عنوان المادة الأصلي باللغة الإنكليزية: Aleppo’s Warlords and Post-War Reconstruction
اسم الكاتب توبياس شنايدر

Tobias Schneider

مصدر المادة الأصلي معهد الشرق الأوسط
رابط المادة http://www.mei.edu/content/article/growing-warlordism-battle-scarred-aleppo
تاريخ النشر 13 حزيران/ يونيو 2017
المترجم أنس عيسى

 

 

المحتويات

  1. الدمار والتعافي
  2. الاقتصاد السياسي لاستعادة السيطرة
  3. نفوذ إيران المتنامي
  4. خاتمة

 

 

بعد مرور ستة أشهر على الهزيمة المدوية إعلاميًا لقوات الثوار السوريين في حلب أمام حكومة الأسد، ما تزال تلك المدينة التي كانت عظيمة في ما مضى، وكبرى مدن شمال سورية، تترنح تحت وقع نتائج سنوات من الصراع العنيف؛ وربما تكون العناصر المجتمعية والاقتصادية والمادية المتطورة التي مثّلت لقرون النسيج الاجتماعي الداعم لثراء المدينة ولكمالها المادي والمجتمعي؛ قد تعرضت لضرر غير قابل للإصلاح.

أجزاء المدينة اليوم معظمها أنقاض، وتبدل حال كثيرين من سكانها من فخرٍ سابق إلى فقر مدقع، وقد تعطينا التحديات المباشرة بعد استيلاء النظام على الحياة، من إعادة الإعمار إلى محاولات حكومة الأسد ترميم الخدمات والنظام؛ لمحة خاطفة عمّا ستبدو عليه سورية في حال إعادة بسط النظام سيطرته الكاملة على البلاد.

 

1. الدمار والتعافي

يتجلى الضرر المرئي لعظمة المدينة معظمه في الأذى المادي الذي عانته من جراء أكثر من أربع سنوات من القتال المستمر، فقد كان الدمار هائلًا لدرجة أن صور الأقمار الصناعية استطاعت استقصائه بفاعلية. وقدرت دراسة استقصائية مبدئية (جمعت بين التحاليل النوعية الجغرافية المكانية والأرضية، وأنجزت في النصف الثاني من عام 2016) أن ما لا يقل عن ثلث الوحدات السكنية في المدينة قد عانى ضررًا مادية جسيمًا أو دمارًا كلّيًا، وقد أحصيت أرقام الدراسة تلك جميعها قبل أكثر الهجمات عنفًا في شهري تشرين الثاني/ نوفمبر وكانون الأول/ ديسمبر.

 

 

الخريطة: تظهر الخريطة مدى الدمار الحاصل في أحياء حلب؛ إذ يزداد ذلك المدى بزيادة قتامة اللون الأحمر من خفيف إلى معتدل فشديد. المصدر: معهد الشرق الأوسط.

 

بعد أشهر من سقوطها، ما يزال وصول منظمات الإغاثة الدولية والسلطات المحلية إلى (أحياء يمكن الوصول إليها) -كما تسميها هيئة الأمم المتحدة- بطيئًا، وما تزال كثير من الطرق التي تقود إلى قطاعات أخريات مهدّمات من المدينة معطوبة أو مغلقة أو مدمرة، وقُدّرت تكلفة ترميم الشوارع التي تحتاج إلى إصلاح عاجِل لوحدها، والممتدة على مسافة تتجاوز 70 كم، بما يزيد على مليار دولار أميركي. وثمة حاجة إلى المبلغ السابق نفسه لإصلاح المحطة الحرارية الكبيرة الوحيدة من نوعها، وتعدّ أكثر منشآت توليد الكهرباء أهمية في البلاد، وكانت تغطي حوالى 60 في المئة من حاجات الحكومة ما قبل الحرب، ولغرض المقارنة لا غير، لن تتجاوز ميزانية الحكومة السورية بأكملها لعام 2017 5مليارات دولار أميركي.

في الوقت الذي تنشغل فيه وسائل إعلام الدولة في تسليط الضوء على إعادة الافتتاح الرمزي والعرضي لمجمعات تجارية ومحلات ومطاعم لإظهار نوع من الاستقرار، يبقى واقع السوريين في المنطقة بعيدًا من أن يكون طبيعيًا؛ إذ لم تعد إلا فئة قليلة من المدنيين إلى القطاعات السكنية شرقي المدينة، وكانت ذوات كثافة سكانية عالية في ما مضى.

سجلت الأمم المتحدة -حتى الشهر الماضي- 153.012 ساكنًا في التجمعات (الأقل تضررًا) التي كانت خاضعة لسيطرة الثوار في ما مضى. يعيش هؤلاء الناس تقريبًا من دون أي خدمات، ويعتمدون اعتمادًا كبيرًا على المساعدات، كثير منهم من النازحين العائدين أو من أشد موجات التدفق فقرًا من المناطق الشرقية المكتظة والمتوترة، التي تضاعف عدد سكانها مرتين بسبب موجات النزوح الداخلي خلال اشتداد الصراع.

