المحتويات

مقدّمة

أوّلًا: انشغالات

ثانيًا: تغيير المرجعيات

ثالثًا: محاولات قبل أخيرة

رابعًا: سقف منخفض

خاتمة

 


 

مقدّمة

على أعتاب جنيف4، تقلّ خيارات المعارضة السوريّة، أمام وضع دولي معقّد، يبدو فيه الحلّ السوريّ بندًا هزيلًا في تسوية عالمية تشتبك فيها السياسة مع الاقتصاد؛ وأمام تسابق إقليمي على نيل حصّة من الكعكة السورية، تبدو من خلاله التسوية المتوقعة نتاجًا لتأثير اللاعبين في تابعيهم السوريين من الفريقين فحسب؛ في وقتٍ يرتفع فيه منسوب الدم السوري على الرغم من اتفاقات وقف إطلاق النار التي لم يجفّ حبرها. فما الخيارات والاحتمالات وحدود الأمل؟

 

أوّلًا: انشغالات

قبيل انتهاء مؤتمر أستانة الذي دعا إليه الروس في العاصمة الكازاخية في 23 كانون الثاني/ يناير 2017، سارع الموفد الأممي دي مستورا في مناكفة واضحة للروس في الردّ على أستانة 1، إلى الدعوة إلى عقد جولة جديدة من المفاوضات في جنيف في 8 شباط/ فبراير 2017، وعارضه الروس من حيث التوقيت، وأعلنوا أنه يمكن أن يعقد في آخر شباط/ فبراير من العام نفسه.

بدأت التحضيرات لجنيف بسرعة، ورافقتها سلسلة من الاجتماعات واللقاءات والمؤتمرات، وتطلبت السرعة التي فرضتها روسيا جملة نقلات سريعة، بدأت باتفاق هشّ لإطلاق النار في آخر أيام العام الماضي، تلاها مؤتمر أستانة 1، الذي عُقد بهدف فرض آلية لم تتحقق لمراقبة وقف إطلاق النار، ثم مؤتمر أستانة 2، الذي قال عنه كثيرون إنه فشل قبل أن يبدأ، وبينهما اجتماعات متتالية بين “المعارضات السورية” من جهة، وبينها وبين داعميها من جهة ثانية، لاختيار وفد المعارضة المفاوض، الذي أُلّفَ على عجل.

شُغِل السوريون بموضوع تأليف وفد المعارضة السورية إلى مؤتمر جنيف المرتقب، ودارت سجالات بين قوى المعارضة السورية حول أحقية من يذهب إلى هذه المفاوضات ممثِّلًا عن الثورة في مواجهة النظام، واختلفت الهيئة العليا للمفاوضات مع الائتلاف الوطني لقوى الثورة على توزيع الحصص، واتفقا على ضرورة عدم إقحام منصات مقربة من موسكو ومن النظام السوري، وجرت هذه المناوشات فيما كانت فصائل المعارضة السورية المسلحة التي شاركت في مؤتمر أستانة 1، قد ضمنت حصتها، والتي تقترب من نصف أعضاء وفد التفاوض، ونسبة مماثلة ضمن وفد المستشارين والإعلاميين.

بعد جولات مكوكية من المشاورات، وعدة اجتماعات في الرياض واسطنبول، استقرت المعارضة السورية على التركيبة “شبه النهائية” للوفد المفاوض، وتم تحديد 21 شخصية، عشرة منهم من الفصائل المقاتلة، لكن الأخذ والرد لم يتوقفا، وطرأ تغيير على النسخة الأخيرة لوفد المعارضة، وأضيف ضعف العدد من الشخصيات المعارضة والمستشارين والإعلاميين، من دون أن تتأثر حصّة العسكر التي بقيت ثابتة في جميع الأحوال.

ضمت قائمة العسكر فصائل من الشمال والوسط والجنوب، الطابع العام لأغلبيتها إسلامي، أما قائمة السياسيين فقد ضمت عشرة سياسيين، بينهم خمسة من الائتلاف وثلاثة من هيئة التنسيق، ومستقلان، وحرصت المعارضة السورية على أن يكون “الجميع” مُمثلًا في هذا الوفد، فيما يُشبه المحاصصة، وهو ما أكّده المتحدث باسم الهيئة العليا للمفاوضات، سالم المسلط، حين قال “لقد راعينا مسألة أن يكون الجميع ممثلين في الوفد، بمن فيهم الأكراد والعرب والمسيحيون”.

