عنوان المادة الأصلي باللغة الإنكليزية TURKEY’S IDLIB INCURSION AND THE HTS QUESTION: UNDERSTANDING THE LONG GAME IN SYRIA
اسم الكاتب تشارلز ليستر

Charles Lister.

مصدر المادة الأصلي War On the Rocks
رابط المادة https://warontherocks.com/2017/10/turkeys-idlib-incursion-and-the-hts-question-understanding-the-long-game-in-syria/
تاريخ النشر 2017/10
المترجم أنس عيسى

 

 

المحتويات

نظرة في ما وراء ظاهر الأمر

بالنسبة إلى هيئة تحرير الشام، ليس الأمر شربة ماء

نظريًا: خطة تركيا طويلة الأمد

وجهة نظر في ما سيحصل لاحقًا

 

بعد أيام عدة من التخمين المحيط باحتمال التدخل التركي، عبرت قوات تركية استطلاعية إلى محافظة إدلب في شمال غرب سورية في 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2017 لتتحرى الطور الأول من تحريك قوات “خفض التصعيد”. وتأتي خطوة تركيا في السياق الأوسع للمبادرة التي تقودها روسيا لخفض تصعيد النزاع في سورية بالتركيز على مناطق جغرافية محددة، كانت إدلب الرابعة بينها. في الأيام التي تلت تحركات 8 تشرين الأول/ أكتوبر، استخدمت أعداد محدودة من الفرق العسكرية التركية طرقًا ريفية ضيقة لتأمين خطوط سيطرة رفيعة تغطي المساحة الممتدة بين بلدة أطمة على حدود إدلب باتجاه الشرق عبر دارة عزة وصولًا إلى عندان في ريف حلب الغربي. وعبرت قافلتان أكبر حجمًا تتضمنان ما لا يقل عن خمسين إلى مئة عربة مدرعة في ليل 23 تشرين الأول/ أكتوبر وفي وقت متأخر من 24 تشرين الأول/ أكتوبر لتكملان بصورة فاعلة أهداف تركيا الأولية.

تهدف منطقة العزل الفضفاضة الناجمة عن تلك التحركات، بصورة أساسية، إلى مركزة القوات التركية في موقع أساسي لمراقبة وحدات حماية الشعب الكردية (واي. بي. جي) واحتوائها في حصنها بعفرين الواقعة على بعد 30 كم شمال دارة عزة التي شن منها رجال ميليشيات وحدات الحماية الشعبية ونساؤها هجمات متكررة على مواقع المعارضة السورية في شمالي إدلب، ما أشار إلى غلبة احتمال نية المجموعة الكردية التوسع بعنف باتجاه الجنوب، ومنحها حصنها المنيع في عفرين إمكان الدفاع ضد أي محاولات مستقبلية من قوى المعارضة المدعومة تركيًا لاستعادة السيطرة على البلدات التي تحتلها من مثل تل رفعت.

رأت تركيا في تلك الوقائع الإستراتيجية تهديدات أمنية؛ نظرًا إلى التقارب البنيوي والأيديولوجي لوحدات الحماية الشعبية مع حزب العمال الكردستاني (بي. كي. كي) الموسوم بالإرهاب الذي خاض تمردًا مميتًا ضد الدولة التركية مدة تزيد على ثلاثين سنة.

على الرغم من أهمية التدخل التركي في إدلب، إلا أن ذلك التحرك قد أثار علامات التعجب لسبب آخر: فقد رافق الجنود الأتراك موكبًا عسكريًا في إدلب لم يكن قوامه إلا من المجموعة الجهادية “هيئة تحرير الشام”، الأمر الذي أثار زوبعة من الاتهامات بخصوص تواطؤ تركي مع القاعدة. وعلى الرغم من إمكان تفهم اتهامات كتلك، إلا أنها أفقدت التطورات الحاصلة، حتى تلك اللحظة، كثيرًا من أهميتها. لقد كنت في تركيا في الأيام التي سبقت تلك العملية، وكنت قريبًا من الحدود عندما بدأت، والتقيت بعينة واسعة من جماعات المعارضة وشخصياتها.

إن خلفية الخطة التركية لإدلب ودينامياتها أشد تعقيدًا أكثر مما افترضه كثيرون، وتستحق بعض الانتباه. تقود الأولويات أفعال تركيا أولًا، مع عدّ وحدات الحماية الشعبية الخطر الأكبر والأكثر مباشرة، والحساب الإستراتيجي ثانيًا الذي ينص على أنه من المستحسن التعامل مع هيئة تحرير الشام عبر حملة تقويض بطيئة ومنهجية تسعى لخلق الانقسامات فيها عوضًا عن شن حرب مفتوحة ضدها. تتشارك كثير من فصائل المعارضة الإسلامية في إدلب التقويم السابق، فقد تستخدمها تركيا لتتنافس مع أشد متطرفي هيئة تحرير الشام وتُضعفهم (من دون أن تقاتل)، ولتستميل إلى صفوفها (من دون أن تقتل) الأعضاء الأكثر مرونة من قاعدتها.

