المحتويات

ملخص

أولًا: الجذور والأبعاد التاريخية للمسألة الكردية في سورية

ثانيًا: الواقع الإداري والاجتماعي للمناطق الكردية في سورية

  1. الواقع الإداري
  2. الواقع الاجتماعي

خلاصات أو ملاحظات لا بد منها

  1. مغالطة المجتمع الكردي القبلي
  2. هشاشة زعم الوجود الكردي الطارئ في سورية
  3. مكونات المسألة الكردية في سورية

الملحق

الاتفاق الفرنسي – التركي

المواد التي تناولت المسألة الكردية في معاهدة سيفر

المصادر والمراجع

أولًا: المصادر

ثانيًا: المراجع

 


المصدر مجلة قلمون للدراسات والأبحاث

العدد الثاني – آب / أغسطس 2017

ملف العدد الأكراد، تاريخهم، ثقافتهم
اسم الكاتب عبد الباسط سيدا
رقم الصفحة 35

 

ملخص

يعود تاريخ المسألة الكردية في سورية الحديثة إلى بدايات تشكل الكيان السياسي باسم دولة سورية. وهي واحدة من المسائل التي لم تتمكن الأنظمة المتعاقبة من معالجتها ضمن إطار مشروع وطني سوري عام كان من شأنه طمأنة المكونات السورية كلها، بإشراكها في الواجبات والحقوق، والتوزيع العادل للثروات والفرص بين الجميع. وقد حاول الحكم البعثي بالوسائل كلها إنكار وجود هذه المسألة، وسعى بالمشروعات المختلفة والإجراءات الاستثنائية لتغييب الوجود القومي الكردي بالتجريد من الجنسية، وسلب الأراضي، وفرض التعريب القسري، والتعتيم الإعلامي، والتشكيك الشمولي.

وقد جاءت انتفاضة قامشلي في 12 آذار/ مارس 2004، لتؤكد حجم المسألة المعنية، وعمق جذورها، الأمر الذي أدى إلى تركيز الأضواء عليها إقليميًا ودوليًا، وفي المستويات المختلفة الرسمية والشعبية.

وفي خضم الثورة السورية المستمرة، احتلت هذه المسألة من جديد مركز الصدارة في المشهد السوري، وباتت موضوعًا لتقاطعات وطنية- إقليمية- دولية. ونظمت كثيرًا من اللقاءات والندوات والمؤتمرات في كثير من الدول من أجل الوقوف على أبعاد هذه المسألة، ومعرفة حدة تشعباتها، وإمكان الوصول إلى توافقات عادلة بين المكونات السورية المختلفة.

ونحن سنتوقف من جانبنا في القسم الأول من هذا البحث عند المكونات التاريخية لهذه المسألة، وذلك بالعودة إلى المباحثات والاتفاقات التي جرت بعد الحرب العالمية الأولى بين الحلفاء من جهة، وفرنسا وتركيا من جهة ثانية.

أما في القسم الثاني، فسنتناول أهم المراكز الحضرية في المناطق الكردية في سورية. ونحاول تقديم صورة موجزة عن طابع المجتمع الكردي السوري بصفة عامة.

وسنعتمد في دراستنا المنهج التاريخي النقدي، إلى جانب المنهج الوصفي بغية إماطة اللثام عن كثير من القضايا المشكلة. وتقديم صورة موضوعية ضمن حدود الإمكان لواقع حال المناطق الكردية السورية قبل الثورة، وذلك بافتراض أن المتغيرات التي طرأت على الوضع الكردي بعد الثورة، وبخاصة في السنين الأخيرة، ما زالت متفاعلة غير مستقرة، وهي متغيرات لها علاقة مباشرة بالصراع الداخلي السوري من جهة، والصراعات الإقليمية والدولية في سورية وعليها من جهة أخرى.

 

 

 أولًا: الجذور والأبعاد التاريخية للمسألة الكردية في سورية

كانت المعطيات جميعها تشير عشية الحرب العالمية الأولى 1914-1918 إلى أن أيام الإمبراطورية العثمانية قد باتت معدودات، الأمر الذي أدى بكل طرف إلى شحذ الهمم والدخول في مفاوضات سرية علنية ثنائية، متعددة الأطراف؛ وذلك بغية الحصول على قسط من الميراث المغري. أما بالنسبة إلى كردستان، فقد كانت مقسمة آنذاك بين الإمبراطورية العثمانية والدولة الإيرانية وارثة الإمبراطورية الصفوية (بموجب جالديران 1514) ([1]).  كان القسم الأكبر منها خاضعًا للإمبراطورية العثمانية التي هُزمت في الحرب، هذا القسم الذي غدا –شأنه شأن بقية المناطق التي كانت خاضعة للإمبراطورية المعنية– موضوع مناقشات ومفاوضات طويلة معقدة رافقت الحرب وأعقبتها. وما يهمنا هنا بصورة خاصة هو ما جرى من حديث ومباحثات واتفاقات حول المناطق الكردية في العراق وسورية، نظرًا إلى ارتباط ذلك بصورة مباشرة بموضوعنا هنا.

فقد كانت ولاية الموصل إضافة إلى المناطق الجنوبية الغربية من كردستان بموجب اتفاق سايكس – بيكو جزءًا من منطقة الانتداب الفرنسي، لكن هذا الاتفاق خضعت لتعديلات عدة نتيجة الأطماع البريطانية في ولاية الموصل، إذ كانت رائحة النفط بدأت تفوح، إضافة إلى الثروة المائية، فضلًا عن الموقع الاستراتيجي المتاخم لتركيا وإيران والقرب من روسيا التي كانت قد أصبحت سوفياتية في المراحل الأخيرة من الحرب 1917.

جرت مناقشة هذه التعديلات في مؤتمر الصلح الذي انعقد في باريس عام 1919، واتخذ قرارٌ مبدئي –بناء على اقتراح من الرئيس الأميركي ويلسن– يقضي بسلخ أرمينيا، وكردستان، وسورية، وميسوبوتاميا، وفلسطين، وشبه الجزيرة العربية عن تركيا. الأمر الذي دفع بالمؤرخ الأميركي هوارد إلى القول: «بأن الدول الأوربية الكبرى قد أعلنت في 30 كانون الثاني/ يناير 1919 نهاية الإمبراطورية التركية» ([2]).

وكانت هناك مناقشات واسعات حول مشروع القرار هذا في مجلس العشرة في 30 كانون الثاني/ يناير 1919، اتضح من خلالها جانب مثير للفضول «حيث تبين أن عبارة (كردستان) لم تكن موجودة في المشروع الأول الذي تقدم به المجلس، وقال لويد جورج (رئيس وزراء بريطانيا في ذلك الحين) حرفيًا بعد إدخال تعديل على مشروع الوفد البريطاني: مما يؤسف له أنه أغفل بلدًا داخلًا في عداد تركيا لأنه ظن أن ميسوبوتاميا وأرمينيا تغطيان عليه، لكنه أبلغ بأن الأمر ليس كذلك. وهذا ما يتعلق بكردستان التي تقع بين ميسوبوتاميا وأرمينيا، لهذا فإنه يقترح إن لم تكن ثمة اعتراضات بضم «كردستان أيضًا» إلى المشروع، ولم يعقب ذلك أية اعتراضات» ([3]).

وقد استمع المؤتمر المذكور إلى وجهة نظر كل من الزعيم الأرمني أوتيس أهارونيان والأمير فيصل بن شريف مكة حسين بن علي حليف بريطانيا الذي دعا إلى استقلال «شعوب آسيا الناطقة باللغة العربية» ([4]). وقدم الجنرال شريف باشا سفير الإمبراطورية العثمانية سابقًا في السويد مذكرة حدد فيها (المطالب المشروعة للأمة الكردية) بناء على وجهة نظره، وانحصرت هذه المطالب في تأسيس دولة كردية مستقلة وفق مبادئ تقرير المصير المعلنة في (البنود الأربعة عشرة لمبادئ الرئيس ويلسن) ([5]). في حين دعا ممثل تركيا المهزومة فريد باشا «إلى ضرورة إبقاء الجزء الأكبر من كردستان تحت سيطرة الدولة التركية، بالإضافة إلى الممتلكات الآسيوية الأخرى التابعة لها» ([6]). فرد عليه بلفور وزير خارجية بريطانيا حينئذ قائلًا: «بما أن تركيا هاجمت عمدًا ودون أية ذريعة أو استفزاز الحلفاء، وهُزمت فقد كان على الدول المنتصرة أداء واجب صعب وهو تقرير مصير الشعوب المختلفة في الإمبراطورية التركية المتعددة القوميات» ([7]).

من ناحية أخرى، طالب الوفد الإيراني في مؤتمر باريس بالمناطق الواقعة في آسيا الصغرى حتى الفرات (أي كردستان وديار بكر والموصل إضافة إلى ما وراء القفقاس ومرو وهوى) ([8]). وهذا فحواه أن الدولة الفارسية تجاوزت الدولة التركية في مطالبها الخاصة بكردستان، إذ كانت تريد كردستان كلها، الأمر الذي حدا بالمؤتمر إلى رفض حتى الاستماع إلى الوفد الإيراني ([9]) نفسه.

ونظرًا إلى تعارض المطامح القومية مع المطامع الاستعمارية بل تناقضها، وتباين وجهات النظر بخصوص رسم الحدود، واستشفاف إرادة الشعوب، ورغبة في إيجاد صيغة من التوفيق المقبول بين الفرقاء مختلفهم، اقترح ويلسن –الرئيس الأميركي آنذاك–  تشكيل لجنة دولية مهمتها دراسة الوضع ميدانيًا في المناطق التابعة للدولة التركية، وذلك بغية التعرف عن كثب إلى أحوالها ورغبات شعوبها، ومن ثم تقديم المقترحات بشأن المستقبل، وبخاصة ما يتصل منها بمسألة الانتدابات.

رفضت فرنسا إرسال وفدها إلى اللجنة المقترحة، بينما عبرت بريطانيا عن عزمها على المشاركة، لكنها اقتدت لاحقًا بفرنسا رغبة منها في كسب ودها في ما يتصل بمطامعها في فلسطين وميسوبوتاميا. وهكذا لم يبقَ في اللجنة سوى الوفد الأميركي الذي ضم كلًا من هنري كنغ وتشارلز كراين، «قامت اللجنة في العاشر من حزيران/ يونيو ولغاية 23 تموز/ يوليو بزيارة فلسطين وسورية (مع لبنان) وكيليكية لإجراء استفتاء للسكان، وقد سلم في 28 آب/ أغسطس تقرير لجنة كنغ – كراين إلى الوفد الأميركي في باريس» ([10]).

واستنادًا إلى هذا التقرير -الذي تضمن مقترحات شتى تناولت أوضاعًا مختلفة في المنطقة، نعنى هنا بما يخص المسألة الكردية منها– قدّم عضو الوفد الأميركي في مؤتمر باريس البروفسور ألبرت ليبي مذكرة تضمنت برنامجًا لحل القضية الكردية،  جاء فيها «أنه يجب منح الأكراد المنطقة الجغرافية الطبيعية بين أرمينيا المقترحة في الشمال، وميسوبوتاميا في الجنوب، وبين الفرات ودجلة على الحدود الغربية وبين الحدود الفارسية من الشرق ويجوز منح هذه الأراضي الواقعة تحت حكم انتدابي صارم الإدارة الذاتية لإعدادها للاستقلال أو لاتحاد فدرالي مع جارتها على أساس اتحاد له إدارة ذاتية واسعة»([11]).

