المحتويات

مقدمة

أولًا: حول ما بقي في جعبة الروس

  1. على المستوى العسكري
  2. مسار أستانا
  3. الهدن والمصالحات المحلية

ثانيًا: هل تنقل معركة دير الزور الصراع إلى مستواه الدولي؟

ثالثًا: خاتمة

 

 

مقدمة

انتهت الجولة السادسة من مسيرة أستانا بعد اجتماعات استمرت يومي 14 و15 أيلول/ سبتمبر 2017، بالإعلان عن التوافق بين الدول الضامنة الثلاث، روسيا وتركيا وإيران، على ضمّ إدلب إلى مناطق خفض التصعيد الثلاث السابقة لها، لكن من دون تفصيلات تقنية عن آلية المراقبة سوى الخطوط العامة والخرائط التي اتفقت عليها الأطراف الثلاثة في اجتماعات أنقرة التي جرت في 8 و9 أيلول/ سبتمبر ولم تُعلن على الملأ.

نظرة إلى البيان الختامي الذي صدر عن هذه الجولة تُشير بوضوح إلى العمومية ذاتها التي أدار بها الروس اجتماعات أستانا السابقة ومخرجاتها، والتي تتلخص بالإعلان عن إنجاز ما، وترك كل التفاصيل والمطالبات التي تهم الأطراف المعنية، خاصة فصائل المعارضة، برسم المستقبل والتجربة الواقعية؛ ومن ذلك تجاوز مسألة إطلاق سراح المعتقلين، وتركها لمساع شخصية وعد رئيس الوفد الروسي بالقيام بها لاحقًا. ولعلّ ما كان لافتًا إلى حدِ كبير، ما تضمنه البند الثالث الذي نصَّ على أن “هذا الاتفاق موقّت ومدته من حيث المبدأ ستة أشهر قابلة للتمديد بتوافق الأطراف الضامنة الثلاثة”؛ فهو، عدا عن التجاهل الفظّ لطرفي التفاوض، النظام والمعارضة، يُثير التساؤل حول الحالة المقصودة بالمفردة “موقّت” فيما إذا كانت تخصّ فكرة تخفيف التصعيد في إدلب، وهذا يحوِّل الاتفاق إلى مجرد استراحة محارب، وبعدها يعود الصراع للاحتدام، أم أنها تخصّ توافق الأطراف الضامنة الثلاثة، ما يدلل على هشاشة التوافقات بين هذه الأطراف، التي يريد كل منها ترك الباب خلفه مفتوحًا للتملص من نتائجها واستحقاقاتها.

نشرت صحيفة (الشرق الأوسط) السعودية في أثناء عقد المؤتمر خرائط توزّع مناطق وجود كل طرف ضامن في إدلب والمناطق الملحقة بالاتفاق من محافظات حلب وحماه واللاذقية، كما جرى تحديد المنطقة التي ستوجد فيها (هيئة تحرير الشام) ومن سيرفض الاتفاق من الفصائل المعارضة، أو أنها سوف تُحشر فيها بين المنطقتين الأخريين. وعلى الرغم من أن نتائج المؤتمر لم تؤكد ما ذهبت إليه تلك الصحيفة، التي ربما استقت معلوماتها من مشاورات أنقرة السابقة للمؤتمر، إلا أنها تؤشر، بالترابط مع ما يُثار من مواقف دولية تخص الصراع في سورية، إلى أن هذه المحطة من جولات أستانة التي وعد الروس باستمرارها، في الوقت الذي اعتبرها دي مستورا نهاية لهذا المسار، كانت جولة لتقاسم النفوذ الإقليمي بين تركيا وإيران كدولتين متدخلتين في الملف السوري، حيث أُطلقت يد تركيا في شمال المحافظة مقابل إطلاق يد إيران في محيط دمشق في الجنوب. وهذا قد يثير قناعة بأن الصراع قد قطع مرحلة التدخلات الإقليمية أو هو في طور تجاوزها، بعد أن أخذ كل طرف إقليمي حصته الممكنة، إلى مرحلة الصراع الدولي الذي سينحصر في النهاية بين الطرفين الأميركي والروسي.

