المحتويات

مقدّمة

أولًا: الجمهوريّة الأولى (الديمقراطية والتخبط المؤسساتي)

ثانيًا: الجمهوريّة الثّانية (الوحدة وتداعياتها)

ثالثًا: الجمهوريّة الثّالثة (جمهورية البعث)

رابعًا: نتائج الدراسة

 

 

مقدّمة

إنّ تحليل بنية السلطة وعملية اتخاذ القرار في سورية هي بالتأكيد خطوة ضرورية نحو فهم أعمق لتركيب الدّولة السياسي، وإحدى الطرائق لمقاربة هذا التحليل هي سبر تاريخ تطور هذا التركيب، لا سيما في ما يخص الدساتير السورية والأطر المؤسساتية التي تمخّضت عنها، إضافةً إلى السياقات السوسيو-سياسية والسوسيو-اقتصادية التي رافقت هذا التطور. إذ إن من شأن هذا السبر التاريخي أن يسمح بتحديد طبيعة تلك الدساتير والمؤسسات وأهميتها، وسيساعد في تبيان كيفية مساهمة هذه المكونات في تكوين الهوية السياسية المعاصرة لسورية. علاوةً على ذلك، قد تفيد مراجعة التحولات الدستورية والمؤسساتية (خصوصًا ضمن الجمهورية الثالثة) في معرفة ما إذا كان هناك عوامل ساهمت في إشعال فتيل احتجاجات 2011، وتحول تلك الاحتجاجات لاحقًا إلى صراعٍ مسلّح.

اختار كثير من الكتاب مقاربة مؤلفاتهم عن سورية برسم خلفية تاريخية قسّموا من خلالها التاريخ السياسي المعاصر للدولة السورية إلى ثلاث مراحل هي الجمهورية الأولى والثانية والثالثة؛ إذ تمثّل كل من تلك المراحل نقطة تحول تاريخية ساهمت في إعطاء الدولة شكلها الحالي. لذلك، تبنّت هذا الدراسة تقسيمًا مشابهًا بغية تسهيل هدفها، الذي يعد في جوهره محاولةً لفهم آلية عمل الدولة السورية من خلال النظر إلى تاريخ دساتيرها ومؤسساتها، ومحاولة كشف الصلة بين نماذج الحكم المتمخّضة عنها والثورة التي انتهت إلى صراع مسلح.

وعليه؛ تمثّل هذه الدراسة سبرًا تاريخيًّا لتطوّر الحياة الدستورية والمؤسساتية في سورية خلال ثلاث مراحل تاريخيّة هي الجمهورية الأولى والثانية والثالثة، معتمدةً في ذلك منهج اقتفاء الأثر (Process-Tracing)، وآخذةً بالحسبان السياقات السوسيو-سياسية والسوسيو-اقتصادية ضمن كل مرحلة. إذ تهدف الدراسة من خلال ذلك إلى الإجابة عن الأسئلة المتعلقة بطبيعة تلك الجوانب الغائبة عن النتاج الأكاديمي وأثرها في حسابات السلطة وعملية صنع القرار في سورية، ومساهمتها في تكوين الهوية السياسية الحالية للبلاد. وتسعى أيضًا لتحديد أي صلة محتملة بين العوامل الدستورية والمؤسساتية والسخط الشعبي الذي أدى إلى الاحتجاجات عام 2011 والصراع المسلح الذي تلاها.

 

 

أولًا: الجمهوريّة الأولى (الديمقراطية والتخبط المؤسساتي)

أتى جلاء الفرنسيين عن سورية عام 1946 إعلانًا رسميًا لولادة الجمهورية السورية، ووضعها ضمن حدودها الجغرافية التي ما تزال على حالها حتى الآن. وقد حظيت مراحل تشكّل الدولة الأولى ببداية موفّقة، إذ يعزى الفضل بذلك إلى نهضة اقتصادية صاحبتها تحوّلات كبيرة في مختلف الصعد ([1]). تضمنت هذه النهضة استثمارات هائلة في قطاع الزراعة، إذ استصلحت مساحات واسعة من الأراضي شرق البلاد واستُبدلت بالوسائل التقليدية المكننة الزراعية الحديثة. إضافةً إلى ذلك، شهدت سورية توسعًا كبيرًا في قطاع الصناعات الزراعية الذي اعتمد اعتمادًا كاملًا على رأس المال المحلي. وقد شهد الناتج المحلي ارتفاعًا بمعدل 12 في المئة سنويًا بين عامي 1945و1954، وأعيد استثمار الناتج المحلي الإجمالي بمقدار 13-14في المئة خلال النصف الأول من ذاك العقد ما أدّى إلى مضاعفة الدخل الوطني العام مقارنةً بما كان عليه في مرحلة ما قبل الحرب العالمية الثانية ([2]). إلا أن الطريق (الرأسمالي الوطني) الذي سلكه الاقتصاد السوري آنذاك رافقته تحولات اجتماعية جليّة نتج منها تشكيل طبقي تجسّد على وجه الخصوص في ظهور طبقة وسطى قوامها تجّار وصناعيون وإداريون ما لبثوا أن بدؤوا بمنافسة النخب الأرستقراطية التقليدية، ليس اقتصاديًا فحسب وإنما سياسيًا أيضًا ([3]).

أمّا سياسيًّا فقد جسّدت السّنوات الأولى للجمهورية الأولى ما يعده كثيرون المرحلة الديمقراطية الوحيدة في تاريخ سورية المعاصر، التي اتّسم المشهد السياسي فيها بوجود طيف واسع من القوى والأحزاب النشطة من الشيوعيين في أقصى اليسار إلى الإخوان المسلمين في أقصى اليمين، مرورًا بالمجموعات ذات التوجه الوطني والقومي ([4]). وعلى الرغم من حال عدم الاستقرار التي شابت تلك المرحلة، إلّا أنها تميزت بنسب عالية من المشاركة السياسية وهامش كبير للحريات (كحرية التعبير، الصحافة، التجمع)، إلى جانب مساواة نصّ عليها الدستور بين الجنسين ومؤسسات حقيقية وفاعلة كان من أبرزها البرلمان ([5]).

ولعل أهم ما امتازت به الجمهورية الأولى في المستوى السياسي كان دستورها الأول الذي وضعه مجلس تأسيسي منتخب وأُقرّ رسميًا عام 1950. إذ يعد هذا الدستور أحد أطول الدساتير في تاريخ سورية، وقد غيّرت مواده الـ 166 نموذج الحكم في البلاد جذريًا مقارنةً بما كان عليه وفقًا لدستور عام 1930.([6])

كسر الدستور الجديد آنذاك طوق النظام الرئاسي وأعلن الدولة السورية (جمهورية ديمقراطية) ذات سيادة كاملة يحكمها النظام البرلماني، مضيفًا إلى ذلك أن وحدة أراضيها لا تتجزأ. وسُمّي الإسلام دينًا رسميًّا للدولة في النسخة الأولى، لكن هذا البند خضع للتعديل بضغط من التيارات الليبرالية وسياسيين آخرين ممن ينتمون إلى الأقليات الدينية، غير أن المادة 3 استمرّت بتأكيد أن الإسلام هو المصدر الأساس للتشريع. أما في ما يخص السلطات العامّة فقد جرد دستور 1950 الرئيس من الصلاحيات معظمها التي تمتع بها سابقًا، وأوكلها إلى البرلمان ([7])([8]). لذلك افترض بعضهم أن الدستور لم يوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، وإنما منح سلطات واسعة للبرلمان على حساب الرئيس ردة فعل على الدستور الذي سبقه، وفي ذلك بعض الأمثلة الآتية ([9]):

أ– تنص المادة 59 على عدم أحقية مجلس النواب (بالتخلي عن سلطته في التشريع)، ما يعني أن المجلس لا يمكنه أن يوكل السلطتين التشريعية والتنفيذية كلتيهما إلى الرئيس خشية استغلال الأخير للسلطة.

ب– تنص المادة 62 على أن للرئيس الحق بإعادة القوانين التي أقرها المجلس لإعادة النظر فيها لكن (إذا أصرّ المجلس بأكثرية مجموع أعضائه المطلقة وجب إصدار القانون حالًا).

بالمقابل، فقد رأى آخرون أن الدستور قد أرسى قواعد راسخة في ما يتعلق بفصل السّلطات وتضمين نظام للضوابط والتوازنات بين مؤسسات الدولة، ليس من خلال المواد سابقة الذكر فحسب، وإنما من خلال المواد المتعلقة بالسلطة القضائية أيضًا ([10]). فقد أكّد الدستور استقلال الأخيرة إذ نصّ على أن «قضاة الحكم مستقلّون، لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون» إضافة إلى أن «شرف القضاة وضميرهم وتجردهم ضمان لحقوق الناس وحرياتهم». (المادة 105). وصنّف الدستور المحاكم ضمن ثلاث فئات: المحكمة العليا، محكمة التمييز، المحاكم العاديّة (المادة 108). تتألف المحكمة العليا من 7 أعضاء ينتخبهم مجلس النواب، ويحق للمحكمة العليا نفسها وحدها إعفاءهم من مناصبهم (المادتين 116-118). تتضمن مهمات المحكمة العليا النظر في دستورية القوانين والمراسيم والقرارات الإدارية المحالة عليها، النظر في طعون الانتخابات، إضافةً إلى محاكمة رئيس الجمهورية والوزراء (المادة 122). وقد عزّز الدستور استقلال السلطة القضائية من خلال إضافة مجلس قضائي أعلى أحد مهماته الحرص على ألا تقع السلطة القضائية تحت أي تأثير أو ضغط من الحكومة، وهذا يؤكّد الجزء الكبير الذي خصصه دستور 1950 لهذا الشأن ([11]). وقد رأى آخرون أن الدستور قدّم ضمانات بنيوية لنظام ضوابط وتوازنات تؤدي من خلاله مؤسسات الدولة دور الرقابة كل منها على الأخرى ([12]).

