عنوان المادة الأصلي باللغة الفرنسية: L’Occident et la Syrie : une overdose d’illusions
اسم الكاتب كريستين عبد الكريم ديلان

Christine Abdelkarim-Delanne

مصدر المادة الأصلي صحيفة جنوب أفريقيا
رابط المادة http://www.afrique-asie.fr/loccident-et-la-syrie-une-overdose-dillusions//
تاريخ النشر 24 آب/ أغسطس 2017
المترجم أنس عيسى

 

 

المحتويات

خذلان الغرب للمعارضة المسماة (سلمية)

حسابات خاطئة وعجز

 

بماذا أخطأ الغرب في سورية؟  في الوقت الذي يستعيد فيه الرئيس بشار الأسد سيطرته على البلاد، آن الأوان لأولئك الذين حاولوا إطاحته أن يعيدوا تقويم أخطائهم.

على السياسيين الغربيين المندهشين من قلة الأهداف التي حققتها الحرب الأهلية السورية أن يبدؤوا بتفحص قراراتهم هم.  لقد كانت المقاربة الغربية للثورة السورية منذ بدئها محكومة بجرعة مفرطة من الأوهام. ويبدو أن السياسيين قد بنوا مواقفهم على ردات فعل سياسية وطنية قصيرة النظر عوضًا عن إسنادها إلى رؤية بعيدة المدى وبراغماتية ترتكز على النتيجة وتكون ضرورية لإسهام فعلي في حل الصراع.

بدأ السياسيون معظمهم -مبكرًا- هوسهم بفكرة ألّا حل للصراع في حال بقاء الرئيس بشار الأسد في السلطة، وظنّ عدد منهم أن النظام كان متجهًا إلى السقوط خلال مدّة زمنية قصيرة، وتوقع سفراء مختلفون في دمشق رحيل الأسد قبل صيف عام 2012. لقد جرى الاستخفاف بصورة كاملة بقوة النظام؛ ويعود ذلك جزئيًّا إلى الجهل ونقص المعرفة بالنظام السوري؛ وبجزء آخر إلى تفاؤلٍ في غير مكانه.

تعرض الجامعيون والصحافيون والاستراتيجيون، ممن تنبأ بوجود فرصة واقعية ببقاء النظام لمدّة أطول أو ممن طرح أسئلة عن المشروعية الأخلاقية للمعارضة المفترض كونها (سلمية)، لخطر الاتهام بكونهم مناصرين للأسد، لا بل معادين للديمقراطية.

لقد علت الحجج الأيديولوجية -في بعض الأحيان- على نظيرتها الواقعية، حتى إن الأمم المتحدة ومبعوثيها الخاصين كانوا بين الفينة والأخرى، يُتهمون بالانحياز إلى مصلحة الأسد حال اتخاذهم لأدنى موقف قد يُفسر بعدم معارضته لمصالحه.

امتلك السياسيون الغربيون عمومًا، أفكارًا واضحة عمّا لا يريدونه، ولكنهم افتقروا إلى أي واقعية أو وضوح عما يريدون مكان الأسد؛ فقد رغبوا في نوع من الديمقراطية في سورية، ولكن، بكل واقعية، لم يكن هناك أي أمل بأن يؤدي نزع عنيف للأسد إلى الديمقراطية السلمية المنشودة.

لم يواظب السياسيون -دائمًا- على متابعة الوقائع في الميدان، واستمروا في استخدام شعارات (صحيحة سياسيًا)، حتى عندما لم يعد في الوضع في البلاد مسوغًا تسويغًا كليًا لتلك الشعارات. وبقيت المعارضة السورية توصف بالسلمية والديمقراطية، على الرغم من قيام قوى أكثر داريكالية، منها إسلاميين وجهاديين، بسلب منصتها، وفي وقت كانت فيه نيران الحربٍ مستعرة.  وفي ما بعد، أصبح مفهوم المعارضة السلمية أقرب إلى الأسطورة من الواقع الذي كان عليه في البدء، مع ذلك لم يتبدل خطاب السياسيين الغربيين.