 

أولًا: حول ما بقي في جعبة الروس

منذ أن انطلقت بواكير الثورة السورية في آذار/ مارس 2011، أخذ الروس جانب النظام، وتبنَّوا رؤيته وموقفه وخططه لمواجهة الثورة ومطلبها في الحرية والكرامة، وقدموا له كامل التغطية السياسية في المحافل الدولية، خصوصًا في مجلس الأمن الذي عطلوه عن القيام بواجباته باستخدامهم المتكرر حقَّ الفيتو، بطريقة لا تتناسب والمسؤولية التي يُرتبها عليهم هذا الحق على مدار سنوات الثورة، تجاه شعب يُقتل بطرائق فظيعة ولا إنسانية؛ وحتى القرارات الأممية التي شاركوا في صوغها وإقرارها منعوا تنفيذها، وعندما أوشك النظام على السقوط ربيع العام 2015 بحسب اعترافات وزير الخارجية الروسية، تدخل الروس عسكريًا ابتداءً من 30 أيلول/ سبتمبر 2015، مستغلين الفراغ الذي أحدثه التردد الغربي والأميركي المحسوب، وعدّلوا موازين القوى على الأرض، بل أمالوها لمصلحة النظام وحلفائه عبر الدمار الهائل الذي أحدثه سلاحهم الجوي في أكثر من مدينة سورية، وقتلهم لأكثر من عشرة آلاف مدني سوري بحسب إحصاءات موثقة.

كانت من أهم الدوافع الروسية للتدخل عسكريًا في صراع على هذه الدرجة من التدويل والتعقيد، ومن دون غطاء أممي، التطورات في أوكرانيا والعقوبات الغربية القاصمة للاقتصاد الروسي، ومحاولتهم استخدام سورية ورقة مساومة مع الغرب على كلّ الملفات العالقة معه- وهي كثيرة-، مساومة لا يبدو أنها واردة في الأفق المنظور. وتأمل روسيا في أن تتطابق حسابات الحقل مع حسابات البيدر في هذه المغامرة التي تتحول يومًا بعد آخر إلى مأزق ربما يكلف الروس كثيرًا.

منذ أن تدخل الروس عسكريًا في سورية قبل عامين تمامًا، كانوا على قناعة، على ما يبدو، بأن القوة العسكرية المتوحشة التي هم على استعداد لاستخدامها، وجرى استخدامها فعلًا، لن تكون كافية لتحقيق أهدافهم أو بعضها، ولا لقبول الآخرين، محليًّا ودوليًّا، بنتائجها، لذلك يحاولون تحصين وجودهم العسكري بنشاطٍ غير عسكري يأتي في مقدّمه النشاط السياسي، كما حرصت على ألا تتوتر علاقتها مع الدول الإقليمية المتدخلة خاصة دول الخليج، ما خلا التوتر مع تركيا في إثر إسقاط سلاح الجو التركي طائرة روسية، سمحت الاستدارة التركية بتجاوزه بسهولة لم تكن متوقعة.

 

إن محاولة تتبع السياسة الروسية في سورية تشير إلى مجموعة من المرتكزات التي اعتمدت في سياق التدخل الروسي وهي:

 

1- على المستوى العسكري

منذ بداية التدخل، اتُّخذ مطار حميميم قاعدة أساسية لإدارة النشاط الروسي في سورية بكل أنواعه، وجرى توسيع المطار وتهيئته لاستقبال أحدث طائرات الترسانة الجوية الروسية، ومع تعمق التدخل، وبغية استيعاب عدد أكبر من الطائرات، جرى تمدّد الروس إلى مطار حماه ثم مطار الشعيرات ومطار الضمير، وإبّان قصف حلب استُدعيت حاملة الطائرات الوحيدة التي تملكها روسيا للمشاركة وتدعيم الجهد العسكري، هذا عدا عن عديد البوارج والسفن الحربية الروسية المرابطة في المتوسط لقصف المدن السورية بصواريخها المجنحة، كذلك جرى تعميق وتوسيع القاعدة البحرية في طرطوس التي استُكملت اتفاقات تأجيرها لمدة تسعة وأربعين عامًا.