لكن هذا التوجه لم يكن ينسجم مع الأطماع البريطانية والفرنسية في نفط ميسوبوتاميا وكردستان، إضافة إلى رغبتهما في إيجاد حاجز أمني بين مستعمراتها في كل من سورية وميسوبوتاميا «التسمية التي كانت تطلق في وثائق الحلفاء على المنطقة الواقعة جنوبي ولاية الموصل – العراق».

ولما تأكدت المطامع البريطانية شيئًا فشيئًا بالنسبة إلى ولاية الموصل، كان الرد الفرنسي واضحًا، وتمثّل ذلك في المذكرة التي بعث بها كليمنصو إلى رئيس وزراء بريطانيا في ذلك الحين لويد جورج، في 2 كانون الأول/ ديسمبر عام 1919 وجاء فيها: «بما أن الأمر يتعلق بفرنسا فان إعطاء الموصل كتعويض أمر ضروري يلح عليه البرلمان الفرنسي والصناعة الفرنسية بنفس القدر، بإقامة المساواة التامة في استثمار المصادر النفطية في ميسوبوتاميا وكردستان.. وتعطى لهذه المسألة أهمية كبيرة نظرًا لفقدان النفط تمامًا في فرنسا وحاجة البلاد إليه» ([12]).

وهكذا استمر إجراء المباحثات، وتبادل المذكرات إلى حين عقد مؤتمر سان ريمو عام 1920 الذي بدأ أعماله في 19 نيسان/ أبريل بمناقشة مسائل عدة من بينها المسألة الكردية، وبناء على اقتراح من لويد جورج، جرى الاعتراف في هذا المؤتمر بمصالح إيطاليا الخاصة في جنوب الأناضول، وبمصالح فرنسا في كيليكية وفي الجزء الغربي من كردستان المتاخم لسورية، وحتى جزيرة ابن عمرو (جزيرة بوطان)، وبمصالح بريطانيا إلى الشرق من نهر دجلة ([13]).

مهّد مؤتمر سان ريمو بصورة فعلية للتوقيع على معاهدة سيفر من ضواحي باريس في 10 آب/ أغسطس عام 1920. في سيفر حصل الشعب الكردي (على الاعتراف العالمي بالدولة) ([14]). وقد حظيت المسألة الكردية على العموم بأهمية خاصة، وقد تمثل ذلك في تناولها ضمن الفصل الثالث (كردستان) -المود 62-64- في الجزء الرئيس من المعاهدة بعد فصلي (القسطنطينية) و(المضائق) ([15]).

إلا أنه بدا واضحًا منذ البداية أن بريطانيا لم تكن راضية بمعاهدة سيفر التي لم تضع النقاط على الأحرف تمامًا في ما يتصل بمخططاتها الاستعمارية، ورغبتها في السيطرة على نفط المنطقة، ومن ثم التحكم بطريق الهند. وقد كان يقابل عدم الرضا هذا تباين وجهات نظر أركان الإدارة البريطانية بخصوص ملامح مستقبل المنطقة، لذلك ارتأى ونستون تشرشل –الذي كان قد تسلّم للتو منصب وزير المستعمرات بدلًا من منصب وزير الحربية– «عقد مؤتمر خاص لتناول قضايا الشرق الأدنى. وقد انعقد هذا المؤتمر في القاهرة في 12 آذار/ مارس عام 1921 بمشاركة رؤساء الإدارة البريطانية في العراق، وفلسطين، وشرق الأردن، ومصر وكبار الضباط في القوات البريطانية المسلحة المتمركزة في الشرق الأوسط وكذلك خبراء ماهرون من شبكة الاستخبارات الإنكليزية مثل لورانس، ونوئيل، والرئد يانغ، وغيرترودبيل، وغيرهم» ([16]).

تداول المشاركون في المؤتمر مسائل مختلفة ذات علاقة بتوجهات السياسة البريطانية في الشرق الأدنى، وقد حظيت المسألة الكردية باهتمام لافت للنظر في المناقشات، وقد كان مصدر ذلك الاهتمام هو انبعاث رائحة النفط من منطقة الموصل، وقد اختلفت آراء المشاركين حول كيفية التعامل مع قضية الموصل، لكنها تمحورت جميعها حول أهمية المنطقة بالنسبة إلى بريطانيا،  وضرورة إيجاد صيغة من العلاقة معها تقطع الطريق على الدولة التركية التي كانت تريد من ناحيتها فرض سيطرتها على كردستان، رغبة منها في الاحتفاظ بالورقة الكردية لنفسها، تمهيدًا لابتلاعها بصورة نهائية إذا تسنَّى لها ذلك. بينما كانت الإدارة البريطانية تريد هي الأخرى من جهتها استباق الأمور، ووضع فرنسا أمام الأمر الواقع الذي من شأنه إلزامها بالموافقة النهائية على ضم الموصل إلى منطقة الانتداب البريطاني. وهذا ما عبّر عنه تشرتشل بدعوته إلى ضرورة التقارب بين العراق وكردستان بإشراف المندوب السامي البريطاني، ليكونا مستقبلًا دولة واحدة خاضعة لبريطانيا، وأعلن «أن ثمة تشابهًا تامًا بين وظائف الحاكم العام في جنوب أفريقيا (بالنسبة إلى اتحاد جنوب أفريقيا وروديسيا) والمندوب السامي البريطاني بالنسبة إلى ميسوبوتاميا وكردستان» ([17]).

وقد كانت المعاهدة الأنكلو- فرنسية التي جرى التوقيع عليها في باريس في 23 كانون الأول/ ديسمبر 1920 –  قد مهدت لهذه الخطوة، إذ اتفقت الدولتان البريطانية والفرنسية بموجبها على تحديد حصتيهما من أراضي الانتداب في كل من سورية والعراق، «واعتبارًا من هذا التاريخ بدأ اسم كردستان الجنوبية الغربية بالظهور، وذلك أن الحدود الجديدة ضمت جزءًا من الأراضي الكردية إلى سورية» ([18]). لكن الوليد الجديد لم يكن قد اكتمل بعد، الأمر الذي اقتضى إجراء عملية قيصرية ثانية في إطار مؤتمر لندن الذي انعقد في المدة ما بين 21 شباط/ فبراير و14 آذار/ مارس عام 1921. والأمر الذي أثار الانتباه في هذا المؤتمر هو أن وزير خارجية المجلس الوطني التركي الكبير سامي بك ترأس الوفد التركي الموحد الذي كان يمثل كلًا من حكومة مصطفى كمال في أنقرة، والإدارة العثمانية في إسطنبول، وهذا ما كان في حد ذاته مؤشرًا في غير مصلحة المسألة الكردية. إذ إنه دل على وجود رغبة لدى الحلفاء في الوصول إلى توافق مصلحي يرضي كل طرف ضمن الإمكانات المتاحة، وهذا ما كان بطبيعة الحال على حساب الطرف الأضعف.

جرت في إطار المؤتمر المذكور سلسلة من المناقشات، خصت مستقبل الأوضاع في المناطق غير التركية التي كانت خاضعة للدولة العثمانية. وقد استأثرت المسألة الكردية باهتمام كبير في المداولات، نظرًا إلى موقع كردستان الفاصل بين مناطق النفوذ والانتداب في كل من إيران، والعراق، وسورية، وتركيا، فضلًا عن مجاورة كردستان لأراضي روسيا السوفياتية آنذاك، العدو المنتظر.

لم يتوصل مؤتمر لندن إلى شيء محدد سوى إبراز ضرورة النظر في معاهدة سيفر. لكن الذي حدث هو قيام بكير سامي بك بإبرام جملة من الاتفاقات مع عدد من ممثلي الدولة المشاركة، وذلك على هامش أعمال المؤتمر. وما يهمنا هنا يتمثّل في الاتفاق الذي عقده مع وزير خارجية فرنسا آنذاك بريان. ذلك الاتفاق الذي اتسم بطابعه العسكري والسياسي والاقتصادي. وحصلت فرنسا بموجبه على اعتراف بالنفوذ في كيليكية وجنوب شرق الأناضول، مقابل الحد من تواجدها العسكري هناك؛ وتضمن الاتفاق في الوقت عينه (رسم الحدود التركية السورية) ([19]). ولعله ليس من الصعوبة بمكان «أن نلاحظ أن هذه الاتفاقية سواء من حيث جانبها الجغرافي أم السياسي- الاقتصادي، قد مسّت المناطق الكردية في سورية، «وأصبحت المسألة الكردية وللمرة الأولى موضوعًا مباشرًا للمفاوضات التركية – الفرنسية، وحصل الفرنسيون على إمكانية التغلغل في المناطق الكردية الواسعة الغنية» ([20]).

هنا نستطيع القول: بأن الملامح شبه النهائية لحدود كردستان سورية أو المناطق الكردية في سورية قد بدأت تتضح شيئًا فشيئًا. فبعد أن تحددت تخومها الشرقية نتيجة الاتفاق الإنكليزي – الفرنسي، ها هي حدودها الشمالية ترسم بموجب الاتفاق المبدئي بين كل من بريان وبكير سامي بك، ذاك الاتفاق الذي مثّل في واقع الحال مسودة معاهدة الصلح التركية – الفرنسية، معاهدة فرانكلين بويون ([21]) التي وُقّعت في أنقرة بتاريخ 20 تشرين الثاني عام 1921، وهي المعاهدة التي أكدت بصورة لا غبار عليها سقوط معاهدة سيفر، وأنهت حال الحرب بين فرنسا وتركيا، ثم إنها تضمنت تخليًا فرنسيًا عن نظام سيفر، وأقرت باعتراف فرنسا بحكومة أنقرة الكمالية، إضافة إلى ما تقدم، جرى الاتفاق بموجب هذه المعاهدة على رسم الحدود بين تركيا وسورية، وأصبحت أنطاكية تابعة لتركيا، بينما باتت إسكندرونة تابعة لسورية مع إجراءات خاصة.

إلى جانب ذلك، انسحبت فرنسا من كيليكية «ومن المناطق الواقعة إلى الشمال من الحدود التركية – السورية، وبقيت سكة حديد بغداد المهمة من الناحية الاستراتيجية والممتدة من تشوبان بك (محطة الرعي) وحتى نصيبين داخل الحدود التركية. ونالت تركيا حق نقل المعدات العسكرية عبر الخط الحديدي الذي يمر في الأراضي السورية» ([22]).

وفي المقابل حصلت فرنسا على امتيازات في جنوب شرق الأناضول. وقد كان لهذه المعاهدة تأثير مباشر على القضية الكردية بصورة عامة، إذ إنها «أبعدت إحدى أعضاء دول الحلفاء الرئيسة من نظام سيفر، وبالتالي حكمت على معاهدة سيفر نفسها وموادها الكردية بفشل محتوم» ([23]).

لكن التأثيرات التراجيدية لهذه المعاهدة كانت محليًا أوضح للعيان، إذ قضت بخلخلة بنيوية في المجتمع الكردي في المنطقة، وفصلت عرى القرابة بين الأسر، وأحدثت خلخلة كبرى في أوضاع المنطقة على مختلف الصعد، خصوصًا على الصعيد الاقتصادي، إذ باتت المناطق التي ألحقت بسورية معزولة عن مراكزها الاقتصادية، الأمر الذي أثر بصورة سلبية في نموها الاقتصادي اللاحق، وحتى في توازنها المجتمعي، ومستواها الثقافي والتعليمي، وعلى صعيد امتلاكها للوعي المديني، إذ إن المناطق الريفية الزراعية منها والرعوية هي التي أصبحت في الجانب السوري، بينما ظلت المراكز الحضرية والمدن الكبرى في الجانب التركي.