أما في ما يخص الاقتصاد، فقد قدّم الدستور نظامًا اشتراكيًا للمرة الأولى مبتعدًا بذلك عن التقليدين الأوليغارشي والإقطاعي اللذين اتصفت بهما البلاد خلال الحكم العثماني وبعده. ولعلّ من بين مواد عدّة عكست تلك النزعة الاشتراكية كانت تلك التي ركزت على الأسرة وليس الفرد (ركنًا أساسًا للمجتمع) (المادة 32)، وعلى حقّ الناس في التظاهر، وحقّهم في التنظيم النقابي (المادتين 16-26). تضمّن الدستور أيضًا نظام ضمانٍ اجتماعي (المادة 27)، وقوانين أخرى هدفت إلى تنظيم الأجور وحماية العمال وتحديد ملكية الأراضي الفردية (المادتين 22-26). علاوةً على ذلك، جرى تأكيد التعلم حقًا لكل مواطن ويكون مجانيًا وإلزاميًا في مدارس الدولة (المادة 28) ([13]). لكن على الرغم من تلك الاشتراكية الواضحة، إلا أنها لم تعكس ميلًا أو تزمّتًا ماركسيًا، إذ قدم الدستور موادًا نظّم من خلالها الملكيّة الفرديّة وحمى حريّة العمل والاستثمار. وقد عدّ البعض أن هذا التغيير نحو الاشتراكية كان ضروريًا، إذ إن النظام السياسي الجديد كان سيفقد شرعيته وصدقيته في ما لو استمر في تبني النهج الإقطاعي والأوليغارشي الذي ميّز البلاد قبل الاستقلال ([14]) .

غير أنّ أبرز ما ميّز دستور عام 1950 هو تضمين 28 مادة مفصّلة تختص بالحقوق والحريات العامة التي دعاها الدستور (المبادئ الأساسية) للحريات. شرحت تلك المواد -بتوسع- الحقوق والحريات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لكل مواطن، مؤكدةً بقوامها العام مفهومات الحرية والمساواة. وقد استلهمت تلك المواد معظمها من إعلان الأمم المتحدة العالمي لحقوق الإنسان والدساتير الأوروبية التي تلت الحرب العالمية الثانية ([15]). لذلك، ليس من الغريب أن صيغة دستور عام 1950 وطبيعته الديمقراطية، إضافةً إلى الحياة السياسية والأطر المؤسساتية النشطة التي أنتجها؛ دفعت كثيرًا من السوريين وبخاصة المعارضة إلى المطالبة بالعمل به خلال مرحلة انتقالية حتى يجري انتخاب جمعية تأسيسية تضع دستورًا جديدًا للبلاد ([16]).

لكن على الرغم من النجاح الذي حققه الدستور إلا أن بعضهم انتقد بضعًا من الجوانب التي تضمنها، مشيرًا -مثلًا- إلى طبيعة مواده التي عُدّت مغرقةً في تفصيلها ما يجعل عملية تعديل الدستور في حال اقتضى الأمر عملية عسيرة، فهذه المواد (المغرقة في التفصيل) تحتاج إلى التّعديل حاجة مستمرة، لاسيما في بيئةٍ شهدت تغّيرًا سريعًا في المعطيات كبيئة سورية آنذاك، لكن طبيعة الدستور والمواد المتعلقة بالتعديل تزيد العملية تعقيدًا ولا تسمح (بتطوّر سلس) ([17]). من ناحية أخرى، افترض باحثون أنه -وعلى الرغم مما قدّمه الدستور على صعيد الحد من السلطات وفصلها وضمان الحقوق والحريات السياسية والمدنية- ما يزال غير ملائم لسورية الحديثة، فالدّور الكبير الذي يعطيه للحكومة يجعلها قادرةً على التدخل إلى حد كبير في الحياة الاقتصادية، ما قد يقوّض جوانب بالغة الأهميّة كالملكيّة الفرديّة وحريّة العمل والمشاركة في الحياة الاقتصاديّة ([18]).

إنّ البداية الواعدة التي اتسمت بها السنوات الأولى للجمهورية السورية الأولى، بما في ذلك النهضة الاقتصادية إلى جانب الدستور والمؤسسات الديمقراطية لم تجسّد ضمانة لاستقرار مستدام. فبعكس ذلك، ما لبث النظام أن بدأ بالتهاوي أمام التحديات الكثيرة التي واجهته. يعود مرد ذلك إلى عوامل عدّة كان أولها تراجعًا اقتصاديًا حادًّا أبطأ سرعة نمو اقتصاد الدولة الرأسمالي؛ إذ إن الموارد الطبيعية التي مثلت دعامة النمو كانت قد استهلكت تقريبًا عام 1956، ما انعكس سلبًا على قطاع الصناعات الزراعية الذي كان قد شهد ازدهارًا واضحًا. إضافةً إلى ذلك، فإن خطط التحول الراديكالي من الصناعات الزراعية إلى صناعات أكثر استدامة تطلبت معدلات استثمار هائلة لم تتوافر آنذاك على الرغم من الطفرة الاقتصاديّة وحجم رأس المال الكبير الذي أنتجته مرحلة الحرب ([19]). أثارت تلك الأزمة الاقتصادية سخطًا واسعًا ضدّ النخب السورية التي بدت غير متأثّرة بتداعياتها، وأشعلت نسب اللامساواة المتزايدة صراعًا طبقيًا كان أبرز ضحاياه الطبقة الدنيا من العمال والفلاحين ممن فقدوا مصادر عيشهم، وأبناء الطبقة الوسطى الذين شعروا بأن تلك الأزمة قد عطلت صعودهم ضمن السلّم الاجتماعي. نتيجةً لذلك، أصبحت تلك الطبقتان عرضةً للانجذاب نحو نماذج أيديولوجية متطرّفة سعت بشدّة لتشويه صورة الرأسمالية التي انتهجتها الحكومة آنذاك ([20]).

غير أن الأزمة الاقتصادية كانت واحدة ضمن عوامل عدّة أودت بالبلاد إلى أزمة سياسية؛ إذ كان عدم الاستقرار الحكومي والدستوري وما تولّد عنه من شعور بانعدام الأمان لدى السوريين عاملًا آخر ساهم في تعميق الأزمة، فما بين عامي 1947 و1954 تعاقبت على البلاد عشرون حكومة وأربعة دساتير، ثم إنَّ غياب خطّ واضح يفصل بين المؤسّستين السياسيّة والعسكريّة والتسييس الذي اتّسمت به الأخيرة أدّى إلى سلسلة انقلابات عسكرية نجح معظمها بإطاحة الحكومة وفرض هيمنة العسكر. صبّت نتيجة ما سبق كله في مصلحة أحزاب اليسار الراديكالي السورية، لا سيما حزب البعث العربي الاشتراكي والحزب الشيوعي. إذ برز هذان الحزبان بوصفهما لاعبين أساسيين في المعترك السياسي السوري خلال انتخابات عام 1954 ووسّع كل منهما قواعده الشعبية باستغلال الأزمتين السياسية والاقتصادية اللتين كانتا تعصفان بالبلاد، ولم تتمكّن مؤسسات الدولة حديثة النشوء والهشّة من التعامل معهما ([21])([22]).

ارتبطت الأزمة التي عانتها الجمهورية الأولى ارتباطًا وثيقًا بنزعة قوميّة يساريّة أخذت تتبلور تبلورًا سريعًا وواسعًا في المجتمع السوري، ما عكس صراعًا كان محوره الهوية الوطنية التي كانت ما تزال في طور التشكّل حينئذٍ. وقد ساهمت حوادث كالنكبة الفلسطينية عام 1948 وحلف بغداد في زيادة العداء الشعبي للأيديولوجيات والمؤسسات المرتبطة بالغرب، بما في ذلك الرأسمالية والتيار الوطني الليبرالي في سورية، لذلك وظّفت الأحزاب اليسارية خطابًا قام على معاداة الإمبريالية والصهيونية والهيمنة الأميركية، واتهمت النظام الرأسمالي الحاكم بإنتاج اتكالية اقتصادية وخضوعًا لا مخرج منهما إلا بنظام اشتراكي يؤدي إلى استقلالية واكتفاء اقتصادي وسياسي حقيقيين. بالتدريج بدأ البساط يُسحب من تحت النظام السوري الذي عدّه كثيرون حليفًا للقوى الغربية الإمبريالية، وراح البعثيون والشيوعيون يركزون جهدهم على حشد الشارع وتعبئته ضد ما سموه القوى (الرجعية) في السلطة، وقد كان من أهم ما ألهمهم (وألهم اليسار السوري عمومًا) آنذاك النموذج السوفياتي وصعود جمال عبد الناصر قائدًا لمسيرة الإصلاح في مصر، فقد جسّد هذان النموذجان أدلة قاطعةً للسوريين على نجاح النهج الاشتراكي وفاعليته ([23]). وقد فسّر الباحث Hinnebusch ذلك التحول نحو اليسار في سورية قائلًا: «لم تكن القومية وحدها العامل الذي أدى إلى هذا التحول الراديكالي نحو اليسار، لكن ارتباط الرأسمالية السورية بالغرب، مترافقًا مع الصراع الطبقي الذي أخذ يتسع والأزمة السوسيو-اقتصادية، منحت الأيديولوجية الاشتراكية مصداقية قويّة في أعين القوميين» ([24]).

وفي عام 1955 مثّل سقوط حكومة فارس الخوري نقطة مفصليّة في تاريخ سورية سبقتها تقلّبات دستورية وحال عدم استقرار سياسي أطاحت حكومات عدّة وخلقت لدى السّوريين شعورًا بانعدام الاستقرار والأمان، ما أفقدهم الثّقة بنظام ما بعد الاستقلال الليبرالي دستورًا ومؤسسات؛ يضاف ذلك إلى جملة العوامل التي تفسّر التحول السوسيو-اجتماعي في سورية نحو اليسار. لاحقًا في عام 1956 شهدت سورية إحدى أكثر الانتخابات التشريعية (نزاهةً) في تاريخها، إذ استخدمت فيها ورقة الاقتراع السري لأول مرة ونافست فيها الأحزاب الراديكالية الصاعدة النخب السورية التقليدية ([25]). لكن تلك الانتخابات جسّدت بصورة أو بأخرى بداية النهاية للجمهورية الأولى، فعلى الرغم من احتفاظ النخب الأوليغارشية السورية بالمناصب العليا والأغلبية في مجلس النواب، إلا أن الانتخابات أعطت أحزاب اليسار، وبخاصة البعث، الفرصة للبروز بوصفهم لاعبين أساسيين في المضمار السياسي. فقد نتج من الانتخابات توزّع سلطات غير مسبوق، إذ شغلت شخصيات يساريّة أو مقرّبة من اليسار مناصب وزارية مهمّة ضمن حكومة ائتلافية ترأسها صبري العسلي، فضمّت وزير خارجية ورئيس مجلس نواب بعثيين (صلاح الدين البيطار وأكرم الحوراني)، إضافةً إلى وزير دفاع مستقل (خالد العظم). إلا أنه على الرغم من الطابع التشاركي الذي أخذته الحكومة، بدأ اليسار بتولي زمام الأمور بصورة متزايدة، ذلك بسبب نفوذ التيار ضمن المؤسسة العسكرية التي كان قسم كبير منها ذا ميل يساري، بينما أخذ مثقفو اليسار ومفكروه يعبئون الرأي العام لاستخدامه ورقة ضغط ضد منافسيهم من النّخب المحافظة. بعد ذلك بمدّة وجيزة، كان الزخم اليساري القومي الناصري قد أنهك القوى الليبرالية المفلسة مّا مهّد الطريق لقيام الجمهورية السورية الثانية ([26]).

