عنوان المادة الأصلي باللغة الإنكليزية: Al-Qaeda’s Turning Against its Syrian Affiliate
اسم الكاتب تشارلز ليستر

Chales Lister

مصدر المادة الأصلي معهد الشرق الأوسط

Middle East Institute

رابط المادة http://www.mei.edu/content/article/al-qaeda-s-turning-against-its-syrian-affiliate
تاريخ النشر   18 أيار/ مايو 2017
المترجم أنسى عيسى

 

 

 

المحتويات

ليس ذلك بالأمر السهل

رهان الجولاني وإعادة التسمية رقم 1

الهجوم الوقائي وإعادة التسمية رقم 2

نموذجان متباينان

أفق

 

 

(هنالك مشكلات كبيرة الآن حقًا)، كان ذلك ما أخبرني به رجل دين إسلامي محافظ مقرب من المعارضة السورية المسلحة، (تحاول القاعدة تأليف فصيل جديد موالٍ في إدلب، الأمر الذي تمنع الهيئة حدوثه). وفقًا لوصف رجل الدين ذي النفوذ ذاك، وبحسب أربع شخصيات أخريات إسلامية معارضة وثيقة الصلة خلال الأيام الأخيرة، فإن استياء قيادة القاعدة المركزية يتنامى بسرعة ضد فرعها السوري السابق -المسمّى الآن (هيئة تحرير الشام) بعد إعادة تسميته في كانون الثاني/ يناير 2017- وهي تسعى الآن سعيًا نشيطًا لبناء حركة منافسة أكثر ولاء لفرع القاعدة العابر للحدود ولرؤيته الاستراتيجية. وأخبرني قائد عسكري إسلامي رفيع المستوى قائلًا: «تعارض القاعدة بقوة رؤية تحرير الشام، وستتخلى عن نجدتها». تحدثت تلك المصادر الخمسة كلها لي بشرط إخفاء أسمائها؛ نظرًا إلى حساسية الموضوع، إضافة إلى التزايد الحاصل مؤخرًا في الاغتيالات والتهديدات شمالي غرب سورية.

وفقًا لتلك المصادر، فإن قيادة القاعدة المركزية خارج سورية لم تعد تصنف هيئة تحرير الشام بمنزلة فرعها الرسمي لسببين: لأن الهيئة المذكورة قد قبلت -وفقًا لمعايير القاعدة- مستويات غير كافية من النقاء في هيكليتها، وفي خطابها، ورؤيتها، وممارستها، ولأن قيادتها الرئيسة قد نقضت -وفق الادعاءات- قسمها بالولاء الديني لقائد القاعدة أيمن الظواهري.  تعود جذور ذلك الخلاف على الاستراتيجيات إلى ما لا يقل عن شهر تموز/ يوليو 2016، وذلك عندما اختار فرع القاعدة المعلن (جبهة النصرة) إعادة تسميته بجبهة فتح الشام، وادعى قطع صلاته الخارجية بالقاعدة. سمح نائب قائد القاعدة أبو الخير المصري، الذي كان متمركزًا في سورية، وبارك تلك الخطوة مباركة علنية في ذلك الوقت. ولكن كثيرًا من الشخصيات المرتبطات بالقاعدة كشف علنًا -منذ ذلك الحين-  حقيقة عدم استشارة الظواهري في ذلك الأمر، وأنه كان قد رفض التغيير عندما اكتشف أن فرعه السوري قد أصبح جبهة فتح الشام بالقطيعة مع القاعدة، الأمر الذي أدى إلى الشقاق. وعن هذا أخبرني رجل دين إسلامي بارز: «لم يكن لدى الظواهري أي اتصال مباشر مع قائد النصرة (أبو محمد الجولاني) منذ أواخر عام 2014، كان كل شيء يجري عبر وسطاء»، وأضاف: «إنها مشكلة كبيرة، اتخذ الجولاني في كثير من المرات قراراته من دون إذن الظواهري. ليست هذه بالمشكلة الأولى بينهما، ولكنها الأكثر أهمية».