وبطريقة أكثر إثارة، لربما كانت هيئة تحرير الشام وقائدها أبو محمد الجولاني شديدي الحرص على تجنب النزاع مع تركيا وشركائها المعارضين نظرًا إلى احتمال أن يؤدي سيناريو من هذا النوع إلى إضعاف صدقيتها الداخلية والمحلية بطريقة غير قابلة للعكس. وكان الجولاني نفسه قد حاول بدء التفاوضات مع تركيا لتجنب ذلك السيناريو المخيف.

في النهاية، لروسيا دور في كل ما يحدث. في الحقيقة، تخوض القوات الروسية تفاوضات مباشرة مع هيئة تحرير الشام منذ أسابيع، ثم إن مسار التفاوضات الروسي مع الهئية في محاظة حمص كان وراء انطلاق تفاوضات تركيا والهيئة في محافظة إدلب.

 

نظرة في ما وراء ظاهر الأمر

إن هيئة تحرير الشام هي مجموعة مظلة جهادية تشكلت في نهاية شهر كانون الثاني/ يناير 2017 من جبهة فتح الشام المجموعة التي خلفت فرع القاعدة السابق جبهة النصرة. أُسست هيئة تحرير الشام ضد حالة النزاع التقسيمي داخل الفصائل في شمال غرب سورية، حال وضع مقاتلي جبهة فتح الشام في مواجهة ضد أولئك في أحرار الشام، وشركائهم العسكريين طويلي الأمد. لذلك، فقد ساعد تأسيس هيئة تحرير الشام في إيضاح الخط المرسوم بين الموالين للرؤية الجهادية “السوداء” لسورية (الذين التحقوا بالهيئة) والآخرين الذين كانوا مصممين، على الرغم من عقيدتهم الإسلامية المحافظة، على إعطاء الأولوية لطبيعة الثورة السورية “الخضراء”. إن ترافق نشوء هيئة تحرير الشام وسط ذلك الانقسام، إضافة إلى النظر إليها من شريحة واسعة بوصفها طرفًا معتديًا قد أدّيا إلى تقلص صدقيتها المحلية بوصفها شريكًا مناصرًا للثورة منذ لحظة تأسيسها. كانت جبهة النصرة قد حصدت بعض الشرعية في إثر إظهارها لسنوات عدة لولائها الواضح للقضية الوطنية السورية الأوسع، ولكن سرعان ما تأكلت تلك الشرعية عندما أُدرِك تفضيل جبهة فتح الشام وهيئة تحرير الشام لمصلحتهما الخاصة على المصالح الجمعيّة للمعارضة ضد الأسد. وفي الوقت الذي ما تزال فيه هيئة تحرير الشام مجموعة جهادية تسعى لتأسيس إمارات محلية كمكونات مستقبلية لخلافة عالمية، لم تظهر تلك الهيئة تقريبًا أي طاعة أو ولاء للقاعدة أو النصرة.

وفقًا لعدد من المصادر الجهادية أو لمصادر المعارضة الواصلة، فإن الخطوة التركية داخل إدلب قد جاءت نتيجة لسيرورة التفاوضات المكثفة بين الهيئة وتركيا. كانت هيئة فتح الشام هي الطرف المبادر في تلك المحادثات بطلب من قائدها الجولاني، الذي ذكر ممثلوه لروسيا خلال التفاوضات الثنائية المباشرة المستقلة بين الطرفين بأن الهيئة مهتمة بمناقشة اتفاق يمنع نزاعًا جديدًا في إدلب. يخبرنا حال اجتماع روسيا مباشرة بهيئة تحرير الشام -المجموعة التي ترغب روسيا عمليًا في مسحها من على وجه الأرض- كثيرًا عن مدى تعقيد النزاع السوري، ويخبرنا تمرير طلب هيئة تحرير الشام من الروس إلى الأتراك عن العلاقة التي تُبنى بين موسكو وأنقرة في الوقت الذي يحاول فيه البلدان إدارة النزاع في سورية عبر عملية آستانة ثلاثية الأطراف، التي تشمل إيران أيضًا.

كان كثير من التخمينات حول تدخل تركي محتمل في إدلب يضعه في إطار عملية مضادة لهيئة تحرير الشام، ولكن أساءت تلك التخمينات فهم الديناميات المحركة للتفاوضات الروسية التركية المؤخرة، ولأولويات اللاعبين الأساسيين. بالنسبة إلى تركيا، لطالما كان خوفها الأمني المسيطر في منطقة إدلب وغرب حلب يتلخص في وحدات الحماية الشعبية ورغبتها المعلنة في التوسع غربًا إلى إدلب؛ فبعد انتصار الوحدات، الذي كان متوقعًا، ضد الدولة الإسلامية في الرقة، خاف المسؤولون الأمنيون الأتراك من احتمال أن تقوم الوحدات بالدوران باتجاه الغرب في محاولة منها لبسط نفوذ أوسع على طول الحدود السورية التركية. حاولت أنقرة تجنب حدوث تقدم كذاك، إضافة إلى تجنب أي تهديد لوحدات الحماية الشعبية باتجاه الشرق حيث تقع منطقة “درع الفرات” في شمالي حلب، وسيكون الوضع أفضل كثيرًا بالنسبة إلى تركيا إن استطاعت أخذ الموافقة على تدخلها عبر اتفاق في الآستانة.