وبالطريقة نفسها، لم يتواز الدعم العسكري الغربي للمعارضة السورية يومًا مع خطابها؛ ما أدى إلى تشجيع آمال المعارضة بطريقة خطرة. لم تستلم المعارضة أبدًا الدعم العسكري الكافي لإركاع النظام، حتى مع كون الضغط العسكري مثيلًا ضروريًا للوصول إلى حل سياسي ادعى الغرب إرادته. بتلك التركيبة السابقة، حُكم على الثورة بالفشل، ويزداد ذلك الفشل تأكيدًا ما دام النظام مستمرا بتلقي الدعم العسكري من حلفائه الروسيين والإيرانيين وحزب الله.

في الواقع، لقد انكشفت حقيقة دعم الدول الغربية العسكري للمعارضة بكونها محدودة؛ فعندما رفعت أوروبا حظرها عن التسليح ضد سورية تحت ضغط من المملكة المتحدة وفرنسا في عام 2013، وبصورة معاكسة لكل انتظار، لم تحصل تغيرات كبيرة في تسليم الأسلحة للمعارضة.

 

خذلان الغرب للمعارضة المسماة (سلمية)

اتضح غياب أي إرادة سياسية في تسليح أي طرف كان من المعارضة لدرجة تعطيه فرصة حقيقية لكسب معارك ضد النظام، حتى عند تعلق الأمر بصورة أساس بالجزء العلماني منها؛ إذ طرحنا أسئلة عن جماعات المعارضة التي وجب تسليحها، ولأي هدف لرغبة الدول الغربية الواضحة في تجنب إمكان تأسيس دكتاتورية إسلامية متشددة.

ولكن هل كانت توجد أي ضمانات ألا تنتهي الأسلحة المزوّد بها في أيدي الإسلاميين والجهاديين؟ وهل كانت تلك الأسلحة تعطى بهدف قلب نظام الأسد؟ أو إنها كانت تهدف بصورة أساس إلى مساعدة المعارضة في الدفاع عن نفسها؟ أو لهزيمة الدولة الإسلامية وجبهة النصرة والتنظيمات الجهادية الأخرى؟ هل كانت تلك الأسلحة عملًا إنسانيًا؟ لم تمتلك الولايات المتحدة وأوروبا أي استراتيجية واضحة، عدا عن هزيمة الدولة الإسلامية التي أضحت أولوية.

خلال ذلك الوقت، أصبحت جماعات إسلامية أكثر راديكالية أكثر قوة من الجيش السوري الحر المعتدل نسبيًا، وركزت دول من مثل المملكة العربية السعودية وقطر، دعمها لمصلحة تنظيمات إسلامية مسلحة من مثل أحرار الشام وجيش الإسلام.

ما أراده الغرب بوضوح كان نظامًا ديمقراطيًا وعلمانيًا وتعدديًا، لكن لم يكن لتلك الرغبة أي أسس واقعية، على الأقل في المستقبل القريب. أما في ما يتعلق بالجماعات المسلحة العلمانية التابعة للجيش السوري الحر، فقد بدأت تتطرف تدريجًا؛ ليمتد أمد تلك الحرب المميتة. غدا التيار الإسلامي السوري أكثر قوة خلال الحرب في سورية؛ وقّلت -من ثم- شعبية العلمانية.

دعا السياسيون الغربيون في مناسبات عدة، إلى اتخاذ إجراءات ضد النظام السوري كانوا يعرفون أنها غير قابلة للتنفيذ، لكن عدم فعل أي شيء أو غياب أي رد فعل لم يكن خيارًا مقبولًا بالنسبة إلى الحكومات الديمقراطية، لكن مع ذلك، باستطاعتنا أن نقترح -عقلانيًا- أنه في بعض الأحيان، كان عدم فعل أي شيء ليكون أكثر حكمة من ارتكاب أخطاء بنتائج دراماتيكية.