وجّه بيان صوتي للظواهري، أُطلق مؤخرًا في 23 نيسان/ أبريل، وكان موجهًا إلى مقاتلين في سورية؛ تحذيرًا صارخًا ضد اتباع أجندة متمركزة حول سورية -وهي الصورة التي سعى التطور من النصرة لجبهة فتح الشام لهيئة تحرير الشام لإبرازها إبرازًا علنيًا- ودعاهم إلى تقويم (أخطائهم)، وإعادة تبني أجندة عالمية (عابرة للحدود) بغرض تأمين (النصر). كان من الصعب ألا يرى ذلك رفضًا صريحًا لجبهة فتح الشام، ولمحاولات هيئة تحرير الشام الآن تقديم نفسها حركة إسلامية تسعى لتحقيق أهداف سورية محضة فحسب.

«يخادعونكم بأنكم إذا حولتم جهادكم إلى حرب وطنية سورية فسيرضى عنكم أكابر المجرمين. فالمراجعة والتصحيح هي أول خطوة في طريق النصر».

ليس سرًا أن تحول جبهة النصرة إلى جبهة فتح الشام لم يلقَ شعبية وسط دوائر الجماعة الأكثر تشددًا والتزامًا بالقاعدة. في الحقيقة، ووفقًا لما أخبرني به الناس الذين كانوا موجودين في القاعة في ذلك الوقت في أثناء تصويت مجلس شورى جبهة النصرة النهائي؛ فقد صوت حوالى نصف أعضاء القيادة بـ (لا)، وقام بعدئذ عشرات القادة المرموقين بترك المجموعة أو برفض تقلّد مناصب السلطة في جبهة فتح الشام. ومنذ ذلك الحين، انشق كثير من الشخصيات المهمة انشقاقًا علنيًا، معلنًا معارضته لإعادة التسمية تلك، كونها شكلت انحدارًا خطرًا أو تنازلًا عن نقاء المجموعة لمصلحة دعم المعارضة السورية.

وقيل لي إن عددًا من تلك الشخصيات المنشقّة يشارك مشاركة مركزية في محاولات القاعدة تأليف فصيل جديد متمركز في سورية، ومن بينها إياد الطوباسي (أبو جليبيب)، وسامي العريدي –كان أولهما مساعدًا لمدة طويلة من الزمن لأبي مصعب الزرقاوي مؤسس تنظيم داعش الأصلي، أما ثانيهما فهو رجل دين أردني مقرّب من منظّري القاعدة أبي محمد المقدسي وأبي قتادة الفلسطيني. وعن هذا ادعى أحد قادة أحرار الشام قائلًا: «إنهم بعض من أكثر الشخصيات أهمية، وما برحوا يلتقون بمقاتلي هيئة تحرير الشام المحبطين لكسب ثقتهم. وهذا ما كانت تفعله داعش بالضبط قبل مجيئها إلى سورية في محاولة منها لتقويض منافسيها بغرض كسب السلطة».

ليس ذلك بالأمر السهل

لقد خسرت القاعدة مسبقًا تابعًا لها في سياق الصراع في سورية (الدولة الإسلامية في العراق والشام في عام 2013)، وستكون خسارتها لتابع ثان ضربة قوية لمنزلتها على صعيد الجهاد العالمي.  لذلك، كيف وصلت حال الأمور إلى ما هي عليه؟.

منذ سنتين، لم يكن مُبالغًا بالقول إن جبهة النصرة كانت أكثر فروع القاعدة نجاحًا على الإطلاق؛ إذ تمكنت تلك المجموعة بحلول أواسط عام 2015 من بناء قوة قتالية عالية القدرة قوامها حوالى ثمانية آلاف إلى عشرة آلاف مقاتل موزعين في سورية؛ وألّفت فعليًا منذ أواخر عام 2012 قوة قيادية في انتصارات المعارضة الضخمة كلها ضد نظام الأسد. إضافة إلى ما سبق، قادت جبهة النصرة قيادة تشاركية خلال النصف الأول من عام 2015 سلسلة سريعة من الانتصارات الضخمة في محافظة إدلب شمالي غرب سورية، وبدا أنها تتمتع بقبول واسع ودعم في دوائر واسعة للمعارضة السورية. وكان لنجاح النصرة العسكري واقترانه بتحفظها النسبي في السلوك المتشدد -على الأقل مقارنة بالفروع الأُخَر في أماكن مختلفة من العالم-  أنْ وَضعَ القاعدة في موضع أساس لإعادة إدارة مشروع جهادي مستدام في سورية. وعلاوة على ذلك، مهد نجاح جبهة النصرة في سورية، وترافقه مع خضوع قيادة القاعدة المركزية للضغط، وعيشها بالخفاء في أفغانستان وباكستان؛ لفرصة لا تقدر بثمن لتحريك أجزاء رئيسة من قيادة القاعدة العالمية، وإحيائها باتجاه الأرض السورية المتموضعة تموضعًا مثاليًا على طول حدود أوروبا.