وفقًا لمصادر سورية عدة قريبة من الدوائر العليا في الحكومة التركية، فإن ما جرى الاتفاق عليه في الآستانة كان كالآتي بالضبط: سيقوم أول أطوار العملية التركية بعرض القوة أمام وحدات الحماية الشعبية، الأمر الذي سيؤسس لمنطقة عازلة على طول حدودها مع إدلب وسيفرض السيطرة على معبر أطمة الحدودي، وعن ذلك أخبرتني شخصية إسلامية سورية بارزة ذات صلات واسعة في أنقرة: “لم يكن ذلك التدخل يدور حول هيئة تحرير الشام على الإطلاق؛ إذ لا تفكر روسيا ولا تركيا بأنه من الممكن التعامل مع الهيئة بالتدابير العسكرية وحدها؛ فالتحدي هنا أكثر تعقيدًا ويتطلب إستراتيجية ذكية”. بتعبير مختلف، سيعتمد محتوى الأطوار الثاني والثالث وغيرهما من العملية التركية والاتفاق مع الروس على ما سينجم عن الطور الأول: على سبيل المثال، كان هناك بعض الحسابات للتخطيط لعمليات عسكرية محدودة باتجاه عفرين لاحتواء وحدات الحماية الشعبية بصورة أكبر، ولكن ذلك لن يحدث إلا بموافقة روسية. وكان هناك إدراك بأنه من غير الممكن تجنب بعض مستويات النزاع مع هيئة تحرير الشام في المدى الأبعد، ولكن ذلك السيناريو يعتمد أيضًا على الخطوات الأخرى لروسيا وشركائها في جنوبي إدلب. بتعبير آخر، لقد عكس الطور الأول من العملية التركية كل ما جرى الاتفاق عليه، وسيعتمد أي شيء آخر في ما عداه على عوامل مختلفة من المستحيل التنبؤ بها بدقة.

على الرغم من خطابها الرنان، لطالما قاومت روسيا بثبات عملية شاملة في إدلب نظرًا إلى الاستنزاف في الموارد العسكرية التي ستتحملها، إضافة إلى الحجم الهائل للعنف والتبعات الإنسانية التي ستنجم عن عملية كتلك. ركزت روسيا منذ سقوط حلب على زيادة نسق اتفاقات مناطق خفض التصعيد عبر سورية، وعلى إعادة بناء الجيش السوري وهيكلته وعلى توجيه تركيز القوات الموازية للنظام تجاه محاربة الدولة الإسلامية في العراق والمشرق في محاولة منها لتحسين صورة بشار الأسد على الصعيد الدولي؛ لذلك فإن إطلاقها لعملية في إدلب سيؤثر في ما سبق كله.  وزادت روسيا، عبر وحدات شرطتها العسكرية ذات الأغلبية المسلمة، من جهدها على الأرض لبناء الثقة مع المعارضة الملسحة السورية، جهدًا تكلل بنجاح مفاجئ وفقًا لجماعات عدة. يتناغم الجهد السابق بوضوح مع محاولة روسيا تفادي نزاع مفتوح في إدلب، لتقوم عوضًا عنه بتدبير ترتيب تقوم من خلاله بإضعاف تهديداته بصورة كافية ليتم بعدها التعامل معها بطريقة أكثر دقة واستهدافًا.

يُشاع عن الجولاني خشيته من مواجهة شاملة مع تركيا وحلفائها من قوات المعارضة أكثر من أي تهديد آخر، ووفقًا لعدد من المصادر المطلعة التي يعرف كثيرًا من بينها الجولاني شخصيًا، فإنه قلق من إمكان أن يسبب اعتداء مشترك بين تركيا والمعارضة في إدلب أزمة ثقة داخلية بين جنود هيئة تحرير الشام السوريين؛ الأمر الذي سيقود إلى مستويات خطرة من الانقسام والانشقاق، خصوصًا أن أعمال الهيئة العدوانية ضد حركات المعارضة المنافسة قد  قلّلت مسبقًا من صدقية الجماعة الشعبية في إدلب، وكان ذلك السبب الوحيد، وفقًا لمصادري الخاصة، الذي سعى من أجله الجولاني لإجراء المحادثات عوضًا عن القتال عندما بدا أن تركيا كانت تحضر للدخول إلى إدلب.