كنا ننتظر من السياسيين أن (يفعلوا شيئًا ما)، فقد أضحت تعابير من مثل (هل علينا أن نتدخل هناك؟)، و(كيف باستطاعتنا أن نبقى متفرجين على قمع وذبح الشعب السوري؟) شائعة الاستخدام، لكن لم يجرِ القيام إلا بالقليل للمساعدة في تغيير وضع الشعب السوري على الأرض تغييرًا جذريًا.

لطالما سمعنا في جدالات الأزمة السورية السؤال المفتاحي الآتي: (هل علينا تحقيق العدل؟)، وكان الجواب: (نعم، ولكن بأي ثمن؟)، كان من السهل القول، على سبيل المثال، أنه على الأسد أن يُعرّض للمحاكمة في جرائم ضد الإنسانية أمام المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، ولكن ذلك لم يسهم في إيجاد حل، ثم إن محض فكرة أن يتمكن الأسد مغادرة سورية على قيد الحياة لمحاكمة كتلك كانت غير واقعية، حتى إن بعض الأشخاص تخيّل أن يبدأ الرئيس الأسد بسلوك مغاير وبتفكير مختلف حالما يعي وعيًا أكبر للإمكانية المستقبلية لتعرضه للمساءلة أمام المحكمة الجنائية الدولية، ولكن تبين في ما بعد وهم تلك الأفكار.

تعدّ إثارة قضية العدل فكرة جيدة تمامًا من مثل التحري عن جرائم الحرب التي ارتكبت، بالتأكيد يجب القيام بذلك، ولكن ليس أكثر من الجهد للإسهام بطريقة استباقية في البحث عن حل وفي الوقاية من حمام الدم الذي سيستمر حتمًا إن لم يجر تسهيل تفاوضات جدية بين الفصائل المختلفة في الصراع في سورية. كان على الدعوة لتحقيق العدل أن تُدمج في إطار الجهد الأوسع لإحلال السلام، عوضًا عن التركيز على إيجاد المذنب فحسب في الجرائم المرتكبة بحق الشعب السوري في الماضي القريب. كان من الواجب إيجاد حل سياسي قبل البدء في تحقيق العدل، ومن غير الممكن الذهاب في الاتجاه المعاكس.

 

حسابات خاطئة وعجز

لقد خلق الغرب، في الحقيقة، وعودًا كاذبة، وأعطى المعارضة الأمل بالحصول على دعم أقوى لم يجرِ تسليمه في النهاية. لربما كانت الدول الغربية على حق في وصفها لنظام الرئيس الأسد بفاقد للشرعية، ولكنها قامت بذلك بسد الطريق أمامها، بصورة سابقة لأوانها، لأداء دور بناء في إيجاد حل سياسي للأزمة. كان السؤال الحقيقي هو: ((ما الأولوية الواجبة؟ أن نكون صحيحين أخلاقيًا أو أن نسهم في إيجاد حل؟)).

يبدو أنه قد جرى النظر إلى العوامل السياسية المحلية بكونها أكثر أهمية، ويبدو أن روبرت فورد الذي كان السفير الأميركي في سورية عندها، قد عارض رحيل الأسد؛ معللًا ذلك بأن الولايات المتحدة غير قادرة على تحقيقه، لكن جرى رفض رأيه، ووفقًا لكريستوفر فيليب: ((عُدَّ عدم الدعوة إلى رحيل الأسد ذا تكلفة غالية الثمن)) بالنسبة إلى الولايات المتحدة.

كانت زيارة التضامن التي قام بها فورد ونظيره الفرنسي إريك شوفالييه للمعارضة في مدينة حماة، في شهر تموز/ يوليو 2011، لطيفة الأثر من وجهة النظر الغربية، لكنها -في الواقع- أدت إلى وضع حد لإمكان أداء الولايات المتحدة وفرنسا، وغيرها من البلدان، دور الوسيط في الصراع، ثم إنها منحت الأمل الخاطئ للمعارضة أن الغرب سيقدم الدعم الأساس، ولكنه في النهاية لم يعطِ بقدر المنتظر.

