الأبحاث الاجتماعية

في إشكالية الهوية السورية الملتبسة

المحتويات

الخلافة العثمانية والاحتلال الفرنسي وسياساته

الطبقات المُخفِقة

عامٌ مفصليٌّ

الكذب وانهيار القيم

الهوية الوطنية في أثناء الثورة

المظلومية المستعادة

المصادر والمراجع

 

 

 

إن الثورة عملية تغيير شاملة، وما حدث بعد عام 2011 حيث الثورة الشعبية السورية، هو بداية ظهور المشكلات كافة التي لم يتشكل حولها إجماعٌ وطنيٌ عامٌ. تكمن مشكلة سورية في أنّها حُكمت بسلطةٍ أمنيةٍ بامتياز منذ السبعينيات، ومن ثم مُنعت فيها أشكال الحريات وحقوق المواطنين السياسية كلها، وهذا ما خلق مجالًا للأوهام وللأفكار المطلقة والفئوية والذاتية، وغابت المشتركات الوطنية العامة كافة، وجاء غياب الوعي الحديث نتيجة لسيادة الوعي القديم، أي الديني والمذهبي بخاصّة، والكلام يتناول العامّ من الوعي، وليس الخاص الذي يؤكد وجود وعي حديث عند فئات مجتمعية وسياسية، وكذلك هناك فئات أخرى يلتبس وعيها بين القديم والجديد؛ إن سيادة الوعي القديم، كانت صناعة ممنهجة من النظام من ناحية، ومسنودةً على إرثٍ مجتمعي من ناحية ثانية. الأهم، أن سورية بجغرافيّتها الراهنة[1]، لم تكن موجودة تاريخيًا، وكانت تُعرف بسورية الطبيعية، أو جزءًا من دولة الخلافة في العصر الوسيط، وكذلك هي مكانٌ لأقوامٍ قديمة، ومنها العرب بالتأكيد، قبل الدولة العربية الإسلامية. أقصد ليس في سورية هوية وطنية جامعة، ويتمحور حولها الشعب، حينما يتعرض لثورة داخلية أو احتلال خارجي أو أزمة كبيرة، وعدا ذلك، فإن شكل السلطة الأمنية، وضبطها القمعي للمجتمع ولعقودٍ متتالية ساعد على تفتّت الهوية السورية الحديثة، وسهَّلَ على الشعب استعادة الهويات القديمة، وكلّها غير وطنية، أي إن الثورة عملية تغيير شاملة، والتعقيدات التي واجهتها، وتحوّلها إلى حربٍ داخلية فيها طغيان للطائفية، وحرب إقليمية وعالمية، دفعت الشعب نحو ازدياد الالتباس في هويته، حيث توجد كتلة من الشعب تفضل تركيا وأخرى روسيا وأخرى إيران، وكثيرًا ما تؤدي الميول الطائفية دورًا في هذه الخيارات. هنا لا يجوز تجاهل أن مفعولات الحرب والرغبة في الخلاص، يعدّ سببًا أساسيًا، لهذا الشكل من التذرر في تعدّد الهويات والتبعية للخارج؛ وقابلية ذلك كله، للتغير حالما تنتهي الحرب، وتبدأ مرحلة الاستقرار المجتمعي مجددًا، وهذا أمر يتعلق بالمستقبل ويتطابق مع توجه الثورة الشعبية في 2011.

هذا التعقيد يوضح إشكالية التباس الهوية الوطنية ونتائج الاستبداد، وأخيرًا، يوضح غياب رؤية وطنية لدى المعارضة بما يخص الهوية الوطنية للسوريين كافة، وتبنيها في أغلبيتها ولا سيما المهيمن منها، السياسة الطائفية. أيضًا هناك قطاعات شعبية وأحزاب سياسية رفضت التطييف وأكدت الهوية الوطنية، ولكنها ظلّت هامشية، على الرغم من أن الشعب أراد بصورة خاصة عام 2011-2012 تشكيل هوية وطنية والوصول إلى نظام يمثل الجميع.

 

الخلافة العثمانية والاحتلال الفرنسي وسياساته

كانت سورية ملحقة بالخلافة العثمانية، ولاحقًا أصبحت محتلة من فرنسا؛ كان القرن التاسع عشر، قرن تشكل القوميات عالميًا، وهذا شمل بزوغ حركات قومية في مختلف دول العالم، وأصبحت الشعوب تُعرّف نفسها قوميًا، وليس دينيًا أو مذهبيًا، أي ساد هذا الشكل من الهوية، بينما تنحت الهويات الأخرى، أو أصبحت هامشية؛ وهذا سمح -كما الحال لدى الأتراك كذلك لدى العرب، والسوريين أيضًا- بسيادة النزعة القومية؛ لن ندخل في مناقشة عن كيفية تَشكّل الهوية القومية في سورية، ولكنها تشكلت مع نهاية الخلافة العثمانية وبداية الاحتلال الفرنسي لسوريا. الاحتلال الأخير، كانت لديه رؤية استشراقية للبنية الاجتماعية السورية، إذ تعامل مع الشعب وفقًا للمكونات الدينية والطائفية والمذهبية، ولعب كذلك على موضوع المدن الإقليمية ضمن سورية الحالية، أي انتهج سياساتٍ تفتت الهوية الوطنية، فكيف إن كانت الهوية السورية متلبسة أصلًا، حيث سوريا هي فلسطين ولبنان وسورية الحالية وشرق الأردن، وضمن سورية الحالية عمل الفرنسيون على تعزيز المناطقية والطائفية حيث حاول تشكيل أربع دول “حلب، ودمشق، والعلويين والدروز” ولاحقًا حلب ودمشق، ومن ثم أجبرته القوى السياسية على رؤية سورية دولة موحدة في إطار سورية الحالية، ولكن سورية فقدت لواء إسكندرون في الثلاثينيات، وبما يتناقض مع “توكيل” الانتداب كما يشير نشوان الأتاسي في كتابه “تطور المجتمع السوري”[2] الذي يفرض المحافظة على حدود الدولة المُحتلة؛ سورية هذه، وبسبب ضعف النزعة القومية لدى تياراتها السياسية، فقد تشكل فيها عدد من القوى السياسية القومية الحديثة “الحزب القومي، وحزب البعث، وحركات قومية أخرى” ولكن أيضًا تشكّلت قوى إسلامية وشيوعية، ومن ثم أصبحت سورية بهويات متعددة، تبدأ بالمناطقية وتمرّ بالقومية وتصل إلى الإسلامية والشيوعية.

