المحتويات

ملخص

مقدمة

أولًا: تهميش البورجوازية الوطنية

ثانيًا: المصادر المالية للطبقة الجديدة “أمراء الفساد”

  1. آلية الإنفاق
  2. آلية الإنتاج
  3. آلية الجباية

ثالثًا: الطبقة الجديدة واقتصاد الفساد

رابعًا: التحول إلى اقتصاد الحرب

خامسًا: الاقتصادات المتنوعة وانهيار المركزية

  1. اقتصاد النظام
  2. اقتصاد الأكراد
  3. اقتصاد الجيش الحر
  4. اقتصاد النصرة

سادسًا: أمراء الحرب وتجار الظل

سابعًا: هجرة رؤوس الأموال

ثامنًا: الاقتصاد في ظل أمراء الحرب

تاسعًا: إعادة الإعمار “أهداف وأخطار”

خلاصة وتوصيات

خاتمة

 

ملخص

تهدف هذه الدراسة إلى كشف العلاقة البنيوية بين الطبقة الناشئة بفعل الفساد الطويل بوصفها “طبقة دولة” ([1])، ومسارات الاقتصاد السوري، وأثر تلك العلاقة في طبيعة الفاعلية الاقتصادية السورية (حجمًا وشكلًا)، وفي التوجهات الحكومية المرافقة لهذا التحول، والراعية له في آن معًا، وانعكاس ذلك في حجم البورجوازية التقليدية وتموضعها، أو المدينية كما يطلق عليها، تحت عباءة هذه الطبقة المستحدثة، لتندمج فيها أو تكون واجهة لها في أحسن الأحوال.

وتناقش هذه الدراسة أسباب غياب فاعلية الانشقاقات الاقتصادية، وعدم تشكليها أي خطر على التحالف الثنائي “الاقتصادي/ السياسي” في سورية، وبقاء دائرة المال الأولى، والعليا لدى النظام، أكثر تماسكًا من مثيلتها العسكرية والأمنية.

وتعمد هذه الدراسة البحثية إلى تسليط الضوء على انتقال دور الفساد المحوري من إطاره الفطري الذي يعتاش على أطراف الاقتصاد، إلى دوره القيادي بوصفه ميكانزمًا فاعلًا في تكييف الاقتصاد السوري لآلياته وأهدافه، فمفهوم الفساد في الاقتصاد السوري بات تعبيرًا قاصرًا لا يمكن أن يغطي فائض المدلول الواقعي في “اقتصاد الفساد”.

ومن جهة ثانية، واستتباعًا، تهدف هذه الدراسة إلى كشف أساس العلاقة الوثيقة بين “اقتصاد الفساد” الذي كان سائدًا قبل الثورة واقتصاد الحرب الذي ساد بعدها، وأطر التشابه بين الواقعين، ما سهل مرونة الانتقال من الأولى إلى الثانية، وبالأدوات نفسها، ودور ذلك الانتقال في منع سقوط النظام من البوابة الاقتصادية كما كان متوقعًا، ودور الطبقة المستحدثة والنخب المالية في هذا المجال.

وتكشف الدراسة التعددية الاقتصادية التي تعيشها سورية راهنًا، وغياب المركزية الاقتصادية فيها بعد الثورة، ونشوء اقتصادات متنوعة وقاصرة، وملحقة بسواها، تبعًا للمناطق الجغرافية القائمة فيها، وللقوى المهيمنة عليها، وتبين الدراسة علاقة النظام الاقتصادية بمجمل الاقتصادات الناشئة تبعًا للحاجة، وبعيدًا عن الأضواء. وتكشف الدراسة أخطار إعادة الأعمار عبر بوابة النظام وأدواته.

 

مقدمة

لم يسقط النظام من بوابته الاقتصادية كما تنبأ كثيرون في بداية الثورة، على الرغم من كل الدمار والخراب الذي أصاب هذا القطاع، ولم تتخلّ الطبقة المالية المنتمية إلى الصف الأول عن النظام، وبقي معظمهم في مدار الولاء، بمن فيهم الذين نقلوا أعمالهم إلى الخارج، أو خضعت مناطق نشاطهم لسيطرة مغايرة، فقد بقي لمعظمهم تعاملات اقتصادية مع النظام.

ولم يتراجع الفساد بعد الثورة، أو حتى يتجمل محاولة لامتصاص النقمة، على العكس تمامًا أرخي له العنان، ولم يعدّه النظام واحدًا من نقاط ضعفه، وإنما واحدًا من نقاط قوته ومرونته التي تساعده في التكيف السريع، وخصوصًا في ظل الأزمات.

ومما ساعد النظام أن القوى المناهضة له عجزت عن تكوين هيكل اقتصادي متماسك أو موحد، وبقيت المناطق الخاضعة لها رهينة بين حالتين: إما اقتصاد حدودي مفتوح على الدولة المجاورة لها، وملحق بها كليًّا، أو اقتصاد محاصر، ومفتوح جزئيًا على اقتصاد النظام بالقدر الذي يسمح به الأخير، ويعزز مصالحه، وبهذا بقي اقتصاد النظام هو الاقتصاد المحوري، والأقوى محليًّا، ضمن الاقتصادات المتنوعة.

