآمنة المقترحة، من دون أن يتوصل إلى أي تفاهمات بين أطرافه؛ فإيران تريد استعادة إدلب إلى سيطرة النظام، وأن تتقدم قوات النظام وميليشياتها لملء الفراغ الذي قد يحدثه الانسحاب الأميركي من شرق الفرات، الأمر الذي لم تقبله تركيا، ولم توافق على إعادة بحث إمكانات تفعيل اتفاقية أضنة أو حتى تعديلها بديلًا عن المنطقة الآمنية حتى الآن، كما طرحت روسيا في محاولة منها لفتح حوار بين تركيا والنظام، أما روسيا فقد بدا واضحًا أنها لا تريد دفع تركيا أكثر صوب الولايات المتحدة، وهكذا لم يخرج المؤتمر بأي نتائج، وأجَّل القضايا المطروحة حتى اللقاء الخامس.

أما الثالث فكان مؤتمر ميونخ للأمن والسلم الذي عُقدت جلستة الدورية الخامسة والخمسون في مدينة ميونخ الألمانية بحضور أربعين رئيس دولة ورئيس وزراء وأكثر من مئة وزير خارجية ودفاع ورئيس استخبارات من مختلف بلدان العالم، ويعتبر مؤتمر ميونخ أهم محفل دولي يبحث في القضايا التي تهم العالم في المجالات السياسية والأمنية والأزمات والصراعات الدائرة.

يعتقد بعض المشاركين في المؤتمر بأن عهدًا جديدًا من المواجهة بين كل من الولايات المتحدة وروسيا والصين قد بدأ، وأن فراغًا في السلطة يشهده النظام العالمي، هو من يدفع قدمًا بهذه المواجهة؛ فهناك قلق أوروبي من انسحاب الولايات المتحدة من المادة الخامسة من ميثاق حلف الأطلسي الخاصة بالدفاع الجماعي، قياسًا على سياسة ترامب التي تفاجئ الآخرين بشكل دائم، وهناك قلق أوروبي خاص بعد الانسحاب الأميركي من معاهدة الحد من الصواريخ الباليستية متوسطة المدى، التي تبعت معاهدة الحد من الصواريخ الباليستية بعيدة المدى التي تنتهي في العام 2021، وردت روسيا بتعليق مشاركتها في هذه الاتفاقية ردًا على الموقف الأميركي، الأمر الذي سيفتح بابًا واسعًا لسباق تسلح جديد، قد يكون أشد وطأةً من ذاك الذي شهدته الحرب الباردة، سباقٍ كانت تتجنبه أوروبا بحكم اتكائها على الحماية الاستراتيجية التي كانت توفرها الولايات المتحدة الأميركية، وباتت تساور الأوروبيين شكوكًا حول استمرارها، في الوقت ذاته الذي يواجه فيه الاتحاد الأوروبي احتمال التلاشي بعد انسحاب بريطانيا منه.

كانت لافتة ردة الفعل الروسية على مجمل هذه التطورات، فقد صرح الرئيس الروسي في خطابه السنوي الموجه إلى الأمة في 22 شباط/ فبراير الماضي محذرًا دولًا شرق أوروبية، من السماح بنشر صواريخ أميركية على أراضيها على غرار صواريخ بيرشيغ التي نشرتها الولايات المتحدة عام 1980 على الأراضي الألمانية، وهدد ليس بضرب هذه الدول، بل بضرب الولايات المتحدة ذاتها، وهذه لغة غير متوقعة من رئيس دولة بحجم روسيا. ومع الأخذ في الحسبان أن جزءًا من هذه اللهجة موجه إلى الداخل الروسي المأزوم، لكنها في النهاية تعكس حالة قلق وتوتر شديدين حيال التحديات المطروحة.

من الواضح أن نوعًا من القلق والاستقرار المفقود الذي تبديه لوحة الصراعات الدولية حول النفوذ واستجابة للمصالح المتناقضة، يحتاج إلى توافقات وصفقات بين الدول الفاعلة في النظام الدولي، لا تبدو شروطها متوافرة في المدى المنظور، وهذا الوضع يرجح بروز مزيد من الصراعات والحروب المباشرة، أو بالوكالة غالبًا في أكثر من منطقة في العالم.

سادسًا: إيران أمام تحديات جديدة

كانت إيران، بحكم تدخلاتها في المنطقة وملفيها النووي والصاروخي، أكثر الدول حضورًا في اللقاءات والمؤتمرات الدولية التي بدأت مع العام الجديد، وهناك زيادة في وتيرة الضغط الذي تمارسه الولايات المتحدة على إيران، سواء أكان من خلال العقوبات الاقتصادية الخانقة والضغوط السياسية الهادفة إلى عزل إيران، أو من خلال التهديد بالحرب، وذلك لإجبار إيران على الرضوخ، وتغيير سلوكها لجهة تدخلها خارج حدودها، بخاصة ذلك القسط منه الذي يعني أمن “إسرائيل” ، وأيضًا التخلي عن طموحاتها النووية والصاروخية.