 

ثانيًا: الجمهوريّة الثّانية (الوحدة وتداعياتها)

بحلول عام 1957 كانت الحكومة الائتلافية الهشة على وشك الانهيار، وكانت الأزمة السياسية قد ألقت بظلالها على القوى السياسية معظمها، بما في ذلك البعث الذي بدأ يجد نفسه في موقف صعب، فقد استشعر البعثيون خطرًا حقيقيًا في شعبية الشيوعيين المتزايدة والدّعم المستمر الذي تلقوه من الاتحاد السوفياتي بوصفه حليفًا أيديولوجيًا ضدّ ما عرف بعقيدة آيزنهاور. في الوقت ذاته، سعت القوى الليبرالية المحافظة في سورية لاستجلاب تدخل غربي للتصدي لتهديد اليسار. انعكست حالة الاستقطاب السياسي هذه انعكاسًا جليًا في الجيش الذي انقسم إلى أجنحة عدة متنافسة، دعم كلًا منها أحدُ المعسكرات السياسية. لكن لم يكن البعثيون وحدهم من وعي خطر الانقسامات الداخلية والضغوطات الخارجية، وإنما التيارات السياسية الأخرى معظمها في سورية، ما دفع تلك القوى إلى عقد مؤتمر حوار جرى التصويت فيه بالإجماع على محاولة إيجاد صيغة وحدة مع مصر بقيادة جمال عبد الناصر.

في المستوى الشعبي، لم تكن الوحدة العربية فكرةً جديدة، وإنما رغبةً متجذّرة لطالما داعبت مخيلة الشارع السوري، وقد حظيت الفكرة بزخم أكبر إثر (انتصار) عبد الناصر في حرب 1956 وتأميمه لقناة السويس ([27]). لذلك، صوّت مجلس النواب السوري في كانون الثاني عام 1958 لمصلحة الوحدة، ومن ثم عقد مجلسا النواب السوري والمصري جلسة مشتركة في تشرين الثاني/ نوفمبر بدمشق لمناقشة تطبيقها، فكانت النتيجة أن أقرّت وحدة بين البلدين أعلنت رسميًا ولادة الجمهورية الثانية، التي عرفت أيضًا بالجمهورية العربية المتحدة.

على الرغم من الجلسات المطولة التي عقدها مجلسا نواب كل من سورية ومصر لمناقشة الشكل الذي ستأخذه الوحدة، إلا أن الجمهورية العربية المتحدة جاءت ثمرة لمفاوضات حدثت في القاهرة في مدى الأشهر القليلة التي سبقت الإعلان الرسمي. إذ ذهب عدد من الشخصيات العسكرية والنخب السياسية السورية إلى هناك لإقناع عبد الناصر بالفكرة. وقد أدى البعثيون -ولا سيما وزير الخارجية آنذاك صلاح الدين البيطار- دورًا محوريًا في عملية المفاوضات. ذلك لأن الوحدة مثّلت تجسيدًا واقعيًا لرؤية البعث في (مجتمع عربي اشتراكي موحّد)، ومخرجًا من مأزق التنافس والاستقطابات الداخلية والضغوط الخارجية التي عاناها الحزب ([28]). لكن على الرغم من موافقة جمال عبد الناصر على الوحدة، فقد جاءت وفقًا لشروطه التي تعين على السوريين في إثرها تقديم تنازلات عدّة. إذ اشترط عبد الناصر قبل الشروع بتطبيق الوحدة أن تطرح الفكرة للاستفتاء الشعبي، وأن تكون وحدة مركزيّة يجري من خلالها حل الأحزاب السياسية جميعها في سورية بما فيها البعث، وأن يُحَيد الجيش عن السياسة. تحت ضغط الرأي العام والحالة السياسية المتدهورة والتحديات الخارجية جرت الموافقة على طرح عبد الناصر وأعلنت الوحدة أخيرًا. بعد مدة وجيزة منعت خلالها صور الممارسة السياسية كافة، وبخاصة الأحزاب. تبلورت الجمهورية العربية المتحدة بوصفها دولة مركزية مؤلّفة من إقليمين، الشمالي (سورية) والجنوبي (مصر)؛ كان النظام فيها رئاسيًا بحتًا تركزت فيه سلطات واسعة في يد عبد الناصر الذي اعتلى هرم السطلة، تلاه حكومة كان ثلثاها مصري. أما سورية، فقد تضاءلت احتمالات أن تؤدي دورًا فاعلًا ضمن الوحدة، أو حتى أن تحظى بحكم ذاتي حقيقي بعد أن رفض عبد الناصر طلبًا لتأليف مجلس قيادة مشتركة للإقليمين.

هدفت سياسات عبد الناصر منذ بداية الوحدة إلى إنهاء حالتي التعبئة الشعبية والاستقطاب في سورية، وقد شرع بذلك فعلًا، إذ بدأ حملة واسعة استهدفت الشيوعيين ومن ثم سعى لتهميش السياسيين البعثيين من خلال حل الحزب وإجبار أعضائه على الانخراط في حزبه الحاكم، حزب الاتحاد القومي. إضافةً إلى ذلك، سعى عبد الناصر لترويض الجيش السّوري من خلال نقل مئات من الضباط السوريين إلى مصر واستبدل بقيادات الجيش ضباطًا مصريين. وقد ركّزت حملة النقل تلك على الضّباط البعثيين وشملت شخصيات كان من ضمنها حافظ الأسد ومصطفى طلاس ([29]). وقد وصف بعض الباحثين في تلك المرحلة ما تحوّل إليه حلم الجمهورية العربية المتحدة بالقول:

«تحولت الجمهورية العربية إلى كيان بيروقراطي يتربع على هرمه قائد ذو كاريزما. استمد ذاك الكيان شرعيته من أيديولوجيا القومية العربية واعتمد على قبضة أمنية وعسكرية، إضافةً إلى التأييد الشعبي الواسع غير المنظم الذي تمتع به عبد الناصر» ([30]).

على الصعيد الدستوري، وُضعت نسخة دستور موقتة للجمهورية العربية المتحدة ونُشرت عام 1958. تألفت النسخة من 73 مادّة شابهت في مضمونها الدستور المصري آنذاك لكنها اختلفت إلى حد كبير عما جاء عليه دستور سورية عام 1950. ظهر هذا الاختلاف جليًّا في ما يخص بنية الدولة وهيئة نظامها السياسي وحدود السلطتين التشريعية والتنفيذيّة وهيئتهما، إضافةً إلى فصل السلطات. وبالكاد أفرد الدستور الجديد أيًا من مواده للحقوق والحريات المدنية، على الرغم من ذكره لأنها محمية ضمن القانون ([31]).

أكّدت المادة الأولى من الدستور القومية العربية من خلال تسمية الجمهورية العربية المتحدة (جمهورية ديمقراطية) تعدّ جزءًا من الأمة العربية. أما المادّة الثانية فقد منحت جنسية الجمهورية العربية المتحدة لمواطني كل من مصر وسورية، ونصّت على أن مواطني الإقليمين كليهما يخضعون للأحكام والقوانين نفسها عند العمل بهذا الدستور. وفي ما يخص السلطات العامة فقد وزّعها الدستور على النحو الآتي:

  1. يتولى السلطة التشريعية مجلس يسمى مجلس الأمة، يحدد عدد أعضائه ويُختارون بقرار من رئيس الجمهورية (المادة 13). وقد تألف المجلس من 400 عضو مصري و200 من السوريين.
  2. يتولى رئيس الجمهورية السلطة التنفيذيّة (المادة 44)، إضافة إلى مجلس للوزراء.
  3. سلطة قضائية مستقلّة.

بيّن الدستور من خلال موادّه وأحكامه أن شروط جمال عبد الناصر قد نُفِّذت، إذ أعطي الرئيس صلاحيات وسلطات واسعة ([32]). فقد خول الدستور عبد الناصر بإقرار تعيين مجلس الأمة وحله وفقًا للمادتين 13 و38، ومكّنه أيضًا من تعيين نائب رئيس واحد أو أكثر أو إعفائه من منصبه في كل من الإقليمين (المادة 46). وقد كان أكرم الحوراني أحد النّواب الاثنين اللذين عُيِّنا لإقليم سورية. وأعطي الرئيس الصلاحية لتعيين الوزراء وصرفهم من مناصبهم وإحالتهم على المحاكمة (المادتين 47-49). ذلك إضافةً إلى أن رسم السياسية الخارجية وقع ضمن مهمات عبد الناصر (المادة 56) الذي سمّي أيضًا قائدًا عامًا للجيش والقوات المسلّحة (المادّة 55) ([33]).

