المحتويات

مقدمة

أولًا: توصيف عام لواقع إدلب في الجغرافيا السورية

ثانيًا: التوجهات الدولية تجاه إدلب

ثالثًا: التوجهات الإقليمية تجاه إدلب

رابعًا: السيناريوهات المحتملة لمستقبل إدلب

  1. السيناريو العسكري
  2. السيناريو السياسي

خامسًا: ما العمل؟

سادسًا: خاتمة

 

مقدمة

أفضت أغلب تسويات التهجير القسري التي جرت في مناطق سورية عدة، إلى نقل وترحيل مقاتلي المعارضة وعائلاتهم إلى محافظة إدلب (شملت وادي بردى والزبداني ومضايا وقبلهم سكان المعضمية وداريا ولاحقًا حي الوعر الحمصي والقلمون الغربي والأوسط والشرقي…)، الأمر الذي جعل من إدلب حاضرة لعديد من فصائل المعارضة المُسلّحة، وأيضًا لفصائل متشدِّدة، خاصة “جبهة النصرة” التي غيّرت اسمها إلى “جبهة فتح الشام” ثم اندمجت مع غيرها وشكّلت “هيئة تحرير الشام”، وبهذا أصبحت إدلب محكومة بفعل الأمر الواقع لقواعد الحياة اليومية، التي تفرضها هذه الفصائل، ومرتهنة لما ينتظر تلك الفصائل من مصير لا يوحي بخير، خاصة بعد تغوّل “الهيئة” وسيطرتها على القطاعات الأوسع من المدينة وطردها لفصيل “أحرار الشام”. وكان واضحًا أن مدينة إدلب مخطط لها أن تكون “غروزني” الشيشان أو “قندهار” أفغانستان.

هكذا، تتعدد الاحتمالات والتوقعات حول المصير الأسود الذي ينتظر السكان في إدلب، ويلوح شبح “تورا بورا” نتيجة التوافقات المتتابعة لسياسيين أميركيين وروس، وحتى إيرانيين، للمصير الدموي الذي ينتظر المدينة. وفي المقابل، يتكثف الجهد من أجل تجنيب محافظة إدلب سيناريو الرقة، أو الموصل العراقية، في ظلّ ضغط جهات إقليمية ومحلية على “هيئة تحرير الشام”، من أجل الاستجابة لهذه الضغوط، وحل نفسها.

لقد خرجت إدلب ومحيطها (ريف حلب الغربي، ريف حماة الشمالي) عن سيطرة سلطة آل الأسد، مع بدايات الحراك الشعبي السوري في آذار/ مارس 2011، وظهور مجموعات (الجيش الحر) الأولى من السكان المحليين، وعادت هذه السلطة لبسط سيطرتها على كامل المحافظة، في آذار/ مارس 2012، لكنّ المعارضة عادت فاستحوذت على المدينة، في آذار/ مارس 2015. ومنذ ذلك الحين، تخضع لسيطرة فصائل متنوعة من المعارضة السورية و”هيئة تحرير الشام”. وكان الاحتقان دائمًا بين الفصائل في إدلب، بسبب رغبة “الهيئة” في إدارة شؤون المدينة، وفق تعاليم الشريعة الإسلامية.

لقد كان تموز/ يوليو الماضي تاريخًا مفصليًا في حياة المحافظة، عندما سيطرت فصائل “الهيئة” على معظم مقرّات “أحرار الشام”، إضافة إلى سيطرتها على الحدود مع تركيا في جميع نقاط التماس، لتصبح القوة الأولى في المحافظة بلا منازع. وبعد سيطرتها، تقدم “الهيئة” ذريعة للتدخل العسكري الدولي والإقليمي.

 

أولًا: توصيف عام لواقع إدلب في الجغرافيا السورية

تقع محافظة إدلب شمال غربي سورية، وتحاذي الحدود التركية، وتعادل مساحتها أكثر من خمسة آلاف كيلو متر مربع، وهي تحوي ما يقارب مليوني نسمة نصفهم من الوافدين إليها، وتتميّز بموقعها الجغرافي المهم، فتحدّها من الشمال ولاية هطاي التركية ومدينة عفرين السورية، الخاضعة لسيطرة ميليشيات حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي، ومن الشرق تُجاورها محافظة حلب، وفي غربها تقع محافظة اللاذقية. وبهذه المعطيات، كانت نقطة استراتيجية حيوية، وستكون كذلك مستقبلًا.