وبطريقة تعكس الخلل في ميزان القوة بين الأطراف المتحاربة، والتكتيكات العشوائية التي استخدمها نظام الأسد في القتال، فقد توزع الدمار توزعًا متفاوتًا؛ إذ تعرضت أحياء بأكملها في المناطق التي كانت خاضعة للثوار، من مثل العامرية وتل الزرازير والمدينة القديمة وكرم الجبل، للدمار بحيث سويت بالأرض مع بناها التحتية كافة، في الوقت الذي عانت فيه مناطق الحكومة ضررًا متفرقًا، ودُمِّرت شبكات الماء والكهرباء معظمها في المدينة، وبقي تقنين البضائع الرئيسة والخدمات على حاله.

 

2. الاقتصاد السياسي لاستعادة السيطرة

تعدّ التجليات الاجتماعية – الاقتصادية ومن ثَم السياسية، لما حدث جديرة بالملاحظة، إذ تشدد التقارير المتعلقات باشتداد القتال وبتقسيم المدينة الناجم عنه معظمها على الانقسام الطبقي الأساس الحاصل بين الأحياء الأكثر حضرية في الغرب، والأحياء الشعبية في الشرق؛ فبينما تعرضت المناطق السكنية في المناطق الأكثر ترفًا في الجزء الغربي من المدينة إلى ضرر متفرق بسبب نيران مدفعية الثوار العشوائية، تشير التقديرات إلى أن حوالى 58 في المئة من المساكن الشعبية الواقعات بصورة أساس في الجزء الشرقي الخاضع لسيطرة الثوار؛ قد تعرضت للضرر أو للدمار. قد يؤدي ذلك الدمار الانتقائي إضافة إلى مرسوم الأسد الشهير 66 -الذي يسمح بمصادرة المساكن المدمرة والعشوائية وإعادة تطويرها- إلى إمكان فتح الباب على مزيد من إعادة هندسة المدينة ديمغرافيًا، هندسةً دائمة من جانب النظام.

إن الترابط الوثيق للنفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري بين صفوف مقاتلي النظام يعقد المسألة، وقد كان للحرب في حلب محرك محلي لذلك الترابط؛ وذلك لانحدار المتحاربين على خطوط الجبهة من الطرفين كليهما بصورة رئيسة من المدينة ومحيطها اللصيق، فمن بين المدافعين عن الجزء الغربي لمدينة حلب مزيج متنوع من الميليشيات، بمثل كتائب البعث بقيادة هلال الهلال، وقوات الدفاع الوطني التي يقودها رجل الأعمال السابق وصاحب الأملاك سامي أوبري، وقامت المجموعتان السابقتان بالتجنيد في صفوف شباب المدينة ذاتها.

في الحقيقة، بعد مرسوم عام 2013 الرئاسي السامح بإنشاء ميليشيات بغرض حماية سلع رأس المال، بدأ بعض أثرياء المدينة من مثل الرجل الصناعي محمد جمول، بالانتقال إلى الاستثمار في قطاع الميليشيات المزدهر؛ إذ أدى الوضع الكارثي للصناعة في حلب (تحولت حديقة ترفيهية يملكها أوبري إلى ساحة قتال مشهورة)، إلى جعل تجارة الحرب آخر القطاعات المُجدية (الربحيّة) الباقيات في سورية؛ ولذلك انبثقت -بعد سنوات من الصراع في المدينة- أنواع سياسية -اقتصادية جديدة في المدينة.

على سبيل المثال، أدى توافر التيار الكهربائي بمعدل لا يتجاوز ساعتين في اليوم من الشبكة الحكومية إلى ظهور أكثر من مثة مولد خاص في أحياء الجزء الغربي من المدينة، وتكشف تجربة لبنان والعراق أنه باستطاعة أصحاب المشروعات النفعيين أولئك أن يتحولوا بسرعة إلى قوة سياسية. يمثّل النموذج السابق، وغيره من النماذج المشابهات، مصدر كسب جديد يجب على أي خطة إعادة إعمار لمدينة حلب أن تزاحمه.