لقد مست هذه المعاهدة بصورة مباشرة كردستان الجنوبية الغربية «وأقرّت بصورة نهائية السيطرة الفرنسية على جزئها السوري. ووطدت المواقع العسكرية والسياسية لحكومة الكماليين في المناطق الجنوبية من كردستان تركيا، وفي آن واحد أصبحت لدى تركيا إمكانية تحسين مواقعها العسكرية – الاستراتيجية وبشكل ملموس على حدود كردستان الجنوبية» ([24]).

وأعطت المعاهدة المذكورة دفعة حيوية للحكومة الكمالية التي أعدت نفسها في ظل الأوضاع الدولية المستجدة للمطالبة بإلغاء معاهدة سيفر، وهي التي كانت قد ألزمت الدولة التركية بضرورة الموافقة على الاعتراف بالدولة الكردية بحسب المواد 62، 63، 64 من القسم الثالث من المعاهدة المذكورة، وذلك إذا عبّر الشعب الكردي عن رغبته في إقامة مثل هذه الدولة. لكن الصورة الآن قد تغيّرت، فتركيا التي كانت الخصم التقليدي لروسيا القيصرية، كانت قد تحولت في عهد مصطفى كمال إلى صديق لروسيا السوفياتية. أما على الصعيد الداخلي، فقد كانت مسألة السلطة قد حسمت لمصلحة مصطفى كمال الذي ألغى في 1 تشرين الثاني/ نوفمبر عام 1922 السلطنة، ومعها حكومة الباب العالي، في حين كان الخليفة عبد المجيد الذي ترك وشأنه محض رمز ديني ينتظر نهايته. وهكذا غدت حكومة الكماليين حكومة المجلس الوطني التركي الكبير، سيدة وحيدة من دون منازع، تتحكّم في مجمل أوضاع البلاد. وبعد مرور عام، أعلنت أنقرة في تشرين الأول/ أكتوبر عام 1923 عاصمة رسمية للجمهورية التركية؛ (وفي أوائل آذار/ مارس عام 1924 ألغيت الخلافة) ([25]). هذه المعطيات، إضافة إلى تلك الخاصة بكل من بريطانيا وفرنسا، مهدت السبيل لعقد مؤتمر لوزان عام 1923، الذي تجاهل مسألة الدولة الكردية.

وهكذا فتحت صفحة مأسوية بالنسبة إلى الواقع الكردي أرضًا وشعبًا، فعلى صعيد الأرض قسمت كردستان إلى أربعة أجزاء بعد أن كانت مقسمة إلى جزأين قبل الحرب، وعلى صعيد الشعب، توزع الشعب الكردي بين أربع دول ذات أنظمة اجتماعية واقتصادية ، وثقافية، وسياسية مختلفة، الأمر الذي أحدث شروخًا عميقة في الجسد الكردي، وأدى إلى تباين نوعي في مستوى النمو والوعي، وما كان يزيد في مأسوية الوضع اتفاق الدول الأربع وإصرارها على إلغاء الشخصية الكردية القومية بشتى السبل، بدءًا من الكلام المعسول الفضفاض الخالي من أي مضمون واقعي، وانتهاء بالكيماوي، والأنفال وإعلان الجهاد على (الأكراد الكفار).

لكن الوضع بالنسبة إلى كردستان سورية كان هو الأكثر إيلامًا، إذ ألحقت بموجب الاتفاق الإنكليزي- الفرنسي الخاص بالحدود العراقية – السورية، والاتفاق الفرنسي – التركي بشأن ترسيم الحدود التركية – السورية، ثلاث مناطق كردية في سورية الكيان السياسي الحديث، هذه المناطق تبدو منفصلة بعضها عن بعض إذا ما نظر إليها المرء من الجنوب، لكنها من الشمال والشرق ترتبط بصورة عضوية بكردستان تركيا وكردستان العراق، الأمر الذي يؤكد مرة أخرى مدى اعتباطية التقسيم الاستعماري للمنطقة، والبعد الكارثي للنتائج التي ترتبت عليه، هذه النتائج المتفاقمة حتى يومنا هذا.

 

ثانيًا: الواقع الإداري والاجتماعي للمناطق الكردية في سورية

 1- الواقع الإداري

مصطلح المناطق الكردية في سورية/ كردستان سورية يشمل المناطق الآتية: الجزيرة، كوباني (عين العرب)، عفرين.

الجزيرة؛ وهي المنطقة الكردية الأكبر في سورية، ترتبط إلى الشرق بكردستان العراق، وإلى الشمال بكردستان تركيا. كانت المنطقة الكردية في القسم العلوي منها تابعة لولاية ديار بكر، وفي ما بعد لولايتي دياربكر وماردين ([26]). يسكنها حوالى مليون كردي، إلى جانب المكوّنات الأخريات، من مثل العرب، السريان، الكلدان، الأرمن، والأشوريين. في حين إن الكرد هم أقلية في الجزيرة السفلى بالنسبة إلى العرب، وفي سبيل المحافظة على الطابع الأقوامي في المنطقة من الحكومات السورية المتعاقبة، كان الإصرار الدائم على الربط الإداري بين الجزيرة العليا ومناطق واسعة من الجزيرة السفلى، لتكوّن في المحصلة المنطقة الإدارية المعروفة بمحافظة الحسكة.

 

المدن والبلدات الكردية الرئيسة في الجزيرة من الشرق إلى الغرب هي:

ديريك؛ وهي اليوم مركز المنطقة التي تعرف رسميًا بالمالكية، وتضم ناحية ÇILAXA (الجوادية) وتل كوجر GIRÊKOCERA (اليعربية)، إضافة إلى QERE ÇOX والرميلان، حيث حقول النفط الشهيرة في أقصى الشمال الشرقي من سورية. وترتبط بديريك أكثر من 150 قرية كبيرة نسبيًا، مقارنة بالقرى الأخرى في الجزيرة. حاليًا تعرف ديريك رسميًا –كما أسلفنا– بالمالكية، وهو الاسم المعرب الذي أطلق عام 1957. ومن الجدير بالذكر هنا أن مركز المنطقة انتقل إلى ديريك عام 1936، وقبل هذا التاريخ كانت قرية عين ديور السياحية الشهيرة على ضفة دجلة الغربية هي المركز، بينما كان القضاء يسمى حينئذ قضاء دجلة ([27]).

كانت المنطقة قبل التقسيم ورسم الحدود تتعامل اقتصاديًا مع جزيرة بوطان والموصل وزاخو. إلا أنه بعد التقسيم بدأت حكومة الانتداب تركز على ديريك التي تستمد اسمها من دير مسيحي صغير، ما زال هيلكه العام قائمًا إلى اليوم. ولكن في أواخر الخمسينيات ارتأى مدير المنطقة –ويبدو أنه كان من أسرة عدنان المالكي– أن يعرّب الاسم، فاقترح ذلك على السلطات المختصة، وكان الاسم الجديد المالكية بموجب المرسوم 346- 24 آذار/مارس 1957، وهذا الاسم لا يستخدم سوى في المعاملات الرسمية، في حين إن المواطنين يتداولون فيها بينهم الاسم الأساس. تتميز منطقة ديريك بهضابها، وتربتها الخصبة إلى جانب أمطارها الغزيرة، وهي تعد من منطقة الاستقرار الأولى، وفق المصطلحات التي تستخدمها دوائر الزراعة السورية، بمعنى أن الزراعة البعلية فيها مضمونة. الثروة المائية في المنطقة لا بأس بها، خصوصًا إذا وضعنا في حسباننا وجود نهر دجلة، إضافة إلى الوديان الأخرى، وطبيعة المنطقة تجمع بين خصائص السهل والجبل. عدد الكرد في المنطقة يقدر بنحو 200 ألف نسمة، حوالى ثلثهم في مركز المنطقة، والباقي في القرى التابعة لها ([28]).

وتبلغ مساحة المخطط التنظيمي لمدينة ديريك 250 هكتارًا.

إلى الغرب من ديريك بحوالى 70 كم، تقع بلدة تربه سبيي التي خضع اسمها للتعريب مرتين؛ المرة الأولى كانت عندما ترجم اسمها إلى العربية حرفيًا، فغدا (قبور البيض)، الأمر الذي لم يشف غليل المسؤولين عن التعريب الأول، فاتفقوا في ما بينهم على أن يكون الاسم الجديد للبلدة هو القحطانية. عدد سكان تربه سبيي والقرى التابعة لها حوالى 70 ألفًا، منهم نحو 20 ألفًا في مركز البلدة، في حين إن الباقين يتوزعون في القرى التابعة لها.

إلى الغرب من تربه سبيي بحوالى 30 كم تقع مدينة القامشلي، العاصمة الإقليمية الفعلية لمنطقة الجزيرة. يضم مركز المدينة نحو 300 ألف نسمة (25)، أما القرى التابعة لها فهي تضم أكثر من 150 ألفًا. نسبة السكان الكرد في المدينة هي حوالى 70 في المئة، أما النسبة الباقية فتضم السريان والعرب، إضافة إلى المكونات الأخريات من مثل الأرمن والكلدان والأشوريين.

مدينة القامشلي حديثة نسبيًا، أنشأها الفرنسيون لسد حاجة المنطقة إلى مركز إداري، تجاري بعد عملية رسم الحدود التي فصلت منطقة الجزيرة عن الجزيرة بوطان ونصيبين، إضافة إلى ماردين.

وقد استمدت المدينة اسمها من نبات القاميش –قامر (القصب) الذي كان يغطي ضفاف نهر جغجغ الذي يقسم المدينة إلى قسميها الشرقي والغربي. تعد مدينة القامشلي عقدة المواصلات الرئيسة بين منطقة الجزيرة والمناطق الداخلية، إذ فيها إضافة إلى المطار، ومحطة القطار الجديدة التي تربطها بدمشق واللاذقية، مرورًا بدير الزور والرقة وحلب. إلى جانب المحطة القديمة التي كانت تربطها سابقًا بحلب وبغداد بوساطة سكة خط قطار الشرق السريع، وهي التي أصبح القسم الأكبر منها تابعًا لتركيا بموجب الاتفاق الفرنسي – التركي المشار إليه سابقًا.

تعدّ القامشلي المركز التجاري والصناعي الأهم في منطقة الجزيرة، ثم إنها فضلًا عن ذلك تضم أهم المراكز الصحية في المنطقة. ونظرًا إلى حيوية المدينة بالنسبة إلى الكرد، استقرت فيها قيادات الفروع الأمنية في محافظة الحسكة، على الرغم من أن الحسكة هي مركز المحافظة، وليست القامشلي.

القامشلي مدينة مهملة، شأنها في ذلك شأن المدن الكردية الأخرى، سواء في محافظة الحسكة أو في محافظة حلب، إلى درجة أن المرء يدرك منذ الوهلة الأولى مدى الفرق الشاسع في التعامل بين المناطق الكردية والأخرى العربية داخل سورية. هذا على الرغم من أن المناطق الكردية، خصوصًا الجزيرة، هي التي تمد الاقتصاد السوري بثروات أساسية تمثل عماد الاقتصاد الوطني، ونخص بالذكر: النفط والحبوب بأنواعها، والقطن، فضلًا عن المنتوجات الزراعية الأخرى، إلى جانب الثروة الحيوانية.