يُنظر إلى الجولاني في أوساط المعارضة في سورية بشك عميق. وخلال زيارات عدّة قمت بها للقاء معارضة سورية المسلحة منذ أواخر عام 2013، كانت تلك المرة الأولى التي تعبر فيها كل مجموعة عن عدائها تجاه “النصرة” و”الجولاني” والآن “هتش” (وهو اختصار لهيئة تحرير الشام، الذي يبدو مشابهًا، عن قصد، لـ”داعش”: الاختصار الازدرائي للدولة الإسلامية)، مع التركيز على الجولاني بنقد وضغينة خاصين. سخر أحد الأشخاص الذي التقى بالجولاني في مناسبات عدة هذا العام من كيفية مقارنة الجولاني لنفسه مرات عدّة بتشي غيفارا، ومن ادعائه امتلاك القدرة على توحيد ما يكفي من الناس تحت مظلته لـ “يصبح رئيس وزراء سورية!”، وأخبرني المصدر نفسه بتهكم: “لا شيء يقلل من إحساسه بالعنجهية، ولكأنه يعيش في واقع مغاير”.

عبر عدد من جماعات الجيش السوري الحر المتمركزة في إدلب وغرب حلب وشمال حماة عن تصميمها على قتال هيئة تحرير الشام بصورة مباشرة في أرض المعركة، وتحرير الأراضي التي تسيطر عليها والثأر منها. عقد لقاء قرب الحدود السورية- التركية قبيل ساعات من بدء عملية 8 تشرين الأول/ أكتوبر مع 16 قائدًا من قادة القوات المشاركة في تحالف درع الفرات المعارض مع تركيا. استمر ذلك الاجتماع ست ساعات، وأشارت فيه مجموعات الجيش السوري الحر إلى معرفة مفصّلة بخطط أنقرة، وأن مقاتليهم كانوا يحضرون للدخول العاجل إلى إدلب للالتحاق بالقوات التركية. ولكن ما توضح بسرعة هو أن شركاء تركيا المفضلين في شمالي حلب كانوا في الحقيقة غافلين عن الخطط التركية، وعلى الرغم من بقاء حوالى ألف مقاتل من الجيش السوري الحر في معبر أطمة الحدودي، إلا أنه لم يُطلَب من أي واحد منهم الالتحاق بعملية تركيا.

أما الطرف الذي كان على دراية بما تفكر فيه تركيا، فقد تمثل في أقوى الجماعات الإسلامية -وخصوصًا أحرار الشام وفيلق الشام- تحدثت خلال لقاءات دامت ساعات طويلة مع قادة من الجماعتين سابقتي الذكر، كان من بينهم قائد أحرار الشام الجديد حسان صوفان. أخبرني ممثلون عن الجماعتين كلتيهما أنهم قد تبنوا رؤية إستراتيجية أكثر حذقًا تفضل حملة منهجية للتقويض على خوض قتال مباشر مع هيئة تحرير الشام. ووفق ما قالوه، فإن قتالًا مباشرًا قد يعرض لخطر تقوية الهيئة وتمتين قيادتها الحالية غير المستقرة مسبقًا، أما إستراتيجية التقويض فلديها فرصًا أفضل في التقسيم الممنهج للجماعة إلى تهديد تسهيل مواجهته وفي استمالة أعضائها الذين لن يوالوا، في حال تأزم وضع الهيئة، الرؤية المتشددة التي دخلت في نزاع مع قضية الثورة السورية الرئيسة. وأضافوا أن الحافز الوحيد الذي من شأنه بدء سلسلة النتائج المرجوة من تلك الإستراتيجية سيكون اشتراك لاعبين خارجيين؛ فأي خطوة داخلية من جهة المعارضة محكومة بالفشل، الأمر الذي أظهرته بوضوح حوادث عدّة داخل فصائل في إدلب وحلب. ولذلك، في الوقت الذي بدا فيه الطور الأول من تدخل تركيا في إدلب عملية ذاتية المصلحة بامتياز لاحتواء وحدات الحماية الشعبية، فإنه في الوقت نفسه قد شكل، بصورة جزئية، الخطوة الأولى في إضعاف هيئة تحرير الشام بطرائق غير مباشرة.

 

بالنسبة إلى هيئة تحرير الشام، ليس الأمر شربة ماء

قدّرت تركيا وجماعات المعارضة أن هيئة تحرير الشام والجولاني يجدون أنفسهم عالقين في وضع صعب، وأن أي سوء حساب قد يعني تحديًا وجوديًا بالنسبة إليهم. وقاد تقهقر الدولة الإسلامية السريع إلى تحويل الانتباه الدولي تحويلًا كبيرًا نحو التهديد الإرهابي الذي تمثله الهيئة في إدلب، وما زاد من ذلك التهديد الخارجي انتقاد تيارات المعارضة السورية الرئيسة العلني والعدائي تجاه نفوذ الهيئة العنجهية وتعدياتها.