أفضى استحواذ “هيئة تحرير الشام” على كامل إدلب إلى توجّس وجدل حول مصيرها المقبل، ومخاوف من نتيجة مماثلة لما آلت إليه الموصل، على اعتبار إصرار الولايات المتحدة على إدراج “الهيئة” كمنظمة إرهابية مستهدفة من قبلها. وفي المقابل تُسارع “الهيئة”، في خطوات أوحت بشيء من البراغماتية، إلى تشكيل حكومة مدنية، فضلًا عمّا سبق ذلك من تسليم المعابر إلى إدارة مدنية، ودعوة لمؤسسات العمل المدني والمنظمات الإنسانية إلى دخول إدلب وممارسة نشاطها. أضف إلى ذلك ما ظهر جليًا، عبر إعلام “الهيئة”، من دأبها على دعم الجانب الخدماتي والمؤسساتي للمحافظة التي نالت منها سنون الحرب، سواء على مستوى تأمين الماء والكهرباء وتعبيد الطرق أو تشكيل مراكز الشرطة والقوى التنفيذية ومراكز الخدمات العامة، الأمر الذي كان مستغربًا على اعتبار رفض “الهيئة” لمشروع مناطق خفض التصعيد المدعوم روسيًا.

أجرى مركز (صدى) للأبحاث واستطلاع الرأي، في تموز/ يوليو الماضي، استطلاعًا للرأي بين مواطني المحافظة، تبيّن من خلاله أن أغلب المُستطلَعين لا يقبلون المجالس المحلية التي أعلنتها “الهيئة”، وظهر ذلك في التظاهرات الرافضة لوجودها في محافظة إدلب، فتراجعت “الهيئة” عن الدخول إلى العديد من مدن المحافظة وبلداتها. وقد رفضت المجالس المحلية في مدن محافظة إدلب وبلداتها أخيرًا دعوة من “الهيئة” لإقامة إدارة مدنية، معتبرة أنها في منزلة غطاء لسيطرتها على المحافظة بغطاء مدني، ومحاولة جديدة للتستر وراء واجهات تتبع فعليًا لها، لتجنّب “الغضب الدولي المتصاعد”.

في المقابل، تشهد مدينة إدلب حركة نشطة تُشارك فيها تجمعات ثورية، وتشكيلات سياسية ومدنية، بهدف البحث عن نقاط تجمع بين كل المبادرات المطروحة في الساحة، ومواءمتها للوضع العام العالمي. بالنسبة إلى الفصائل الموجودة في الشمال، أبدت موافقة عمومًا، ولو بشكل مبدئي على عدم التدخل في الحياة المدنية، وتسليم الإدارات لأصحاب الخبرات، مع تفعيل دور الشرطة الحرة في ضبط الأمن. وكان هذا الحراك مؤشر خير بالنسبة إلى أهالي المدينة، ولعله يكون خطوة في طريق تجنيب محافظة إدلب أي تدخّل خارجي، يؤثر على الشعب الذي بات يخشى من تكرار تجربة الرقة.

 

ثانيًا: التوجهات الدولية تجاه إدلب

على الرغم مما سبق، ظلت إدلب، في خطاب عديد من العواصم الدولية، بوصفها مرتعًا للجماعات المتطرفة. فالبيان الذي أعلنه المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية، مايكل راتني، ليس سوى تمهيد سياسي لخطوات عسكرية أميركية في إدلب. لكنّ الإشارة الأبلغ جاءت من الجنرال ماغورك الذي قال في خطاب متلفز في “معهد الشرق الأوسط” في واشنطن في تموز/ يوليو الماضي، إن إدلب هي “أكبر معقل لتنظيم القاعدة في العالم بعد 11 أيلول/ سبتمبر 2011″، ما يفتح الباب أمام احتمالات عدة لـ “معالجة هذه المشكلة الدولية”، التي لا تُثير اهتمام أميركا وروسيا فحسب، بل الصين بسبب وجود آلاف من “إيغور الصين” ضمن “الجيش الإسلامي التركستاني” في ريف إدلب، إضافة إلى تركيا بوابة إدلب إلى العالم.