في القوى البرية، ما زال الوجود الروسي متواضعًا، فهناك خبراء روس يُرافقون القوات السورية ويُديرون غرف العمليات في الجبهات الساخنة، وهناك شركات أمنية من المرتزقة الروس، وهم في الغالب ضباط أو عسكريون روس متقاعدون، على ما يدعي الكرملين، إما لحسابات روسية داخلية، أو ربما، وهو الأرجح، تهربًا من المسؤولية القانونية لارتكابات القوات الروسية وتحميلها لهذه الشركات، لكن، ومع تمدد ظاهرة خفض التصعيد تدفع روسيا بالمزيد من الشرطة العسكرية، وكلهم من جمهورية الشيشان الروسية لتنفيذ مهمات مراقبة أو ضبط الأمن كما في حلب أو الوعر وغيرهما.

 

2- مسار أستانا

شقّت روسيا مسار أستانا بعد سيطرتها على حلب نهاية العام الماضي بتوافق روسي تركي أولًا، ثم ضمّت إليه إيران، وفي جلسته الرابعة حضر الأردن ولم يتابع الجلسات اللاحقة. أرادت روسيا من هذا المسار استثمار إنجازها العسكري في حلب وتحويله إلى مُنجز سياسي يُلغي مسار جنيف الأممي، أو على الأقل يؤثر فيه. وكان التوجه الروسي أن يسير أستانا بمسارين، سياسي وعسكري، لكن عدم تجاوب المعارضة السياسية مع هذا المسار، وعدم الاكتراث الذي أبدته القوى الدولية المتدخلة، جعل فعالياته تقتصر، في الغالب، على الجانب العسكري الذي يُركّز فيه الروس على إيجاد صيغة للتعاون بين المؤسستين العسكرية والأمنية للنظام وبين من يوافق من فصائل المعارضة المسلحة تحت عنوان محاربة الإرهاب. وكل ما رشح عن أستانا حتى الآن لا يشير إلى إحراز أي تقدم في هذا المسعى.

ولعل ما تفتّقت عنه الإدارة الروسية لصراعها في سورية هو خطة تخفيف التصعيد التي لا تندرج تحت مفهوم وقف إطلاق النار ولا تحت مفهوم الهِدن، وما يمكن أن يُفهم منه هو نوع من تبريد الصراع، خاصة أن المناطق الأربع التي أُخضعت لهذا المفهوم هي مناطق وجود المعارضة التي عجز النظام عن السيطرة عليها حتى الآن. لقد بُدئ العمل باتفاق المدن الأربع ثم اتفاق الجنوب وبعده الغوطة وريف حمص الشمالي، وأخيرًا، في الجلسة السادسة، أصبحت إدلب وبعض مناطق محافظات حلب وحماه واللاذقية هي المنطقة الرابعة، ويجري الحديث عن ضم عفرين إلى هذه المنطقة. هذه المناطق، على الرغم من أن بيان الفصائل التي شاركت في أستانا 6 نصّ على أنها “شهدت انخفاضًا في مستوى العنف بما يقارب الـ 90% عما كان عليه قبل أستانا 4″، إلا أن التجربة الواقعية تُكذب هذا البيان باستثناء اتفاق الجنوب، الذي صمد فيه وقف إطلاق النار إلى حدٍ بعيد، ربما لأن الولايات المتحدة والأردن وإسرائيل أطراف فيه، ومع ذلك خرق النظام هذا الاتفاق في الأيام الأخيرة بصورة واسعة ربما للضغط على فصائل الجنوب لتسليمه معبر نصيب الحدودي، ولا تُستبعد الموافقة الأردنية على هذا التصرف.