لم تكن الهويّات أعلاه على وفاق على الوطنية السورية، وظلّت تشكل هوياتها الخاصة، وهو ما كان يُظهِرُ ضعفًا شديدًا في الحركة الوطنية ما قبل الاستقلال، حيث أهل حلب لديهم هويتهم الخاصة وكذلك أهل دمشق واللاذقية، وبعكس ذلك كانت ضرورات الاقتصاد الوطني والواقع الاجتماعي والأحزاب الجديدة “القومية والشيوعية” تعمل من أجل تشكيل هوية سورية، وإن ظل القوميون يرون سورية جزءًا من أمة عربية، ويجب توحيدها في دولة واحدة، وأما الشيوعيين فقد تبنوا نظرية العالم العربي، تبنوا الماركسية السوفياتية والأممية بوصفها فوق الأمم، أي التحلل من الرابطة القومية العربية التي كانت عامة، والقبول بالدولة القطرية التي فرضها الاستعمار أمرًا واقعًا[3]، وأن  لكل دولة خصوصيتها، ويجب أن يكون نظام الحكم لمصلحة الليبرالية “البورجوازية الوطنية” أو البورجوازية “التقدمية” وبدقة أكبر: لم يكونوا مشغولين بهاجس تحديد الهوية، ومن ثم كانوا يتحركون ضمن سورية الحالية، وضمن إطار التبعية الكاملة للحزب الشيوعي السوفياتي ودعمه أو دعم النظام السوري بصيغتيه ما قبل 1963 وما بعدها.

 

الطبقات المُخفِقة

يشكّل ظهور طبقة اقتصادية صناعية سببًا مركزيًا في توحيد السوق الوطنية، حيث لم تظهر لدينا طبقة بورجوازية صناعية، وظلّت طبقتنا مرتبطة بالاحتلال أو بالدول المحيطة، وبالروح المناطقية، أي لم تظهر الطبقة الحاملة للمشروع القومي وكذلك المحلي “الوطني”، وهذا أدى دورًا مركزيًا في غياب الهوية الوطنية. للدقة نقول: لقد تساكنت الهوية الدينية والقومية والوطنية في عقلية الطبقة البورجوازية الوطنية، ولكن الغلبة كانت للبنية القديمة، ومن ثم لم يكن في سورية قبل الاستقلال تلك الطبقة البورجوازية الساعية من أجل توحيد سورية وتشكيل هويتها الجامعة. مع نهاية الاحتلال الفرنسي، ونظرًا إلى ضعف الطبقة التقليدية تعرّض نظام الحكم إلى انقلابات عدة، وهو مؤشرٌ خطر عن هشاشة تلك الطبقة، وهامشيّة دورها التاريخي في نقل سورية من مرحلة الاحتلال إلى الاستقلال وتشكيل دولة وطنية وقوية في آن واحد.

توزّعت الأحزاب السياسية بين الكتلة الوطنيّة وحزب الشعب والحزب الشيوعي والبعث والقومي والإخوان المسلمين وسواها، وهناك الجيش بكتله المتعدّدة إذ كان بدوره يمثّل تلك الأحزاب، ولم يكن مستقلًا أو محددًا دوره لحماية الدولة وكان عرضةً للخضوع للأحزاب أو للانقلابات العسكرية من خلال قياداته؛ إن ضعف الطبقة البورجوازية اقتصاديًا وسياسيًا وصراع الأحزاب السياسية وطموح جنرالات الجيش للحكم، ساعد على غياب الاستقرار السياسي، وبذلك لم تكرّس الهوية الوطنية، بل كانت تتصدّع مع كل انقلاب عسكري، وشكّل انقلاب 1963 خاتمة الانقلابات العسكرية، وبعدها سادت صراعات الكتل ضمن حزب البعث والجيش الذي استقر نهائياً مع بداية السبعينيات؛ ولم يُقطع مع هويات الماضي، بل عُمل على تسييسها بصورة خفية. هذا الحكم تعرّضَ  لأزمة كبرى في الثمانينيات التي أوضحت بدورها غياب الهوية الوطنية وطرحت إلى العلن الهويات الدينية والمذهبية والطائفية؛ بل إن منيف الرزاز طرح في كتابه التجربة المرّة[4]، أفكارًا تناقش الطائفية في تكوينات حزب البعث ذاته منذ بداية السبعينيات، وهذا بدوره، وبغض النظر عن التضخيم في هذه الظاهرة أو تلك، يوضح غياب الهوية الوطنية الجامعة في الأحزاب القومية ذاتها، ولنقل إمكان تعرّضها للانتكاس باستمرار.