لكنّ صلاحيات التحالف الدولي ضد “داعش” لا تشمل العمل في إدلب، وأميركا ليست بصدد الدخول في تحالف عسكري مع موسكو، وهي تتابع الاتصالات الثلاثية الروسية– التركية- الإيرانية إزاء إدلب. ويبدو أن واشنطن يمكن أن تعتمد على “قوات سورية الديمقراطية- قسد” التي يُسيطر عليها الأكراد، والتي ترى في إدلب تتويجًا لصيرورتها العسكرية الممتدة من أقصى الشرق إلى أقصى الغرب، على مقربة من مياه المتوسط. ومن هنا يمكن فهم أن تكون محافظة إدلب أولوية بالنسبة إليها، خشية من وقوعها بيد القوى المدعومة من تركيا، وإن حدث ذلك سيصبح ما يدعوه الأكراد بـ “كانتون عفرين” في خطر.

أما روسيا، فإنها تنظر إلى مستقبل إدلب ضمن حساباتها التنافسية مع الولايات المتحدة، وليس ضمن حسابات سلطة آل الأسد المحلية، فهي لن تقبل بهيمنة أميركية مطلقة على الشمال السوري، تضعها على مقربة من قاعدتها العسكرية في حميميم في اللاذقية. فقد قالت خبيرة الشرق الأوسط في المعهد الروسي للدراسات الاستراتيجية، الذي يُقدّم استشارات للكرملين، إيلينا سوبونينا، إنّ “أي هجوم جديد وكبير من قِبل قوات الحكومة السورية لن ينجح من دون دعم القصف الروسي من الجو”، وأضافت “لقد أخطأت القيادة السورية في تقدير ما إذا كانت روسيا ستُقدّم لها المساعدة للسيطرة على إدلب كما فعلت في حلب”، وكشفت أن موسكو “قررت كبح جماح المتهورين في دمشق، لأن الأولوية الآن ليست القبض على إدلب”.

تريد روسيا ضم إدلب لمناطق “خفض التوتر”، وإجراء مشاورات مع الفصائل المعتدلة فيها بهدف الانضمام إلى التهدئة مع النظام السوري، وتركيز القتال ضد “هيئة تحرير الشام”. لذلك تُركّز على الاتفاق مع تركيا على إقامة المنطقة الرابعة من مناطق “الجيوب الهادئة” في إدلب.

إلى ذلك، أعلنت موسكو في 30 آب/ أغسطس الماضي، عن ضم منطقة عفرين ذات الأغلبية الكردية في ريف حلب الشمالي إلى اتفاق المصالحة، تمهيدًا لوقف العمليات العسكرية القائمة بين فصائل “الجيش الحر” و”قسد”. ويبدو أن هذا الجهد الروسي هو مسعىً جديد لها لتطويق سيطرة المعارضة على الجغرافية السورية، ولتأمين المنطقة من أي هجوم تركي بإعلانها خارج دائرة الصراع المسلح.

 

ثالثًا: التوجهات الإقليمية تجاه إدلب

تركيا موجودة في إدلب بقوة، استخباريًا وعسكريًا واجتماعيًا، وصمتها على ما حصل قرب حدودها مع الموصل قد لا ينسحب على الوضع في إدلب. وكانت أبدت رغبتها في دعم عملية جديدة في إدلب مشابهة لـ “درع الفرات”. كما أن إيران حضّت النظام السوري على التوغل في إدلب، عبر السيطرة على جسر الشغور بين إدلب واللاذقية. كما أبدت “قسد” رغبتها في التقدم من عفرين، حيث يقع مركز للجيش الروسي، بدعم من موسكو لطرد “النصرة” من هذه المدينة. وأمام الاحتمالات الثلاثة، يمكن أن تُشكّل إدلب نقطة تقاطع بين الجيشين الأميركي والروسي، باعتبار أنها تتحول يومًا بعد يوم إلى “مشكلة دولية، وعلاجها يجب أن يكون دوليًا”.

تُحاول تركيا تجنّب الأسوأ على حدودها الجنوبية، فشنّ عملية عسكرية واسعة النطاق تعني عشرات آلاف اللاجئين إلى الأراضي التركية المكتظة أصلًا بالسوريين، وهي تنظر بعين الخشية إلى محاولات واشنطن لإفساح المجال أمام “قسد” بالتوجّه غربًا للقضاء على “هيئة تحرير الشام”، مع ما يعنيه ذلك من خطوة واسعة تجاه ترسيخ أقدام إقليم ذي صبغة كردية، يمتد من الحسكة شرقًا إلى شواطئ المتوسط غربًا. وهو ما تراه مساسًا بأمنها القومي يجعلها على استعداد لدخول حرب لمنعه.