لكن مع ذلك، وجدت جبهة النصرة نفسها منذ أواخر عام 2015، في مواجهة كثير من التحديات المتشابكة التي كانت تهدد بإبطاء النجاح المنهجي المستقر. تجلت أشد تلك التحديات تأثيرًا في التطورات الحاصلة داخل جبهة النصرة نفسها، وفي المعارضة السياسية والمسلحة السورية الأوسع، وما بين أصحاب المصالح الخارجية في الصراع السوري. فرضت كل من العوامل الثلاثة السابقات تعقيدات على قدرة القاعدة في المحافظة على طبيعة استراتيجيتها طويلة الأمد، ومسارها في سورية. وزاد من تعقيد تلك العوامل مدى قدرة استخدام جبهة النصرة لـ (البراغماتية المحدودة) لتأمين سيطرة أكبر وغير قابلة للعكس في طيف المعارضة الواسع، الهدف الذي أطلقت عليه القاعدة (توحيد الصفوف). وبتعبير مختلف، كانت القاعدة تأمل أن يقوم تابعها السوري -في نهاية الأمر- ببناء ما يكفي من الثقة والصدقية داخل سورية لجعل الأغلبية من الناس، على الأقل في منطقة جغرافية واحدة، يتحدون تحت رايتها.

لكن في الوقت الذي اكتسبت فيه جبهة النصرة مزيدًا من النفوذ العسكري في ساحة المعركة، وجدت نفسها تصارع للوصول إلى طيف أوسع من السيطرة السياسية والاجتماعية في صفوف المعارضة، لكن تعريفها العلني بنفسها بوصفها فرعًا للقاعدة منذ انشقاقها عن داعش في نيسان/ أبريل 2013، أدى إلى توضيح حقيقة أن الطبيعة المثيرة للجدل لتنظيم القاعدة العابر للأمم الذي اعترفت النصرة بصلتها به؛ كان عاملًا منع أي تقدم باتجاه توحيد الصفوف منذ بدايات عام 2016.

عندما بدأ قادة جبهة النصرة المتدينون وعدد من رجال الدين المقربين من القاعدة والموجودين في تركيا عملية مشاورات خاطفة مع شخصيات إسلامية سورية في أواسط عام 2016 حول آفاق قيام إمارة إسلامية في شمال سورية، لاقت جبهة النصرة رفضًا شبه إجماعي، ومثّل ذلك تذكيرًا صارخًا بالتطور المحدود الحاصل في إطار عملية جعل الدوائر الإسلامية غير المنتمية للنصرة تتبنى رؤية جبهة النصرة في ما يخص سورية، وكانت القضية المفتاحية التي أثيرت خلال تلك المشاورات تتمثل في كون إنشاء الإمارة  مدفوعًا من جدول أعمال القاعدة على الصعيد العالمي أكثر من مصالح المعارضة السورية.

 

رهان الجولاني وإعادة التسمية رقم 1

قاد التراجع القوي الحاصل خلال جولة المحادثات القصيرة تلك إلى مرحلة من التفكير الداخلي، على الأقل ضمن دائرة جبهة النصرة التي يشار إليها بـ (اليمائم) التي تضم شخصيات من مثل نائب قائد النصرة السابق أبو ماريا القحطاني، وأمير حلب عبد الله السندي، إضافة إلى العنصر المؤسس الذي طُرد مؤخرًا صالح الحموي، الذي كان يدفع جبهة النصرة إلى تبني نهج أكثر وطنية وحساسية في المجتمع بهدف كسب القلوب والعقول في سورية.