لجأت هئية تحرير الشام في مواجهتها لتحدياتها المركبة (الداخلية والخارجية) مرارًا وتكرارًا إلى تأكيد نفوذها عبر العنف في مواجهة حركات المعارضة التي تراها منافسة أو مهددة لها. أدت تلك الهجمات العسكرية الوقائية (ضد الكتيبة 13 وجيش إدلب الحر وصقور الشام والجبهة الشامية وتجمع فاستقم كما أمرت وأحرار الشام) إلى تثبيت سيطرة الجماعة السياسية والعسكرية على ما لا يقل عن 60 في المئة من إدلب، ولكنها أدت إلى تراجع كبير في الشرعية التي اكتسبتها خلال السنوات السابقة عبر عملياتها الناجحة المعادية للأسد. زاد عدد هيئة تحرير الشام (والنصرة وجبهة فتح الشام من قبلها) إلى حوالى 25.000 مقاتل اليوم، ويعود ذلك في معظمه إلى قدراتها العسكرية الباهرة. كان لحماستها الأيديولوجية دور مهم من دون شك، ولكنها لم تكن المبدأ الأساس في جاذبيتها الجماهيرية. بدأت هيئة تحرير الشام وسلفَيها (النصرة وجبهة فتح الشام)، منذ منتصف عام 2016 على الأقل، تشاهد تراجع أكثر وسائل محافظتها على الدعم الشعبي قيمةً: حرية إظهار قوة عسكرية لا نظير لها ضد النظام السوري.

كان جبهة النصرة، حتى عام 2016، تعدّ مثالًا ناجحًا اعتمد في وجوده على النزاع العسكري المستمر ضد الأسد، ولكن مع ذهاب ذلك النزاع أو انحساره في عامي 2016 و2017، كان على النصرة وجبهة فتح الشام وهيئة تحرير الشام أن تبحث عن مصادر أخرى لشرعيتها، إضافة إلى تسبُّب رغبة الهيئة في قتال شركائها السابقين في المعارضة إلى توقف كونها مظلة لجماعات مختلفة، وها هي الآن لا تمثل سوى جبهة فتح الشام والنصرة. وبسبب كثرة الجماعات والفصائل والانشقاقات الفردية، إضافة إلى اعتقال عدد من القادة واحتجازهم، عادت هيئة تحرير الشام من جديد لتكون جبهة النصرة ولكن من دون الشرعية الشعبية التي كانت تمتلكها من قبل، حتى أنه قد قيل إن بعض عناصر الهيئة الذين لطالما كانوا يلقّبون بـ”الحمائم” قد عادوا إلى طرائقهم المتشددة استجابة للضغوط على الجماعة. لنأخذ على سبيل المثال أبو ماريا القحطاني -الجهادي القديم الذي كان مقربًا من مؤسس القاعدة في العراق القائد أبي مصعب الزرقاوي-  الذي وصفه أحد المعارف لي قائًلا:

“هو متطرف حقيقي، غيرته تجاربه السابقة في سورية نحو الأفضل، ولكن يبدو أن تطورات حدثت مؤخرًا قد أثرت فيه أكثر، لم يعد في إثرها في صف الثورة السورية الحقيقية.”

كما شرح لي مصدر آخر عما كان أبو ماريا مشاركًا فيه قبل التحاقه بالجهاد في العراق، “لقد كان أحد أفراد (ابن عدي)” وهي، وفقًا لشرح المصدر، عصابة شبيهة بالمافيا بُنيت حول ابن صدام حسين عُدي، وشاركت في كثير من النشاط السادي والمحظور. كانت الإشارة واضحة إلى مسارات مشابهة اتخذتها شخصيات قيادية عدّة في الدولة الإسلامية: من بعثيين عاملين إلى جهاديين متشددين.

 

نظريًا: خطة تركيا طويلة الأمد

إن هيئة تحرير الشام ليست الدولة الإسلامية. تعرف تركيا ذلك، كما تعرفه الجماعات الموجودة بجانبها، التي يشك معظمها الآن في نوايا الهيئة ويعادي أفعالها و/ أو يعارض وجودها. الآن، يرى هؤلاء الفاعلون أن الهيئة تنقسم إلى جزء، على الأقل، يمثل تهديدًا جديًا، وأجزاء أخرى تمثل تحديًا من الممكن تدبيره. أعرف شخصيًا عددًا من قادة أحرار الشام العسكريين المعتّقين، الذين يقومون، على سبيل المثال، منذ أوائل عام 2013 بالمجازفة بأنفسهم في سبيل الإنقاذ “السري” لشباب سوريين من النصرة الذيي كانوا يرون فيها خطرًا مستقبليًا. كان ما لا يقل عن اثنين من أولئك القادة العسكريين في حياتهم الماضية سواء أعضاء في القاعدة أو قريبين من نيل تلك العضوية، ولذلك ادعوا أنهم كانوا يطلقون تحذيراتهم منذ سنوات استنادًا إلى خبرة شخصية تقف إلى جانبهم.