لا تريد تركيا عودة سيطرة سلطة آل الأسد على المحافظة، وتريد أن تُشكّل الفصائل المتحالفة معها إدارة ذاتية لها، وقد سرّبت مُقترحًا لتجنيب محافظة إدلب عملية عسكرية. ولدى أنقرة سيناريو عسكري بديل يقضي بأن تدخل فصائل “الجيش السوري الحر” المنضوية تحت قوات “درع الفرات” من الشمال باتجاه إدلب، فيما تتقدم الميليشيات الإيرانية من جنوبها بغطاء جوي روسي. وتحسّبًا لذلك، حشد الجيش التركي العديد من وحداته العسكرية على الحدود التركية المتاخمة لمحافظة إدلب. لكنّ هذا الاحتمال يحتاج إلى موافقة أميركية غير مضمونة، كما أن موافقة الروس أيضًا غير مضمونة، كونهم يتطلعون دومًا إلى الأميركيين في كل ما يفعلونه في سورية، ويفضلون التنسيق العسكري معهم، مثلما فعلوا في اتفاق وقف إطلاق النار في المنطقة الجنوبية.

قد ترضى تركيا بخطة مساومات تُبعد شبح الكيان الكردي المستقل عن حدودها الجنوبية، وتفتح الطريق أمام تسوية سياسية تنهي الأزمة السورية التي تحملت أعباءها سنوات. وإذا ما شعرت بأن التفاهمات الأميركية- الروسية في شمالي سورية تتقدم على حسابها قد تتحرك باتجاه إيران، على الرغم من معرفتها بخطورة لعب هذه الورقة، لأن طهران ستحاول حتمًا المساومة على حصة النظام، وإشراكه في عملية من هذا النوع.

وهكذا، لا يزال الارتباك سيد الموقف التركي، وهو ناجم عن عدم حصول تفاهم مع موسكو وواشنطن حيال محافظة إدلب، لأن واشنطن، وإلى حد ما روسيا، لا تريد توسيع الرقعة الجغرافية التركية في سورية، ومن جهة ثانية لا وجود لبديل عن تركيا في تقرير مصير المحافظة.

في هذا السياق، من الممكن أن تنخرط تركيا في هجوم على إدلب برعاية روسية لمحاربة “هيئة تحرير الشام”، لتُكرّر المقاربة التي سبق أن حدثت في مشروع “درع الفرات”، وستكون مغامرة جديدة غير محسوبة تُقدم عليها إن هي هاجمت “الهيئة” في إدلب، بعد جرابلس والباب، برعاية الطائرات الروسية، بينما تواصل قوات “قسد” احتلال معظم الشريط الحدودي بين سورية وتركيا، ومدّ كيانها جنوبي تركيا.

لكن، لا يبدو أن أيًّا من هذه الخطط التي يجري تداولها بمشاركة الأتراك ستُطبّق على الأرض، بل إن الخطة الخاصة بدعم أميركي- روسي لـ “قسد” في عفرين للهجوم على إدلب تبدو أكثر ترجيحًا، فسلطة آل الأسد وحلفاؤها الروس لا يرغبون في المزيد من التوسع التركي في الأراضي السورية؛ والأكراد، في حال تولّوا مهمة العملية في إدلب، سيُعتبرون طرفًا أقرب إليهم من غيرهم، وهم يسعون لمنفذ على البحر المتوسط أكثر من السيطرة على إدلب نفسها.

أما إيران فهي ليست في عجلة من أمرها، وكانت قد رتبت أمر قريتين شيعيتين في ريف إدلب، وهي مستعدة لدعم تنظيمات تابعة لـ “الحرس الثوري” للمشاركة مع “حزب الله” وقوات سلطة آل الأسد للإطباق، من جهات عدة، على إدلب عندما يحين الميعاد.

أما سلطة آل الأسد فهي تلتقي مع التوجه الأميركي من دون أن تُعلن ذلك صراحة؛ فاستيلاء “قسد” على إدلب بالنسبة إليها أفضل بكثير من استيلاء فصائل المعارضة، حيث يمكن التفاهم مع “قسد”، كما جرى الأمر في بعض مناطق ريفي حلب الشمالي والشرقي.