وعلى الرغم من انحسار النظام إلى خُمس مساحة سورية، ما يعني حرمانه من الموارد الرئيسة معظمها، إلا أنه ظل صامدًا وفق معياره الاقتصادي، بالحد الأدنى من الخدمات مضافًا إليها الاستمرار في تقديم الرواتب والأجور، وكان جليًّا عنصر السرعة والسلاسة في تكيف الاقتصاد السوري مع اقتصاد الحرب الذي يتمحور عمليًا حول القيام بمجموعة من إجراءات الطوارئ التي تُتخذ من السلطات لتعبئة الموارد كلها بما يخدم واقع استمرار الحرب.

ولا يعود الأمر إلى متانة الاقتصاد السوري وجذريته غير المتحققة أصلًا، ولا إلى حجم المساعدات الخارجية، وإنما يعود إلى البنية الترابطية الخاصة بين السياسة والاقتصاد ووحدة الفاعلين المؤثرين فيه، وهذا ما يسوّغ هامشية الانشقاقات البنيوية في الجسد الاقتصادي، وغياب تأثيرها العام.

ولا يمكن الاكتفاء بحجة الدعم الخارجي وحده، فهو يحمل نصف الحقيقة، واتسم غالبًا بطبيعته العسكرية، ولا يمكن الادعاء في أي حال من الأحوال بأن الاقتصاد السوري كان قويًّا، غير أنه بغض النظر عن توصيفه وتقويمه، فإن هذا الاقتصاد بقي مترابطًا وممسوكًا من القوى المتحكمة فيه، وهو ما يقودنا إلى طبيعة النشأة الذاتية لأصحاب القوة المالية في سورية القائمة كليًّا على الفساد.

عمومًا، يصعب تعيين الاقتصاد السوري ضمن نمطية مدرسية واحدة، فلا هو ينتمي إلى الاقتصاد الحر على الرغم من محاولة “لبرلته الانتقائية”([2]) تحت غطاء اقتصاد السوق الاجتماعي، ولا تمنحه بعض الشكليات الاقتصادية المأخوذة من “المعسكر الشرقي” سابقًا صفة الاقتصاد الاشتراكي المقترن برأسمالية الدولة، ولا يمكن الاكتفاء بترسيمه ضمن الاقتصادات المتخلفة التابعة  للخارج، بما يخلق ذلك من ضبابية على الصورة، ولا يمكن أيضًا حصره في مفهوم الاقتصاد الريعي([3]) القائم على شراء الولاءات الشعبية عبر توزيع جزء من العائد، ولا حتى باقتصادات الدول الشعبوية التسلطية “كتجربة ناجحة”([4]) بما تحمل من دلالات سياسية أكثر منها اقتصادية.

وعلى الرغم من هذا اللاتعيين والتخبط، والتجريب أيضًا، في طبيعة الاقتصاد السوري وخصوصًا، مع الرئيس الابن، ومحاولاته المتعددة في منح الاقتصاد مزيدًا من الحريات غير القابلة للصرف في المستوى السياسي والأمني، إلا أن هذا الاقتصاد بقي وظيفيًّا شديد الاتساق داخليًّا في ما يتعلق بالغاية النفعية للقوى الفاعلة في مركزي القرارين الاقتصادي والسياسي، اللذين سبق لهما التوحد عضويًّا في قطبية واحدة.

لدراسة الاقتصاد في سورية، الآن وقبل الثورة، لا تكفي دراسة الإحصاءات الرقمية في الاقتصاد ومؤشراته لتعيينه، فالإحصاءات ليست أكثر من السطح الظاهر للعيان، وفي العمق المستتر يكمن مفتاح الصورة السطحية، ويضيء على الجوانب الخافية منها.

وبالطبع ليس الفساد خصيصة سورية، فالفساد يسيطر على نسبة من الاقتصاد العالمي، ولكن الاقتصاد السوري برمته محمول عليها: طبيعة ونشأة وسلوكًا، وهو المحرك الرئيس للعمليات الاقتصادية، وسبب علتها.

 

أولًا: تهميش البورجوازية الوطنية

وجهت قرارات التأميم ضربة قاصمة للبورجوازية الوطنية، وقطعت عليها مساراتها الواعدة في الخمسينيات من القرن الماضي، فانكفأت محليًّا إلى الحدود الدنيا، ورضيت بالدور الاقتصادي المجرد من أي تعبير سياسي منفصل عن مسار السلطة البعثية، فـ” في نهايات ستينيات القرن العشرين نجحت النخب البعثية في توطيد نظام حكم شعبوي راديكالي، همش بصورة تامة الرأسماليّين المحليين، وحطم تحطيمًا حادًا روابط اقتصاد سورية مع الغرب”([5])، وأعطى ذلك القطع مساحة أكبر لتحكم السلطة البعثية في القرار الاقتصادي وتدجينه، ليكتفي ما تبقى من رأس المال السوري في الداخل بالتطمينات المعطاة له ضمن شرط الولاء السياسي.