في كل الأحوال، فإن الضامن الروسي غير مُلتزم بخفض التصعيد الذي يعتمده، وليس أدلّ على ذلك من القصف العنيف الجاري لمناطق في ريف إدلب الجنوبي وريفي حماه واللاذقية المشمولة بالمنطقة الرابعة، والشيء ذاته يجري في الغوطة الشرقية وريف حمص الشمالي، وقبل ذلك في الزبداني، مع الأخذ في الحسبان أن النظام والإيرانيين غير حريصين أبدًا على أيّ خفض للعنف، وهم مستمرون في الحل العسكري.

إن الوقوف على نتائج أستانا 6 ليس مبعثه الثقة بأن هذا المسار يمكن أن يُقدم حلًا، لأن رعاته الروس لم يبرهنوا على إمكانية الثقة بهم، أو على تعاطفهم مع تطلعات الشعوب، لكن دوافعه تتبع الدلالات التي رافقته، والكيفية التي يمكن أن تنعكس فيها على لوحة الصراع. فقد أعطت روسيا، وبموافقة إيرانية، لتركيا شرعية الدخول إلى القسم الأكبر من شمالي المحافظة وعلى طول حدودها معها البالغة 120 كم طولًا و40 كم عمقًا، الأمر الذي لم تُقدِم عليه أميركا تجاه حليفها. وهذا المخرز سوف يُتيح لتركيا نسف الحلم الذي تسعى له “قوات سورية الديمقراطية” بربط مناطقها ما بين شرقي وغربي الفرات.

ومنذ تاريخ 16 أيلول/ سبتمبر الماضي، تحشد تركيا المزيد من قواتها في منطقة الريحانية مقابل معبر باب الهوى استعدادًا لاقتحام إدلب، أو لدعم قوات “الجيش الحر” في درع الفرات للدخول إليها، في حين تتكفل هي بالدعم المدفعي والجوي. هذا الأمر استفزّ النظام الذي عبّر عن عدم موافقته على مخرجات أستانا 6 بتصريح صدر عن وزارة خارجيته قال فيه إن “الاتفاق موقّت ولا يرتب أي شرعية للوجود التركي في الأراضي السورية والغاية منه فتح طريق حماه حلب الدولي”.

في المقابل، أُعطيت إيران توسعة لنفوذها في محيط السيدة زينب جنوبي دمشق، علمًا بأن المنطقة مشمولة بخفض التصعيد في الغوطة، والسؤال الذي يحضر في هذا المقام ما هو مكسب إيران من هذا التوزيع، وهي وميليشياتها الموجودة بكثافة منذ سنوات في هذه المنطقة لا تتعرض لتهديد جدي؟ ومن ثمّ، كيف قبلت بإعطاء تركيا نفوذًا طالما سعت أنقرة له؟ صحيح أن العلاقة الإيرانية- التركية ليست في حالة عدائية منذ قرنين من الزمن، وهناك مصالح مشتركة ومتبادلة بينهما، إلا أن هذا الثبات في العلاقة كان دائمًا مضبوطًا بتوازن القوة بينهما قبل أن يكون محكومّا بالنيات الطيبة أو بالمصالح؛ ولا شك في أن تنامي النفوذ التركي في سورية، والدعم التركي للمعارضة السورية التي تناوئ الوجود الإيراني في سورية، سوف يُهدد الستاتيك القائم في العلاقة بين الطرفين، لأن تقوية النفوذ التركي، في سورية والمنطقة، سوف يحدّ من نفوذ إيران ويُعرقل مشروعها التوسعي، الأمر الذي يُرجّح أن طهران وافقت على هذا الاتفاق تحت الضغط الروسي، وسوف تسعى لإفشاله في أقرب فرصة. من هنا يبدو أن إيران لم تعد واثقة من ديمومة وجودها القوي في سورية بحكم التوجهات الأميركية والإسرائيلية الجديدة، التي تأخذها ولا شك على محمل الجد، وباتت تميل معها إلى ربط وجودها بطرف دولي.