ويبقى السؤال: من سيحسم الأمر؟ وهنا ستكون روسيا مضطرة إلى الاختيار بين توجهات سلطة آل الأسد والتوجهات التركية التي تجد نفسها أكثر ميلًا إليها، ذلك أنها لا تريد منح النظام وإيران انتصارات عسكرية واسعة، توصلهما إلى مرحلة الحسم العسكري، وتجعلهما بغير حاجة إليها. لكنها، في المقابل، لا تريد منح تركيا مساحات جغرافية واسعة تضعها في موقع قد تصبح فيه ليست بحاجة إليها.

إن عفرين وإدلب في عين العاصفة، على الرغم من الاختلاف الجوهري بين وضعيهما، إذ توضعان في “بازار” العواصم الفاعلة والمؤثرة.

 

رابعًا: السيناريوهات المحتملة لمستقبل إدلب

منذ سيطرة “هيئة تحرير الشام” على معظم المحافظة، في تموز/ يوليو الماضي، تقف إدلب عند مفترق طرق، وسط سيناريوهات عدة مطروحة للتعامل مع هذا الوضع، من جانب قوى محلية وإقليمية ودولية معنية بالمسألة السورية. وهناك إجماع بين تلك القوى على أن تجنيب المحافظة “الأسوأ” يقتضي ضرورة تغييب “الهيئة” عن المشهد، بأي وسيلة ممكنة، سواء كانت سلمية أم عسكرية، وتولّي إدارة مدينة مستقلة عن الفصائل المسلحة. لكنّ هذه الطروحات، التي تُكثّف تركيا جهدها من أجل تطبيقها، تعترضها في الواقع صعوبات عدة، في مقدّمها رفض “الهيئة” حل نفسها.

إن موسكو، التي تملك قاعدتين على مرمى حجر من إدلب في اللاذقية وطرطوس، تقف بين خيارين: أولهما، الرغبة في إقناع واشنطن بتشكيل جبهة مشتركة بين الجيشين الأميركي والروسي لقتال “النصرة” في إدلب. وثانيهما، مباركة عرض تركي بقبول إيراني لتشكيل تحالف جديد باسم “سيف إدلب” لدعم فصائل في “الجيش الحر” تحت غطاء مدفعي تركي وجوي روسي.

 

1– السيناريو العسكري

قفزت إلى الواجهة في الأسابيع الأخيرة عدة سيناريوهات متداولة لمعالجة الوضع في محافظة إدلب، تدور في معظمها حول الخطط العسكرية المستقبلية، بعضها تحدّث عن خطط تركية، وأخرى روسية بالتعاون مع الأتراك، وأفكار أخرى للدفع بقوات كردية بدعم أميركي، إضافة إلى تطلّع إيران وسلطة آل الأسد لاستعادة المحافظة. وبعد التحاق عناصر تنظيم “داعش”، الهاربين من الموصل والرقة، بصفوف “هيئة تحرير الشام”، تواتر الحديث عن تنسيق روسي- أميركي- تركي- فرنسي من أجل شنّ عملية ضد التنظيم الإرهابي.

في كل الاحتمالات، ثمة ثلاثة سيناريوهات عسكرية: الروسي، والأميركي، والأسدي. ومن المتوقع أن يتحقق السيناريو الروسي تحت غطاء دولي بحجة مكافحة الإرهاب والقضاء على تنظيم القاعدة، وربما تحصل روسيا على قرار من مجلس الأمن يُعطيها الشرعية في هجومها على إدلب، ومن المتوقع أن يعتمد هذا الهجوم- إن وقع- على غارات بالطيران والصواريخ، ستستهدف مقارّ “الهيئة”، باعتبار أن الاستهداف سيحدث في مناطق آهلة بالسكان، وستكون الأبنية والمستشفيات والأسواق وسكان تلك المناطق هدفًا إضافيًا لإعادة الوضع الكارثي إلى ما قبل الهدنة، حين هدمت الطائرات الروسية والنظام مدنًا وقرى بكاملها على رؤوس ساكنيها.