الدولة الأمنية المُشكّلة في بداية السبعينيات، على أنقاض الهوية الوطنية، ضبطت حركة المجتمع السياسية عبر أجهزة الأمن، ودفعت بالسوريين نحو الهويّات ما قبل الوطنية والقومية. إن نظام الحكم الأمني والعسكري كانت مصلحته تكمن في تطييف المجتمع، وتشكيل مؤسسات الدولة وفقًا للتركيبة ما قبل الوطنية. السؤال المركزي هنا: لماذا لم تُشكل دولة السبعينيات “القومية” الهوية الوطنية؟ أثارت المسألة وما زالت تثير مناقشات عدة، وغلب فيها السبب الطائفي بوصفه أصلًا لغياب ذلك التشكّل؛ ولكننا نظن أن الإشكال قائم في طبيعة الطبقة التي وصلت إلى الحكم، وهل هي مؤهلة لهذا الوصول؟ وهل تملك نمط إنتاج خاص بها؟ وهل تمتلك الرؤية والوعي الحداثي والمالك لرؤيةٍ تنهض بالاقتصاد وتطوّر البنية الاجتماعية. تلك الطبقة تنتمي إلى الأصول الفلاحية، وإلى بنية الوعي القديم، ومن ثم لم تكن تعنيها الديمقراطية أو فتح أفق التطور العام، وكانت تريد السلطة لها، ومن أجل مصالحها هي بالتحديد، وهنا يجادل كثيرون حول سبب إخفاق ديمقراطية في الخمسينيات، وهناك تيار فكري ليبرالي جديد يناقش القضية من زاوية أن الإخفاق ليس بسبب ضعف ديمقراطية الخمسينات بل بسبب الطبيعة الاستبدادية والعسكرية لنظام ما بعد 1963 أو 1970 حيث حطّم ديمقراطية الخمسينيات،  ولكننا أميل إلى القول إن تلك الديمقراطية لم تكن مؤصلة ولم تكن تعبيرًا عن طبقة صاعدة ومالكة لمشروع تاريخي واقتصاد صناعي صلب، أو مدعومة من تيارات سياسية ديمقراطية أو مفكرين ليبراليين عاملين من أجلها، وكانت مدينية بامتياز، وتستغل الريف كذلك، و بكلمة أخرى إن طبقة الخمسينيات وما قبل ذلك العقد أيضًا لم تكن تمتلك مشروعًا للحداثة والديمقراطية.

إن سهولة الانقلابات وبدءًا بالخمسينيات توضح ضعف تلك الطبقة ومحدودية مشروعها، ومن ثم ضرورة تجاوزها تاريخيًا. قصدت من ذلك كله أن الهوية تتشكل وفقًا لمشروع الطبقات المهيمنة على الإنتاج، ومن ثم السياسة والوعي والتعليم والثقافة.

كان نظام الحكم بعد السبعينيات نظامًا عسكريًا وأمنيًا بامتياز، وشرعيّته الحقيقية متأتية من استبداديته ومن علاقاته الخارجية، ومن انفتاحه على الخليج العربي حينها؛ ولذلك كان سهلًا عليه تفتيت المجتمع، وقد تفجّر الأخير كلّما تأزّم المجتمع، أو تشكلت قوى سياسية قوية كما حدث بعد عام 2011، أو قبل ذلك في الثمانينيات[5] من القرن الماضي.

إن مرحلة الثمانينات، كانت آخر سنوات، ما قبل حسم المعركة ضد قطاعات الشعب المستقلة، إذ ظهرت حركة الإخوان المسلمين حركة قوية على الرغم من تياراتها الكثيرة التي تحتويها، وقد استفادت من محاربة النظام لليسار “أجنحة من البعث، واليسار الشيوعي بتشكيلاته المتعددة، وحركة القوميين العرب”، مع انقلاب الحركة التصحيحية، بدا كأن هناك ما يشبه التواطؤ بين النظام والإخوان ضد اليسار والفاعليات المستقلة عنه كافة، حيث تشكلت قوى سياسية جديدة، بمسمى “التجمع الوطني الديمقراطي” 1979 وظهرت بعض النقابات بوصفها قوة رافضة لسياسات النظام بها، بل خاضت إضرابات عدة ضد النظام، وكذلك كانت الجامعات مكانًا لحركة سياسية طلابية قوية. بعكس ذلك كان النظام يؤسس لذاته، فالمواد الناظمة للجبهة الوطنية التقدمية، تمنع –قطعيًا- العمل السياسي في أوساط الطلاب والجيش، وطبعًا كانت الحريات والعمل السياسي تتهمشان تباعًا؛ إضافة إلى ذلك كله، فقد شعر الإخوان بقوة نفوذهم ولا سيما في بعض المدن بمثل حماة وحلب، وشكلت الخلافات بين نظامي سورية والعراق، سببًا لدعم النظامين كليهما لتيارات سياسية معارضة في البلد الآخر؛ إذ إن النظام كان يُدعم سلطته، بينما كان الإخوان بالتحديد والقوى السياسية يشعرون بالتهميش أكثر فأكثر.

الإشكالية هنا أن النظام كان يستوعب أعدادًا كبيرة من الشعب ضمن التعليم والجامعات العامة، أو العمالة، وضمن جهاز الدولة البيرقراطي، وليس الأمني والعسكري فقط، وحافظ على قوانين الإصلاح الزراعي، التي صادرت الملكيات الكبيرة للأرض وأعطتها للفلاحين. نقصد أن النظام كان قد سحب الأرضية الشعبية للاحتجاج الحقيقي، ومن ثم ظهرت الحركة السياسية اليسارية واليمينية كحركات ضعيفة في إطار الصراع، ومحددة في بعض المدن والأرياف، ولا سيما إدلب. ثمة ما صنع فارقًا، وهو السلاح، وظهور الطليعة المقاتلة بوصفها جناحًا عسكريًا للإخوان المسلمين، وإن أعلنت عن نفسها بأنها مستقلة عنها، وبتوافر دعم خارجي واسع لها، فإن المعركة أخذت طابعًا مسلحًا بصورة مباشرة، ما أدى إلى مواجهة عسكرية دموية معها، والتبس الصراع حينئذ من جانب النظام والإخوان بالطائفية، فإن كان الإخوان قد استندوا إلى موروث ديني في خطابهم، فإن النظام خاض المعركة وبصورة رئيسة عبر سرايا الدفاع التي كانت قوة عسكرية، ويغلب عليها الطابع الطائفي العلوي، ويرأسها رفعت الأسد. لاحقًا في منتصف الثمانينيات أبعد رفعت عن سورية، وهذا يوضح أن قضية التطييف لم تكن طائفية بالمعنى المذهبي بل كانت إحدى الأدوات السياسية ومن أجل تأبيد السلطة الاستبدادية التي أرادها الأسد الأب حينها لنفسه ولعائلته. صراع الثمانينيات حينها كان أقرب إلى الصراع السياسي، وتضارب المصالح بين قوى سياسية متعددة. كان الأمر غير ذلك بعد 2011، إذ ظهر المجتمع الذي أفقر ونهب وعُممت عليه سياسات الليبرالية الجديدة بمواجهة النظام، وظهر معلنًا هوية جديدة، وراغبًا في طي صفحة الثمانينيات، وكل طائفية تأصلت من قبل، وأطلق شعارات واضحة، تؤكد أن الشعب السوري واحد ورافض كل ميل إلى التطييف.