 

3 الهدن والمصالحات المحلية

لم يقتصر نشاط قاعدة حميميم على إدارة العمليات العسكرية، بل تحولت إلى مركز لإدارة النشاط الروسي في سورية، العسكري منه والسياسي، فأول ما حاولت القيام به على الصعيد السياسي تمثّل في تصنيع “معارضة محلية” حرصت على وجود تمثيل لها في معظم المناطق السورية، كي تواجه العالم برؤيتها للحل السياسي عبر تحميله على ظهر هذه المعارضة، وأخذت وفود من توجهات سياسية ودينية وعشائرية الخ..، تزور حميميم وتعقد مداولاتها فيها وتعرض خدماتها؛ لكن التجربة فشلت فشلًا ذريعًا، وبقيت هذه الفعاليات ظواهر معزولة لا قاعدة اجتماعية لها، ولا قبول شعبيًّا بتوجهاتها، أقلّه لأن أغلب السوريين يعدّون الروس قوة احتلال تنبغي مقاومتها وليس تمرير سياساتها.

الخط الثاني الذي عمل عليه الروس، هو عقد الهدن والمصالحات المحلية، ليس على مستوى المدن والتجمعات الكبيرة التي كان أغلبها خارج سيطرة النظام، بل على مستوى البلدات والقرى الصغيرة؛ وقد استغل الروس حالة الحصار القاتل وسياسة التجويع التي فرضها النظام على هذه المناطق من أجل إخضاعها. فما هي فلسفة الروس لهذه الهدن المحلية التي يستطيع النظام نقضها متى شاء؟ يبدو أنهم يراهنون بالدرجة الأولى على إخراج أكبر قسم من فعاليات الثورة وحاضنتها الاجتماعية من دائرة الصراع تحت ضغط الحاجة والجوع واليأس، كما يراهنون على التآكل الذاتي لـ “المعارضة المسلحة” والاقتتال فيما بينها للسيطرة على هذه المناطق والمغانم المتولدة عنها من خلال تبادل الخدمات والفساد مع حواجز النظام التي تحاصرها. وقد سهّل الروس والنظام خروج المسلحين الذين يرفضون هذه الهدن والمصالحات من هذه المناطق، وعملوا على تجميعهم في محافظة إدلب، مع تبييت النيّة للتخلص منهم لاحقًا.

لقد استفاد الروس كثيرًا من هذه السياسة، وضموا مناطق وأريافًا كانت تُشكّل مُحركًا مهمًا للثورة، كما استفاد النظام الذي يشكو نقص الموارد البشرية من تخفيف العبء العسكري الذي كانت تُشكّله، إضافة إلى تجنيد من وافق على المصالحات من مسلحي هذه المناطق وزجّهم في الخطوط الأمامية للجبهات الساخنة، وجعلهم هدفًا للقتل من الطرف الآخر أو من قبل النظام. وسوف يتابع الروس هذه السياسة بهدف الوصول إلى أوسع مساحة من سورية، لكنها ستبقى تجربة تحتاج إلى أن يبرهن الواقع على نجاعتها، فالواقع متحرك، ومن غير المعروف الشكل الذي سوف يتطور إليه الصراع.

لقد استنفذ الروس، على ما يبدو، كل ما في جعبتهم من أساليب وسياسات لدعم جهدهم العسكري، من دون أن يحصلوا حتى الآن على تسليم القوى المحلية بدورهم ورؤيتهم للحل، أو على قبول القوى الدولية المنافسة على النفوذ، خاصة الغرب والولايات المتحدة تحديدًا، على الرغم من الحرص على عدم الاصطدام بهم في الميدان حتى الآن. فإلى أين هم ماضون في ظل بقاء إنجازاتهم، التي تتلخص بتدمير مدن السوريين وقتلهم وتثبيت النظام، معلقة بالهواء؟ ذلك أن الإنجازات العسكرية لا يُعتدّ بها مهما عظمت، إذا لم تكن قابلة للاستثمار السياسي. وهل وصلوا إلى نهاية الطريق وبات الصدام مع القوى الدولية المناوئة حتميًا سواءً أجاء مباشرًا أو بالوكالة؟ أم أنهم سيفرملون جموحهم ويحاولون الاحتفاظ بما يمكن الحفاظ عليه مما حققوه؟!