تتبع منطقة القامشلي ثلاث نواحٍ هي: عامودا، تربه سبيي تل حميس. إضافة إلى أكثر من 200 قرية بينها قرى كبيرة مثل: تل معروف التي كانت إلى وقت قريب المركز الأقوى للطريقة النقشبندية في المنطقة. مساحة المخطط التنظيمي لمدينة القامشلي 2000 هكتار ([29]).

إلى الغرب من القامشلي، بنحو 30 كم تقع مدينة عامودا التي تبعد في اتجاه الغرب نحو ثمانية كيلومترات عن أوركيش/ تل موزان عاصمة الحوريين ([30]). المدينة التي يعود تاريخها المثبت في ذاكرة المعمرين إلى أكثر من ثلاثة قرون، إذ هناك أسر كثيرة في المدينة يعدد المسنون فيها أسماء أجدادهم حتى الرقم الثامن والتاسع وربما العاشر أحيانًا. ثم إن مقابر المدينة تشهد على تاريخها، إذ يعود تاريخ مقبرتها الحالية إلى عام 1929، وهو العام الذي توفي فيه الملا عبيد الله (سيدا)، وكان أول من دفن فيها، في حين إن المسنين لا يعرفون شيئًا عن بدايات المقبرة الأقدم. من المعالم الأثرية في المدينة، تلها الشهير Girê Shermola، وجامعها المعروف في المنطقة كلها، إذ كانت تتبعه مدرسة دينية، تخرج منها منذ بدايات القرن العشرين وحتى منتصف الستينيات عشرات من حملة الإجازة العلمية في الفقه والشريعة وعلوم التفسير، فضلًا عن النحو والصرف والبلاغة والمنطق، بلغت هذه المدرسة أوج ازدهارها في العشرينيات من هذا القرن بإشراف المرحوم العالم ملا عبيد الله هيزاني (سيدا). إذ كان يتوافد طلاب العلم من مناطق مختلفة من كردستان إلى المدرسة، ونذكر من طلاب هذه المدرسة المرحوم العالم ملا عبد الحليم إسماعيل الذي كان ضليعًا في المذاهب الفقهية الإسلامية الأربعة، وكان معروفًا لدى العلماء المسلمين في كثير من الدول الإسلامية. ثم إن الشاعر الكردي الشهير جكرخوين (ملا شيخموس) هو نفسه من بين طلاب هذه المدرسة، إضافة إلى كل من ملا عبد اللطيف إبراهيم، وملا شيخموس قرقاتي رحمهم الله جميعًا. عدد سكان منطقة عامودا حوالى 150 ألف نسمة، بينهم نحو 50 ألفًا في المدينة نفسها، أما البقية فهم يتوزعون على البلديات والقرى التابعات لها، وعددها حوالى 150 قرية. نسبة الكرد في منطقة عامودا هي 98 في المئة، أما البقية فهم عرب ومكونات أخريات. وما تجدر الإشارة إليه هنا هو أن تل عامودا أصبح في الجانب التركي من الحدود، وذلك بموجب الاتفاق الفرنسي – التركي سالف الذكر. في حين إن الطريق التي كانت تربط عامودا بماردين أصبحت غير سالكة بفعل التقسيم، علمًا بأن هذه الطريق ما زالت تعرف حتى الآن بين السكان بطريق المدينة Riya Bajêr وتوجد طرق أخريات تسمى: Riya Darê، أي طريق داري التي كانت تربط عامودا بقرية داري الشهيرة بآثارها التاريخية القديمة، وهي تقع اليوم نتيجة التقسيم في الجانب التركي من الحدود. تستمد عامودا حيويتها من كونها المركز الإداري التجاري للمنطقة الزراعية الخصبة التي تحوط بها، ففيها توجد المحلات التجارية التي تلبي حاجة المستهلكين، إضافة إلى الورشات الصناعية التي تخدم القطاع الزراعي، وتسد الحاجات المنـزلية.

إلى الغرب من عامودا تقع بلدة الدرباسية التي تبعد عنها 26 كم، وهي ناحية مرتبطة بمنطقة رأس العين. سابقًا كانت قرماني هي مركز الناحية. تقع في مواجهتها درباسية فوق الخط كما يسميها سكان المنطقة Dirbêsiya Serxetê. وهي الواقعة في الجانب التركي من الحدود بموجب اتفاق رسم الحدود. يفصل بين المدينتين الخط الحديدي، والألغام المزروعة في الحدود. منطقة الدرباسية زراعية في المقام الأول، وهي موطن العشائر الكيكية التي قسّمت ما بين تركيا وسورية. ويبلغ تعداد سكان المنطقة حوالى 150 ألفًا، منهم نحو 30 ألفًا في مركز الناحية والقرى الملاصقة لها، من مثل: تليلون وجطلي وكربتلي، أما الباقي فيتوزع بين أكثر من 100 قرية تابعة لمركز الناحية. ترتبط البلدة مع عامودا بطريق موازية لسكة الحديد. وترتبط بطريق مع مدينة الحسكة التي تقع إلى الجنوب منها بمسافة قدرها 70 كم، ومع مدينة رأس العين التي تقع إلى الغرب منها بمسافة 70كم. نسبة الكرد في منطقة الدرباسية حوالى 80 في المئة، أما البقية فهم عرب ومكونات أخريات من مثل السريان.

Serê Kanyê سري كاني (رأس العين): هي إداريًا مركز المنطقة، كانت مرتبطة سابقًا قبل ترسيم الحدود بويران شار Wêran Şhehir. تتمركز فيها أسرة إبراهيم باشا ذات الدور الكبير في المنطقة أيام السلطة العثمانية، خصوصًا في عهد السلطان عبد الحميد. فقد كانت المنطقة الممتدة حتى جبل عبد العزيز مسجلة بوصفها مراعيًا باسمها، أما نفوذها الحيوي فقد شمل مساحات أبعد من ذلك. تشتهر منطقة رأس العين بينابيعها التي تعد مصدر الخابور، ومن هنا كان اسمها سري كاني، هذا الاسم الذي عرّب حرفيًا فغدا رأس العين، إلا أن غزارة ينابيع المنطقة قد انخفضت في السنوات الأخيرة بنسبة كبيرة، وذلك نتيجة المشروعات المائية التركية الكبيرة، والحفر العشوائي للآبار الارتوازية. عدد سكان المنطقة أكثر من 150 ألف نسمة، منهم حوالى 40 ألفًا في مركز المدينة، أما الباقي فيتوزع في القرى التابعة، وعددها يربو على المئة. توجد في المنطقة ثروة مائية جارية مهمة، تتمثل في نهر الخابور، إضافة إلى الينابيع الكبريتية، هذا إلى جانب الثروة المائية الباطنية. المنطقة زراعية في المقام الأول، وزراعتها مروية بصورة أساس. أهم محصولاتها: الحبوب والقطن، إلى جانب الأشجار المثمرة. وفضلًا عما تقدم، تشتهر المنطقة بطابعها الأثري إذ تضم المنطقة تل حلف الشهير الذي يعد فخاره واحدًا من أبرز ما عُثِر عليه من فخار العصور القديمة، وبه يؤرخ لمرحلة مهمة من مراحل التاريخ ما قبل المكتوب. ثم إن المنطقة كانت ذات أهمية خاصة في عهود الميتانيين والحثيين والأقوام التي أتت من بعدهما، ويشار هنا إلى تل فخيرية الذي يظن حتى الآن أنه يضم موقع عاصمة الميتانيين وأشوكاني ([31]).

وأخيرًا نأتي إلى مركز المحافظة، الحسكة المدينة التي بدأ الاهتمام بها في عهد الفرنسيين، وكبرت بصورة ملحوظة في السنوات الأخيرات، عدد السكان في منطقة الحسكة حوالى 500 ألف نسمة. المنطقة تضم الحسكة المدينة، ومجموعة من النواحي والبلديات من مثل: تل تمر، تل براك، الشدادة، الجبسة، مركدة، إضافة إلى أكثر من 150 قرية. نسبة الكرد في المدينة نفسها حوالى 40 في المئة، أما النسبة الباقية فهي تضم العرب والسريان والأشوريين والأرمن والكلدان والجاجان. تتصف القرى التي تقع شمال مدينة الحسكة بطابعها الكردي، في حين إن نسبة الكرد تقل بصورة ملحوظة في القرى الواقعة إلى الجنوب والشرق من المدينة. المدينة حديثة نسبيًا، وقد اهتمت بها الحكومة بصورة لافتة للنظر على حساب مدينة قامشلي، المدينة الكبيرة والمهمة بالنسبة إلى موقعها. مساحة المخطط التنظيمي للحسكة هي 800 هكتار. تشتهر المدينة بنهر الخابور الذي يجري في وسطها، لكنه -مع الأسف- تأثر بالجفاف إلى حد بعيد. تعد الحسكة المركز الإداري للمنطقة، وقد حرصت الحكومات المتعاقبات باستمرار على اعتماد المركزية الإدارية الصارمة في تسيير المعاملات. وكانت في الوقت ذاته حازمة أمام مطالبة الأهالي بضرورة إحداث محافظة القامشلي، أسوة ببقية المحافظات الأخرى المستجدة من مثل طرطوس والرقة، علمًا بأن اتساع المنطقة وأهميتها الاقتصادية، يستلزمان مثل هذا التقسيم الإداري؛ فابن ديريك مثلًا عليه أن يسافر مسافة 200 كم من أجل الحصول على توقيع إداري أو ما شابه، لكن السلطات كانت متشددة في رفضها هذا المطلب على الرغم من مشروعيته ومعقوليته، انطلاقًا من هواجسها الشوفينية التي تريد قطع الطريق بصورة نهائية أمام إحداث محافظة يكون الكرد فيها الأغلبية السائدة بصورة لا تدع المجال لأي شك، وذلك تحسبًا لأي احتمالات مستقبلية.

أما المنطقة الكردية السورية الثانية فهي منطقة كوباني التي استمدت اسمها من اسم الشركة الألمانية التي أنشأت خط القطار السريع في عام 1912، ولكنه -الاسم- غدا لاحقًا عين العرب في إطار سياسة التعريب المتبعة تجاه المناطق الكردية. وقد سألت بنفسي عددًا من المسنين في المنطقة في أثناء زياراتي الكثيرة لها عن حكاية هذه التسمية الأخيرة، وما أجمعوا عليه هو أنه كان يوجد في المنطقة نبعان: الأول كان يسمى كانيا مرشدي أي نبع مرشد، (مرشد بينار بالتركية)، في حين سمي الثاني بكانيا عربا – نبع العرب، (عرب بينار بالتركية)، لأن العرب الرحل كانوا يأتون صيفًا مع مواشيهم إلى المنطقة من بوادي الرقة، وكان النبع مصدر مياههم، وهذا معناه أن سكان المنطقة الكرد هم الذين أطلقوا اسم عين العرب على نبع يقع ضمن منطقتهم هم. وما عرفته من أولئك المسنين أن الشيوخ العرب في تلك المرحلة كانوا يقرون بالوضع، ويعترفون بكون برية كوباني تابعة للمنطقة الكردية منذ البدايات. المنطقة كانت تابعة سابقًا لأورفة، ولكن بعد تقسيم الحدود أصبحت كوباني مركزًا للمدينة الحديثة. تتبع المنطقة إداريًا محافظة حلب، وكانت كذلك خلال العهد العثماني ([32]). وتضم حوالى 300 ألف نسمة، بينهم أكثر من 70 ألفًا في مركز المدينة، بينما البقية تتوزع في نحو 200 قرية تابعة لها. تفصل بين كوباني والجزيرة تل أبيض التي يسكنها مزيج من العرب والكرد والمكونات الأخريات، وهناك كثير من القرى الكردية بين كوباني وتل أبيض، وبينها وبين الرقة، لكن المنطقتين كلتيهما (الجزيرة وكوباني) ترتبطان بالمناطق الكردية في تركيا، وتلتقيان من خلالها، الأمر الذي يؤكد مرة أخرى مدى قسوة التقسيم وتعسفه.