قادت تلك (اليمائم) خلال شهر حزيران/ يونيو وبدايات شهر تموز/ يوليو لعام 2016، جهدًا ضاغطًا مكثفًا بالتوازي مع مجموعة من الشخصيات الإسلامية المستقلة؛ بهدف إجبار قائد النصرة أبو محمد الجولاني على النأي بنفسه عن القاعدة بطريق قطع الصلات مع الأطراف خارج سورية. وفي جزء من ذلك الجهد الضاغط، حصل الحموي والسندي والقحطاني وغيرهم -وفقًا لما أخبروني به في ذلك الوقت- على دعم أكثر من 3.000 مقاتل من النصرة شمالي سورية. وأخبرني الحموي أنه بحلول منتصف شهر تموز/ يوليو، واجه الجولاني بالفعل الإنذار الأخير: «إما أن يفك الارتباط (بالقاعدة)، ويندمج بالفصائل الإسلامية، أو أن يواجه عزلة اجتماعية وسياسية وعسكرية».

أثير هذا الموضوع في اجتماع لمجلس شورى النصرة إثارة عاجلة تقريبًا، وعلى الرغم من الخلاف الشديد والانقسام الفعلي بالنصف (50:50)، قررت الجماعة إعادة التسمية بعد إعطاء نائب قائد القاعدة مباركته لهذا الأمر. عدّ أولئك الذين قادوا جملة الجهد الضاغط تلك المباركة إذنًا رسميًا من القاعدة، الأمر الذي يتضح الآن بأنه كان سابقًا لأوانه. مثّلت تلك الخطوة رهان الجولاني؛ إذ رمت إعادة التسمية والادعاء بقطع الصلات الخارجية مع القاعدة إلى إقناع مزيد من المعارضين السوريين بأن جبهة فتح الشام لا تكترث إلا بالقضية السورية، وأنه ليس لديها أي أجندة جهادية عالمية. وعلى الرغم من أن بعضهم في الولايات المتحدة عدّها كذلك فعلًا، لم يؤسس ذلك محاولة لإزالة وسم الولايات المتحدة لتلك الجماعة بالإرهاب.

لقد فشل رهان الجولاني؛ إذ انتهت محاولات ثلاثة تاليات ساعية لتحقيق اندماجات أوسع في صفوف المعارضة -أو (لتوحيد الصفوف) – بطريقة لاذعة خلال النصف الأول من عام 2016؛ وفي الحقيقة تبيّن أن أكثر شركاء جبهة النصرة العسكريين ولاءً ونفاسًة، أي الجماعة السلفية السورية المعروفة باسم أحرار الشام؛ كانت الأصعب إقناعًا، وانتهت المبادرة الثالثة للتوحّد بطريقة مريرة مرارة خاصة؛ وذلك باتهام شخصيات من جبهة فتح الشام لأحرار الشام بكونهم دمية في أيدي القوى الخارجية (اقرأ: تركيا).

 

الهجوم الوقائي وإعادة التسمية رقم 2

كانت المقاربة التركية ذات أهمية خاصة؛ ففي الوقت الذي انتقلت فيه أنقرة إلى تبني موقف يمنح الأولوية لمصالحها القومية الخاصة في كثير من الأحيان على حساب المعارضة السورية، فقد سقطت مدينة حلب في أيدي النظام السوري وإيران وروسيا في أواخر شهر كانون الأول/ ديسمبر 2016، وعاد جزء كبير من الفضل في ذلك إلى اتفاق تركي مع موسكو. توقفت تركيا، بعد الاتفاق عن دعم المعارضة في حلب في مقابل السماح لها بالتدخل ضد داعش وقوات وحدات الحماية الشعبية الكردية في ريف حلب الشمالي. دُعم ذلك التدخل التركي -المعروف باسم درع الفرات- فعليًا من جانب المعارضة السورية في الشمال بأكملها، ما ترك جبهة فتح الشام في عزلة بعد رفضها القيام بالمثل. لقد رفضت جبهة فتح الشام -في الواقع- بشدة عملية درع الفرات والجماعات المشتركة فيها، إذ وسمت تلك الجماعات كلها- بما فيها أحرار الشام- بأنها تهديد كامن لثورة سورية، وهدّدت -من وراء الكواليس- بمهاجمتهم.