عُدَّ قيام الوحدة بين سورية ومصر حدثًا (كارثيًا) على سورية، فلم ترتقِ سياساتها الاقتصادية أو مؤسساتها الضعيفة إلى آمال الجماهير والنخب السورية وتوقعاتها على حدٍّ سواء، في الوقت الذي أغرقت قيادة عبد الناصر في مركزيتها وإقصائها واستمرت في إيفاد مصريين من الاختصاصات كافة إلى الإقليم الشمالي الذي شغل 33 من مناصبه العليا الـ400 مصريون؛ ففي وزارة الصناعة مثلًا، بلغ عدد المسؤولين المصريين 6 من أصل الـ13 مسؤولًا الذين تولوا زمام الأمور، وفي شركة البترول العامة كانت نسبة المصريين إلى السوريين 4 من 6 مسؤولين، وعُيِّين 30-40 قاضيًا مصريًا، علاوة على العدد الهائل من المدرسين والفنيين. أثار ذلك حالةً من الاستياء لدى النخب السورية تُعزى إلى كون المصريين قد شغلوا مناصب مهمّة ومربحة شعر السوريين أنهم أولى بها، ثم إن عدد الموفدين المصريين تجاوز حاجة الإقليم؛ لكن السبب الأهم وراء حالة الاستياء كان أن القيادة الإقليمية المصرية تألّفت من مصريين فحسب وكانت اختصاصاتها تشمل تعاطي شؤون الإقليمين، بعكس القيادة السورية التي انحصرت صلاحياتها في شؤون الإدارة المحلية وأعطى وجود ذاك العدد من المصريين فيها (بما فيهم 800 ضابط) انطباعًا بأن سورية ليست سوى محافظة مصرية ([34]). كانت النتيجة أن بدأت النخب السورية تشعر بالتهميش ضمن عملية صناعة القرار في مستوياتها العسكرية والسياسية والاقتصادية، وأن بدأ الإقليم الشمالي وبخاصة البعثيين يضيقون ذرعًا بما بدؤوا يعدّونه وهم الوحدة، وقد أتت المصاعب الاقتصادية التي عانتها الجمهورية الناشئة لتعزز هذا الشعور؛ إذ فشلت خطط التنمية الاقتصادية في تحقيق الأهداف المرجوة منها، وأضرّ التطبيق الراديكالي لإصلاحات جمال عبد الناصر الاشتراكية، التي تضمّنت قوانين إصلاح زراعي شاملة وتأميم قطاعات الدولة معظمها، بمصالح الطبقة العليا والطبقة الوسطى التي كانت معظمها ناصرية. ضيّق ذلك نطاق دعم الجمهورية العربية المتحدة وشرعيتها حتى أصبح محصورًا ضمن المؤسسة العسكرية. لكن حتى ضمنها، كانت حركة نقل الضباط قد أثارت سخطًا واسعًا، إذ عدّها الضباط السوريون معظمهم إقصاءًا متعمّدًا لهم. أخيرًا، دفعت هذه العوامل كلها مجموعة من الضباط السوريين الـ (محافظين) لتنفيذ انقلاب عسكري أطاح الوحدة عام 1961([35]).

على الرغم من الفشل الاقتصادي، والدور الكبير الذي أداه في انهيار الجمهورية العربية المتحدة، إلا أن ما منع وجود نموذج ناجح ومستدام للوحدة كان عجز عبد الناصر عن إيجاد نظام سياسي جامع، لا سيما مع وجود عدد كبير من التيارات السياسية في سورية. فقد أدّى عدم رغبة عبد الناصر في مشاركة السلطة، والريبة التي لطالما نظر بها إلى البعثيين إلى توسيع الفجوة بينهما، على الرغم من أن البعث كان من المفترض أن يمثل أحد أهم الحلفاء لنظام ناصر نظرًا إلى القواسم الأيديولوجية المشتركة التي جمعتهما، وبخاصة أهداف الوحدة والاشتراكية ([36]). لكن البعثيين كانوا مدركين عمق تلك الفجوة منذ البداية، وأدركوا أن الاختلافات السياسية الكبيرة بين الإقليمين مثّلت نقاط ضعف بنيوية في دولة الوحدة. لكن، وبتفائل زائد، كان البعثيون أبرز الأطياف التي أيّدت إقامتها ودفعت إليها. فقد كتب ميشيل عفلق، أحد أبرز قيادات البعث، مستذكرًا ذلك:

«أما الاختلاف الأساسي الذي كان قائمًا بين السياسة المطبقة في القطرين، ونعني الخلاف حول الحرية والديمقراطية فقد أمل الحزب، بتفاؤل سطحي، في قدرة الوحدة على إزالته، وتوقع أن يؤدّي التفاعل الشعبي بين إقليمي الدولة الاتحادية والتفاعل الشعبي بين هذه الدولة وحركات النضال في باقي أجزاء الوطن العربي إلى تطوير النظام الفردي الذي كان قائمًا في مصر تطويرًا سريعًا نحو الديمقراطية» ([37]).

على الرغم من قصر عمر الوحدة السورية المصرية، إلا أنها كوّنت تجربة مفصلية في تاريخ سورية، كان أحد مفرزاتها الانحراف عن المسار الدستوري والمؤسساتي الذي ميّز الجمهورية الأولى، إضافةً إلى استيراد نموذج الدولة المركزية المصري، المتمثل بحزبٍ واحد يحتكر إدارة الدولة سياسيًا واقتصاديًا؛ إذ انعكس ذلك إلى حد كبير في تشكّل حراك سياسي واجتماعي ومدني مستقل في سورية.

 

ثالثًا: الجمهوريّة الثّالثة (جمهورية البعث)

جاء الانقلاب الذي نفّذه مجموعة من الضباط المقربين من الطيف البرجوازي الليبرالي السوري لإنهاء الوحدة محاولة لعكس عقارب النظام السياسي في سورية والعودة إلى مرحلة منتصف الخمسينيات. إذ عادت النخب السورية التقليدية للسيطرة على الحياة السياسية في كل من مجلس النواب والحكومة، وأعيد إقرار العمل بدستور عام 1950، وألغي تأميم المؤسسات والمصانع والمصارف وأعيدت الأراضي التي أعطاها قانون الإصلاح الزراعي إلى الفلاحين لمالكيها. أدّى ذلك إلى خلق استقطابات سياسية واجتماعية ضمن مكونات المجتمع السوري، الذي انقسم إلى فريقٍ أيّد العودة إلى الوحدة مع مصر وآخر عدّ الانفصال (ثورةً مباركة). تألّف المعسكر الأول من الناصريين وفئة من البعثيين، بينما تألف المعسكر المضاد ممن عرفوا بالقوة الوطنية والشيوعيين والجناح الانفصالي من البعثيين ([38]).

وقد ألقى قيام الجمهورية العربية المتحدة وانهيارها بظلاله على القوى السياسية السورية كافة تقريبًا، ولا سيما البعثيين الذين -على الرغم من تمكنهم من توسيع قواعدهم الجماهيرية في تلك المرحلة- عانوا انقسامات غير مسبوقة في صفوف الحزب. فقد قاد أكرم الحوراني الجناح الانفصالي للحزب، وزاد نأيه عن البعثيين بعد أن وقّع الوثيقة المؤيدة للانفصال. من جهة أخرى، ألّف مجموعة من المثقفين من أبناء الأرياف ما عرف بالجناح (القطري) لحزب البعث، وعُرف هذا الجناح بأجندته الاشتراكية الراديكالية. أما الجناح الثالث (القيادة القومية) فقد عمل تحت راية ميشيل عفلق الذي خسر تأييده بين البعثيين بسبب موافقته على مطلب جمال عبد الناصر بحل الحزب. من بين الأجنحة البعثية الثلاث، كان القطريّون هم الأقوى لكنهم عانوا هم أيضًا خسارة مؤيديهم معظمهم من أبناء الطبقة الوسطة لمصلحة الحزب الناصري، فعاد بذلك الحزب مجدّدًا إلى اعتماد قواعده الأصلية في الريف. وفي عام 1962، شكّل مجموعة من الضباط البعثيين -من أبناء الأقليات الدينية معظمهم- ما عرف بـ (اللجنة العسكرية) التي اتفقت في توجهها الأيديولوجي العام مع القطريين، فقد التقى كلاهما حول ضرورة العمل لتغيير القيادة الحالية للحزب ومن ثم إطاحة النظام الانفصالي ([39]).

رأت اللجنة العسكرية في عدم الاستقرار السياسي الذي شاب تلك المرحلة فرصةً تاريخية سانحة للتغيير، فنفّذت بالتعاون مع الناصريين انقلابًا عسكريًا ناجحًا في 8 آذار/ مارس عام 1963. وقد أتى غياب أي مقاومة ضد الانقلاب ليظهر إفلاس نظام مابعد الانفصال، إذ مثّلت طبيعته الأوليغارشية الإقصائية عيبًا هيكليًا كان كافيًا لإبعاده من جماهير الريف. وما فاقم ذلك كان افتقار النظام للمؤسسات القادرة على جذب الطبقة الوسطى النشطة سياسيًا واستيعابها ضمن المدن، التي كان من الممكن أن تشكّل سدًّا في وجه صعود اليسار الراديكالي. وبذلك فتح الباب أمام قوى البعث ذات التنظيم العالي. فأعلنت (ثورة الثامن من آذار/ مارس) ليس وصول البعث إلى السلطة فحسب، وإنما قيام الجمهورية الثالثة أيضًا ([40]).

سبب استحواذ البعثيين على الحكم تحولًا كبيرًا في المشهد السياسي السوري، فقد تمكنّت فئة صاعدة من الضباط والسياسيين الذين كان معظمهم من أبناء الريف والأقليات الدينية والطبقات الاجتماعية الدنيا من إزاحة النخب السياسية التقليدية. يمكن القول إن أيديولوجيا هذه المجموعة وعقيدتها قامت على خليط من القومية الراديكالية والشعبوية التي استلهمتها من الصراع السياسي الذي ميّز مرحلة الخمسينات ([41]). «ولكن، لم يهدف البعثيون من خلال استحواذهم على السلطة في 1963 إلى تنفيذ انقلابٍ عسكري آخر مشابه لما سبقه، فقد كانوا يعون أن المنافسة السياسية الشرسة والانقسامات ضمن صفوف الحزب، إلى جانب افتقارهم إلى قواعد جماهيرية منظمة قد تشكل عوامل تهديد وجودي لهم. لذلك، سعوا لتوطيد سلطتهم من خلال ثورة شاملة يكون عمادها الحكم العسكري والطائفية والتنظيم السياسي اللينيني» ([42]).