مع هذا، لم تنجح المواقف الصلبة -إعلاميًا- للمعارضة في منع إضافة شخصيات من منصات القاهرة وموسكو، وربما غيرها، ما يعني أن التدخلات الإقليمية والدولية كانت فاعلة، وهي في الحقيقة متعددة وكثيرة؛ فروسيا راعية أستانة وجنيف، وتركيا شريكتها ضامنة المعارضة المسلحة، ودول عربية متناثرة صديقة للمعارضة السياسية، جميعها لها تأثيرها، سواء أكان ذلك سلبًا أم إيجابًا.

سعى كل طرف ليكون الوفد أقرب إلى تصوراته ومصالحه، بينما غابت تفاصيل أخرى جوهرية عند كثير من الحاصلين على “شرف” المشاركة في هذه “التظاهرة”، تتعلق بطبيعة المفاوضات وبرنامجها ومحتواها وشروطها وأهدافها، وإمكانيات فشلها أو نجاحها، وما هو دور المشاركين، ومستوى التنسيق بين العسكري والسياسي، والداخل والخارج، وحجم التنازلات التي ستضطر هذه المرة إلى تقديمها، وجلّ ما ركّزت عليه “المعارضة السورية” تأكيدها أن جنيف هذا ليس للحل السياسي، بل لتثبيت ما توصل إليه مؤتمر أستانة من وقفٍ لإطلاق النار وتعميقه.

 

ثانيًا: تغيير المرجعيات

تحاول موسكو قبيل جنيف، تغيير أولويات التفاوض، واعتماد أستانة مرجعيةً وحيدة أو شبه وحيدة، والقفز فوق قرارات دولية سابقة أساسية، تضمن التغيير السياسي، وتأليف هيئة حاكمة انتقالية كاملة الصلاحيات؛ وانقسمت “المعارضة السورية” بين من أراد مناقشة الانتقال السياسي في جنيف وفق المرجعيات الأهم، وبين من رفض فكرة المفاوضات السياسية، وشدد على أن جنيف لن يكون إلا لاستكمال مفاوضات أستانة العسكرية، انطلاقًا من أن وقف إطلاق النار ومعالجة القضايا الإنسانية وإطلاق المعتقلين شرط تمهيدي لازم لأي مفاوضات مع النظام، وفق بيان جنيف 1.

للتماهي مع ما يسعى له الروس، أكّد المبعوث الأممي لسورية ستيفان دي مستورا، بما يشبه التهديد، أن برنامج مؤتمر جنيف يجب ألّا يتغير، وقال إن تغيير جدول الأعمال يعني “فتح أبواب الجحيم”؛ كما أكّد أن المؤتمر سيبحث تأليف الحكومة الانتقالية، ومسوّدة الدستور، وإجراء انتخابات تحت إشراف الأمم المتحدة، وقال إن المرجعية الوحيدة هي القرار 1154، أي أنّه ألغى بيان جنيف الذي صدر منتصف عام 2012 كمرجعية أساسية لأي مفاوضات، وبدا وكأنه يضع العربة قبل الحصان، ويقفز فوق جوهر المفاوضات في جنيف، وهو الانتقال السياسي المبنيّ على تأليف هيئة حكم كاملة الصلاحيات كما نصّ بيان جنيف 1، هيئة حاكمة تضع الدستور وتُمهد للانتخابات، وهو ما يشير إليه إعلان جنيف 1، والقرار الأممي 2118، والقرار 2254.

في هذا السياق أيضًا، وعلى الرغم من رفض “المعارضة السورية” رفضًا كاملًا مشروعَ الدستور الذي وضعه الروس لسورية في كانون الثاني/ يناير 2017، إلا أن موسكو لم تيأس، وتواصل مساعيها لفرضه خلال مفاوضات جنيف، ويتبنى المبعوث الأممي مساعيها هذه، على الرغم من أنه لم يُشارك هو أو فريقه في وضعه أو في تفاصيله، ما يثير شكوكًا حول أهداف المبعوث الأممي، واعتقادًا بأنه يسعى لأي حل لسورية، حتى لو كان مُتسرعًا وغير متوازن أو منطقي.