أُنجز ذلك التهديد في شهر كانون الثاني/ يناير 2017، وذلك عندما شنت جبهة فتح الشام هجمات منسقة ضد مجموعات معارضة مُتفحصّة أميركيًا ومدعومة تركيًا في كل من إدلب وريف حلب الغربي. بحلول ذلك الوقت، كان حلفاء جبهة فتح الشام العسكريون في المعارضة السورية قد زادوا من دورهم في عملية درع الفرات، وبدؤوا بحضور مفاوضات كازاخستان التي ترعاها روسيا، وخشيت الجبهة من أن تجبر تركيا مجموعات المعارضة على المشاركة بهجوم مدعوم خارجيًا ضد قواتها في إدلب. لم تكن تلك المخاوف من دون أساس بالكامل؛ فقد كان لجماعات المعارضة الرئيسة جميعها في إدلب وحماة وحلب اجتماعات مع الاستخبارات التركية، شدد عدد منها على إمكان القيام بعمليات معادية لجبهة فتح الشام في إدلب، وأخبرني عدد من قادة المعارضة بتلك اللقاءات عند حصولها في أواخر العام 2016.

حرضت اعتداءات جبهة فتح الشام على المعارضة شمالي غرب سورية في شهر كانون الثاني/ يناير 2017 مزيدًا من التعقيدات للجبهة نفسها؛ إذ اختار عدد من المجموعات الانضمام إلى أحرار الشام بغرض تأمين حمايتها، الأمر الذي منح أحرار الشام ما لا يقل عن 8.000 مقاتل إضافي. اشتبك أحرار الشام مع جبهة فتح الشام في ظل ذلك السياق المتوتر اشتباكًا متكررًا، وهددت الأولى في مناسبات عدة تهديدًا علنيًا وسريًا بإعلان الحرب على الجبهة. وبينما كان التوتر يتصاعد أكثر فأكثر، انشق حوالى 1.000 مقاتل وما لا يقل عن عشرات القادة عن أحرار الشام، والتحقوا بجبهة فتح الشام؛ لتؤسس الجبهة بأولئك المجندين الجدد، إضافة إلى أربع جماعات معارضة أخريات، حركة جهادية جديدة كليًا هي هيئة تحرير الشام. سمّت الحركة الجديدة عضو أحرار الشام المنشق هاشم الشيخ (أبو بكر) قائدها الجديد.

لذلك، في ستة أشهر، أعادت جبهة النصرة تسمية نفسها بصورة مثيرة للجدل، ولكن سلمية، لتصبح جبهة تحرير الشام (تموز/ يوليو 2016)، ومن ثم أسست بصورة عدائية حركة جديدة عبر اندماج كان محرضه العنف (كانون الثاني/ يناير 2017). في الوقت الذي بدا فيه الظواهري مستبعدًا من الخطوة الأولى، لم تكن له أي علاقة بالثانية. نما حجم الجماعة التي كانت تعرف بجبهة النصرة في وقت قصير، ووطدت سيطرتها على أراضيها، ولكنها أضرّت ضررًا كبيرًا بسمعتها في صفوف المعارضة السورية، وأضحت بتأسيسها هيئة تحرير الشام، مع أكثر عناصر أحرار الشام تشددًا من المنشقين وأربع مجموعات معارضة أخريات؛ حركة جهادية جديدة كليًا.

قامت هيئة تحرير الشام، في الأشهر التي سعت فيها لإعادة إحياء منزلتيها العسكرية والسياسية، بتأسيس مكتب سياسي، وبتنفيذ عمليات عسكرية عالية المستوى وأحادية الجانب، وكثفت جهد إرساء الحكم وتقديم الخدمات، وقامت وفقًا للادعاءات بإرسال مبعوث إلى قطر بغرض إقامة علاقة سياسية. لم تحسّن تلك الخطوات من صورة الهيئة داخل سورية، لكن يبدو أن قدرتها في الدفاع العدواني عن مصالحها وعن تفوق إمكاناتها العسكرية قد صان مركزها القوي في إدلب. ثم إنها قد وسّعت مؤخرًا نظام جباية الرسوم الضريبية والجمركية، ما يقترح حاجتها إلى تمويل إضافي للمحافظة على مشاركتها المتزايدة في الحكم.