تقع مدينة كوباني/ عين العرب إلى الشرق من نهر الفرات على مسافة 30 كم. والمنطقة بصورة عامة هي امتداد لسهل سروج الذي يقع اليوم في الجانب التركي. تشتهر المنطقة بزراعة الحبوب خصوصًا الشعير. وكذلك القطن والأشجار المثمرة من مثل المشمش واللوز والفستق الحلبي.

وأخيرًا نأتي إلى منطقة عفرين التي استمدت اسمها من نهر عفرين. كانت المنطقة تابعة إداريًّا في السابق لكلس مركز القضاء الذي بقيت بموجب التقسيم بموجب الاتفاق الفرنسي- التركي في الجانب التركي. في عهد الانتداب الفرنسي شُكِّل قضاء جديد باسم كرداغ/ جبل الكرد، وذلك بموجب القرار رقم 33، في 4 أيلول/ سبتمبر 1922، وكان يضم في ذلك الحين أربع نواحٍ هي: (1- الحمام. 2. قاطمة. 3- راجو. 4- بلبل) ([33]). تتكون منطقة عفرين في يومنا الراهن من سبع نواح هي: عفرين المركز، شران، معبطلي، بلبل، راجو، جنديرس، شيخ الحديد. إضافة إلى نحو 400 قرية ونحو 160 مزرعة. يقدر عدد سكان منطقة عفرين بنحو 500 ألف نسمة. المنطقة جبلية، تجمع بين مناخ الجبل والمتوسط لقربها من البحر.

وتجدر الإشارة هنا إلى كثير من سكان المنطقة هاجر منها إلى القسم الشمالي من كردستان التابع حاليًا لتركيا، في حين إن قسمًا آخر لا يستهان به توجه نحو مدينة حلب بحثًا عن فرص عمل أفضل، وذلك نتيجة واقع الإهمال الذي تعانيه المنطقة، شأنها في ذلك شأن بقية المناطق الكردية الأخرى. تشتهر منطقة عفرين بالزيتون والزيت الكرديين، إضافة إلى الأشجار المثمرة خصوصًا الفستق الحلبي، والمشمش، والعنب، إلى جانب الخضروات والحبوب والبقوليات، ثم إن طبيعة المنطقة خلابة ساحرة، تمتلك إمكانات سياحية كبيرة، فضلًا عن كنوزها الأثرية وبخاصة في منطقتي كفر جنة والنبي هورو ([34]).

 

2- الواقع الاجتماعي

المجتمع الكردي السوري في أصوله مجتمع ريفي- عشائري زراعي مع بؤر حضرية إذا صح التعبير. وذلك نتيجة واقع التقسيم الذي حصل في المنطقة بعد الحرب العالمية الأولى كما أسلفنا من قبل. ولكن الواقع الجديد دفع بسكان المنطقة إلى الاستقرار الزراعي بصوة أشمل، كما أدى في الوقت ذاته إلى ظهور تجمعات سكانية جديدة، سرعان ما تحولت إلى مدن، حلت مكان المدن التي ظلت في الجانب التركي، وذلك لتلبية حاجات المنطقة من جهة، وتلبية متطلبات سلطات الانتداب الفرنسية الأمنية والإدارية منها والاقتصادية. ولكن الطابع العشائري ظل له وزنه لبعض الوقت.

ومع تطبيق الإصلاح الزراعي أيام الوحدة السورية – المصرية 1958، وتعاظم حجم المدن المستحدثة، تراجعت أهمية العشيرة على صعيد الدور الموجه في المجتمع. وحلت محلها الأسرة الكبيرة، أو نظام العائلات، وبخاصة في المدن التي ظلت على علاقة وثيقة مع الريف. إذ إن أغلبية سكانها كانوا يمتلكون الأراضي الزراعية في القرى المحيطة، بل كان قسم كبير منهم يمتلك البيوت أيضًا، ويتنقلون بصورة دورية بين القرية والمدينة. وهذا ما أدى بدوره إلى سيادة العلاقة الاجتماعية المحافظة في تلك المدن. ثم إن الريف المحيط بات أكثر انفتاحًا نتيجة التواصل المستمر مع المدن.

المجتمع الكردي بصورة عامة مجتمع متدين محافظ، ولكنه غير متزمت، ويتجلى ذلك في حالة الاختلاط بين الجنسين في المناسبات الاجتماعية والمواسم الزراعية والحياة العامة، وحتى في العمل السياسي. ربما تختلف الصورة من منطقة إلى أخرى، ولكن الاتجاه العام غير المتشدد هو السائد. ولعله من اللافت هنا أن نلاحظ خلو المجتمع الكردي تقريبًا من ظاهرة الإسلام السياسي. وبالتوافق مع هذا التوجه، يتسم المجتمع الكردي بانفتاحه على أتباع الأديان والمذاهب الأخرى جميعها. واحترامه لدور العبادة الخاصة بهم، واحترام المناسبات والطقوس الدينية الخاصة بهم. بل هناك مشاركة اعتيادية في كثير من هذه المناسبات.

هذا مع العلم أن الأغلبية الساحقة من كرد سورية هم من المسلمين السنة، ومن المذهب الشافعي تحديدًا. هناك أقلية محدودة من أتباع المذهب العلوي في منطقة عفرين. وأقلية محدودة من أتباع الديانة الأيزيدية في مناطق قبور البيض/تربة سبيي والحسكة وعامودة ورأس العين/ سري كانيي وعفرين.

يحتفل الكرد السوريون بمناسباتهم الدينية والقومية، خصوصًا عيد نوروز، الذي يعدّ بداية السنة الكردية الجديدة، ويصادف موعد الانقلاب الربيعي 21 آذار/ مارس.

الشعور بالهوية القومية لافت وقوي لدى الكرد السوريين، وما يعززه أكثر يتمثّل في سياسات الاضطهاد المزودج التي مارسها النظام السياسي، وبخاصة في مرحلة البعث بحقهم. ومن هنا نلاحظ الانتشار الواسع للأحزاب الكردية ومنظمات المجتمع المدني والفاعليات المجتمعية التي تأخذ بالمنحى القومي.

أما على صعيد النشاط الاقتصادي والوضع المعيشي، فالزراعة بفرعيها المروي والبعلي هي العمود الفقري للاقتصاد في المناطق الكردية المختلفة، إلى جانب الثروة الحيوانية. أهم المزروعات هي الحبوب بأنواعها التي تشتهر بها منطقة الجزيرة، والقطن، والسمسم والكمون والخضروات والفواكه، والزيتون الذي تشتهر به منطقة عفرين. أما القطاع الزراعي فهو يقتصر على المشاغل والورشات الصغيرة التي توفر مستلزمات الإنتاج الزراعي بالدرجة الأولى، إلى جانب الحاجات المنزلية. وهناك قطاع خدمات مقبول نسبيًا، يخدم العملية الإنتاجية، ويقدم الخدمات للمواطنين في المستويات المختلفة. لا توجد مشروعات اقتصادية كبرى خاصة أو حكومية في المناطق الكردية. ومن هنا كان ذاك الثقل للطبقة الوسطى التي حافظت على التوازنات المجتمعية، وأسهمت في المحافظة على صيغة من الاعتدال في المواقف والآراء.

غير أن هذه الصورة في مجملها قد تغيرت كثيرًا في وقت الراهن في أوضاع الثورة والمتغيرات التي حدثث في المناطق المعنية. هناك حالة هجرة مخيفة، وبخاصة بين الجيل الشاب، الأمر الذي أدى إلى خلخة قوية في البنية المجتمعية. ثم إن أحوال الحرب أفرزت مجموعة من الفئات التي استفادت من واقع الحرب، مقابل تراجع الوضع المعيشي لأغلبية السكان، الأمر الذي دفع كثيرين نحو الهجرة سواء الهجرة الخارجية أم الداخلية نحو الأرياف ([35]).

 

خلاصات أو ملاحظات لا بد منها

1- مغالطة المجتمع الكردي القبلي

جرت العادة بين جمهور من الدارسين للتاريخ الكردي العام -انطلاقًا من دوافع يُشك في جدارتها العلمية- على تناول المجتمع الكردي بصورة عامة بوصفه محض قبائل تعيش على الرعي والزراعة الموسمية غير المستقرة. فهم لا يشيرون من قريب أو من بعيد إلى الحياة المدينية في المجتمع الكردي. ولا يتحدثون عن المدارس الدينية الكردية التي يعود تاريخها المعروف لدى المسنين من أبناء المنطقة إلى ثلاثمئة عام على الأقل. ويتحاشى هؤلاء عن قصد في معظم الأحيان تناول الاستقرار الزراعي الكردي منذ القديم، هذا فضلًا عن تطور النشاط التجاري بين الأكراد، وإتقانهم الحرف المختلفة، فضلًا عن اهتمامهم الجاد باكتساب المعارف العلمية، إلى جانب الإسهام الفاعل في التنظيمات السياسية والاجتماعية، والإصرار على الاحتفاظ باللغة الكردية السليمة، والسعي إلى تطويرها من خلال الأدب والنقد، وما إلى ذلك على الرغم من المحظورات جميعها.

هذا كله يترك جانبًا، بغية إفساح المجال أمام وجهة نظر لا أساس لها من العلمية فحواها أن المجتمع الكردي هو محض جملة من القبائل المتخاصمة المتصارعة التي لم تستقر بعد، ثم إنها عاجزة عن تحمل أي أعباء إدارية، أو مستلزمات المجتمع المدني المعاصر الضرورية.

ومن أجل تغطية هشاشة هذه الآراء المتهافتة أصلًا، يعود أصحابها إلى مرجع قديم مشكوك في علميته وصدقيته، يتحدث عن الكرد في القرن الثامن عشر أو ربما قبله، ليمارسوا نهجًا انتقائيًا، يختارون بموجبه ما يلائم توجهاتهم غير العلمية. لذلك ليس غريبًا أن نجد ثبتًا كاملًا لدى هؤلاء بأسماء العشائر الكردية التي ينسبون إليها ما يحلو لهم من صفات. متناسين أن هذه العشائر قد باتت منذ وقت طويل محض ذكرى لا دور لها في الحياة الواقعية بتشعباتها اليومية، وبخاصة على الصعيد السياسي، إذ تضم التنظيمات السياسية أبناء العشائر المختلفة التي كانت. فهؤلاء وجدوا أن الرابطة القومية أعم وأشمل من أي رابطة أخرى، لذلك التزموها، وعملوا من أجلها. وفي ما يخص المناطق الكردية في سورية، يلاحظ أن سكانه عرفوا الاستقرار الزراعي منذ القرن الثامن عشر على الأقل،  وذلك استنادًا إلى المعطيات المتوافرة حاليًا، وبخاصة ذاكرة الأجيال، ثم إنهم أتقنوا الحرف جميعها، ولعل الورشات الصناعية الموجودة بكثرة في المدن والبلدات الكردية كلها،  إلى جانب العدد الهائل من خريجي الجامعات، والكتاب، والأدباء، والفنانين بالمعنى الأوسع لهاتين الكلمتين الأخيرتين، لعل ذلك كله يستحق إعادة النظر في زعم قبلية المجتمع الكردي الذي يتكئ عليه بعضهم بقصد التنصل من ضرورة الاعتراف بحقوق هذا الشعب، وذلك بالتشكيك في وجوده أصلًا.