منذ إعادة السيطرة على جيوب المعارضة في المدينة، بدأت مظالم السكان المحليين المضمرة منذ زمن طويل ضد المسلحين والمقاتلين نصرة للأسد بالانفجار إلى العلن، إذ اتهم صحافيون وناشطون ومسؤولون محليون (العصابات المسلحة) بالنهب والسلب والقتل والاقتتال، ولا سيما الابتزاز على حواجز التفتيش؛ الأمر الذي قاد إلى ارتفاع الأسعار، وتفاقم المعاناة الإنسانية داخل حلب، إضافة إلى خلق جو من القلق في بيئة العمل، وهنا تجدر الإشارة إلى منع رضا الباشا، العامل في قناة الميادين اللبنانية المقربة من حزب الله، من إرسال التقارير من سورية بعد انتقاده العناصر المجرمة بين قوات النظام (وخصوصًا قوات النمر التابعة للعميد الركن سهيل الحسن الذي رُفِّع منذ ذلك الوقت ليصبح قائد فرع الاستخبارات الجوية ذات النفوذ في حلب). وضم بعض شخصيات النظام من البارزين في المدينة صوتهم إلى تلك الشكوى، إذ قام فراس شهابي، عضو البرلمان ورئيس غرفة صناعة سورية، بتحميل مقطع فيديو مؤخرًا في وسائل التواصل الاجتماعي، يظهره محتجًا ورافعًا الكلاشينكوف بيده ضد نظام الابتزاز، وهدف قانون أصدره اللواء زيد صالح، رئيس اللجنة الأمنية في المحافظة، في شهر شباط/ فبراير الماضي، إلى طرد الميليشيات من المدينة، ولكن يبدو أن أثر ذلك القانون كان ضئيلًا.

بعد مداخلة الشهابي، قيل إن دمشق تدخلت ضد ضريبة الطريق المفروضة على الشاحنات المتجهات إلى حلب، ولكن (ديناميات) السلطة الضمنية -مع ذلك- لم تتغير.

 

3. نفوذ إيران المتنامي

في ما وراء أمراء الحرب المحليين، يستمر أيضًا نفوذ إيران في المدينة بالنمو، إذ لم يقم الحرس الثوري الإيراني بتوطيد أركان شبكته -المذهلة مسبقًا- من الميليشيات الشيعية فحسب، وإنما وسع دورها بين السوريين، ورسمه على امتداد محافظة حلب؛ فقد زاد عدد المقاتلين في صفوف ما يُدعى بـ (قوات الدفاع المحلي) -الذي يُعدّ رسميًا خارج هيكلية القيادة السورية، ويمثّل مظلة للمجموعات التي تقودها إيران من مثل لواء الإمام الباقر- إلى 26.000 مقاتل في محافظة حلب وحدها.

بعد إعفائهم من التجنيد والتنظيم في الجيش السوري، وفرت المظلة الإيرانية فرصًا وخدمات إنسانية عاجلات، وخدمات اجتماعية وأُخريات للمحاربين القدامى لسكان حلب معدومي الحال. فإلى جانب قتاله على الخطوط الأمامية، قام لواء الباقر خلال سقوط الجزء الشرقي من حلب الذي تسيطر عليه المعارضة؛ بإدارة أكثر حواجز الخروج أهمية للمدنيين الهاربين من القتال، وسوّق ضباطه -مؤخرًا- أنفسهم بالمفاوضة على إعادة إدخال النازحين إلى الأحياء الشرقين، وقيادة هجمات في عمق الداخل السوري.

يمكننا القول بالمطلق؛ إن إعادة إعمار حلب تفوق قدرات إيران المالية بصورة واضحة، ومع ذلك، اكتسبت الجمهورية الإسلامية وحزب الله شرعية هائلة في صفوف المؤيدين لدورهما في استعادة السيطرة على المدينة، ويبدو أنهما قادران على تدعيم تلك الشعبية بتحويلها إلى نفوذ دائم.

في إثر سقوط جيوب المعارضة، وقعت دمشق وطهران، في شهر كانون الأول/ يناير خمس مذكرات تفاهم تتعلق تعلقًا أساسًا بالاستثمار الاقتصادي، إذ أكد محافظ حلب حسين دياب أن إيران (سيكون لها دور مهم في جهد إعادة إعمار سورية، وخصوصًا في حلب). وفي الوقت الذي يصعب فيه الحصول على تفصيلات تلك التسوية، فقد أعلنت ما تسمّى (سلطة إعادة الإعمار الإيرانية) أولى مبادراتها التي تبرز فيها إعادة ترميم 55 مدرسة على امتداد محافظة حلب، وبينما يذكّر اسم المشروع بـ (اللجنة الإيرانية لإعادة إعمار لبنان) التي أسست بعد حرب حزب الله مع إسرائيل في عام 2006، تبقى درجة التزام طهران بإعادة بناء تلك المدينة ذات الصبغة السنيّة الغالبة غير واضحة حتى الآن.

 

4. خاتمة

تركت سنوات أربع من القتال واقتصاد الحرب حلب مدينةً معدومة الحال ذات نسيج اجتماعي مهترئ، وبالنظر إلى قدرة النظام المحدودة وأزمته المالية، فمن غير المحتمل أن يُعاد بناء تلك المدينة الضخمة القديمة، ولا أن تخفف معاناة سكانها من دون مساعدة دولية. لكن ليس على أي جهة مانحة مستقبلية أن تدرك حجم مشكلة إعادة الإعمار فحسب، وإنّما أيضًا البيئة المحلية السياسية والاقتصادية والعسكرية المعقدة، حتى لا تعزز تطلعات نظام الأسد الاستبدادية أو تكافئها.