 

ثانيًا: هل تنقل معركة دير الزور الصراع إلى مستواه الدولي؟

مع احتدام معارك البادية مطلع الصيف، اتجهت أنظار الجميع صوب دير الزور، تلك المحافظة الإستراتيجية بموقعها والغنية بثرواتها من نفط وغاز وزراعة، وتلاشت معها مقولة النظام عن “سورية المفيدة” لحظات انحساره، وبدأ تعميم مقولة “سورية الغنية” التي كانت من ضمن المناطق التي يسيطر عليها (تنظيم الدولة الإسلامية – داعش). ومع احتدام واستعجال المعارك مع (داعش) بعد تحرير الموصل، أصبحت دير الزور ساحة مواجهة بين قوى (التحالف الدولي) وحلفائه المحليين، وعمودها الفقري (قوات سورية الديمقراطية)، وبين قوى النظام وحلفائه من الميليشيات الإيرانية، بغطاء جوي روسي، وبفاعلية أرضية أيضًا، أخذت تتمثل بمشاركة من الوحدات الخاصة الروسية، كشف عنها مقتل الجنرال فاليري أسابوف، وهو مؤشر على ازدياد وتيرة الانخراط البري في معارك دير الزور، حيث تمكّن النظام من فكّ الحصار عن مناطقه وقواته المحاصرة منذ ثلاث سنوات بما في ذلك المطار، وحيث لم يُبد (داعش) تلك المقاومة المعهودة عنه، إما لأنه أُنهك، أو لأنه يريد اصطدام القوى المتسابقة بعد انسحابه من المناطق الفاصلة فيما بينها، كما سبق له أن فعل إبّان معارك درع الفرات.

جاء تقدّم قوات النظام وحلفائه باتجاه دير الزور من ثلاثة محاور سريعًا، كونه لم يواجَه بمقاومة من قبل (داعش)، كما أن أغلب المناطق التي توغلت فيها هذه القوات هي مناطق خالية أو تكاد؛ وهذا التقدم السريع استدعى تقدمًا على الطرف الآخر، شرقي النهر، في سباق واضح للسيطرة على مناطق دير الزور الواقعة هناك. لقد جرى تثبيت خطوط المواجهة وتأخير الحسم في الرقة والاقتصار على القصف الجوي من قبل طيران التحالف، لإتاحة الفرصة لـ (قوات سورية الديمقراطية) في التوجه صوب دير الزور، حيث احتلت مواقع تبعد بضعة كيلو مترات عن المدينة. غير أن التطور المهم هو احتلال (قوات سورية الديمقراطية) حقل (كونيكو)، أكبر حقول الغاز في سورية، لقطع الطريق أمام قوات النظام التي عبرت النهر باتجاهه. وبعد تبادل الاتهامات بين الروس والأميركيين، والتحذيرات من قصف حلفاء كل طرف للطرف الآخر أكثر من مرة، يبدو أن الأمور تسير، أكثر فأكثر، نحو احتمال المواجهة غير المباشرة بين القوتين الكبريين في ظل إصرار كل طرف على السيطرة على مواقع الثروة في المحافظة.