في غضون ذلك، ما زالت موسكو مُصرّة على مشاركة منصات “موسكو” و”القاهرة” و”أستانة” في الوفد المفاوض التابع للمعارضة السورية، بتمثيل متساوٍ مع بقية قوى المعارضة، ولإدراكها أن بعض هذه المنصات أقرب بكثير إلى النظام منه إلى المعارضة، واستحالة قبول أغلبية تيارات المعارضة لها، قد تتراجع عن إصرارها ببراغماتية مُفتعلة، لمصلحة تمرير شخصيات مقربة منها ضمن الوفد المفاوض ووفد المستشارين، فيما يُشبه الخطّة الناعمة لتشتيت وفد المعارضة المُفاوض واختراقه.

 

ثالثًا: محاولات قبل أخيرة

قبيل جنيف بأيام، نشطت سياستان، الأولى قادها الروس، والثانية قادتها ما تُدعى (دول أصدقاء سورية)، فقد عُقد في أستانة مؤتمر ثان في 16 شباط/ فبراير 2017، وعلى الرغم من محاولة موسكو إنجاحه، إلا أنه أتى باهتًا، من غير لون واضح، ولا هدف، وغابت عنه أغلبية الأطراف المؤثرة، الإقليمية والدولية، وكل ما نتج عنه هو زيادة في الشرخ بين أطرافه؛ وكسابقه لم يُرد الروس له أن يحمل خطة تنفيذية موضوعية وزمنية واضحة ودقيقة لتنفيذ ما اتُّفق عليه، في الأغلب، لقناعةٍ لديهم بأن أي قرارات نهائية في غياب الطرف الأميركي لن يُكتب لها النجاح.

كذلك عقدت كل من الولايات المتحدة وفرنسا وبريطانيا وتركيا والسعودية، ودول أخرى، اجتماعًا يوم 17 شباط/ فبراير 2017، على هامش اجتماع وزراء خارجية مجموعة العشرين في مدينة بون الألمانية، لوضع أسس مشتركة بينها قبيل محادثات جنيف السورية، وحاول الأوروبيون من ورائه استشراف موقف الإدارة الأميركية الجديد المرتقب، ومدى تماشيه أو معاكسته لسياسة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما.

أثّر الموقف الأميركي المرتقب، وقبل أن يُعلَن، في جميع مقدّمات جنيف. ففي مؤتمر أستانة الثاني، قررت فصائل عسكرية تعليق مشاركتها في المؤتمر، في ردّة فعل على عدم التزام النظام السوري، والقوى الحليفة له، وقف إطلاق النار، وإدراج اسم (جبهة النُصرة) في أي مكان تشنّ الطائرات السورية أو الروسية غارات عليه؛ والمعروف أن أغلبية هذه الفصائل مدعومة من تركيا، ومن القريب للصواب عدّ موقفهم هذا بمنزلة موقف تركي مناكف لروسيا، وتدعم هذا الفرضية علوّ لهجة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بعد مقابلته رئيس المخابرات الأميركية، وإعادة طرحه قضيةَ “تحرير” الرقة ثانية.

 

رابعًا: سقف منخفض

من غير المتوقع أن تتمخض الجولة الرابعة من مفاوضات جنيف عن تسوية للقضية السورية، ومن غير المتوقع أيضًا الوصول إلى تفاهمات سياسية بين المعارضة والنظام، إذ لا يزال الأخير متمسكًا بورقة بقاء الأسد في السلطة، وبرفض مبدأ تداول السلطة أو الانتقال السياسي، ويُصرّ على أن الحل العسكري هو الحل الأوفق والأنجع، ولا يَعُدّ معارضيه، السياسيين والعسكريين إلا محض إرهابيين.

الجميع متشائم من إمكانية تحقيق انفراجة حقيقية في جولة جنيف المرتقبة، ليس لتعنت النظام السوري وحده، وتشدده، بل لعوامل إضافية أكثر تأثيرًا وعمقًا، وعلى رأسها عدم انخراط الولايات المتحدة في هذا المؤتمر، ووقوفها موقف المتفرج، وتأخر البيت الأبيض في توضيح رؤيته للحل في سورية والشرق الأوسط عمومًا، وقرار الرئيس الأميركي دونالد ترامب انتظار خطة سيقدمها له مساعدوه “للتدخل بقوة” في القضية السورية، ستصله خلال 90 يومًا.