هناك فكرة دقيقة أوروبيًا[6] تقول: لقد شكّلت الهوية الحديثة على أرضية مشروع الطبقة البورجوازية الصاعدة، وعبر تحييد الدولة، وبدءًا بدستورها عن الدين، وعبر تشكيل دولة الحقوق للمواطنين؛ الدولة الممثِّلة للطبقة المهيمنة هنا، تشكل الأفراد والأمة وفقًا لقوانين حديثة، وتنظِّم مختلف أوجه الحياة، وهذه العملية أرسيت مع وصول الطبقة البورجوازية للحكم، وترسّخت تاريخيًا ضمن هذا الأفق. طبقاتنا البورجوازية العربية وليست السورية فقط، لم تتشكل بوصفها طبقات صناعية، ولم تمتلك مشروعًا للدولة يؤسسها على الحقوق، وإبعاد الدين عن الدولة، بل وظفت الدين والعشائر والمناطقية والعقلية الأسرية في كامل مؤسساتها، وهو ما حاولنا توضيحه من قبل. إن دولة 1970 لا تخرج عن ذلك، فهناك الرئيس الإله، والشعب الرعية. هذا منظار فلاحي بامتياز. سياسيو المدينة لا يختلفون عن ذلك أبدًا، أكذوبة ديمقراطية في الخمسينيات وضرورة استعادتها لا بد من التخلص منها، فحينها كانت هناك بعض العائلات الثرية هي من تحكم المدن وسورية، وأُجبرت على اعتماد الإجراءات الديمقراطية ومنها الانتخابات البرلمانية بسبب ضعفها مقابل القوى السياسية الجديدة الصاعدة؛ فالطبقات البورجوازية العربية ومنها السورية، لم تستطع أن تكون طبقات حداثية بصورة سليمة، وظلت تحتفظ برؤيتها الفكرية والسياسية القديمة، ولنقل شوهت الرؤى الحداثية للدولة وللسياسة بما ينسجم مع رؤيتها القديمة، وخُلقت في الوقت عينه أشكالًا مؤسساتية مشوهة، تنتمي إلى العصر شكلًا، وبما يحقق مصالح هذه الطبقات، فالأخيرة بدورها تنتمي إلى العصر ولكن انتماء مشوهًا.

 

عامٌ مفصليٌّ

عام 1970 هو عامُ مفصليٌّ في تكوين سورية وهويتها، فهو عام الانقلاب “الحركة التصحيحية” على النظام البعثي السابق أولًا، وعام الإقصاء الكامل عن تاريخ ما قبل 1963 ثانيًا، أي إن الإرث السياسي للحياة السياسية التعددية وقابليتها للتطور خلال مرحلتين أُقصي كليًا، وشُيِّد نظام أمني وعسكري، وشكُلت كأدواتٍ أيديولوجية له: الجبهة الوطنية التقدمية، وحزب البعث نفسه، والمنظمات المرتبطة به كافة من شبيبة وطلائع ومختلف أشكال الاتحاد والجمعيات، وتنضوي ضمن ذلك مختلف المؤسسات التجارية والصناعية والفلاحية، إذ كان الهدف استيعاب المجتمع وقواه في مؤسسات خاضعة ومُراقبة ومنضبطة كلّيًا من السلطة الأمنية؛ فهي أشكال تنظيمية لإدارة المجتمع ولكن كذلك لمراقبته وضبط نشاطه. ضمن هذا الواقع، جرت السيطرة على مختلف مؤسسات الثقافة، وأغلقت المؤسسات الصحافية، والعمل السياسي والفكري المستقل؛ وبعكس ذلك أعاد النظام تشكيل بنية المجتمع دينيًا وطائفيًا وعائليًا، وعزّز التوجهات كافة التي تستقي مياهها من هذه البنية، لتتشكل بذلك بينة اجتماعية قديمة، مقابل بنية أضعف منها وهامشية وتنتمي إلى الحداثة. نقصد هنا الفئات المجتمعية الحديثة التي تتكون ممارساتها من علاقات حديثة وقائمة على أسس أقرب إلى المواطنة والفردية والمساواة وتمارس حرياتها وفقًا لنظام الحقوق، وهذه كلّها لم تكن متوافرة. ما تكوّن هو فئات اجتماعية راغبة في علاقات حديثة، وتحاول ممارسة ذلك في علاقاتها، ولكن غياب المجتمع أو الدستور أو الدولة الحامية لحقوق الأفراد، كان يهمشهم ويدفعهم -وهم الحداثيون- إلى البحث عن أشكال من العلاقات أقرب إلى التقليدية والقديمة.