 

2- هشاشة زعم الوجود الكردي الطارئ في سورية

ينطلق كثير ممن يتناولون المسألة الكردية في سورية من موقع رغبوي إنكاري في كتاباتهم وتصريحاتهم من الزعم القائل: إن ظهور الكرد في سورية «كان نتيجة هربهم من الظلم التركي، فوجدوا في سورية ملاذًا آمنًا، وكرمًا عربيًا، كان الأحرى بهم الاعتراف بفضله، لكنهم اختاروا التنكر بكل معانيه، وطالبوا بما ليس لهم؛ خاصة حديثهم عن وجود جزء من كردستان في سورية».

قبل الأشياء كلها، لا بد من الملاحظة أن هؤلاء يشددون على الجزيرة وحدها، وكأنهم يريدون الترويج لزعم مفاده أن الوجود الكردي في كردستان سورية ينحصر في هذه المنطقة وحدها، من دون كوباني وعفرين اللتين تضمان حوالى من 800 ألف كردي، فضلًا عن القرى الكردية الكبيرة في منطقة الباب وإعزاز وحلب ([36])، والوجود الكردي الكبير في مدينتي حلب ودمشق، وريف دمشق، والمحافظات السورية معظمها، إن لم نقل جميعها. أما في ما يتصل بموضوع الهجرة، فهؤلاء يتجاهلون سوء نية واقع المنطقة قبل الحرب العالمية الأولى وبعدها. فهؤلاء يختزلون التاريخ والجغرافيا والحقوق الكردية المشروعة بمزاعم لا تتطابق مع الوقائع، ولا تمثل أساسًا لأي مقاربة موضوعية من شأنها المساهمة في معالجة المشكلة.

وبافتراض أن موضوع هجرة الكرد إلى سورية يتكرر كثيرًا، وهناك من يربط بين تلك الهجرة والمخططات الاستعمارية، فسنتناوله بشيء من التفصيل بغية التوضيح.

تعرض الكرد في أثناء الحرب العالمية الأولى 1914-1918، في المنطقة الممتدة من الحدود الروسية إلى بدليس، إلى ضغط مزدوج من الجيش الروسي المقتحم من جهة، والجيش التركي الذي كان يرهق السكان من جهة ثانية، فقد كان هذا الأخير يجند الرجال ويسيطر على كل شيء في سبيل الحرب، تجاه هذا الوضع الصعب والمعقد، اضطر الناس في المنطقة المشار إليها إلى ترك قراهم وممتلكاتهم إنقاذًا لأرواحهم، فتحركوا في الاتجاهات جميعها. قسم محدود من هؤلاء توجه نحو الجنوب، وهم في ذلك كانوا يبحثون عن ملاذ آمن ضمن حدود وطنهم الذي لم يكن قد قسم بعد. فاستقروا في المدن والقرى الكردية إلى الشمال والجنوب من سكة قطار الشرق السريع التي تفصل اليوم بين تركيا وسورية في منطقة الجزيرة -أنجزت هذه السكة في عام 1912- لكن استقرار هؤلاء لم يستمر طويلًا، إذ إن البنية الاجتماعية لم تستوعبهم، بل ظلوا بالنسبة إليها محض عناصر هامشية تحوم حول المجتمع، ولا تجد سبيلًا أمامها لتتحول إلى عنصر يأخذ دوره ضمن شبكة العلاقات الاجتماعية التي كانت قائمة حينذاك، على الرغم من اشتراكهم في المنبت القومي نفسه.  وما ترتب على ذلك تمثل في التعامل معهم على صعيد المعيار الاجتماعي بوصفهم أدنى مرتبة من سكان المنطقة الأصليين، وهذه مسألة معروفة، نجد نماذج لها في مناطق الأزمات المختلفة، نشير هنا على سبيل المثال لا الحصر إلى وضع اللاجئين الفلسطينيين بعد عام 1948 في كل من سورية ولبنان ومصر، ونشير إلى النازحين السوريين من الجولان إثر حرب 1967 والمهجرين اللبنانيين في أثناء الحرب الأهلية اللبنانية 1975-1990 لذلك عاد القسم الأكبر من هؤلاء إلى مناطقهم، إلى بيوتهم وأملاكهم حالَ انتهاء الحرب، نتيجة عجزهم عن التكيف مع المناخ الجديد، وصعوبة تحملهم للنظرة الدونية من أبناء جلدتهم الكرد الذين لم يكن الوعي القومي بمفهومه المعاصر قد تأصل بينهم بعد بما يكفي. إلى جانب ذلك، كان هؤلاء المهاجرين معظمهم قد تركوا وراءهم أراضي خصبة، وبيئة اعتادوها في المستويات المختلفة، وبخاصة الاجتماعية والمناخية منها. وفي المقابل لم يجد هؤلاء في المنطقة وسيلة إنتاج ملائمة، تمكنهم من تأمين مصدر معيشي ملائم. لذلك ارتأوا العودة لدى أول فرصة سنحت لهم. مجموعة صغيرة محدودة العدد هي التي بقيت، وذلك بفعل أوضاع كل أسرة، لكنها كانت تمتلك مشروعيته الكاملة في البقاء، إذ إن هجرتها كانت داخلية، ضمن إطار وطنها، شأنها في ذلك شأن هجرة العرب بين الأقطار العربية. لكن هذه المجموعة ذاتها فوجئت في ما بعد بعملية التقسيم في العشرينيات من القرن الماضي، هذا التقسيم الذي كان في البداية ضبابيًا، إذ استمر الناس في التنقل عبر طرفي الحدود من دون أي تدقيق حقيقي، ولكن مع الوقت اشتدت الإجراءات، وباتت المسألة اكثر ضبطًا وحزمًا، لذلك فضل قسم من هذه المجموعة العودة إلى منطقته الأولى، بعد أن أدرك أن الصلات بينه وبين ذوي القربى ستنقطع نهائيًا إن استمر في البقاء.  كثيرون من هؤلاء كانوا يمتلكون الجنسية السورية، لكنهم استغنوا عنها وعادوا أدراجهم إلى قراهم، ولم يكونوا في أي يوم من الأيام عناصر «مؤامرة استعمارية كبيرة تهدد عروبة الجزيرة العليا المحاذية للحدود مع تركيا» -الكردية أصلًا- كما يحلو لأصحاب عدد من الكتابات اللامسؤولة الترويج له. ويستطيع أي مهتم (قادر) أن يعود بنفسه -في ما إذا سمح له- إلى السجلات المدنية في مدن الجزيرة، ليتأكد بنفسه من عدد هؤلاء الذين غادروا ممن امتلكوا الجنسية السورية بطرائق مشروعة، كونهم كانوا في المنطقة قبل تأسيس الدولة السورية.

أما الادعاء الآخر القائل إن الكرد في سورية هم من أولئك الكرد الذي لاذوا بسورية في منتصف العشرينيات، في إثر إخفاق ثورة الشيخ سعيد بيران عام 1925، فهو أمر مردود، لأن العدد الذي وصل إلى سورية من الكرد في هذا التاريخ كان محدودًا للغاية، معظمهم كانوا من الفاعليات السياسية المثقفة التي توجهت إلى أبناء شعبها في المناطق الكردية السورية، كي تلتقط أنفاسها، وتعد العدة لعمل جديد. وهذا ما أقدمت عليه حقيقة. لذلك عاد القسم الأكبر من هؤلاء لاحقًا ليستشهد أو ليعتقل، في حين إن قسمًا آخر استفاد من العفو الذي أصدره الحزب الديمقراطي التركي لدى استلامه السلطة في أنقرة عام 1950، ومن هؤلاء (أفراد ينتمون إلى قبيلة جيتو وخليكا سلان) ([37]).

وبمناسبة الحديث عن ثورة الشيخ سعيد بيران نعيد إلى الأذهان الدور الفرنسي المناهض لتلك الثورة، فنقل «الجيش التركي بواسطة السكة الحديدية من أنقرة إلى ديار بكر عبر سورية لم يكن ممكنًا لولا مساعدة الفرنسيين، وعلينا ألا ننسى أن سورية كانت آنذاك مستعمرة فرنسية. ولو كانت فرنسا قد منعت الجيش التركي من المرور عبر سورية لربما نجحت ثورة الشيخ سعيد. أو لربما أتيحت لها فرصة تسجيل نصر على الأقل» ([38]).

وحينما قدم عدد من رجالات الثورة إلى سورية، كان مستوى الوعي القومي قد تقدم نسبيًا، وذلك بفعل تطور الحوادث المتلاحقة بعد الحرب العالمية الأولى؛ وشعور الناس بأن أمورًا كبيرة يجري ترتيبها من حولهم. لذلك استقبلوا القادمين بترحيب خاص، وقدموا لهم ما كانوا يستطيعون من تسهيلات، إلا أن هؤلاء لم يكن في ذهنهم البقاء مطلقًا، بل كانوا يتطلعون نحو انتفاضات جديدة تعيد الحق إلى أصحابه، نذكر من هؤلاء الأمير جلادت بدرخان الذي ظل حتى أواخر أيامه يحلم بوطن كردي، ويعمل من أجله بالسبل المختلفة.

أما الهجرة الثالثة التي يجري الحديث عنها أحيانًا فهي التي كانت إلى لبنان عبر سورية في الثلاثينيات والأربعينيات. إذ اضطر عدد من الكرد تحت وطأة الاضطهاد نتيجة السياسة الكمالية في تركيا، وبفعل الأوضاع المعيشية الصعبة في تلك المرحلة؛ إلى ترك قرارهم والبحث عن وضع أفضل، فتحركوا جنوبًا نحو منطقة الجزيرة علّهم يجدون هناك استقرارًا نسبيًا، ريثما تنجلي الأمور في منطقتهم. وهؤلاء معظمهم كانوا ينتمون بصلة القربى إلى الكرد القاطنين هناك. الأغلبية العظمى من مجموعة المهاجرين هذه كانت من منطقة جبال أومريان التي كانت قد أنهكتها المصاعب المعيشية، إلى جانب الاضطهاد الحكومي، والخلافات المستمرة بين الآغوات، تلك الخلافات التي كانت تؤدي بالمنطقة إلى الدوران في حلقة عنف لا نهاية لها، فنزل هؤلاء إلى (بن ختي) تحت الخط -بصورة اعتيادية- وكانت حركتهم نحو الجنوب قبل التقسيم مألوفة وأكثر سهولة. إلا أن إقامتهم لم تدم طويلًا في منطقة الجزيرة، لذلك اختاروا التوجه إلى لبنان، إذ كانت الأوضاع المعيشية تبدو أفضل، وإمكانات الحصول على عمل ما كانت أكبر ([39]).