سيكون الهدف الرئيس، في تلك الخطة، هو حصر فصائل المعارضة في منطقة محدودة المساحة، ثم إجبارها على المصالحة ورفع الراية البيضاء، وسيُعطى للبقية الباقية من المعارضة نوع من السلطة على تلك المساحة ليتم تحويل الكتلة البشرية للمعارضة من عدوٍّ يواجه “النظام السوري” إلى مجالس مدنية وأدوات شرطية، تعمل بمبدأ الحماية مقابل السلطة، ويمكن أن يجري، في فترة لاحقة، إلحاق محافظة إدلب باتفاقات “خفض التصعيد”، بحيث تُوضع قوات فصل روسية وتركية على الحدود بين مناطق المعارضة والنظام، وقوات لحماية الحدود التركية.

سيعطي هذا الوضع طمأنة للجانب التركي بأن مصالح دولته قد حُفظت، عبر ضبط حدوده وعدم دخول الميليشيات الكردية إلى محافظة إدلب، ومن المؤكد أن تركيا لن تكون مرتاحة لهذا السيناريو، إلا أن خياراتها ستكون مبنية على مبدأ أقل الضررين.

بالتزامن مع الانتهاء من اتفاقات “خفض التصعيد” في المناطق الثلاث (الجنوب، غوطة دمشق، وريف حمص الشمالي)، بدأت تظهر مؤشرات عمل عسكري يستهدف “الهيئة”، ببيان عن الخارجية الأميركية على لسان المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية، مايكل راتني، قال فيه إن “جبهة النصرة وكل القوى التي تتحالف معها هدف للقوات الأميركية”، وكان الأهم تحذير الخارجية الأميركية من أنه في حال تحققت هيمنة “النصرة” على الشمال سيصبح من الصعب على الولايات المتحدة إقناع الأطراف الدولية بعدم اتخاذ الإجراءات العسكرية اللازمة.

هنا يبرز السيناريو الأميركي- الكردي الذي يقوم على تصعيد الضربات الجوية الأميركية على نقاط محددة يتم رصدها حاليًا، ثم يتبعها اقتحام ميليشيات “قسد” لمحافظة إدلب، في تماهٍ مع أطماع هذه المليشيات الكردية في التمدد إلى هذه المحافظة.

سيُشكّل هذا السيناريو، في حال حدوثه، ضربة قوية للأمن القومي التركي، لأنه يؤدي إلى نشر الميليشيات الكردية على جزء مهم من الحدود التركية مع سورية، لتصبح تركيا دولة محاصرة ويجري إغراقها في صراعات طويلة الأمد مع الأكراد.

هناك سيناريو عسكري آخر محتمل، حيث يمكن أن تتقدّم قوات سلطة آل الأسد والميليشيات المدعومة من إيران باتجاه المحافظة، بدعم روسي من ثلاثة محاور: أولها، محور جسر الشغور. وثانيها، محور ريف حلب الجنوبي. وثالثها، من منطقة عفرين باتجاه أطمة بمؤازرة مليشيات “قسد”. ويبدو أن هذا السيناريو أصبح ضعيفًا بسبب تحويل “النظام” لكل فائض جبهاته باتجاه معارك دير الزور والبادية. ولكنه يبقى قائمًا إذا بقي الوضع على ما هو عليه إلى حين الانتهاء من معارك المنطقة الشرقية.

لكن، يبقى السيناريو الأقرب هو أن تقود تركيا عملية ضد “الهيئة”، وذلك بسبب انشغال كل الأطراف السابقة الذكر بمعارك الرقة ودير الزور والبادية، إضافة إلى أن عملية عسكرية في إدلب تبقى محكومة بتفاهمات دولية من غير المرجح أن تُستبعد تركيا عنها.

 

2– السيناريو السياسي

من المتوقع أن يكون سيناريو الحصار والاستهداف الأقل عنفًا، قياسًا بالخيارات العسكرية التي ذُكرت. ويقوم هذا السيناريو على إبقاء الوضع على حاله من دون تقدم لأي من اللاعبين على الأرض نحو محافظة إدلب، مع استمرار الاستنزاف الطويل للهيئة. ولذلك من المتوقع أن يجري احتواء الجبهة ناريًّا على الأرض، عبر الطيران وأعمال التصفية والاغتيالات السريّة للقيادات.