النظام الذي أنتج البنية القديمة أنتجها بشكلين، عبر شكل الاقتصاد السائد، فهو اقتصاد بصناعات هامشية ومن دون تجمعات عمالية ضخمة، وقمعَ أشكال النشاط كله؛ النقابي والسياسي، وجعل الأخير منقادًا كليًا ومنضبطًا، وليس بمقدوره الانفكاك عن السلطة الأمنية، وكانت آخر محاولة في الثمانينيات، عبر محاولات من قيادات نقابية، الانفكاك عن السلطة، والانضمام إلى الاحتجاجات ضده حينها، وفي نهاية أزمة الثمانينيات، انتهت تلك المحاولات، والشكل الثاني عبر الأدوات الأيديولوجية “الجبهة الوطنية التقدمية، ومختلف أشكال الاتحادات والنقابات والأشكال المنظمة للجماعات البشرية” وفق مصطلحات المفكر اللبناني مهدي عامل[7].

لا تتشكل الهوية دفعةً واحدة، وهي تتغير بتغيّر الأوضاع العامة، وتعكس مجمل الوضع العام للشعب، فقد تصبح مُفتتة كما أوضحنا، وقد تصبح مُوحدة كذلك، وهو ما لم يتشكل لدينا بصورة كاملة، وظلَّ ملتبسًا. إن طغيان النزعة القومية في مرحلة الخمسينيات والستينيات، لم يسمح بتشكلها، حيث طغت بوصفها أيديولوجيا وسياسة، ومن دون تفكيك للأيديولوجيا الدينية ومن دون إصلاح ديني، وبتحول تلك النزعة إلى نظام حكمٍ بدءًا من 1963، توضّحَت محدودية هذه النزعة، وسطحيتها تجاه بنية قديمة راسخة ومؤصلة دينيًا واجتماعيًا وعائليًا وعشائريًا. عام 1971 وكذلك بنهاية أزمة الثمانينيات، أعيد تشكيل الهوية القديمة؛ سياسيًا دفعت السلطة الأمنية برجال دين تابعين له، أو قابلين للصمت حياله، وأُعطي رجال الدين والمؤسسات الدينية ودور العبادة دورًا كبيرًا في التديين والتطييف الواسع، والأمر ذاته سرى في المؤسسات التعليمية، ولا سيما قبل الجامعية، وبخصوص الجامعية فقد شُكلت ومعاهد دينية كثيرة ومنها معاهد الأسد لتعليم القرآن، والأمر ذاته لدى المسيحيين ولكن وفقًا للشكل المعتمد لديهم، إذ طوّرَ التعليم الديني ووُسّع وتعدّد باستمرار، والأمر ذاته لدى بقية الطوائف، ربما باستثناء الطائفة العلوية، حيث لم يعترف بأي مؤسسة دينية لها كما الدرزية أو الإسماعيلية، وكان الهدف من ذلك خلق طائفية مستترة،  تجذب العلويين إلى السلطة، وتصورهم لدى بقية المجتمع، وكأنهم هم السلطة.

في مؤسسات الدولة العامة، كان هناك توزيع للمناصب وأحيانا للعمالة وفقًا للمعايير الدينية والمناطقية أو معايير أخرى، تنطلق كلها من تخليف المؤسسات وتشويهها، وعبر التجاهل المتعمد سياسة عامة للدولة للاعتماد على أصحاب الخبرات والنزاهة والمسؤولية الوطنية والأخلاق. وإن لم يكن ذلك يسري على المؤسّسات كافة، ولكنه كان كذلك في كثير منها. المؤسسات الأساسية من مثل الحكومة ومجلس الشعب والإدارات المحلية، كان هذا الأمر ساريًا فيها، فقد وزعت المناصب الحكومية وفقا للمعايير الدينية والمناطقية أو معايير أخرى.

قيادة الجيش والأجهزة الأمنية كانت تقريبًا في يد أفراد مختارين ومحددين وفقًا لصلاتٍ شخصية للرئيس حافظ الأسد من الطائفة العلوية، ووجود عبد الحليم خدام أو مصطفى طلاس أو آخرين وهم كثر في الأمن والجيش والحزب، لا يغير في الوضع كثيرًا، ولكنه يوضح كذلك، العقلية الفلاحية والشخصية التي أديرت بها الدولة السورية؛ أي غياب رؤية حداثية، بل الأنكى رفض أي ملمح حقيقي لها، وتشويهها، ربما يثير تحليلنا لطبيعية السلطة أعلاه، وتحليل ذلك تارة للطبيعية الفلاحية للسلطة ما بعد السبعينيات، وتارة أقول بسياساتٍ أقرب إلى الطائفية اعتمدت عليها السلطة حينها؛ حينما أعيد الأمر إلى الطبيعة الفلاحية، فهو الأصل الطبقي لقيادة الجيش والأمن معظمها في حينها، وهذا متعلق بالتكوين المؤسساتي للجيش ولا سيما بعد الخمسينيات إذ كان مؤسسة للارتقاء الطبقي والاجتماعي[8]، وحينما أتطرق إلى الطائفية، فلأنني أرفض عدّها السبب الرئيس لرؤية السلطة حينها، فهي أداة ككل الأدوات الأخرى، ومن أجل الإمساك بالسلطة إمساكًا مطلقًا، ولو افترضنا أن هناك طائفية تتحكم في منظار السلطة، فإن ذلك كان سيتوضح من خلال المؤسسات، ولكن تلك المؤسسات كانت تشبه مؤسسات الأنظمة الاشتراكية بالعموم، أي لا تشبه مؤسسات النظام الطائفي في لبنان أو العراق مثلًا؛ اعتماد النظام التطييف في كثير من سياساته، يفسر آلية لكيفية إدارة شؤون الدولة وضبط المجتمع بكلتيه. هذا فارق يفترض ألا نغيبه، حين نقارن بين طبيعة السلطات السورية أو العراقية مثلًا، واللبنانية أو العراق ما بعد الاحتلال الأميركي 2003.