 

3- مكونات المسألة الكردية في سورية

المسألة الكردية أو القضية الكردية -وهو المصطلح المستخدم من الأحزاب السياسية الكردية- في سورية هي حصيلة تفاعل نتائج التقسيم الاعتباطي الذي تعرضت له منطقتنا بعد الحرب العالمية الأولى مع عجز الحكومات السورية المتعاقبات، وبخاصة في مرحلة حكم البعث الطويلة نسبيًا، من التأسيس لمشروع وطني سوري، كان من شأنه طمأنة المكونات السورية كلها بالاعتراف بخصوصياتها، وحقوقها، ولا سيما حقها في المشاركة الفاعلة في الحكم ومؤسسات الدولة، والاستفادة من مشروعات التنمية، وامتلاك الفرصة العادلة لتطوير ثقافتها وفاعليتها المجتمعية، واستخدام لغتها في التعليم والنشر ووسائل الإعلام. فقد استمر النظام البعثي، وبخاصة في المرحلة الأسدية، في عناده وإصراره على رفض الاعتراف بالوجود الكردي في سورية، متجاهلًا حقائق التاريخ والجغرافيا، ولم يكتف بذاك الرفض الأيديولوجي اللاتاريخي بل طبق المشروعات العنصرية كلها التي كان يريد من خلالها تحقيق صيغة من المواءمة بين تطلعاته العقائدية والواقع العياني على الأرض. ونشير هنا -على سبيل الذكر لا الحصر- إلى مشروعات الحزام والإحصاء والتعريب القسري، والقوانين والمرسومات الخاصة بالمناطق الكردية.

وذلك كله أسهم في تعقد الوضع، ولكن بقيت القضية قائمة فاعلة من دون أي حل.

وفي يومنا الراهن باتت هذه القضية تطرح بجدية ضبابية لافتة في ضوء المتغيرات الجديدة. وباتت ورقة يستخدمها الآخرون لبلوغ مأربهم بمنأى عن الكرد والسوريين عمومًا.

ولكن في الأحوال جميعها تبقى القضية الكردية في سورية قضية وطنية سورية رئيسة على الرغم من أبعادها الإقليمية والدولية، وحلها الأمثل لن يكون إلا بالمشروع الوطني السوري المتكامل الذي يطمئن الجميع، ويعزز إجراءات الثقة بصورة واقعية لا مجاملاتية خاوية. مشروع يعترف بالحقوق والخصوصيات، ويقطع مع المقاربات العقيمة التي كانت حتى الآن. فالمسالة في جوهرها ليست مسألة الأحق والأقدم، بل هي مسألة المكون السوري الثاني في التعداد السكاني الذي كان باستمرار موضوعًا للنبذ والقهر والتغييب والصهر.

 

الملحق

الاتفاق الفرنسي – التركي

أنقرة، تشرين الأول/ أكتوبر 1921.

«لقد تم التوصل بين حكومة المجلس التركي الكبير والجمهورية الفرنسية إلى ضرورة عقد اتفاقية في ما بينهما. وقد كلف لإنجاز هذا الأمر عن المجلس الكبير وزير الخارجية والنائب السيد يوسف كمال بك. وعن الجمهورية الفرنسية الوزير السابق السيد هنري فرانكلين بويون. وقد منحا كامل الصلاحيات من أجل إنجاز هذا الموضوع.

بعد المداولة ومقارنة الوثائق، اتفق السيدان المشار إليهما على المواد التالية:

  • يؤكد الطرفان المشاركان في هذه الاتفاقية على أنه بمجرد التوقيع عليها سيتم إبلاغ الجيش والمؤسسات المدنية والمواطنين بالمستجدات المترتبة عليها.
  • بناء على هذه الاتفاقية، سيقوم الطرفان بإطلاق سراح أسرى الحرب، والمساجين، من المواطنين الفرنسيين أو الأتراك، من قبل الجانبين.

يتكفّل الطرف الذي يقوم بإطلاق سراح السجناء الموجودين لديه بنفقات إيصالهم إلى أقرب نقطة من موقع تسليمهم إلى الطرف الآخر. ويشمل مفعول هذا الاتفاق جميع السجناء، سواء من المحكومين أو الموقوفين، وبغض النظر عن مدة محكوميتهم أو مدة بقائهم في السجن.

  • ستقوم القوات الفرنسية بعد التوقيع على هذه الاتفاقية، بناء على المادة الثامنة منها، بالانسحاب إلى جنوب الخط الحديدي (خط قطار الشرق السريع)، في حين إن القوات التركية تنتقل إلى شمال الخط المذكور وذلك في غضون شهرين على الأكثر.
  • ستتكون هيئة مشتركة تتألف من الطرفين، يناط بها مسؤولية اتخاذ القرارات بخصوص تحديد المناطق التي سيتم الانسحاب منها، وتلك التي سيتم الاستقرار فيها، وذلك ضمن المدة الزمنية المشار إليها في المادة الثالثة.
  • بعد استقرار كل طرف في الأراضي المخصصة له، سيعلن الطرفان العفو العام.
  • تلتزم حكومة المجلس التركي الكبير بمراعاة حقوق الأقليات الواردة في الميثاق الوطني التركي. وذلك استنادًا إلى ما اتفق عليه من مبادئ تتناول حقوق الأقليات، بين دول الحلفاء وخصومهم.
  • في ما يتعلق بمنطقة اسكندرونة، سيكون هناك نظام إداري خاص. وسيكون في استطاعة المواطنين من أصول تركية الاستفادة من جميع الطاقات بغية تطوير ثقافتهم، وستحظى اللغة التركية هناك بمكانة رسمية.
  • سيتم رسم الخط الوارد ذكره في المادة الثالثة كما يلي: يبدأ خط الحدود من خليج اسكندرونة من نقطة تقع جنوب بانياس، ويتجه نحو ميدان اكبس (محطة القطار تبقى في الجانب السوري، بالإضافة إلى المنطقة المحيطة بها).

وبموجب هذا الخط ستبقى نقطة دسو (هكذا ورد الاسم في النص التركي) في الجانب السوري، في حين إن كاربنا وكلس ستكونان في الجانب التركي (في منطقة ميدان اكبس). ثم يتجه الخط الحدودي نحو الجنوب الغربي حيث يلتقي مع محطة الراعي. بعد ذلك يسير مع سكة القطار (قطار الشرق السريع). وستبقى هذه السكة من محطة الراعي إلى نصيبين في الجانب التركي؛ ومن هناك يسير الخط المذكور على الطريق التي توصل بين نصيبين وجزيرة ابن عمرو، ليصل إلى دجلة. ستكون نصيبين إلى جانب جزيرة ابن عمرو بالإضافة إلى طريق التي تربط بينهما في الجانب التركي. ولكن من حق الدولتين (الموقعتين) الاستفادة من الطريق المشار إليها على قدم المساواة. أما بالنسبة للمحطات الرئيسة والفرعية الواقعة ما بين محطة الراعي ونصيبين، فهي تعتبر جزءًا من سكة الحديد نفسها، لذلك ستكون لتركيا.

بعد التوقيع على هذه الاتفاقية، ستتشكل لجنة تضم ممثلين من الطرفين، مهمتها رسم خط الحدود بين الدولتين، وذلك في غضون شهر.

  1. سيعد قبر سليمان شاخ جد السلطان عثمان (مؤسس الإمبراطورية العثمانية) المعروف بالمقبرة التركية في قلعة جابر أرضًا تركية، بالإضافة إلى المنطقة المحيطة به. وسيكون من حق تركيا وضع الحراس ورفع العلم التركي هناك.
  2. توافق حكومة المجلس التركي الكبير على التنازل عن جميع امتيازاتها بخصوص استثمار خط القطار من بوزاني إلى نصيبين، بالإضافة إلى جميع المؤسسات التابعة لها، الموجودة في ولاية أضنة، إلى جانب سائر امتيازات العمليات التجارية وما يتصل منها بالاستخدام، على أن تسلمها إلى شركة فرنسية توافق عليها الحكومة الفرنسية.

من حق الدولة التركية أن تنقل قواتها العسكرية على خط قطار الشرق السريع في المنطقة الواقعة ما بين ميدان اكبس ومحطة الراعي. (الخط يقع ضمن الأراضي السورية). وفي المقابل، من حق سورية أن تقوم بنقل قواتها العسكرية من محطة الراعي إلى نصيبين على الخط الحديدي نفسه، وذلك على القسم الواقع ضمن الأراضي التركية. ولن تكون هناك من حيث المبدأ أية فوارق بين الطرفين من جهة تعرفة استخدام هذه السكة والخطوط المتفرعة عنها. (أي لن يكون هناك امتياز لطرف على حساب الطرف الآخر). وإذا ما اقتضت الضرورة بتجاوز هذا المبدأ؛ فسيكون حينئذ من حق الدولتين العمل بما تتفقان عليه في ما بينهما، والتحقق منه. ولكن في حال عدم الاتفاق على المبدأ المشار إليه، سيتصرف كل طرف وفق ما يراه مناسبًا.

  1. بعد التصديق على هذه الاتفاقية، ستقوم تركيا وسورية، بتشكيل لجنة مشتركة مهمتها وضع اتفاقية جمركية بين الطرفين، على أن يتم تحديد شروط ومدة تطبيق الاتفاقية المقترحة من قبل اللجنة المعنية. ولكن الى حين التوصل إلى اتفاقية من هذا القبيل، سيتمتع الطرفان بحرية الحركة المعفاة من الرسوم الجمركية.
  2. سيتم تقسيم مياه نهر قويق بين حلب والمناطق الواقعة إلى الشمال منها في الجانب التركي، وذلك بما يراعي حقوق الطرفين ويرضيهما.
  3. سيكون من حق السكان المستقرين وأنصاف المستقرين الاستفادة كالسابق من المراعي وتملكها على جانبي خط الحدود المشار إليه في المادة الثامنة. ومن اجل تأمين مستلزمات الانتفاع المذكور، سيكون بإمكان هؤلاء الانتقال عبر طرفي الحدود بحرية مع قطعان حيواناتهم وأدواتهم وآلاتهم ومنتجاتهم، بالإضافة إلى ما يحتاجون إليه من بذار، من دون أن يدفعوا أية رسوم جمركية، أو تلك التي تخص المراعي. وسيدفع هؤلاء الضرائب لتلك الدولة التي يتبعونها (بصورة رسمية) من دون دفعها للدولة الأخرى (التي ينتقلون إليها بصورة مؤقتة).

20 أكتوبر 1921

أنقرة على نسختين

يوسف كمال YUSUF Kemal

هنري فرانكلين بويون Henri Franklin Bouillon

المصدر: حسن بيركي ديلان: سياسة تركيا الخارجية، 1929-1939 الترجمة من التركية الى الكردية: أحمد فريد، ومن الكردية إلى العربية: عبد الباسط سيدا. مخطوط.

ملاحظة: تمت الموافقة على هذه الاتفاقية في 18 شباط 1926. وقد وقع على التصديق من الجانب التركي توفيق رشدي آراس. ومن الجانب الفرنسي السفير الفرنسي في اسطنبول. وفي اليوم عينه صادق كل من تركيا وبريطانيا والعراق على اتفاقية مماثلة فيما بينهم، وذلك بخصوص الحدود بين تركيا والعراق».