نظرًا إلى الضغوط غير المسبوقة على صدقية هيئة تحرير الشام المحلية، وإلى التغير في ديناميات الصراع السوري الجيوسياسية كلها، ترى الجماعات المنافسة للهيئة أنه من المستحسن أن تتفوق عليها في المنافسة عبر كسب مزيد من الشرعية على الأرض عوضًا عن محاولة مقارعتها في مواجهة عسكرية قد لا تؤدي إلا إلى تمتين قاعدتها.

قد يكون الهدف الأولي من تحريك تركيا لعدد محدود من قواتها في منطقة مهمة إستراتيجيًا في شمالي إدلب هو عرض القوة أمام وحدات الحماية الشعبية في عفرين، ولكن ذلك يمهد أيضًا لمصدر جديد وعلني من الضغط على هيئة تحرير الشام، إضافة إلى زيادة الضغط ضمن بنيتها الداخلية. في شهر آب/ أغسطس 2016، انسحبت النصرة انسحابًا علنيًا وغاضبًا من شمال حلب قبل إطلاق تركيا لعملية درع الفرات، وأتبعت النصرة انسحابها ذاك بإطلاقها لتهديدات عدة بتدمير الجماعات التي اصطفت مع تركيا. لكن في هذه المرة، دفع دخول تركيا إلى إدلب الهيئة للتفاوض؛ إذ لم يمتلك الجولاني مساحة واسعة للمناورة نظرًا إلى الأخطار الكثيرة التي ستولدها مواجهة تدخل تركي، وذلك على الرغم من المعارضة التي أبداها بعضهم في داخل مجلس شورى الهيئة. يُضاف إلى الأسباب التي دفعت الجولاني إلى اتخاذ القرار بالتفاوضات الانقسام الذي ما برح يزداد وضوحًا بين القاعدة والهيئة، إذ وجهت قيادة القاعدة المركزية وعدد من أهم منظري القاعدة النقد اللاذع والعلني إلى الجولاني بسبب فصل نفسه فصلًا غير مشروع عن خط قيادة القاعدة الرسمي. وابتعد عدد من قدامى شخصيات القاعدة في سورية عن الجولاني، وانضم بعضهم إلى حملة النقد العلني للوجه الجديد للنصرة.

وفقًا لمصادر عدة، كان انبثاق جماعة جهادية جديدة في سورية في وقت مبكر من شهر تشرين الأول/ أكتوبر، دعت نفسها أنصار الفرقان، نتيجة لعمل أنجزه عدد من شخصيات النصرة القيادية السابقة، إضافة إلى عدد كبير من محاربي القاعدة القدامى الواصلين مؤخرًا من جنوب آسيا وشبه الجزيرة العربية. كانت تلك الجماعة صغيرة جدًا، ولكنها تشكلت بوصفها مجموعة من مؤيدي القاعدة ممن سيتابعون أهداف الجماعة المصرح عنها حديثًا في سورية: شن حرب عصابات مع إبقاء العين مفتوحة على استهداف الغرب.

ادعت مناقشة، لا تستند إلى الحقائق وتغلب عليها الطبيعة المؤامراتية ومعزولة في دوائر واشنطن السياسية البعيدة، أن تطور النصرة إلى جبهة فتح الشام ومن ثم إلى هيئة تحرير الشام لم يكن أكثر من خطوة لخداع الغرب، ولكن الحقيقة كانت واضحة: كان قرار الجولاني تأسيس جبهة فتح الشام في تموز/ يوليو 2016 عبر ادعاء قطع العلاقات الخارجية مع القاعدة بالضبط كذلك، أي قطعًا للعلاقات مع القاعدة. لم تصبح هيئة تحرير الشام أقل تطرفًا من القاعدة بأي شكل من الأشكال، ولكنها أضحت شيئًا مختلفًا. كان الجولاني، بتواصله مع تركيا ومحادثاته مع روسيا، يصر على نموذجه الجهادي “التقدمي” الجديد، ولكنه كان يخاطر، في الوقت نفسه، بفقدان قوته البشرية من صفوف أكثر دوائره تشددًا.

على الرغم من عدم كونه القوة المحركة الرئيسة، إلا أن السعي لمفاقمة تلك الانقسامات داخل الهيئة كان أحد أهداف الطور الأول من الدخول التركي إلى إدلب؛ فبإجبارها الجولاني على التصرف بطريقة سيرى فيها أكثر المتطرفين تشددًا تنازلًا لحكومة أجنبية تعمل مع روسيا وإيران، ستزيد تركيا من الضغط الداخلي على الهيئة. لقد بدأت سيرورة التقويض تلك منذ أشهر عدة، وفقًا لمصادرة عدة وصف كل واحد منها بشكل منفرد، حملة سرية تديرها السلطات التركية لتمويل اغتيالات قادة الهيئة وقيادتها من مثيري المشكلات -تقريبًا كلهم غير سوريين-  المعروفين بمعارضتهم الشديدة لسلوك الجماعة طريقَ اللين. قتلت ما لا يقل عن تسع شخصيات قيادية في إدلب منذ منتصف شهر أيلول/ سبتمبر الماضي، وأضافت تلك المصادر أنه لم يجر الحديث عن محاولات اغتيال أخرى عدّة قد جرى التكتم عليها.