 

الكذب وانهيار القيم

شكل التوجه اليساري قبل 1970 مشكلة للسلطة الأمنية ما بعد هذا التاريخ، فهي من ناحية لا تستطيع التخلي عن منجزات تلك المرحلة، ومن ناحية أخرى، لا تستطيع الاستمرار فيها، كانت الأيديولوجيا القومية والاشتراكية مشكلةً حقيقية أمام النظام الجديد حينها، وكذلك القطاع العام ومؤسسات الدولة العامة كلها، على الرغم من أن “التوجه اليساري” يسمح له باحتواء أعداد كبيرة من الشعب، وهناك كذلك تطابق رؤيته جزئيًا لمرحلة ما قبل السبعينيات؛ فالجديد يريد إنهاء ذلك كله، وتحويل الدولة إلى ملكية خاصة له، ومن ثم بدأ التحوّل بالعلاقة مع الشعب والخارج منذ ذلك الوقت، ولكن وجود كتلة بشرية منضوية في القطاع العام، كان يستدعي الإبقاء على الأيديولوجيا القديمة من ناحية، والتحول نحو أيديولوجية الكذب والفساد من ناحية أخرى، وبذلك حوّلت القومية والاشتراكية إلى صنمٍ للعبادة فقط، بينما الواقع كان يُشكل كما أوضحنا دينيًا وطائفيًا. هذه سياسة السلطة الحاكمة آنذاك اجتثت نويّات الهوية الوطنية التي كانت تتشكل في سورية من قبل، وتشكّلت الهوية ما قبل الوطنية. الإشكال هنا بالضبط، فليس من الممكن التعبير عن ذلك علنًا، ولكن ذلك كان يُمارَسُ ضمنيًا؛ السلطة حينها كانت واعية لدورها التخريبي في الهوية، وكانت تطيّف المجتمع ليسهل عليها ضبطه، والتحكّم فيه، وخلق وعي ديني ومذهبي مفارق للواقع، ويشكل عائقًا فكريًا وعقليًا لفهم أزمات الواقع الفعلي التي هي أزمات فساد ونهب وتطييف. هذه الحقيقة عزلت المعارضة بأشكالها كلها عن الشعب، وساهم في ذلك القمع الممنهج تجاه العمل السياسي والحريات بعامة، ومن ثم خلقت السلطة الأمنية فئات مستفيدة منها من شرائح المجتمع كافة، وخلقت في الوقت ذاته مجتمعًا صامتًا، وخائفًا، ووعيه الأساسي ديني ومذهبي وطائفي.

لم يكن الشعب جاهلًا بأغلبيّته دور السلطة، وخصائصها، والواقع الذي تنتجه، ولكنه لم يكن قادرًا على المواجهة، ولا سيما بعد تصفية سلطة السبعينيات للحكومة السابقة عبر وضعها في المعتقلات، وكذلك قمع المعارضة ما بعد ذلك الزمن، وحتى أزمة الثمانينيات، أعطت درسًا، كارثيًا للشعب بعدم التفكير مجدّدًا بمواجهة السلطة؛ بعد ذلك خمد المجتمع كليًا، وتقلص وجود المعارضة، ولم تأتِ بداية التسعينيات إلا وأشكال المعارضة كافة قد أصبحت مشلولة بالكامل. مؤسسات الدولة كلها دخلت لعبة الكذب، فمن ناحية تُشيّد بالقومية والاشتراكية والمؤسسات، ومن ناحية أخرى تنبني وتتشكل وتتغير وفقًا لتقسيمات عامودية ماهوية. لم يكن الشعب جاهلًا ما يحصل، ويعرف أن المجتمع بكل طوائفه ودياناته ومذاهبه يمارس عليه القمع والنهب والإفساد، فكان هناك أكثر من شكل للوعي، تجاور بعضها، وكذلك شكل درس الثمانينيات عبرة للابتعاد عن استفزاز السلطة، ومحاولة تغييرها بأفضل الطرائق وأكثرها سلمية. هنا يمكننا القول إن الشعب الذي طُيّفَ، وتشكّلت هويته الأصلية هوية ما قبل وطنية، كان رافضًا لها، وراغبًا في هويةٍ جديدة، ولكن لم تكن رؤيته تلك واضحة في وعيه بدقة، ولم يسمح بمناقشتها على العام أبدًا؛ طبعًا لا أقصد بالهوية الجديدة، أن العلمانيين كانوا هم قادتها ومؤسسوها؛ فهم موجودون ولكنهم هامشيون، أقصد أن الوعي العام لأغلب البشر، وباستثناء الطائفيين والأصوليين بشكلٍ واع، فإن الوعي العام كان ملتبسًا في توجهاته بين الوعي القديم والوعي الجديد الذاهب نحو ضرورة هوية وطنية وجديدة.

 

الهوية الوطنية في أثناء الثورة

رفع المحتجون شعارات توضح وطنية الثورة، ومارسوا سلوكات تؤكد الرغبة في طيِّ الهوية الملتبسة، وصوغ هوية وطنية ومواطنية بآن معًا، أي الوصول إلى بلدٍ حرٍّ وشعب بحقوق كاملة. كل مخزون التطييف المُشكل بشكلٍ ممنهج بدءًا من سبعينيات القرن الماضي، نُحّي حينما شعر الشعب بقوته مع بداية الثورة، وتخوفه من خطورة دفع الأوضاع نحو الهوية الطائفية؛ جَهِدَ المحتجون لتثبيت رؤية وطنية للثورة وللنظام وللمعارضة، فتعالت شعارات “الشعب السوري واحد”، و”لا إخوان ولا سلفية” وغيرها كثير، وكانت الرسائل الباطنية واضحة وللجميع: نريد طيَّ صفحة الماضي، وتشكيل هوية سورية جامعة، ودولة حديثة، والانتقال نحو مجتمع حديث، وفيه الدين قضية خاصة، والدولة والسياسة قضية عامة، ومفتوحة أمام المواطنين كلهم. هذه الرؤية تتفاوت قطعًا لدى المحتجين وتختلف من مدينة ومنطقة إلى سواها، ووفقًا لشكل الاضطهاد الذي مورس تاريخيًا، وأيضًا وفقًا لاستجابة السلطة الأمنية تجاه تلك المطالب، وكذلك اختلفت بعد 2011 من عامٍ إلى آخر.