ما يعزز هذه الفكرة إعلان وزير الدفاع الأميركي، جيمس ماتيس، في 17 شباط/ فبراير الجاري أن بلاده ليست مستعدة حاليًا للتعاون العسكري مع روسيا، بعد دعوة نظيره الروسي الجنرال سيرغي شويغو إلى تحسين العلاقات الثنائية، وشدّد على حرص العسكر في بلده على أن يفاوض دبلوماسيوه من موقع قوة.

كذلك لا بدّ من الأخذ في الحسبان وجود إرادات عدة تتصارع في سورية، ما زالت حتى اللحظة غير منسجمة ولا متلاقية إلا في الحدود الدنيا التكتيكية، منها الإرادات السعودية والتركية والإيرانية، حيث تحاول كل منها فرض حلّ يلبّي مصالحها في سورية التي تحولت إلى ساحة تصفية حسابات، وحلبة لانتزاع النفوذ الإقليمي والدولي.

أما بشأن تحقيق “تطبيع” بين النظام والفصائل المسلحة، فلم تظهر بوادره في مؤتمر أستانة الثاني الذي سبق جنيف بأيام، ذلك لأن النظام يُصرّ على ألّا يرى أمامه أي معارضات، ويرفض أي منافس على السلطة، وكذلك لتعذّر تعاون المعارضة المسلحة مع إيران، على الرغم من كل المحاولات الروسية لتحقيق خطوات تطبيعية بين هذه الأطراف، على أمل أن تتقبل المعارضة فكرة استمرار النظام، وإجراء إصلاحات تتعلق ببنيته السطحية.

قد يكون من التسرّع بمكان إعلان المعارضة السورية (السياسية والعسكرية) مشاركتها في جنيف، وخاصة أن فكرة الانتقال السياسي ما زالت مرفوضة رفضًا كاملًا من النظام وحلفائه الروس والإيرانيين، إضافة إلى رفض هذه الأطراف الكامل لاستبعاد بشار الأسد، وأركان حكمه من حاضر البلاد ومستقبله.

لا شك في أن توقيت عقد مؤتمر جنيف الرابع ليس بالتوقيت الملائم، لإيجاد حل سياسي للقضية السورية، وسط تباعد مواقف الطرفين السوريين الأساسيين، النظام والمعارضة، واستمرار تباعد أهداف داعمي كل طرف، لكنه ربما يكون فرصة لتثبيت وقف إطلاق النار، تثبيت تعتمد جدّيته على قوة وصلابة وفد المعارضة المفاوض، وإصراره على وجود ضمانات ومراقبة ونظام محاسبة وعقوبات صارمة، وبإشراف عربي ودولي. وقد يكون، في أحسن الأحوال، بدء طريق طويل لوقف عنف و”إرهاب” النظام السوري وإيران وميليشياتها من جهة، والتنظيمات الإرهابية المتشددة، كتنظيم الدولة الإسلامية وجبهة فتح الشام من جهة أخرى، أي أن يكون مؤتمرًا لمحاربة أيديولوجيات التوحش المُمارَسة في سورية.

 

خاتمة

كان يُمكن للمعارضة السورية -التي أرغمتها الأوضاع والضغوط، والتراخي العسكري والفوضى والتناحر، على قبول فكرة عقد مؤتمر جنيف، والمشاركة فيه، وإشراك معارضين من منصات أخرى لا يُعتدّ بمستوى معارضتها- أن تطلب توضيحات تفصيلية عن جنيف الرابع وحيثياته، قبل أن توافق على المشاركة فيه، أما وأنها وافقت من دون التدقيق في المضمون، وشُغِلت في المناوشات حول الحضور، يجب عليها الآن، قبل وخلال وبعد جنيف، أن تمتلك مرونة عالية، وقدرة على الميل مع التيار من دون أن تنكسر، وقُدرة لا يرقى إليها الشك على التمسك بالثوابت والدفاع عنها، والتمسك بمطالب السوريين في انتقال سياسي جدي وجذري وحقيقي، ينسجم مع مطالب الثورة بدولة المواطنة الديمقراطية التعددية التداولية، وما لم تتمتع، وتتمسك، بهذه المرونة والصلابة في الوقت نفسه، فإنها ستنكسر في جنيف، لتبدأ بعدها رحلة “ترقيع” المعارضة السورية من جديد، ومرحلة أخرى من العبث السياسي الذي يتطلب إعادة هيكلة “المعارضة السورية” برمتها.