من التوجهات الأميركية الجديدة حيال إيران، ولم تك معهودة سابقًا، أن بومبيو في خطابه في القاهرة قد ساوى بين الخطرين الداعشي والإيراني، وهذه لغة جديدة في الخطاب الأميركي. وفي سابقة أخرى شهد مؤتمر وارسو كسرًا للنمطية الغربية حول إيران، التي كانت تميز بين معتدلين يجب تشجيعهم بدءًا بمحمد خاتمي وانتهاءً بحسن روحاني، وبين متشددين يمثلهم المرشد، عندما قال بومبيو في مؤتمر وارسو “نرغب في وقف عدوان روحاني وسليماني”، وتابع بومبيو “نريد عقوبات أكثر، وضغوطًا أكبر، لأن هذا سيمنع الديكتاتوريين في إيران من التمادي”.

أما إيران فقد هاجمت مؤتمر وارسو واعتبرته فاشلًا، ووصفت الخارجية الإيرانية بيانه الختامي بأنه “يفتقر للمصداقية”، كما عزا بهرام قاسمي المتحدث باسم الخارجية الإيرانية فشل المؤتمر إلى غياب إيران، وأن أي مؤتمر مماثل سيفشل ما لم تحضره إيران. وإذا كانت ردات الفعل الإيرانية هذه متوقعة، فإن حالة الانفصال عن الواقع التي يعانيها ظريف لم تكن متوقعة، فقد قال في ميونيخ: “إنه سيتباحث مع الوفود الحاضرة حول سياسات إيران وحقائق المنطقة، التي قادت هذه الدول عبر سياساتها الخاطئة إلى الخروج بنتائج تتعارض مع ما توصلت إليه إيران من خلال خياراتها الصائبة”؟!.

على الرغم من أن إيران كانت الحاضر الأكبر في هذه المؤتمرات، وستبقى كذلك إلى حين، فإنه ليس هناك من قرار دولي حاسم تجاه إيران، وما تصعيد العقوبات والضغوط السياسية سوى محاولات كي تغير إيران سلوكها، وإيران تقرأ مثل هذه الرسائل بشكل جيد، ولن تدفع الأمور نحو مواجهة عسكرية مع الغرب، لكنها تفضل التفاوض تحت الطاولة وليس فوقها؛ فإيران ليست أمام غوادالوب جديد، وهو المؤتمر الذي جمع قادة أميركا وبريطانيا وفرنسا وألمانيا في كانون ثاني/ يناير 1979 في جزيرة غوادالوب الفرنسية، وقرروا رفع الغطاء عن نظام الشاه، فالخلافات الغربية حول مصير النظام الإيراني أكبر من أن تسمح، وفق المعطيات الراهنة، بالعمل على إنهائه، سواءء بعمل عسكري مباشر، أو بدعم حراك داخلي يتكفل بهذه المهمة.

 

سابعًا: خاتمة

قد يكون من الصعب الجزم في ما إذا كان مؤتمر وارسو ناجحًا أم فاشلًا، أو تحديد مدى النجاح أو عمق الفشل، فثمة نجاحات حققها المؤتمر في ضوء الأهداف المرسومة له، إذ استطاع حشد عدد كبير من الدول، إن تعمد بعضها خفض التمثيل، من أجل زيادة الضغوط على إيران وعزلها، ما دامت مصرة على نهجها التوسعي الذي استفادت منه بعض الدول في مرحلة معينة، ولم يعد يعنيها حاليًا، واستطاع أيضًا جمع عدد فاعل من الدول العربية مع “إسرائيل” بهدف شق مسيرة تطبيع بين العرب و”إسرائيل”، على الرغم من أنه لم يخرج بنتائج على هذا الصعيد (صحيح أنه لم يخرج بنتائج مباشرة على هذا الصعيد، لكنه مهَّد للخروج بنتائج خطيرة في المستقبل المنظور، أقلها ما يسمى “السلام الاقتصادي” على طريق تمرير “صفقة القرن” تدريجًا)؛ فصعوبة التحديد هنا تعود إلى تقدير مدى الانسجام أو التناقض بين الشكل والمضمون، لأن المؤتمر، من حيث الشكل، كان ناجحًا، بينما كان، من حيث المضمون، دون المستوى المأمول، وكان حجم الخلافات وتناقض المصالح كبيرًا إلى درجة يصعب معها الخروج بمواقف موحدة وفاعلة تجاه إيران، وهذا يستلزم متابعة عبر جولات جديدة، أو تفاهم أوروبي أميركي يأخذ المصالح الأوروبية في الحسبان.

شارك هذا المقال

قم بالتسجيل لتلقي النشرة الدورية