حدثت الثورة لأسبابٍ متراكمة، والعامل الاقتصادي أساس فيها، حيث السياسات الليبرالية الفاشلة، وانفلات الفساد بعد عام 2000، والتدخل الأمني الواسع في مجالات الحياة كافة، فنتجت لأسبابٍ تسري على أفراد سورية كلهم من غير المستفيدين من آليات الفساد أو غيرَ والغين فيه كثيرًا. هذا الواقع هو الذي شكلَ الوعي السوري على الرغم من سيادة الشكل الديني عليه قبل 2011، وعلى الرغم من الطائفية والمذهبية، فإن مشكلات الواقع تُنتج وعيها، وهو الأساس؛ إذًا كان الوعي الجديد يؤكد ضرورة صوغ هوية جديدة، ووطنية بامتياز، ويمكن هنا رصد تظاهرات مدينة حماه، ومشاركة ناشطين من البلدات “العلوية والإسماعيلية” المحيطة بالمدينة، وما كان يشير إلى إغلاق صفحة الماضي، وكذلك التعامل مع السلطة ذاتها بانفتاحٍ كبير، ولجهة إيجاد منافذ لها، للمشاركة في صوغ تلك الهوية.

بالضد من توجهات الثورة، كانت السلطة والفئات المهيمنة في المعارضة معًا؛ إذ اتفقتا على توظيف الديني والطائفي والمذهبي في الصراع الجديد؛ وشكّل ذلك التوظيف، رفضًا لتوجهات الثورة، ولكل وعي سياسي يعتمد المطالب السياسية وخيار السلمية، والتظاهرات الضخمة، ومختلف أشكال العمل المدني والأهلي الرافض للسلطة. كان واضحًا أن الثورة تساعد النظام والمعارضة على طيِّ الماضي، ولكن طرفي الصراع لم يكونا بوارد التفكير بخيارات أخرى سوى القديمة، أي تسنين الثورة وعدّ النظام علويًا وحاميًا للأقليات، وبذلك اجتثت رؤية الثورة، واستعيدت رؤية النظام والإخوان المسلمين للمجتمع، وكل من يتوافق معهم من قوى سياسية تدعي الديمقراطية والمدنية.

اعتمد النظام منذ بداية الاحتجاجات 2011 على رؤية لتسنين الثورة، وكذلك بعض المعارضة الطائفية، استدعى النظام والمعارضة الخارج فبدا دعمًا لهذا الخيار؛ النظام ذاته حينما استدعى إيران اعتمد على الحيثية نفسها، ولاحقًا، وعلى الرغم من استدعاء روسيا فإن الرؤية الطائفية ظلّت ذاتها، فلم تستفد المعارضة من الحيثية الجديدة، ولم يتخلَ عنها النظام. الحقيقة أن قوة الثورة استدعت من النظام الإفراج عن الجهاديين والسلفيين ومحاربة الوطنيين كلهم وترك المجال واسعًا للأصوليين بمختلف أشكالهم؛ ولم ترفض المعارضة ذلك، بل أشادت بالنصرة وجيش الإسلام وأحرار الشام وسواها، باستثناء داعش، التي اتضح مبكرًا، عبر قتالها الجيش الحر وبقية الفصائل، أنها جاءت لتجتث الثورة وتخرب الصراع وتشوهه، وهي وظيفتها. مع طول مدّة الثورة، وتطييفها، وتوافق النظام والمعارضة والخارج بخصوص ذلك، تعمقت الهوية الدينية والطائفية وأيضًا المذهبية. طبعًا ومنعًا للالتباس، فإن السلطة تتحمل المسؤولية المركزية عن أحوال سورية قبل 2011 وبعده، بينما المعارضة تتحمل قسطًا من المسؤولية ووفقًا للأدوار والفرص، وهي كثيرة، وقد توافرت لها بعد 2011.

 

المظلومية المستعادة

ضمن هذا التوجه، استعاد الجميع الذاكرة القديمة على أرضية صراعات الحاضر، فدُمجت بتلك الاستعادة أشكال المظلومية كلها، الحقيقية والوهمية. إن تغيّر وقائع الصراع، وغياب بديلٍ وطنيٍّ لدى طرفي الصراع، وتحكمهما فيه، وفي حياة الشعب، وبالتحديد النظام وحلفه من إيران وروسيا، ثَبّتَ تلك الذاكرة، والمفهومات الدينية. بسبب كل ما تقدم، استُبعدت مفهومات الهوية الوطنية، وفكرة المواطنة، والتساوي بين الأفراد، وتهمش القائلين بها. الأسوأ أن السوريين صاروا مقسمين بين داخل وخارج، وبين تابعين لتركيا أو إيران أو روسيا أو أميركا؛ وبذلك يمكن القول إن السياسة تَصنعُ الهوية، والدين يستعاد وفقًا لحاجات الراهن والتاريخ الواقعي.