 

المواد التي تناولت المسألة الكردية في معاهدة سيفر

نورد فيما يلي نص المواد الثلاثة التي ضمنها معاهدة سيفر، وهي تلك المواد التي تناولت وضع الشعب الكردي وآفاقه آنذاك. وقد اعتمدنا النص العربي الذي أورده زهير عبد الملك في كتابه «الأكراد وبلادهم كردستان بين سؤال وجواب»([40])، وذلك بعد مقارنته بالنص الإنكليزي الذي اعتمده

Maxime, R, in: Chliand. G. (ed.) 1980 People without Country, The Kurds and Kurdistan, translated by Michael Pallis, London. PP43-43

«المادة 62- تتولى هيئة، تتخذ مقرها في اسطنبول، مكونة من ثلاثة أعضاء تعينهم حكومات كل من بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، التحضير، أثناء الأشهر الستة الأولى التي تعقب تنفيذ هذه الاتفاقية، لوضع خطة لمنح حكم محلي للمناطق التي تسكنها غالبية من الأكراد والتي تقع إلى شرق الفرات والى جنوب الحدود الأرمنية التي ستحدد فيما بعد، والى شمال الحدود بين تركيا وسورية وبلاد ما بين النهرين، وعلى النحو المحدد في المادة 27 من القسم الثاني (2و3). وفي حالة عدم توافر إجماع في الآراء بصدد أي قضية، يحيل أعضاء الهيئة المذكورة كل إلى حكومته.

ينبغي أن توفر الخطة ضمانة كاملة لحماية الآشوريين والكلدانيين والجماعات العرقية أو الدينية الأخرى في المنطقة.

ولهذا الغرض ستزور المنطقة هيئة مكونة من ممثلي بريطانيا وفرنسا وإيطاليا وبلاد فارس والأكراد لكي تتولى تحديد أي تعديل -إن وجد- ينبغي إدخاله على الحدود التركية أينما تلتقي مع الحدود الفارسية وذلك على النحو الموضح في هذه المعاهدة.

المادة 63: توافق الحكومة العثمانية من الآن على قبول وتنفيذ القرارات التي تتخذها الهيئتان المقرر تشكيلهما في المادة 62 أعلاه خلال ثلاثة أشهر من تاريخ إخطارها بتنفيذ تلك القرارات.

المادة 64: وإذا ما طلب السكان الأكراد في المناطق المحددة في المادة 62 في غضون سنة واحدة من تاريخ تنفيذ هذه الاتفاقية من مجلس عصبة الأمم وأعربت غالبية سكان تلك المناطق عن رغبتها في الاستقلال عن تركيا، وإذا ما ارتأى المجلس أن هؤلاء السكان مؤهلون للاستقلال وأوصى بمنحهم إياه، توافق تركيا من الآن على قبول مثل هذه التوصية، وتتنازل عن جميع حقوقها وامتيازاتها في تلك المنطقة. وستكون تفاصيل هذا التنازل موضوعًا لاتفاقية خاصة تعقد فيما بين تركيا والدول الحليفة الكبرى.

وإذا تم التنازل، لن تعترض الدول الحليفة الكبرى إذا ما سعى الأكراد الذين يقطنون في ذلك الجزء من كردستان والذي يقع حاليًا ضمن ولاية الموصل لأن يصبحوا مواطنين في الدولة الكردية المستقلة حديثًا».

 

المصادر والمراجع

أولًا: المصادر

  • بيركي ديلان. حسن، سياسة تركيا الخارجية 1929-1939، أحمد فريد (مترجم من التركية)، عبد الباسط سيدا (مترجم من الكردية)، (مخطوط).
  • سازان. طاهر، أسماء الأماكن العثمانية، (أنقرة: منشورات المديرية العامة لأرشيف الدولة التركية، 2006)، محمد علي (مترجم)، مخطوط.
  • علي. د. محمد عبدو، جبل الكرد: دراسة تاريخية اجتماعية توثيقية (د.ن، 2003).
  • كنه. جميل، نبذة عن المظالم الفرنسية. (حلب: مطبعة الوطن العربي، 1967).
  • لازاريف. م. س، وآخرون، تاريخ كوردستان 1999، د. عبدي حاجي (مترجم)، (دهوك: دار سبيريز،2006).
  • المسألة الكردية (1917-1923)، د. عبدي حاجي (مترجم)، (بيروت: دار الرازي، 1991).

 

ثانيًا: المراجع

  • أحمد. أحمد محمد، أكراد لبنان وتنظيمهم الاجتماعي والسياسي، (بيروت: مكتبة الفقيه، 1995).
  • باروت. محمد جمال، التكون التاريخي الحديث للجزيرة السورية: أسئلة وإشكاليات التحوّل من البداوة إلى العمران الحضري، ط1، (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013).
  • بيشكجي. إسماعيل، كردستان مستعمرة دولية، زهير عبد الملك (مترجم)، (السويد، 1988).
  • خليل. د. أحمد محمد، سياحة في ذاكرة جبل الكرد (كرداغ). ط1، (دمشق: دار الزمان- بالتعاون مع مؤسسة سما- دبي، 2010).
  • فيلهلم. جرنوت، الحوريون: تاريخهم وحضارتهم، د. فاروق إسماعيل (مترجم ومعلق)، ط1، (حلب: دار جدل، 2000).
  • مارديني. أحمد شريف، محافظة الحسكة – دراسة طبيعية، تاريخية، بشرية، اقتصادية، تحولات وآفاق مستقبلية. (دمشق، 1986).

 

([1]) حول هذه المعارك والمعارك الأخرى بين الصفويين والعثمانيين، والمعاهدات التي كانت بينهما ولامست مباشرة الموضوع الكردي راجع:

م. س. لازاريف وآخرون: تاريخ كوردستان 1999. د. عبدي حاجي (مترجم)، (دهوك، دار سبيريز، 2006)، ص 80-82.

([2]) م. س. لازاريف: المسألة الكردية (1917-1923). د. عبدي حاجي (مترجم)، دار الرازي، (بيروت، 1991)، ص 146.

([3]) م. س. لازاريف، المسألة الكردية (1917-1923). د. عبدي حاجي (مترجم)، دار الرازي، (بيروت، 1991)، ص 145-146.

([4]) م. س. لازاريف، المسألة الكردية (1917-1923)، ص 150.

([5]) م. س. لازاريف: المسألة الكردية (1917-1923)، ص 150.

([6]) م. س. لازاريف: المسألة الكردية (1917-1923)، ص 150.

([7])  لويد جورج: حقيقة مفاوضات الصلح، ج1، ص 206. نقلًا عن لازاريف، المسألة الكردية، ص153.

([8]) لازاريف، المسألة الكردية، ص 153.

([9]) لازاريف، المسألة الكردية، ص 153.

([10]) لازاريف، المسألة الكردية، ص 156.

([11]) لازاريف، المسألة الكردية، ص 158.

([12]) لازاريف، المسألة الكردية، 164.

([13]) لازاريف، المسألة الكردية، 174.

([14]) لازاريف، المسألة الكردية، 203.

([15]) لازاريف، المسألة الكردية، ص 204-205. للاطلاع على نص هذه المواد راجع الملحق.

([16]) لازاريف، المسألة الكردية، ص 212.

([17]) لازاريف، المسألة الكردية، ص 214.

([18]) لازاريف، المسألة الكردية، ص 264.

([19]) لازاريف، المسألة الكردية، ص 270.

([20]) لازاريف، المسألة الكردية، ص 270.

([21]) للاطلاع على نص هذه المعاهدة راجع الملحق.

([22]) لازاريف، ص 274.

([23]) لازاريف، ص 274.

([24]) لازاريف، ص 274.

([25]) لازاريف، ص 274.

([26]) للمزيد حول هذا الموضوع، ووفقًا لما ورد في الأرشيف العثماني، راجع:

Tahir Sezen, OSMANLI YER ADLARI, T.C. BAŞBAKANLIK DEVLET ARŞİVLERİ GENEL MÜDÜRLÜĞÜ, Yayın Nu:21, Ankara- 2006

طاهر سازان، أسماء الأماكن العثمانية، (أنقرة: منشورات المديرية العامة لأرشيف الدولة التركية، 2006)، محمد علي (مترجم)، مخطوط، ص 319.

([27]) أحمد شريف مارديني، محافظة الحسكة: دراسة طبيعية، تاريخية، بشرية، اقتصادية، تحولات وآفاق مستقبلية، (دمشق، 1986)، ص 220.

([28]) الأرقام المعتمدة هنا تقريبية، تستند إلى الأرقام الرسمية، إلى جانب آراء كثير من المهتمين. أما بالنسبة إلى الأرقام الرسمية فيلاحظ أنها تكتفي بإبراز عدد أولئك المسجلين فقط على لوائح المدينة، من دون أن تراعي الوجود الواقعي لأعداد غفيرة من سكان المناطق الريفية التي هاجرت إلى المدينة لأسباب مختلفة. من جهة ثانية، لا بد من الإشارة إلى أن الأرقام الرسمية لا تأتي على ذكر الكرد (الأجانب) هؤلاء الذين ترتفع نسبتهم في منطقة ديريك- المالكية إلى حد كبير، وذلك مقارنة ببقية مناطق الجزيرة.

([29]) هذه المعطيات مستمدة من واقع المنطقة قبل الثورة السورية، وقد تغيرت هذه المعطيات كثيرًا في المدة الأخيرة نتيجة واقع الهجرة سواء الخارجية منها أم الداخلية.

([30]) حول تاريخ أوركيش ومنزلته راجع:

جرنوت فيلهلم، الحوريون: تاريخهم وحضارتهم، د. فاروق اسماعيل (مترجم ومعلق)، ط1، (حلب: دار جدل، 2000)، ص 33-34.

([31]) راجع: جرنوت فيلهلم، ص 62-63.

([32]) راجع حول هذا الموضوع:

طاهر سازان، ص289 وص458.

الوثيقة رقم 231 من المجلد 344، 30 أب/اغسطس 1913.

([33]) جميل كنه، نبذة عن المظالم الفرنسية، ج1، (حلب، مطبعة الوطن العربي، 1967)، ص4.

([34]) للمزيد من الاطلاع على واقع منطقة عفرين بجوانبه التفصيلية المختلفة راجع:

د. محمد عبدو علي، جبل الكرد: دراسة تاريخية اجتماعية توثيقية، (د.ن، 2003).

([35]) للمزيد حول الواقع الاجتماعي والمعيشي للسكان في المناطق الكردية راجع:

  1. د. محمد عبدو علي، جبل الكرد: دراسة تاريخية اجتماعية توثيقية، (د.ن، 2003).
  2. د. أحمد محمود الخليل، الشخصية الكردية، ط1، (أربيل: مطبعة الموكرياني، 2013).
  3. د. أحمد محمد خليل، سياحة في ذاكرة جبل الكرد (كرداغ)، ط1، (دمشق: دار الزمان- دمشق بالتعاون مع مؤسسة سما- دبي، 2010).
  4. محمد جمال باروت، التكون التاريخي الحديث للجزيرة السورية: أسئلة وإشكاليات التحوّل من البداوة إلى العمران الحضري. ط1، (بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013).

([36]) للاطلاع على أسماء القرى الكردية في منطقتي الباب وإعزاز يمكن العودة إلى:

علي عبد الله كولو، التوزيع الإداري للمناطق الكردية في سورية. مركز اسبار.

http://www.asbarme.com/ar/articles/دراسات-سورية/568814816198518/التوزيع-الاداري-للمناطق-الكوردية-في-سوريا/

([37]) إسماعيل بيشكجي، كردستان مستعمرة دولية، زهير عبد الملك (مترجم). (السويد، 1988). ص306.

([38]) إسماعيل بيشكجي، كردستان مستعمرة دولية، ص 55.

([39]) للمزيد حول هذا الموضوع راجع:

أحمد محمد أحمد، أكراد لبنان وتنظيمهم الاجتماعي والسياسي، (بيروت، مكتبة الفقيه، 1995).

([40]) (السويد، 1999)، ص160-161.