يشبه الوضع في سورية في جوانب عدة مثيله في جنوب العراق في عام 1991، عندما قامت الولايات المتحدة وغيرها بتشجيع السكان الشيعة على القيام ضد نظام الرئيس صدام حسين، ولكنها لم تفعل شيئًا لمساعدتهم عندما قُمعت ثورتهم قمعًا دمويًا. ووفقًا لدافيد ليش: ((عُدّ ما قام به فورد – في العالم، سواء في الولايات المتحدة أم غيرها من الدول الغربية-  عملًا شجاعًا جذب الانتباه إلى الوضع المأسوي للمحتجين؛ ليسهم بذلك في منع الأمر الذي توقع بعضهم حدوثه: مجزرة جديدة مشابهة لمجزرة حماة في عام 1982)). ولكن من الأرجح أن تكون حركته مثل تلك الخاصة بشوفالييه، قد أدت إلى العكس.

بعد ذلك بسنين خمس، في كانون الأول/ ديسمبر 2016، عندما استعاد النظام سيطرته على الجزء الشرقي لمدينة حلب الذي كان تحت سيطرة قوى المعارضة خلال أربع سنوات –ولم يكن أكثر من كومة من الحطام- لم يستطع الجزء الأكبر من المجتمع الدولي فعل أي شيء أكثر من نشر تصريحات السخط الأخلاقي والإدانة الرنانة لحمام الدم والفظاعات التي ارتُكِبت، بحسب قولهم. كانوا عاجزين عن التدخل السياسي أو العسكري؛ لأنهم كانوا فد استبعدوا، قبل سبع سنوات أي تدخل عسكري في سورية، ولم يعد لهم أي تأثير حقيقي في النظام السوري (الذي قطعوا علاقاتهم معه قبل ذلك بسنوات عدة). ولم يعد لديهم أي تأثير في حلفاء سورية الروسيين والإيرانيين لتغيير سياستهم تجاه سورية، إضافة إلى أنهم لم يزودوا جماعات المعارضة بالدعم العسكري الكافي الذي يمكنهم كسب معركة حلب.

في عام 2012، كانت شخصيات بارزة من المجلس الوطني السوري ما تزال تتحدث عما يفضلونه في شأن التدخل العسكري، كما لو كان لذلك التدخل إمكان واقعي، وقام قادة إقليميون بطمأنة المعارضة بأن التدخل كان ((منتظرًا بشكل حتمي)) ولكنهم رفضوا أن يقبلوا إمكان لجوء الولايات المتحدة -في نهاية الأمر- إلى الإحجام عن التدخل العسكري بعد عقود من استعراضها قوتها.

لقد احتاجت المعارضة وقتًا طويلًا لتبدأ بالإدراك الكافي لحقيقة كونها ضحية الآمال الخادعة التي ولّدها من يُسمون بأصدقائها الغربيين الذين لم يرغبوا في مواجهتها بتلك الحقيقة مواجهة صريحة، كما لم يرغبوا في مواجهة أنفسهم، هم، بحقائق الوضع الواقعية.

 

 

*نيكولاوس فان دام

جامعي يجيد اللغة العربية ومتخصص بالعالم العربي وسورية. وهو دبلوماسي هولندي. كان السكرتير الأول للسفارة في بيروت (التي كانت تغطي كلًا من لبنان والأردن وقبرص) بين عامي 1980 و1983، ونائب مدير شؤون أفريقيا والشرق الأوسط في وزارة الخارجي الهولندية من عام 1985 إلى 1988، وسفيرًا في بغداد بين عامي 1988 و1991، ومن ثم في القاهرة وأنقرة وبون وجاكرتا.

المصدر: مقطع من كتاب نيكولاوس فان دام الجديد: ” Destroying a Nation: The Civil War in Syria”.

ترجمة: كريستين عبد الكريم ديلان.