جرى الحديث مطولًا قبل وصول قوات النظام إلى دير الزور عن “اتفاق أميركي- روسي” حول تقاسم جغرافية المحافظة بين الطرفين وحلفائهما، بحيث يكون شرقي النهر من حصة التحالف، وغربيُّه، بما فيه مدينة دير الزور، من حصة الروس والنظام؛ إلا أن الوقائع تميل إلى نفي حصول مثل هذا الاتفاق، ذلك أن تناقض التصريحات وارتفاع حدّتها، خاصة من قبل المسؤولين الروس، واجتياز قوات النظام نهر الفرات بدعم لوجستي نوعي من سلاح الهندسة الروسي، يؤكد مثل هذا الاستنتاج. قد تكون حصلت تفاهمات غير مُلزمة مع بدايات معركة الرقة، لكنها لم ترقَ إلى مستوى اتفاق بين الطرفين، تفاهمات تبخرت في حمأة الصراع على النفوذ والثروات، بعد أن بدأت المعركة، وهذا ما يفسر انزعاج المسؤولين الروس من السياسة الأميركية التي تتعمد عدم الوضوح في استراتيجيتها ولا تُفصح عما تريد. وليس عبثًا أن يقول وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، الذي اتهم الأميركيين “بأنهم ضيوف دخلوا سورية بدون دعوة”، وأن الروس طلبوا من الأميركيين “توضيح خطتهم في دير الزور، لكنهم لم يعطوا أجوبة مقنعة”، كما أن نائب وزير الخارجية الروسي، سيرغي ريابكوف، حمّل السياسات الأميركية المسؤولية عن مقتل الجنرال أسابوف وقال “إن مقتله ثمن بالدم تدفعه روسيا بسبب السياسات الأميركية ثنائية الوجه في سورية”، على الرغم من نفي وزارة الخارجية الأميركية الاتهامات الروسية.

تشير الوقائع إلى أن غموض الإستراتيجية الأميركية في سورية والعراق ستبقى ثابتة حتى تحقيق هزيمة (داعش)، مع استمرارها بتثبيت واقعة وجودها على الأرض، وكسب المزيد من القوات المحلية للقتال وفق هذه الإستراتيجية؛ لا يمنع من ذلك رمي تصريحات متناقضة لمسؤولين أميركيين عسكريين وسياسيين في هذه المناسبة أو تلك. فعلى الرغم من توجهات الإدارة الجديدة بمحاصرة الوجود الإيراني في سورية، وقطع الممر البري الذي تسعى له إيران بغية الوصول إلى المتوسط، وبعد أن اعتبرت قاعدة (التنف) محمية أميركية توجد فيها فصائل (الجيش الحر) العاملة في البادية السورية وقوات بريطانية وفنلندية، يُمنع الاقتراب منها لمسافة 50 كم، وتبعتها بقاعدة (الزكف) التي تبعد عن البوكمال 70 كم، وكانت الغاية منهما السيطرة على الحدود السورية- العراقية وجزء من الحدود الأردنية- السورية لقطع الممر الإيراني، تغيرت الأمور فجأة، حيث ألغيت قاعدة (الزكف)، وانسحب البريطانيون من (التنف)، وقد تُلغى قاعدة (التنف) أيضًا، ثم مُورست الضغوط على فصائل (الجيش الحر) لإخلاء البادية وعدم محاربة قوات النظام، كما صرح قائد قوات التحالف الدولي لمحاربة (داعش)، بأن القوات الأميركية لن تعترض قوات النظام التي تتقدم في البادية، وأخيرًا كُشف النقاب عن تفاهم عراقي- سوري حول الحدود المشتركة البالغة أكثر من 600 كم، ومنح القوات العراقية حق التوغل بعمق عشرة كيلو مترات داخل الأراضي السورية، وبما يقتضي لقاء قوات البلدين في ثلاث نقاط هي عمليًا المعابر الدولية بين البلدين (التنف – البوكمال – ربيعة)، وتُستثنى منها المناطق الواقعة تحت سيطرة القوات الكردية في محافظتي الحسكة ودير الزور. هذه التفاهمات التي أنجزت بعلم ومعرفة الأميركيين، جرت بعد زيارة مستشار الأمن الوطني العراقي ورئيس الهيئة المشرفة على الحشد الشعبي، فالح الفياض، إلى دمشق نهاية آب/ أغسطس الماضي. والآن ترابط ميليشيا النجباء الشيعية في منطقة رأس الوعر جنوبي البوكمال بخمسين كيلو مترًا، ما يوحي وكأن أميركا ليست قلقة من تمدد النظام في الجغرافيا السورية غرب الفرات، إما لأنها لا تعنيها، أو لأنها تريد استنزافه.