الانقسام لم يشمل عرب سورية فقط، بل هناك مشكلة الهوية الكردية، حيث تعاظم شأنها لدى القوى السياسية والمواطنين الأكراد، وهذا بسبب القمع التاريخي للنظام ضدهم، وكذلك بسبب الخلاف مع المعارضة بخصوص حقوق الكرد في سورية، إذ طالب الكرد بمساواتهم مع العرب في كل شيء بوصفهم قومية مستقلة، بينما كان العرب يتقدمون برؤية بخصوص الكرد والعرب وسواهم وعلى أرضية المواطنة والحقوق الاجتماعية، أي رفض الحقوق السياسية لجماعة قومية مستقلة بذاتها قد يتطور إقرارها إلى أفكار تشمل مفهوم الاستقلال. هذا الوضع دفع بالقوى الكردية إلى الاستقلال عن النظام وعن المعارضة وإقامة أحلاف موقتة ومتغيرة مع النظام وأميركا وتركيا وروسيا وإيران، وضد من المعارضة وفصائل الجيش، وليس فقط ضد الفصائل الإسلامية أو الجهادية والسلفية؛ قصدنا من ذلك كله، تراجعت الهوية الوطنية، والتبست علاقة الكرد مع بقية السوريين، والأمر ذاته حصل مع عرب سورية، إذ انقسموا دينيًا ومذهبيًا، وبذلك تفتّت سورية في مستوى الهوية، وهذا يعكس افتقاد النظام أو المعارضة إلى مشروع وطني جامع للسوريين في آن واحد.

لا يمكن لعاقلٍ ألّا يرى دور العامل الخارجي كما الداخلي، وفق ما أوضحنا أعلاه، في تطييف الهوية، ولكن ذلك كله لا يُلغي أن الوضع السوري شَهِدَ ثورة شعبية، سعت لدولة يكون فيها السوريون مواطنون، أي سعت لتشكيل هوية وطنية جامعة، وأن تلك المحاولات، وعلى الرغم من التعقيد الكبير في الواقع، والتدخل الإقليمي والدولي الواسع، ما تزال آثارها باقية ومستمرة. نقصد أن سطوة بروز الهوية الدينية لا يعني أنها كل شيء، بل إن تعقد الواقع والتفتت السوري الواسع والاحتلالات الخارجية عدا قيم الثورة السابقة، فإنها تدفع نحو إعادة طرح الهوية الوطنية والرؤية السياسية للنهوض بالدولة الوطنية مجددًا.

يمكن القول إن الهوية السورية مرّت بأطوارٍ مختلفة، ولكنها تتعرّض بعد تطورات ما بعد 2011، ووجود قوى عدة عالمية وإقليمية على الأرض السورية لأسوأ امتحان لها، والسؤال الآن هل بمقدور السوريين تجاوز البنية القديمة للهوية، وتجاوز النظام والمعارضة، أي السياسة الطائفية وآثار الحرب، والانتقال بسورية نحو هوية مواطنية ووطنية بآنٍ واحد.

أيضًا، حاولت التركيز على الدور المركزي للسياسة في إنتاج الهوية، وانطلقت من أن سورية المحكومة بسلطة أمنية، لها الدور المركزي في ذلك الإنتاج. وهنا، وبعد تعاظم المخاطر على الهوية السورية، فهل يمكن للنشاط كله؛ الفكري والسياسي والديني والثقافي المساهم في إنتاج الهوية الجديدة الجامعة للسوريين؟. أعلم أن مفتاح الحل لهذه القضية يكمن في التحوّل الديمقراطي، وأقصد في انتهاج سياسات عامة، تشمل أوجه المجتمع كافة وليس النظام السياسي الديمقراطي فقط.

 

المصادر والمراجع

  1. الأتاسي. نشوان، تطور المجتمع السوري 1831 -2011، (د.م: دار الأطلس، 2015).
  2. الرزاز. منيف، التجربة المرة، ط1، (د.م: مؤسسة منيف الرزاز، 1986).
  3. تورين. آلان، نقد الحداثة، القسم الأول، صياح جهيم (مترجم)، (دمشق: منشورات وزارة الثقافة).
  4. سلامة. غسان، المجتمع والدولة في المشرق العربي، (د.م: مركز دراسات الوحدة العربية، 1987).
  5. عامل. مهدي، في التناقض، (د.م: دار الفارابي، 1990).
  6. كيلة. سلامة، الماركسية والقومية في الوطن العربي، (د.م: دار تموز، 2012).

[1]غسان سلامة، المجتمع والدولة في المشرق العربي، (د.م: مركز دراسات الوحدة العربية، 1987)، انظر فقرة ” سورية: دولة ما تبقى”، ص 59.

[2]نشوان الأتاسي، تطور المجتمع السوري 1831 -2011، (د.م: دار الأطلس، 2015)، ص 76، 77، حيث يوضح نشوان، الجديد في السياسة الانتدابية ومخالفة فرنسا لها، وإعطائها أراض سورية لتركيا، بينما كان عليها صيانة وحدة الأراضي السورية.

[3]سلامة كيلة، الماركسية والقومية في الوطن العربي، (د.م: دار تموز، 2012)، ص 33، 36، 37. علمًا، أن هذا الكتاب مخصص، لمناقشة الفهم الشيوعي العربي للمسألة القومية العربية.

[4]منيف الرزاز، التجربة المرة، ط1، (د.م: مؤسسة منيف الرزاز، 1986)، ص 158، 159.

[5]محمد سيد رصاص، “سورية بين أحداث 1979 – 1982 وثورة 2011 – 2014″، جريدة الحياة، 2014..

[6]آلان تورين، نقد الحداثة، القسم الأول، صياح جهيم (مترجم)، (دمشق: منشورات وزارة الثقافة)، ص 79، 80.

[7]مهدي عامل، في التناقض، (د.م: دار الفارابي، 1990)، راجع الفقرة “بنية المستوى الأيديولوجي”، ص184.

[8]راجع: سلامة كيلة، “مقدمات الشمولية”، موقع الحوار المتمدن، 2004.

 

شارك هذا المقال

قم بالتسجيل لتلقي النشرة الدورية