وتسعى تركيا لإقناع الأطراف الدولية بضرورة تجنّب اللجوء إلى عملية عسكرية كبيرة، يمكن أن تؤدي إلى تدمير محافظة إدلب وخلق أزمة إنسانية كبيرة. الأولوية التي تبحث عنها تركيا تأتي عبر اتصالات وتوافقات وجسور، قد تُفضي إلى اتفاق يدخل من خلاله الجيش التركي من دون قتال. المقترحات التركية تتضمّن إقامة إدارة مدنية محلية، وانسحاب المعارضة المسلحة من مركز المدينة إلى مناطق الحراسة خارجها، ونقل عناصر المعارضة، على غرار ما حدث في عملية “درع الفرات” في جرابلس، إلى جهاز الشرطة الرسمي. وتنصّ المقترحات أيضًا على تسليم الخط الممتد من باب الهوى إلى ريف اللاذقية، على طول امتداد الحدود مع تركيا، لجماعات تحظى بدعم ومصادقة الحكومة التركية. ويقضي البند الأخير بأن تقوم “الهيئة” بحل نفسها، مع انضمام من يرغب من مقاتليها إلى جماعات معارضة أخرى، وخروج العناصر المتشددة إلى خارج حدود المحافظة.

ليس من السهل أن يكلل الجهد التركي بالنجاح، نظرًا إلى كون “الهيئة” هي القوة المسيطرة في إدلب، وقد يحتاج الأمر إلى ضغوط دولية وشعبية محلية لإقناعها بحلّ نفسها وتجنيب المدينة السيناريو الأسوأ، والذي تخطط له بعض القوى بحجة محاربة الإرهاب والتطرف. وفي حال فشل المحاولات التركية لتجنيب إدلب عملية عسكرية، ستلجأ على الأغلب إلى التوصل إلى توافقات مع الأطراف الدولية، تتضمن دعمها للعملية العسكرية ضد العناصر المتطرفة في المحافظة، مقابل السماح للجيش التركي بالقيام بعملية عسكرية ضد الوحدات الكردية في عفرين.

 

 

خامسًا: ما العمل؟

تظاهر سوريون، في 25 آب/ أغسطس الماضي، في مناطق مختلفة من محافظة إدلب، مطالبين “هيئة تحرير الشام” بالرحيل عن مناطقهم، ومُندّدين بممارساتها بحق المدنيين، واستطاعت هذه التظاهرات إخراج “الهيئة” من هذه المناطق، أو منعها من اقتحامها، كما جرى في معرّة النعمان والأتارب وحزانو وحزارين وسراقب، خصوصًا أن الأخيرة شهدت تجربة ديمقراطية عبر انتخابات المجلس المحلي.

إن مكافحة نفوذ التنظيم ليس مجرد مغامرة عسكرية، بل يتعين تأطيره ككفاح متواصل، عبر إيجاد البدائل الأكثر جاذبية من الناحية الوطنية، والأفضل تمثيلًا من الناحية الاجتماعية. واليوم، فإن القرار العاجل اللازم اتخاذه يتمثل برفض مبادرة الإدارة المدنية المقترحة من جانب “الهيئة”، بالاستناد مجدّدًا إلى الحراك السلمي/ المجتمعي الذي يجب تجميع جداوله وتحويلها نهرًا جارفًا، تتجمع مكوناته في كل مكان من سورية، وتهتف لحرية الشعب السوري الواحد، وهي ترفع علم الثورة الأخضر وحده، من دون أي علم أسود أو مذهبي. لا بد من مساندة هذا التوجه بكل ما هو ضروري على صعيدي الوعي والممارسة، كي يكون حصينًا.

 

سادسًا: خاتمة

لقد طوى ظهور “النصرة” و”داعش” معادلة الثورة الأصلية التي جعلت النظام الديمقراطي بديل الأسدية، بدعم من وثيقة جنيف وقرار مجلس الأمن 2118، وما تضمناه من محدّدات أقرها الخمسة الكبار بالإجماع؛ وأرسى بدلًا منها معادلة جعلت الإرهاب بديل الحرية والكرامة والوطنية السورية الجامعة، وأحدثت تبدلًا جوهريًا في موقف المجتمع الدولي من الثورة والحل السياسي، وأدخلت السوريين في مقتلة ذهب ضحيتها مئات آلاف السوريات والسوريين.

واليوم، تطرح نفسها من جديد مهمة صعبة، لكنها ممكنة التحقيق، هي استعادة الثورة السورية تطلعاتها إلى الحرية والكرامة عبر استنهاض حراكها المجتمعي السلمي، والعمل على تحصين نفسها ضدّ الانحرافات التي لحقت بها والعيوب التي لازمتها.