إن تفسير هذه المواقف الأميركية بدلالة اختلاف الخطط بين وكالة الاستخبارات الأميركية والبنتاغون ليس مقنعًا، وبالقدر ذاته ليس مقنعًا الحديث عن اتفاق أميركي- روسي، ولا عن عدم جدية الموقف الأميركي من إيران. هذه المواقف أربكت جميع الأطراف بما فيها حلفاء أميركا، لكنها، على الأرجح، تصب في السعي الأميركي للاستحواذ على القسط الأعظم من النفوذ في سورية، والتحكم في مستقبلها.

قضية أخرى طفت على السطح في الآونة الأخيرة، ألا وهي قضية إعادة الإعمار. فمن جهة النظام، ومع علوّ نبرة الحديث عن النصر الذي يستعجله قبل حدوثه، تتحدث روسيا كما إيران وبعض الدوائر القريبة من النظام عن هذا الموضوع. فقد أعلنت روسيا عن إرسالها خمسة آلاف طن من مواد البناء للإسهام في إعادة الإعمار، كما جرى تلزيم إيران تشييد مصفاة نفط شرق حمص. لكن الحديث من قبل النظام وحلفائه عن إعادة الإعمار، لا يعدو أن يكون بيعًا للأوهام، كما مقولة الانتصار التي يروجون لها؛ فالدولتان- والمقصود هنا روسيا وإيران- منهكتان اقتصاديًا وغير قادرتين على الإيفاء بأعباء هذه المهمة.

أما على الجانب الآخر، فقد صرّح وزير الخارجية البريطاني بوريس جونسون من على منبر الأمم المتحدة بقوله “إننا لن ندعم إعادة إعمار سورية مع بقاء الأسد”، ما دفع الروس للردّ واعتبار هذا الموقف تسييسًا لقضية إنسانية. وبمقدار ما يؤشر الحديث عن إعادة الإعمار عن قرب نهايات الصراع السوري، أو العمل الدولي على ذلك، بمقدار ما يدل على توجه غربي لتضييق الخيارات أمام الوجود الروسي في سورية، والكلفة الباهظة التي ستقع على الروس في حال أصروا على المواجهة. فأين المصلحة الروسية، إذا تُركت لها دولة محطمة وفاشلة وبدون موارد؟ هذا في الوقت الذي هم عاجزون فيه عن التكفل بأعباء إعادة إعمارها، ومع افتراض توفر الاستقرار الأمني اللازم في مناطقها، وهو ما يُمكن أن يُفسّر الاندفاعة الروسية للسيطرة على المناطق النفطية في دير الزور مع ما تحمله من مغامرة مكلفة.

 

ثالثًا: خاتمة

في جلسة لمجلس الأمن حول الوضع في سورية يوم 27 أيلول/ سبتمبر 2017، أكد المندوب الروسي في مجلس الأمن أن اتفاق أستانا الأخير هو اتفاق موقّت، وأضاف “هناك أطراف دولية تُحاول التشكيك بمسار أستانا ونزع المصداقية عنه”. ربما تكون مناسبة هذا الحديث الانتقادات التي وُجّهت لبلاده على خلفية شنّ الطيران الروسي خلال الأيام التسعة التي تلت أستانا 6582 غارة على ريف إدلب الجنوبي وريف حماه الغربي وجسر الشغور، وكلها مناطق مشمولة بتخفيف التصعيد الأخير، كما شمل القصف مواقع لفصائل (الجيش الحر) التي وقّعت على الاتفاق، الأمر الذي يعكس تخبطًا روسيًا وضعف ثقة بالمآلات النهائية للصراع التي عجزت عن الوصول إلى الحسم العسكري، وفي الوقت نفسه لم تُقنع الغرب بفتح باب المساومة مع روسيا. وبما أن الصراع الذي تجاوز بعده الإقليمي وبلغ ذروته الدولية، فإن روسيا تتملكها الخشية من أن يستطيع الغرب الذي ليس في عجلة من أمره، أن يُدخلها في نفق يصعب عليها الخروج منه بسهولة، وقد “كسبت” وصف “الدولة المتوحشة”، عندما لا يتردد رئيسها بالتفاخر بأن الحرب في سورية كانت ساحة اختبار رخيصة لترسانته من الأسلحة الفتاكة.