تقاسم كل من البعثيين والناصريين السلطة بعد الانقلاب من خلال مجلس ثوري عسكري ومجلس وزراء مشتركين، لكن هذا التحالف مالبث أن بدأ بالانهيار، إذ لم تلاقِ رغبة الناصريين بالعودة إلى الاتحاد مع مصر آذانًا صاغيةً لدى البعثيين الذين كانوا يطمحون إلى تأسيس دولة مستقلة على النموذج اللينيني. وقد بدأ الحزبان كلاهما بحشد أنصارهما الذين انقسموا في ما يخص مسألة الوحدة، لكن سرعان ما علت كلمة البعثيين من خلال نفوذهم المتزايد في كل من الجيش والحكومة. وعززوا ذاك النفوذ تعزيزًا أكبر بحملة واسعة سرّحوا فيها عددًا كبيرًا من الضباط الناصريين والمحافظين واستبدلوا بهم آخرين بعثيين معظمهم من أبناء الأقليات الدينية؛ إذ حرص البعثيون بإعادة هيكلة الجيش على منع أي انقلاب محتمل على غرار انقلاب عام 1961، ثم إن حملتهم التي طالت الناصريين كانت ضمانًا لإنهاء أي منافسة لسيطرة الحزب. بذلك أصبح الجيش تحت سيطرة البعث كليًا والعمود الفقري الذي مكّنه من توسيع حكمه وتوطيده. في تلك الأثناء، تربعت اللجنة العسكرية على قمة السلطة، وانتزعت زمام المبادرة من مفكري البعث التقليديين كـ صلاح البيطار وميشيل عفلق اللذين أصبحا محض قيادات صورية ([43]).

بعد ضمان ولاء الجيش وتأمين سيطرة متزايدة ضمن مؤسسات الدولة، بدأت ملامح جمهورية البعث بالتشكّل. وقد كان من أبرز ما ميزها طغيان الخطاب الثوري حاملًا رئيسًا للشرعية، إذ أتى الإعلان رقم 10 لعام 1963 ليعطي المجلس الثوري العسكري «السطلة الثورية لتحقيق أهداف الشعب في الوحدة والحرية والاشتراكية». تضمّن ذلك استحواذًا تامًا على السلطتين التشريعية والتنفيذية، وسبق ذلك بمدّة وجيزة الإعلان رقم 1 الذي أغلق الصحف جميعها ومن ثم مقرات الأحزاب السياسية كافّة ([44]). بذلك استبدلت بالشرعية الدستورية شرعية وسلطة ثوريتين قلّدتهما اللجنة المركزية لنفسها. ولم يكن خفيًا آنذاك أن نخب البعث لم تنوِ إجراء انتخابات من أي نوع (تشريعية أو رئاسية) أو تكترث لها، بل فضلت احتكارًا ثوريًا للسلطة يهيمن به الحزب على صناعة القرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي. أما في المستوى الشعبي، فقد حلّت المنظمات الشعبية والنقابات البعثيّة بديلًا من منظمات المجتمع المدني وأدّت دور القناة التي وصلت الحزب بالقواعد الجماهيرية. وفي ما يخص الجانب الدستوري، وضع المجلس الثوري دستورًا جديدًا عام 1964 أُكِّد فيه مفهوم الدولة الثورية وأعطيت من خلاله صلاحيات واسعة للمجلس بما في ذلك التشريع والإشراف على عمل السلطة التنفيذية. نصّ الدستور أيضًا على برنامج اقتصادي يتبنى تعليمات الاشتراكية تبنيًا صارمًا. وقد أشير إشارة مقتضبة إلى مجموعة من الحقوق يتمتع بها كل مواطن شرط (عدم الإضرار بالدولة ومؤسساتها والوحدة الوطنية وأهداف الثورة العربية الاشتراكية) ([45]).

على الرغم من أن حكم البعث وسيطرته بدت أمرًا واقعًا عند هذه المرحلة، إلا أن الانقسامات في صفوف الحزب كانت ما تزال تمثل تحديًا كبيرًا لهدفه بترسيخ سلطته وتوسيع الدولة. فمن جهة، سعت قيادة الحزب المتمثلة بعفلق والبيطار لتطبيق رؤية كلاسيكية يكون الهدف فيها وحدة فيدرالية مع مصر وبرنامجًا اشتراكيًا معتدلًا للتخطيط الاقتصادي، إلى جانب مجموعة حقوق ديمقراطية مضمونة للمواطنين ضمن إطارٍ محدود. لكن اللجنة العسكريّة ارتأت نهجًا آخر أكثر تزمّتًا كان عماده الماركسية اللينينة والقومية الراديكالية، وقد طغى الجناح الأخير ضمن الحزب ([46]). ازداد هذا الشقاق سوءًا بعد نكسة حزيران وخسارة الجولان عام 1967، ما أثر تأثيرًا كبيرًا في صورة البعثيين. وقد أدى ذلك إلى صدام بين جناح واقعي إصلاحي قاده وزير الدفاع حافظ الأسد وآخر تزعّمه صلاح جديد، إذ كان محور الصدام هو كيفية التعاطي مع العواقب الكارثية للنكسة. استمر الخلاف بين الجناحين إلى أن قام الأسد، الذي كان متنفذًا ضمن الجيش، بانقلاب عسكري عام 1970 أزاح به البعثيين المتزمتين من مناصبهم في الجيش ومؤسسات الدولة الأخرى. سيطر بذلك الجناح العسكري للحزب على الحكم بذريعة أن الانقلاب أتى (حركة تصحيحية) تهدف إلى إعادة ثورة الثامن من آذار/ مارس إلى مسارها الصحيح.

عند قدومه إلى السلطة رأى الأسد أن بناء الدولة وتوطيد السلطة يبدأ بأولوية هي إنهاء الانقسامات التي اتسمت بها الحياة السياسية في سورية منذ الاستقلال، وكلفت البعث جزءًا كبيرًا من رأس ماله السياسي. وقد مكّنته براغماتيته ومنظوره المعتدل أيديولوجيًّا (مقارنةً بأقرانه الحزبيين) من إحداث تغييرات سياسية واقتصادية واجتماعية كبيرة، واستطاع تأمين حكمه ضدّ أي انقلابات عسكرية محتملة ([47]). فمنذ البداية، عيّن الأسد مجموعة مضمونة الولاء من حاشيته -من العلويين معظمهم- في المناصب العليا في كل من الحزب وأجهزة الأمن، وبنى شبكات تقوم على المحسوبيات ضمن بها ولاء الأقليات الأخرى، وسعى للتقرب من العائلات السنية الثرية ليمنع بذلك أي معارضة منها. استطاع الأسد بذلك أن يوجد ائتلافًا طائفيًا طبقيًا أسّس ضامنًا للاستقرار السياسي والمجتمعي ([48]). ثم بدأت الدولة تأخذ شكلًا هرميًا كانت قاعدته ذاك الائتلاف الجامع، بينما تربعت على قمته دائرة مخلصة من القادة الحزبيين والعسكريين الذين ألّفوا بدورهم حوامل القوة الرئيسة لحكم الأسد ([49]).

اقتصاديًّا، تمكّن حافظ الأسد من بناء اقتصاد مستقر بإقراره ضرورة التراخي في تطبيق أجندة البعث الاشتراكية التي اتسمت بتزمّتها. وعمل جذب العائلات السنية الثرية إلى كنف نظامه بتعيين أبنائها في مناصب رفيعة في الحزب والحكومة. إضافةً إلى ذلك، ساهمت اللبرلة الاقتصادية المحدودة التي شرع الأسد بتطبيقها في خلق طبقة برجوازية قوامها تجّار وصناعيّون من أبناء المدن السنّة، إذ أعطى الأسد تلك الطبقة امتيازاتٍ اقتصادية من خلال المحسوبيات والعلاقات الشخصية جاعلًا إياها معتمدة على نظامه إلى حدّ كبير، فألّفت تلك الطبقة عنصرًا آخر من عناصر قوّة نظام الأسد إلى جانب الجيش وقواعد البعث الشعبية والطائفة العلوية ([50]).

عُزّزت تلك القوة أكثر وشُرعنت في إطار قانوني جسّده الدستور الذي وضعه حافظ الأسد عام 1973، الذي أوجد تصميمه، بما تضمنه من مواد وأحكام، نظامًا رئاسيًا صرفًا أعطى الدولة شكلًا هرميًا تدين فيه مؤسسات الدولة جميعها للرئيس. ولعل أكثر المواد جدلية ضمن تصميم دستور 1973 هي المادة 8 التي أعلنت حزب البعث (قائدًا للدولة والمجتمع)، ما عنى احتكار الحزب للحياة السياسية من دون منازع. أما بالنسبة إلى الرئيس فقد نص الدستور على أن يُرَشَّح من مجلس الشعب بناءً على اقتراح القيادة القطرية لحزب البعث -الذي يكون هو أمينًا عامًا له- وأن يُطرح الترشيح لاستفتاء شعبي. وإلى جانب تحكمه الكامل بالمؤسسة العسكرية بوصفه قائدًا أعلى للجيش والقوات المسلحة (المادة 103)، أعطى الدستور صلاحيات واسعة للرئيس على حساب السلطة التشريعية، إذ أعطاه الحق في حل مجلس الشعب (المادة 107) وإعفاء أعضائه من مناصبهم (المادة 108)، إضافةً إلى إصدار التشريعات في حال لم يكن المجلس في حالة انعقاد (المادة 111). ومكّنته المادة 101 من إعلان حالة الطوارئ أو إلغائها، بينما جعلته المادة 94 مسؤولًا عن رسم السياسة الخارجية والإشراف على تطبيقها بعد التّشاور مع الحكومة. ومن الجدير بالذكر أن حالة الطوارئ أُعلنت مع قدوم حزب البعث إلى السلطة عام 1963 واستمرت إلى ما بعد وفاة الأسد حتى عام 2012. وقد ترتب على ذلك سلطات أكبر للرئيس الذي تمكن من تجاوز السلطة التشريعية وإصدار القرارات من دون الاضطرار إلى العودة إلى مجلس الشعب. وأعطت حالة الطوارئ قوّة كبيرة للأجهزة الأمنية على حساب السلطة القضائية ([51]).

في عام 1971 أسّس حافظ الأسد ما عرف بالجبهة الوطنية التقدمية، وهي تجمع ائتلافي يضم حزب البعث والأحزاب (التقدّمية) الأخرى في سورية. وقد ألّفت الجبهة بقيادة البعث المساحة الوحيدة المسموح بها للمارسة السياسية الحزبية، ونصّ ميثاقها على أن تكون الممثل لقيادة الدولة السياسية، وأن مهماتها تتضمن إقرار مسائل الحرب والسلام، والمصادقة على الخطط الخمسية، ورسم التوجه السياسي العام للدولة. لكن واقع الأمر أنه لم يكن للجبهة الوطنية التقدمية أو لمجلس الشعب أي وزن حقيقي في عملية صناعة القرار، وإنما كان الغرض الأساس لكليهما إعطاء (غطاء ديمقراطي) ومظهر تعددي لمؤسسات الدولة التي كانت تؤدي جميعها في حقيقة الأمر إلى الرئيس الأسد. استمر العمل بالدستور السوري من دون أي تعديل ذي معنى حتى وفاة الأسد عام 2000، إذ مثّل ذلك غطاءً قانونيًا للهيمنة البعثية بقيادة الأسد للحياة على الحياة السياسية في سورية ([52])([53]).