وادعت المصادر السورية نفسها أيضًا بأنه منذ أواسط عام 2017، اشتركت الاستخبارات التركية -بعضهم قال بطريقة مباشرة، بينما قال آخرون بطريقة غير مباشرة- في الحصول على تسجيلات محادثات من داخل هيئة تحرير الشام، وتسريبها بغرض التأثير في الرأي العام، وانتشر ما لا يقل عن ثمانية تسريبات كتلك منذ شهر آب/ أغسطس. في تلك التسجيلات، أبدى قادة من الهيئة مصلحة مفرطة الحماس بقتل بعضهم وبمهاجمة منافسيهم في صفوف المعارضة، وغيرها من الأفعال الباثّة روحَ الانقسام، وأدى بعض من تلك التسريبات وحدها إلى سلسة من الانشقاقات الضخمة عن صفوف الهيئة في شهر أيلول/ سبتمبر.

إضافة إلى نشاطها السري المزعوم، شاركت تركيا مشاركة كبيرة في إعادة الإحياء العلني للحكومة السورية الموقتة بقيادة جراح القلب جواد أبو حطب. لا تمتلك تلك الحكومة لوحدها أي إمكانات لمنافسة هيئة تحرير الشام، ولكن بفضل تشجيع تركي ودعم سياسي ومالي، ومساعدة لوجستية جيدة، استطاعت الحكومة السورية المؤقتة بناء علاقة ود مع الطيف السوري المعارض الرئيس بأكمله، وأدت تلك العلاقات إلى تشكيل هيكلية جيش موحدة في شمال حلب (أنشئت في 24 تشرين الأول/ أكتوبر) وإلى إطلاق تفاوضات موسعة لتشكيل هيكلية وطنية تنسق مستقبل المعارضة المسلحة.

إضافة إلى الشؤون العسكرية، تقدم الحكومة السورية الموقتة نفسها تقديمًا أوسع، بصورة متزايدة، بوصفها الوجه العام للبديل الاجتماعي والسياسي والمناطقي المدعوم تركيًا لهيئة تحرير الشام ووحدات الحماية الشعبية ونظام الأسد. تحافظ تلك الحكومة حاليًا على مقراتها داخل البلاد في بلدة إعزاز الواقعة في حلب (داخل منطقة درع الفرات المحمية تركيًا) وتدير 12 مجلسًا إقليميًا وأكثر من 400 مجلس محلي عبر البلاد. ورعَت الحكومة المؤقتة عددًا من الانتخابات الديمقراطية في إدلب -جرى أكثرها بغية إغضاب هيئة تحرير الشام. إضافة إلى ما سبق، سُلِّمت إدارة معبر باب السلامة الحدودي بين تركيا وريف حلب الشمالي إلى الحكومة السورية المؤقتة في 10 تشرين الأول/ أكتوبر 2017، الأمر الذي سيهديها مبلغ 3 مليون دولار أميركي شهريًا، ويجري الإعداد لخطط أخرى كي تتولى الحكومة المؤقتة السيطرة على معبري جرابلس والراعي (مع حلب أيضًا) ما سيعني كسب مليوني دولار إضافية شهريًا. وتشرف الحكومة السورية المؤقتة، بفضل التمويل التركي، على بناء خمسة مستشفيات في مناطق درع الفرات، إضافة إلى أكاديمية عسكرية للتجنيد في صفوف الجيش السوري الحر، وسلسلة من مراكز مكافحة الإرهاب وإعادة تأهيل الجهاديين المقبوض عليهم.

من وجهة نظر تركيا، إن مساعدة الحكومة السورية المؤقتة في كسب موقع أساس في شمال غرب سورية سيؤمن مصدرًا ممكنًا لكسب نفوذ مستدام مشرّع دوليًا، وحاجز تدافع عنه في مواجهة توسع الخصوم. أما بالنسبة إلى المعارضة السورية، فإن تأييد الخطط التركية هو ببساطة خيارها الوحيد، ولكنه أيضًا الخيار الذي يَعدها بزيادة صدقيتها الدولية، الأمر الذي تعد بأمس الحاجة إليه. عند جمع وجهتي النظر السابقتين مع بعضهما، بإمكاننا رؤية انبثاق واقع بديل للمعارضة يستبعد مشروع هيئة تحرير الشام أحادي الجانب.

بعيدًا عن الاتهامات التي وجهتها أطراف عدّة إلى تركيا بتواطئها مع هيئة تحرير الشام بعد دخولها إدلب، فإن رؤية العملية في سياقها الأوسع يخبرنا أنها كانت، في الواقع، جزءًا من لعبة طويلة الأمد لتقويض الهيئة ورفع أطراف أخرى أكثر صدقية من مثل الحكومة السورية المؤقتة وفاعلي التيار الرئيس من المعارضة.