 

نموذجان متباينان

هنالك قضيتان مفتاحيتان في هذا الوضع؛ أولًا، بُني تطور جبهة النصرة إلى هيئة تحرير الشام على فرضية أنه كان من الضروري القيام ببعض الأفعال للمحافظة على مشروع الجماعة طويل الأمد في الشمال السوري؛ إذ شعرت الجبهة بحاجتها إلى تدبيرات عدوانية لتأمين مصالحها، في الوقت الذي بدا فيه أن (توحيدًا للصفوف) واسع الطيف كان مستحيلًا، وبدت فيه الميول (الجيوبوليتيكية) التآمرية ضد المشروع الجهادي في سورية. من الممكن الحسم بأن التطور نحو هيئة تحرير الشام لم ينجم عنه أي اعتدال أيديولوجي ظاهر، ولكنه لم يؤدّ كذلك إلى زيادة أولوية تركيز الجماعة على سورية مقارنة بمصالحها الدولية (العابرة للأمم)؛ فما تزال هيئة تحرير الشام حركة سلفية جهادية ملتزمة، ولكنها تتبع علانية استراتيجية على خلاف مع تعاليم قيادة القاعدة المركزية. ومن ثَم، يبدو أن تلك القيادة قد تخلت عن محاولاتها التحكم بهيئة تحرير الشام، وها هي تسعى، بدلًا من ذلك، لخلق حركتها الموالية الخاصة بها التي ستلتزم ببرنامج عمل القاعدة العابر للأمم التقليدي.

أخبرني قائد إسلامي معارض ذو منزلة رفيعة أنّ: «الناس تحت نفوذ القاعدة الآن متطرفون حقيقيون، ولم يريدوا إطلاقًا العمل مع السوريين من أجل سورية، لطالما كانت لدينا مشكلات معهم من قبل، لكن قوتهم كانت محدودة لأنهم كانوا عاملًا واحدًا داخل النصرة فحسب. أما الآن، فهم يحددون أولوياتهم بأنفسهم، وليست ثورتنا بذات أهمية حقّة بالنسبة إليهم».

في الوقت الذي تبدو فية المحصلة الدقيقة لذلك الشقاق غير واضحة المعالم، فإن هيئة تحرير الشام تعدّ الفاعل ذا الأفضلية؛ إذ تعدّ بامتلاكها ما لا يقل عن 14.000 مقاتل بإمرتها إحدى أقوى فاعلي المعارضة المسلحة في البلاد، وأدت قدرتها على حماية مصالحها بشراسة في وقت مبكر من هذا العام إلى ثني أي أعمال ضخمة ضدها في حصنها في إدلب. باستطاعة هيئة تحرير الشام التخلي عن علامة القاعدة، وعن أي دعم تؤمنه تلك العلامة بسبب نجاحها من دونه، ويبدو أن مستقبل الهيئة في إدلب مضمون إلّا في حال اتخاذ المجتمع الدولي مبادرات حقيقية بهدف عزلها عن بقية المعارضة، حتّى إن هجومًا مدعومًا روسيًا ومناصرًا للأسد على محافظة إدلب سيكون مفيدًا لهيئة تحرير الشام أكثر من أي فاعل آخر في المعارضة؛ فهي -الهيئة- تمتلك الأوراق كلها.

وبناء على ما سبق تتجسد القضية الرئيسة الثانية في كون أسلوب القاعدة التقليدي -في التمرد العابر للأمم بطريق حرب العصابات ضد العدو القريب والحبك، في الوقت نفسه، ضد العدو البعيد- قد بدأ يفقد شعبيته. فمنذ نجاح هيئة تحرير الشام في سورية، نسخت القاعدة في شبه الجزيرة العربية لدرجة كبيرة الممارسات ذاتها في اليمن، ويبدو أن القاعدة في المغرب الإسلامي في مالي قد بدأت بصب اهتمامها على (المحلّي)، ساعية لزج نفسها زجًّا لا رجعة عنه في ديناميات أوسع للسكان الأصليين. وفي الوقت الذي لا توجد فيه أي مؤشرات على قيام فرعي القاعدة في شبه الجزيرة العربية أو في المغرب الإسلامي بإبعاد نفسيهما عن قيادة القاعدة أو برفض طاعة أوامرها، تدل طبيعة نشاطهما على اختلاف استراتيجي مماثل لنظيره بين القاعدة وهيئة تحرير الشام.

بدا -لوقتٍ ما- أن الظواهري ونائبوه كانوا داعمين لتلك المقاربات طويلة الأمد ذات التركيز المحلي بهدف بناء مشروعات جهادية مستدامة، ولكن تصريحات الظواهري وابن أسامة بن لادن (حمزة) الأخيرة قد أشارت إلى أن الأسلوب العابر للأمم التقليدي في طريقه للعودة ضمن دوائر قيادة القاعدة، وقد يكون لذلك الأمر علاقة بانحسار أراضي خلافة الدولة الإسلامية في العراق والشام في مهدها في سورية والعراق، ومن المحتمل أن الظواهري يحاول الآن استغلال خسارات داعش لتقديم نفسه مرة أخرى، قائدَ حركة الجهاد العالمي الأعلى. وفي نهاية الأمر، سيواجه الظواهري وجماعته القاعدة عائق الاضطرار إلى العمل بالخفاء، وفقر خطوط الاتصال مع الفروع في الخارج.