في العاشر من حزيران/ يونيو عام 2000 توفّي حافظ الأسد، الذي أصبح أطول الرؤساء حكمًا في تاريخ سورية؛ بعد ذلك بيومٍ واحد، انتقلت الرئاسة إلى ابنه بشار. وقد تضمنت إجراءات نقل السلطة تعديل المادة 83 من الدستور التي اشترطت أن يكون عمر الرئيس 40 عامًا على الأقل عند تسلمه الحكم، ليصبح وفقًا للتعديل 34 عامًا، سن بشار الأسد حينئذٍ. ورُقِّيَ الأخير وفقًا للمرسوم رقم 9 من رتبة عقيد ركن إلى رتبة فريق أول ركن ليصبح القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة وهو شرط آخر للرئاسة. أخيرًا وافق مجلس الشعب بالإجماع على ترشيح بشار الأسد الذي طرح لاحقًا لاستفتاءٍ شعبي حقق فيه نسبة 97.92 في المئة من الأصوات. وقد أتت ترتيبات عملية انتقال السلطة وما اتسمت به من سرعة وسلاسة لتظهر حقيقة مأسسة السلطوية في سورية وعمق سيطرة البعث على الدولة ومؤسساتها ([54]). وقد أثار توريث السلطة حينئذٍ جدلًا واسعًا وتنبؤات حول ما إذا كانت سورية ستستمر ضمن النهج السلطوي ذاته أو ستتخذ نهجًا إصلاحيًا جديدًا، إذ برز الأسد خلال سنوات حكمه الأولى قائدًا شابًا براغماتيًا منفتحًا -نظرًا إلى دراسته في الغرب- قد يحدث ثورة في واقع سورية السياسي والاقتصادي، وقد ساهمت تلك الصورة في رفع سقف التوقعات لدى كل من الجماهير السورية والمجتمع الدولي. وأتت سلسلة الإصلاحات التي شرع الأسد بها -على الرغم من أنها لم تكن جذرية- لتجسّد التزامًا جديًا بتطوير البلاد وتحديثها إذ تضمّنت مقاربته للإصلاح عملية لبرلة اقتصادية انفتح من خلالها على الاستثمارات الخاصة، ومن ثم حوّل اقتصاد البلاد إلى اقتصاد السوق الاجتماعي. في الوقت ذاته، بدأت عملية انفتاح سياسي على نطاق محدود شمل تعديل ميثاق الجبهة الوطنية التقدمية للسماح بضم أحزاب أكثر تحت مظلتها، وتعديلات حكومية طالت مسؤولين كبارًا، وشمل الإعلان أن يتوقّف حزب البعث عن التّدخّل في إدارة شؤون الدولة اليومية. إضافةً إلى ذلك، أعطي هامش أكبر للنقد السياسي وحريتي التعبير والتجمّع ([55]).

إلّا أن وجهة نظرٍ أخرى بدت متشائمةً منذ البداية حول أثر تلك الإصلاحات في بنية النظام وتركيبته السلطوية، مفترضةً أن أي إصلاح حقيقي سيترتب عليه تهديد وجودي للنظام ([56]). وقد رأى بعض أصحاب وجهة النظر تلك أن حكم بشار الأسد ليس سوى امتداد لحكم والده، وأن عدم وجود نيّة جدية للإصلاح بدا جليًا بعد أن أثارت الحركة التي عُرفت بــ (ربيع دمشق) ردة فعل عنيفة من السطات السورية عام 2001. ضمّت الحركة مئاتٍ من مثقفي سورية وشخصيات من المجتمع المدني البارزة فيها من الذين وقعوا ما سمي بـ(عريضة الألف)؛ إذ تضمنت العريضة مطالب عدة موجهة إلى الرئيس الأسد كان على رأسها رفع قانون الطوارئ المطبق منذ عام 1963، والإفراج عن المعتقلين السياسيين ومعتقلي الرأي كافة، إلى جانب إصلاحات قانونية تسمح بإيجاد بيئة سياسية تعددية. لكن سرعان ما سُحِقت الحركة واعتقل عدد من أعضائها بتهمة (محاولة تغيير الدستور بطرائق غير قانونية) ([57]).

في حين رأى بعضهم أن الأسد لم يمتلك أي نيّة جدّيّة لإجراء إصلاحات شاملة قد تعرض مستقبل حكمه للخطر، رأى آخرون أن رغبته في الإصلاح واجهت عوائق كبيرة كان من أهمها (حرس النظام القديم) الذين أبدوا معارضةً صلبةً لأي تغيير، إضافةً إلى تركةٍ هائلة من المشكلات البنيوية التي كانت أكبر من (نيات الأسد الطيبة) ([58]). وقد عُدّت هذه العوائق السبب الرئيس وراء اختيار الأسد للنموذج الصيني في الإصلاح التدريجي، الذي لا يترافق فيه الإصلاح الاقتصادي بالضرورة بإصلاح سياسي، لكنّ الأسد لم يأخذ بالحسبان الوقت الطويل الذي يتطلبه تطبيق هذا النموذج، الذي لم يكن في مصلحة نظامه ([59]).

أتى العقد الأول من حكم بشار الأسد ليخّيّب الآمال والتوقعات التي رافقت بدايته، فلم يفشل التطوير والتحديث الذي نقل من خلاله نظام البعث إلى (ما بعد السلطوية الشعبوية) في إصلاح العيوب البنيويّة في الدّولة فحسب، وإنما خلق مشكلات أخرى ترتّبت عليها انعكاسات كبرى في مستويات عدّة. فما لبث الانفتاح السياسي الموعود أن بدأ بالتلاشي، ومعه حكم القانون واحترام حقوق الإنسان. بالتوازي، أدّت اللبرلة الاقتصادية إلى حرية استثمار أصبحت حكرًا على فئة صغيرة من رؤوس الأموال المقربة من النظام. وقد كشف ذلك طبيعة الفساد ونظام المحسوبيات وعمق جذورهما في مؤسسات الدولة. وأدى التحول غير المحسوب إلى اقتصاد السوق الاجتماعي إلى زيادة ثروة الطبقة البرجوازية في المدن الكبرى، في حين ترك سكان الأرياف عرضة ليس للفقر فحسب وإنما للتعبئة ضد النظام. وكان لإجراءات أخرى كالتوسع الانتقائي للقطاع الخاص الأثر ذاته في زيادة الفجوة ونسب التفاوت بين طبقات المجتمع. ذلك إضافة إلى زيادة نسب التجارة الحرّة مع الصّين وتركيا، ما أضرّ ضررًا كبيرًا بالمجتمع الصّناعي المحلي ([60]). ترتّب على ذلك كله نتائج كارثيّة في نهاية المطاف، إذ رزح نحو 30 في المئة من السكان تحت خط الفقر، بينما قفزت نسب التفاوت من 33.7 في عام 1997 إلى 37.4 في عام 2004([61])، وقد أتت موجة الجفاف التي ضربت شرق البلاد في عام 2006 لتزيد الوضع سوءًا، فقد تركت ما يقارب 95 في المئة من سكان المنطقة بحاجة إلى مساعدات عاجلة، وأجبرت نحو مليون شخص على الهجرة إلى المدن الكبرى التي فشلت في استيعاب هذا العدد الهائل من الوافدين الذين كانوا بأغلبيتهم من الفلاحين، ما رفع نسب البطالة المرتفعة أصلًا ([62]) رفعًا كبيرًا. تدريجًا، بدأ النظام بخسارة قواعده الجماهيرية، لا سيما ضمن الأرياف التي كانت من أكبر مناصري البعث منذ وصوله إلى السلطة، فأصبحت تلك الشريحة المتضرّرة من العوامل السّالف ذكرها معبأة للثّورة ضدّ النّظام، حتّى جاءت انطلاقة الربيع العربي لتؤمّن السياق الذي شجّع الجمهور في النّزول إلى الشارع. لكن حتى مع ما أنذر به ذلك من عواقب، فشلت مؤسسات الدولة فشلًا ذريعًا في التعاطي مع الاحتجاجات أو حتى الإنصات إلى مطالب المحتجين، فبدلًا من البدء بحوار مع مجموعات المعارضة وممثلي الشارع والشروع بعملية إصلاح حقيقي، أتت استجابة النظام واستخدامه للعنف المفرط لتثبت أن النظام لم ينوِ المساومة أو التغيير ولم يكن مستعدًا لها.

لاحقًا، وتحت ضغطٍ متزايد على كل من الصعيدين المحلي والدولي، أعلن الأسد حزمة من الإصلاحات عام 2012 تألّفت من مجموعة من القوانين والمراسيم التي تعلقت بالإعلام والإدارة المحلية وقانون الانتخابات؛ وعُيِّنت لجنة لصوغ دستور جديد للبلاد أُقِرَّ بالفعل باستفتاء شعبي أجري في شباط/ فبراير من العام ذاته. تضمّن الدستور الجديد تغييرات مهمة كان منها إلغاء المادة الثامنة من الدّستور، وطرح قانون أحزاب تعددي جديد، إضافةً إلى رفع حالة الطوارئ التي استمرت 48 عامًا واستبدل بها قانونًا لـ(مكافحة الإرهاب). لكن المعارضة رفضت كلًا من الدستور والإصلاحات التي رافقته لتأخرها ولكونها إصلاحات (زائفة). وقد تمحور الاعتراض حول الإطار الدستوري وصيغته التي عُدّت محاولة من نظام الأسد لإخماد الثورة واستعادة الشرعية الدولية من دون أن تعكس أي تغيير حقيقي في تركيبة النظام ([63])([64]). فعلى الرغم من إلغاء المادة الثامنة وكسر احتكار حزب البعث للحياة السياسية في سورية، استمرّت مواد الدّستور الجديد وأحكامه في إعطاء الرئيس سلطات واسعة لا تخضع للتدقيق أو الرقابة المؤسساتية؛ فعلى سبيل المثال، بقي الرئيس قائدًا أعلى للجيش والقوات المسلحة، إضافةً إلى كونه رئيسًا للمجلس القضائي الأعلى (السلطة الوحيدة القادرة على إحالته على المحاكمة) والمسؤول عن تعيين أعضائه السبعة. شمل الدستور أيضًا صلاحيات تمكن الرئيس من حل مجلس الشعب وسنّ القوانين وتعيين أعضاء المحكمة الدستورية العليا. وقد هدفت (ثغرات) دستورية أخرى إلى منع أي منافسة محتملة للرئاسة، فخلافًا لسابقه، اشترط الدستور الجديد على من ينوي الترشح لمنصب رئيس الجمهورية أن يكون من المقيمين في الأراضي السورية، ما يطعن بأهلية آلاف الشخصيات المعارضة التي أجبرت على الإقامة في الخارج قبل انتفاضة عام 2011([65]) وخلالها. على الرغم من ذلك، أقر الدستور باستفتاءٍ شعبي، وأجريت انتخابات تشريعية بعد ذلك بمدة وجيزة حصد فيها حزب البعث أغلبية المقاعد ضمن مجلس الشعب. وفي عام 2014، أعيد انتخاب بشار الأسد لولاية رئاسية ثالثة وسط صراعٍ مُسلح بدأ حركةً احتجاجية سلمية ضدّ حكمه.