 

وجهة نظر في ما سيحصل لاحقًا

كحال المبادرات جميعها في سورية، هنالك عدد من المفسدين الكامنين (خصوصًا الأسد وإيران) وكثير من السبل إلى الانحراف وضلال الطريق. من الممكن أيضًا أن تجيب هيئة تحرير الشام والجولاني بسرعة وبذكاء كاف عن هذه الديناميات الجديدة للاستفادة عوضًا عن المعاناة منها. لكن مع ذلك، يبدو أن لتركيا ومعها عناصر من معارضة إدلب المسلحة إستراتيجية مرتكزة على عرض القوة والتقويض السري إضافة إلى فكرة “دعهم يتعفنون وحدهم”. ويبدو أن الأطراف كلها تتفق، حتى الآن، أن هجومًا شاملًا من نوع “الأرض المحروقة” على محافظة إدلب لن يضمن تحقيق النتائج المرجوة. قد يتأكل ذلك الإجماع مع الوقت، أو قد يتعرض للتفكك نتيجة لأعمال عدوانية من جانب نظام الأسد وإيران، ولكنه يمثل محركًا لما يحدث اليوم.

يُشار إلى أن بعض الدبلوماسيين الغربيين المهتمين بالمسألة السورية عن قرب في المنطقة قد بدؤوا بطرح أسئلة من وراء الكواليس من نوع: “هل حان الوقت للحديث مع هيئة تحرير الشام؟” قد يفسر المتشائمون ذلك السؤال علامة على نجاح الجولاني والهيئة، بينما قد يشير إليه آخرون كتفكير في الوقائع الجديدة وفرصة لزيادة الضغط على تلك الجماعة بهدف تقسيمها إلى أولئك القابلين للاسترجاع والآخرين الذين سيبقون أعداء إلى الأبد. مع ذلك، لا يعدّ الوقت ملائمًا الآن للحكومات الغربية كي تبدأ الحوار مع الهيئة، إذ لا تعدّ تلك الجماعة على الإطلاق فاعلًا يستحق معاملة كتلك، ولكن دائمًا ما تتطلب وقائع أرض المعركة حسابات مختلفة، وتعدّ حقيقة اشتراك روسيا وتركيا في محادثات ثنائية مباشرة مع الهيئة تحولًا مهمًا وعلامة على ما سيأتي.

إن الوقت الآن ملائم للحديث حول هيئة تحرير الشام ومصير إدلب بعيدًا عن التحليل التبسيطي أحادي البعد الذي غالبًا ما يدور في الغرب. يجب على سياسة ذكية وماهرة أن تعالج قضية الهيئة بوعي كامل لضرورة عدم كونها -أي السياسة- تعميمية، وأنّ لاستراتيجيات المواجهة الأكثر تعقيدًا فرصًا أكبر بالنجاح. لطالما كان ذلك الأمر غائبًا لدى التعامل مع مشكلة (النصرة/ جبهة تحرير الشام/ هيئة تحرير الشام) منذ عام 2012. إن فرض قيم محددة سلفًا وافتراضات على حركة جهادية شديدة التعقيد يعني ضمان نتائج غير فاعلة للسياسة، لقد آن أوان معالجة هذه القضية بمعرفة كاملة للواقع وبهدف ممكن التحقيق في الذهن.

من الصحيح أن لا وجود لأي خيارات “جيدة” للتعامل مع التحديات المعقدة المطروحة في إدلب، ولكن من الصحيح، من دون أي شك أيضًا، أن ترك إدلب للتقيّح أو هجرانها لحملة أرض محروقة يشنها موالو الأسد سيمثل منفعة إضافية للمتطرفين وسيضعف أولئك الذين يواجهونهم. لذلك فإن الحل يكمن في مكان ما بين “اللافعل” و”فرط الفعل”، وعلى الرغم من صعوبة امتلاك رؤية واضحة، إلا أن الاتفاق الذي توصلت إليه روسيا وتركيا بإطلاق مجموعة من العمليات على مراحل في إدلب يتلاءم مع رؤية الحل تلك.

تمثل هيئة تحرير الشام تحديًا مختلفًا تمامًا عن تحدي الدولة الإسلامية، ومن الممكن الاستفادة من نقاط ضعفه عبر المنافسة أكثر من المواجهة. وعوضًا عن منحها هدية العبقرية الخالدة، من الضروري استغلال نقاط ضعفها عبر إستراتيجية محلية تتحلى بالصبر. قد لا تكون تركيا قد فهمت ما سبق كله، وقد لا تمتلك الأدوات اللازمة جميعها لإنجاز العمل، ولكن تعدّ المبادئ الرئيسة التي توجه آخر ما جرى القيام به في مواجهة الهيئة أفضل من أي شيء قد جرى إنجازه من قبل.

«تشارلز ليستر هو زميل قديم ومدير قسم التطرف ومكافحة الإرهاب في معهد الشرق الأوسط، عاد مؤخرًا من عمل ميداني في تركيا، التقى خلاله عشرات الشخصيات القيادية في المعارضة السورية المسلحة والسياسية والمدنية».