 

أفق

بمرور الوقت، سيؤدي السيناريو المتوقع حدوثه في سورية إلى ترسيخ الوضع القائم حاليًا، إذ سيستمر البعد بين هيئة تحرير الشام وقيادة القاعدة المركزية بالزيادة، وقد تضع القاعدة مظلتها على دائرة أصغر وأكثر كتمًا من الجهاديين شمالي سورية، تكون الأخيرة ملتزمة بالمحافظة على تمردها بأسلوب حرب العصابات بينما تحيك في الوقت نفسه هجمات ضد الغرب. سينتج هذا السيناريو حدودًا غير واضحة المعالم: فلا هيئة تحرير الشام ولا القاعدة ستنظر إلى الأخرى أو تعاملها بوصفها منافسًا عدائيًا، وسيخدم وجود إحداهما تعزيز وجود الأخرى. وعن هذا أخبرني رجل دين إسلامي موجود شمالي إدلب: «إن هيئة تحرير الشام على استعداد الآن للسماح للقاعدة ببعض الحرية في إدلب، لكن بشرط ألا تتدخل الأخيرة في شؤون الأولى فحسب، الأمر الذي كان أبو محمد الجولاني يمنعه حتى الآن، ولم يكن ذلك بالأمر السهل. في الحقيقة، ازداد الأمر صعوبة في الأيام الأخيرة».

لكن مع ذلك، أوضحت لي خمسة مصادر حدثتني بخصوص تلك القضية أن الحلقة الموالية للقاعدة في إدلب تتبنى -بازدياد- موقفًا لاذعًا تجاه هيئة تحرير الشام، متهمة إياها بخيانة المبادئ الرئيسة، وبشراكتها العلنية، وتفاوضها مع العدو وإغماض عينها عنه. وعلى الرغم مما سبق، يبدو أن القاعدة –ببساطة- لا تمتلك الموارد أو الحاجة إلى بدء عداوة فعلية مع الهيئة، ومن المرجح أن تستمر في إبعاد نفسها عبر الإدانة والنقد، في الوقت الذي تحاول فيه بناء حركتها الجهادية القوية والموالية.

سيترك هذا إدلب وشمال غرب سورية مع فاعلين جهاديَّين مختلفين بشدة، ولكنهما متساويان في التهديد؛ وسيتمثل التهديد الرئيس لهيئة تحرير الشام في قدرتها على منع الجماعات المعتدلة من تقديم نفسها بديلة للحكم الجهادي، وفي السيطرة على مسار المعارضة السورية والتأثير في قراراتها، وسينجم عن نجاحها المستمر أيضًا، خطر تعميم استراتيجيتها الجهادية المُتمركزة محليًا على بعض الفاعلين والسكان الإقليميين، لتصبح مهمة الفاعلين المعتدلين في تأمين الدعم والصدقية أشد صعوبة. في تلك الأثناء، قد يطرح وجود فصيل أصغر موال في الخفاء للقاعدة في إدلب -التي يعدّ هامش المناورة الدولية فيها محدودًا بشدة- تهديدًا أكثر جدية من الخطر الذي مثّلته القاعدة في أفغانستان في تمهيدها لهجمات 11 أيلول/ سبتمبر.

إنّ الخطرين كليهما متمايزان باختلافهما، ما يعنى أنه تجب مواجهتهما باستخدام أدوات وطرائق مختلفة بشدة. قد تنجح تحركات مكافحة الإرهاب ضد ناشطي القاعدة فحسب، في سورية أو غيرها لدرجة ما، ولكنها ستفشل بالتأكيد في تقويض هيئة تحرير الشام أو إضعافها. لذلك، سيمثّل التهديد الثنائي أكثر السيناريوهات سوءًا لصانعي سياسة مكافحة الإرهاب الغربيين، ما يجعله يستحق من الاهتمام أكثر بكثير مما يتلقاه اليوم.