 

رابعًا: نتائج الدراسة

  • في ضوء هذه القراءة التاريخية يمكن القول إن سورية اتصفت تاريخيًا بحياة دستورية ومؤسساتية شبه معدومة كانت في أفضل أحوالها إقصائية وغير فاعلة، وفي أسوأ أحوالها تحول فيها الدستور والمؤسسات إلى أدوات تهدف إلى مأسسة نظام حكم سلطوي وشرعنته. فقد فشلت الجمهورية الأولى فشلًا واضحًا، على الرغم من طابعها ودستورها الديمقراطيين ، في إنتاج بنية مؤسساتية شاملة بإمكانها التّكيّف مع زخم التطورات السياسية والاجتماعية والاقتصادية وسرعتها، أو استيعاب الحياة السياسية النشطة وحال الاستقطاب خلال تلك المرحلة، إذ أدّت طبيعة تلك المؤسسات الأوليغارشية إلى احتكار نخب سورية التقليدية للحياة السياسية وإقصاء الطبقتين الوسطى والدنيا، ما ترك جماهيرهما عرضةً للتعبئة على يد أيديولوجيات اليسار الراديكالية التي انتهزت الفرصة ودأبت لحشد أبناء هاتين الطبقتين ضدّ ما عدّوه نظامًا رأسماليًا حليفًا للإمبريالية الغربية. لم تتمكن مؤسسات الدولة الهشة في النهاية من الصمود في وجه عوامل التدهور الاقتصادي وحالة الاستقطاب السياسي المتزايد وموجة العداء اليساري للغرب التي استلهمت من النموذج السوفياتي وصعود جمال عبد الناصر إلى السلطة.
  • على نحوٍ مشابه، فشلت الجمهورية العربية المتحدة في تجاوز الاختلافات الكبيرة بين طبيعة قطريها السوري والمصري، واستيعاب المجموعات والقوى السياسية المتنوعة في سورية. وكانت النتيجة أن أدّت مركزية السلطة إلى خلق شعور بالإقصاء لدى النخب السياسية السورية التي عانت خيبة أمل كبرى بنموذج الوحدة بقيادة عبد الناصر. لكن وعلى الرغم من قصر عمرها، ألّفت الجمهورية العربية المتحدة نقطةً مفصلية في تاريخ سورية كان من نتائجها الانحراف عن مسار الشرعية الدستورية الذي اتسمت به الجمهورية الأولى، واستيراد نموذج الدولة المركزية المصري المتمثل بحزبٍ واحد يحتكر إدارة الدولة سياسيًا واقتصاديًا. وقد انعكس ذلك إلى حد كبير في شكل الحراك السياسي والاجتماعي والمدني وتطوره في سورية.
  • على عكس ما سلف، حاولت جمهورية البعث الثالثة تلافي الأخطاء السابقة من خلال العمل على مأسسة نموذجها السلطوي الذي جسّده نظام رئاسي فردي وشرعنه بإطار دستوري قانوني، إذ نجح الائتلاف الطائفي والطبقي الذي أنشأه حافظ الأسد في إخماد أي معارضة محتملة من خلال ضم أغلبية الشرائح السياسية والمجتمعية في سورية. وفي النهاية أخذت الدولة شكلًا مركّبًا تتمثّل فيه السلطة من طبقتين ([66]): تضمّ الطبقة الأولى مظهرًا خارجيًا اعتياديًا للأجهزة الحكومية ومؤسسات الدولة التي يأخذ كل منها مكانه بحسب تسلسل هرمي واضح ينص عليه الدستور؛ من أبرز تلك المؤسسات المؤسسة الرئاسية ومجلس الشعب ومجلس الوزراء. لكن على الرغم من صوريّتها، يكون الهدف الرئيس من هذه الطبقة أن تضفي عنصري الشرعية والقانونية على النظام، إضافةً إلى كونها جزءًا رئيسًا من ائتلافه السوسيو-سياسي، وتؤدي دورًا مهمًا في إعطاء صورة حركية للسلمين السياسي والاجتماعي وإمكان المشاركة في صناعة القرار، إذ سمح النظام لأنصاره من الأطياف كافة بأن يشغلوا مناصب ضمنها. لكن يوجد وراء هذا المظهر الخارجي طبقة أخرى تعكس عملية صناعة القرار الحقيقية، وتتألف من رؤساء الأجهزة الأمنية وقيادات الجيش والحزب، إلى جانب دائرة الرئيس الضيقة، وتمثّل بمكوناتها حامل القوّة الرئيس للنظام. إلا أن شكل الدولة الهرمي يجعل من الطبقتين كليهما تقودان في النهاية إلى الرئيس.
  • برهن العقد الأخير للجمهورية الثالثة في حكم بشار الأسد بأن بنيتها تلك -على الرغم مما بدت عليه من قوة- لم تكن بنية مستدامة. فقد كشفت عملية ترقية النظام إلى (مابعد السلطوية الشعبوية) بتبني نموذج مشابه للنموذج الصيني في اللبرلة الاقتصادية غير المترافقة مع انفتاح سياسي يذكر الهشاشة التي عانتها مؤسسات الدولة، وبدت جليةً أكثر بعد انطلاق الاحتجاجات عام 2011([67]). إذ أدت لبرلة الاقتصاد التي جعلت حرية الاستثمار حكرًا على دائرة ضيقة من المقربين من النظام إلى تأجيج مشكلات مؤسساتية عدة متأصّلة كالفساد الهائل ونظام المحسوبيات. وكانت النتيجة أن تركت تلك السياسات فئات مجتمعية كبيرة عرضة ليس للفقر والبطالة والتفاوت الطبقي فحسب، وإنما للتعبئة ضدّ النظام. في الوقت ذاته، أخذ وهم الانفتاح السياسي بالتبدّد مع ازدياد القبضة الأمنية وتضييق الخناق على الأصوات المعارضة.

   وقد شكّل ذلك كله في النهاية فشلًا مؤسساتيًا كان من ضمن مجموعة العوامل التي أدت إلى سخط شعبي متزايد، فيما شكّل الرفض المستمر للمطالب بإصلاح حقيقي والاستجابة العنيفة للاحتجاجات فشلًا مؤسساتيًا آخر أدى بالبلاد إلى الانزلاق إلى أتون الحرب الأهلية والصراع المسلح.


قائمة المراجع

  • Aflaq, Michel. 1963. Ma’arakat al-Masir al-Wahid (Struggles of the common destiny). Damascus: Dar al-Adab.
  • Alfattal, Rouba. 2012. “Syria’s Electoral Politics: The Relevance of a Presidential System”. Strategic Communication and Research Center. http://strescom.org/
  • Barout, Jamal. 2011. “The Last Decade in Syria: The debate about Ossification and Reform”. Arab Center for Research & Policy Studies.
  • Bibi, Sami and Mustapha Nabli. 2010. “Equity and Equality in the Arab Region”. ERF Policy Research Report. PPR No 33. Egypt: Economic Research Forum.
  • Darwisheh, Housam. 2013. “Deciphering Syria’s Power Dynamics and Protracted Conflict”. In the Middle East Turmoil and Japanese Response. Edited by Hitoshi Suzuki, 166-190. Chiba: Institute of Developing Economies.
  • El Laithy, Heba, and Khalid Abu-Ismail. 2005. Poverty in Syria: 1996-2004: Diagnosis and Pro-Poor Policy Considerations. United Nations Development Programme.
  • Fares, Qais. 2014. “The Syrian Constitution: Assad’s Magic Wand”. Carnegie Endowment for International Peace.
  • Heller, Peter B. 1974. “The Permanent Syrian Constitution of March 13, 1973”. Middle East Journal28 (1). Middle East Institute: 53–66.
  • Hinnebusch, Raymond A. 2002. Syria: Revolution from Above. London: Routledge.
  • Hinnebusch, Raymond and Zintl, Tina. 2014. Syria from Reform to Revolt, Volume 1: Political Economy and International Relations.Syracuse: Syracuse University Press.
  • Jenkins, Andrea. 2013. “An Evaluation of the Constitutional Proposals in “Syria Transition Roadmap”. Syrian Economic Forum.

http://www.syrianef.org/En/2013/12/anevaluation-of-the-constitutional-proposals-in-syria-transition-roadmap/.

  • Jundi, Sami. 1969. al-Ba’th. Beirut: Dar al-Nahar.
  • Keilany, Ziad. 1973. “Socialism and Economic Change in Syria”. Middle Eastern Studies 9 (1): 61-72. doi:10.1080/00263207308700228.
  • Leverett, Flynt Lawrence. 2005. Inheriting Syria. Washington, D.C.: Brookings Institution Press.
  • Ma’oz, Moshe. 1988. Asad: The Sphinx of Damascus. London: Weidenfeld and Nicolson.
  • Palmer, Monte. 1966. “The United Arab Republic: An Assessment of Its Failure.” Middle East Journal20 (1): 50-67.
  • Rubin, Barry M. 2007. The Truth About Syria. New York, N.Y.: Palgrave Macmillan.
  • Shubat, Fou’ad. 1970. Constitutional Life in Syria (Alhaya Al-Dusturia fi Suryia). Damascus: Damascus University Press.
  • Stacher, Joshua. 2011. “Reinterpreting Authoritarian Power: Syria’s Hereditary Succession”. The Middle East Journal 65 (2): 197-212. doi:10.3751/65.2.11.
  • Stephens, Robert Henry. 1972. Nasser: A Political Biography. New York: Simon and
  • Van Dusen, Micheal. 1975. “Downfall of A Traditional Elite”. In Political Elites and Political Development in The Middle East, 1st ed., 115-155. Cambridge Mass: Schenkman/Wiley.
  • Ziadeh, Radwan. 2011. Power and Policy in Syria. London: Tauris Academic Studies.
  • Zisser, Eyal. 1998. “Appearance and Reality: Syria’s Decision making Structure”. Middle East Review of International Affairs 2 (2): 29-41.

([1]) Rubin, Barry M. 2007. The Truth About Syria. New York, N.Y.: Palgrave Macmillan, p: 33.

([2]) Keilany, Ziad. 1973. “Socialism and Economic Change In Syria”. Middle Eastern Studies 9 (1): 61-72. doi:10.1080/00263207308700228.

([3]) Hinnebusch, Raymond A. 2002. Syria: Revolution from Above. London: Routledge.p:24-25.

([4]) Ziadeh, Radwan. 2011. Power and Policy In Syria. London: Tauris Academic Studies.p:33.

([5]) Rubin, Barry M. 2007. The Truth About Syria. New York, N.Y.: Palgrave Macmillan, p: 33.

([6]) Shubat, Fou’ad. 1970. Constitutional Life in Syria (Alhaya Al-Dusturia fi Suryia).Damascus: Damascus University Press. P: 132.

([7]) Khadduri, Majid. “Constitutional Development in Syria: With Emphasis on the Constitution of 1950.” Middle East Journal 5, no. 2 (1951): 137-60.p:152-153.

([8]) Rubin, Barry M. 2007. The Truth About Syria. New York, N.Y.: Palgrave Macmillan, p: 33.

([9]) Shubat, Fou’ad. 1970. Constitutional Life in Syria (Alhaya Al-Dusturia fi Suryia). Damascus: Damascus University Press. P: 134.

([10]) Jenkins, Andrea. 2013. “An Evaluation of the Constitutional Proposals in “Syria Transition Roadmap”. Syrian Economic Forum. http://www.syrianef.org/En/2013/12/an evaluation-of-the-constitutional-proposals-in-syria-transition-roadmap/.

([11]) Khadduri, Majid. “Constitutional Development in Syria: With Emphasis on the Constitution of 1950.” Middle East Journal 5, no. 2 (1951): 137-60. p: 154.

([12]) Jenkins, Andrea. 2013. “An Evaluation of the Constitutional Proposals in “Syria Transition Roadmap”. Syrian Economic Forum. http://www.syrianef.org/En/2013/12/an evaluation-of-the-constitutional-proposals-in-syria-transition-roadmap/.

([13]) Shubat, Fou’ad. 1970. Constitutional Life in Syria (Alhaya Al-Dusturia fi Suryia). Damascus: Damascus University Press. P: 133.

([14]) Khadduri, Majid. “Constitutional Development in Syria: With Emphasis on the Constitution of 1950.” Middle East Journal 5, no. 2 (1951): 137-60.p: 158.

([15]) Shubat, Fou’ad. 1970. Constitutional Life in Syria (Alhaya Al-Dusturia fi Suryia). Damascus: Damascus University Press. P: 132.

([16]) Jenkins, Andrea. 2013. “An Evaluation of the Constitutional Proposals in “Syria Transition Roadmap”. Syrian Economic Forum. http://www.syrianef.org/En/2013/12/an evaluation-of-the-constitutional-proposals-in-syria-transition-roadmap/.

([17]) Khadduri, Majid. “Constitutional Development in Syria: With Emphasis on the Constitution of 1950.” Middle East Journal 5, no. 2 (1951): 137-60. p: 159.

([18]) Jenkins, Andrea. 2013. “An Evaluation of the Constitutional Proposals in “Syria Transition Roadmap”. Syrian Economic Forum. http://www.syrianef.org/En/2013/12/an evaluation-of-the-constitutional-proposals-in-syria-transition-roadmap/.

([19]) Hinnebusch, Raymond A. 2002. Syria: Revolution from Above. London: Routledge.p:35-36.

([20]) Ibid, 36

([21]) Ziadeh, Radwan. 2011. Power and Policy in Syria. London: Tauris Academic Studies.

([22]) Darwisheh, Housam. 2013. “Deciphering Syria’s Power Dynamics and Protracted Conflict”. In the Middle East Turmoil and Japanese Response. Edited by Hitoshi Suzuki, 166-190. Chiba: Institute of Developing Economies.

([23]) Rubin, Barry M. 2007. The Truth About Syria. New York, N.Y.: Palgrave Macmillan, p: 34-37.

([24]) Hinnebusch, Raymond A. 2002. Syria: Revolution from Above. London: Routledge, p: 36.

([25]) Ibid, 38

([26]) Ziadeh, Radwan. 2011. Power and Policy in Syria. London: Tauris Academic Studies.

([27]) Ibid, 3-4

([28]) Palmer, Monte. 1966. “The United Arab Republic: An Assessment of Its Failure.” Middle East Journal 20 (1), p: 51.

([29]) Ibid, 54-57

([30]) Hinnebusch, Raymond A. 2002. Syria: Revolution from Above. London: Routledge, p: 41.

([31]) Shubat, Fou’ad. 1970. Constitutional Life in Syria (Alhaya Al-Dusturia fi Suryia). Damascus: Damascus University Press. P: 13.8

([32]) Palmer, Monte. 1966. “The United Arab Republic: An Assessment of Its Failure.” Middle East Journal 20 (1), p: 53.

([33]) Rubin, Barry M. 2007. The Truth About Syria. New York, N.Y.: Palgrave Macmillan, p: 34-37.

([34]) Palmer, Monte. 1966. “The United Arab Republic: An Assessment of Its Failure.” Middle East Journal 20 (1), p: 55.

([35]) Hinnebusch, Raymond A. 2002. Syria: Revolution from Above. London: Routledge, p: 40.

([36]) Stephens, Robert Henry. 1972. Nasser: A Political Biography. New York: Simon and Schuster.p:337.

([37]) Aflaq, Michel. 1963. Ma’arakat al-Masir al-Wahid (Struggles of the common destiny). Damascus: Dar al-Adab. p: 199.

([38]) Jundi, Sami. 1969. al-Ba’th. Beirut: Dar al-Nahar.p:100-103.

([39]) Hinnebusch, Raymond A. 2002. Syria: Revolution from Above. London: Routledge, p: 43.

([40]) Ibid

([41]) Van Dusen, Micheal. 1975. “Downfall of A Traditional Elite”. In Political Elites and Political Development in The Middle East, 1st ed., 115-155. Cambridge Mass: Schenkman/Wiley.

([42]) Hinnebusch, Raymond A. 2002. Syria: Revolution from Above. London: Routledge, p: 44.

([43]) Ibid, 45

([44]) Shubat, Fou’ad. 1970. Constitutional Life in Syria (Alhaya Al-Dusturia fi Suryia). Damascus: Damascus University Press. P: 143.

([45]) Ibid, 144.

([46]) Hinnebusch, Raymond A. 2002. Syria: Revolution from Above. London: Routledge, p: 46.

([47]) Darwisheh, Housam. 2013. “Deciphering Syria’s Power Dynamics and Protracted Conflict”. In the Middle East Turmoil and Japanese Response. Edited by Hitoshi Suzuki, 166-190. Chiba: Institute of Developing Economies. p:5.

([48]) Ibid, 6-7

([49]) Ziadeh, Radwan. 2011. Power and Policy in Syria. London: Tauris Academic Studies. p:14.

([50]) Hinnebusch, Raymond A. 2002. Syria: Revolution from Above. London: Routledge, p: 63-64.

([51]) Heller, Peter B. 1974. “The Permanent Syrian Constitution of March 13, 1973”. Middle East Journal 28 (1). Middle East Institute, p: 53.

([52]) Rubin, Barry M. 2007. The Truth About Syria. New York, N.Y.: Palgrave Macmillan, p: 45.

([53]) Ma’oz, Moshe. 1988. Asad: The Sphinx of Damascus. London: Weidenfeld and Nicolson.p:50.

([54]) Leverett, Flynt Lawrence. 2005. Inheriting Syria. Washington, D.C.: Brookings Institution Press.

([55]) Ibid, p:57-98.

([56]) Hinnebusch, Raymond A. 2002. Syria: Revolution from Above. London: Routledge, p: 161.

([57]) Ziadeh, Radwan. 2011. Power and Policy in Syria. London: Tauris Academic Studies. p :68.

([58]) Ibid, 49

([59]) Leverett, Flynt Lawrence. 2005. Inheriting Syria. Washington, D.C.: Brookings Institution Press. p: 94-98

([60]) Hinnebusch, Raymond and Zintl, Tina. 2014. Syria from Reform to Revolt, Volume 1: Political Economy and International Relations. Syracuse: Syracuse University Press. p: 292-93.

([61]) Bibi, Sami and Mustapha Nabli. 2010. “Equity and Equality in the Arab Region”. ERF Policy Research Report. PPR No 33. Egypt: Economic Research Forum. p: 40.

([62]) Darwisheh, Housam. 2013. “Deciphering Syria’s Power Dynamics and Protracted Conflict”. In the Middle East Turmoil and Japanese Response. Edited by Hitoshi Suzuki, 166-190. Chiba: Institute of Developing Economies. p; 11.

([63]) Fares, Qais. 2014. “The Syrian Constitution: Assad’s Magic Wand”. Carnegie Endowment for International Peace.

([64]) Alfattal, Rouba. 2012. “Syria’s Electoral Politics: The Relevance of a Presidential System”. Strategic Communication and Research Center. http://strescom.org/

([65]) Ibid

([66]) Zisser, Eyal. 1998. “Appearance and Reality: Syria’s Decision making Structure”. Middle East Review of International Affairs 2, p: 36.

([67]) Barout, Jamal. 2011. “The Last Decade in Syria: The debate about Ossification and Reform”. Doha. Arab Center for Research & Policy Studies. p; 3-6