وتميزت مرحلة الستينيات وما يليها بالتوسع الاقتصادي الكبير لمقدرات الدولة السورية، وبنموّ أصولها المملوكة، وبالإشراف على التوجهات والسياسات الاقتصادية حكوميًّا وإداريًّا، و”كان توسع الدولة ناجما بدرجة كبيرة عن تدخل الدولة في الاقتصاد وخصوصا التضخم الكبير في القطاع العام الذي رافق التحويل الاشتراكي المنسوب إلى البعث”([6]). و”بعد سبع سنوات من هذا التاريخ كان حافظ الأسد قد أحكم قبضته على السلطة، ولم يعد هناك من أثر لتجربة سورية في الليبرالية المضبوطة، في هذه الأثناء ازداد حجم القطاع العام ليبلغ أكثر من ثلثي التكوين الإجمالي لرأس المال (بعد أن كان الربع تقريبًا في عام 1963)، إضافة إلى 90 في المئة في القطاع المصرفي والتأميني، و75 في المئة من الإنتاج الصناعي و80 في المئة من التجارة الخارجية”([7]).

التوسع الكبير في مقدرات الدولة ورأسمالها، وانكماش رأس المال الخاص واستلام البعثيين زمام الإدارة المطلق لمقدرات الدولة المتنامية في ظل حكم الطوارئ المديد، والمسلط على الجميع بمن فيهم أصحاب رؤوس الأموال، هذه العوامل حكمت الاقتصاد السوري طويلًا، وأخضعته لهيمنة السلطة الحاضرة بمؤسساتها البيرقراطية عمومًا، ولهيمنة ممثلي تلك الإدارة خصوصًا، بوصفهم أفرادًا شكلوا النخبة المنتقاة، واستطاعوا من خلال مناصبهم ومسؤولياتهم النفاذ إلى المال العام والخاص، وتجيير أدائه العام بما يتوافق مع فرص إثرائهم ومواقعهم الجديدة.

ففي عمق الأداء العام للسلطة السورية جرى اعتماد متلازمة الولاء السياسي والمنافع الاقتصادية القائمة على الاحتفاظ بالمنصب طويلًا وإطلاق اليد وانعدام المحاسبة المرهون باستمرار الولاء.

خلقت تلك المتلازمة طبقة جديدة راكمت ثروتها غير الشرعية من نهب المال العام والتضييق على المال الخاص مستفيدة من الكتلة النقدية الهائلة التي تديرها مؤسسات الدولة التي باتت بعهدة أشخاص محددين.

وكانت أزمة الثمانينيات الاقتصادية قد أفضت، آنيّا، إلى تراجع كمية منافع الطبقة البيروقراطية ([8]) نتيجة سياسات التقشف الشديدة التي سادت تلك المرحلة، ما سرع في استحداث محاكم الأمن الاقتصادي التي تحولت إلى سيف مسلط على رؤوس الأموال الفاعلة، وبات من المتعذر على رأس المال المحلي العمل بأمان من دون غطاء أو شريك نافذ في السلطة يؤمن له مقومات الحماية، وكانت المحكمة بمفعولاتها الاقتصادية والسياسية أشبه بخطوة التأميم السابقة، ولكن ليس لمصلحة الخزينة العامة هذه المرة، وإنما لمصالح أفراد تلك الطبقة الناشئة.

بدأت تلك الطبقة الجديدة من المنتفعين وناهبي المال العام، بتلمس قوتها الاقتصادية الذاتية في نهاية السبعينات وجنحت إلى التعبير عن ذاتها اقتصاديًّا، ولو بشراكة مستترة مع التجار التقليديين، ولكنها مع استمرار النهب والإحساس المتعاظم بالقوة المالية، والحماية السياسية تحولت إلى التعبير المباشر عن ذاتها في أوائل التسعينيات عبر مراسيم الاستثمار المستحدثة في تلك الآونة ([9])، ورفعت شعارها في استقطاب الاستثمارات الخارجية غطاء لمصدر تلك الأموال، وتبلورت بشكل بدا ظاهرًا للعيان مع مجيء الرئيس الوارث، وتجلت في رموزها الجدد من أبناء الجيل الثاني لتلك الطبقة في خطوة بدت كما لو أن تبييض الأموال المنهوبة قد اكتمل نهائيًا.

حكمت الشهية المفتوحة والشراهة العالية لتلك الطبقة توجهات استثمارها في مجالي التجارة والخدمات مبتعدة عن الواقع الاستثماري الإنتاجي أو الصناعي أو الزراعي، وهو ما يلاحظ في ارتفاع أعداد العاملين في قطاع الخدمات في سورية من 2001 إلى 2010 (من 14,7 إلى 19,8 في المئة) مقابل انخفاض العاملين في الزراعة من (29,4 إلى 13,3 في المئة من قوة العمل الإجمالية في سورية) ([10]).

ويلاحظ تصدر تلك الطبقة من الجيل الثاني أو “الذئاب الشابة” لمجمل الشركات الناشئة في تلك الحقبة، وامتلاكها حصة الأسد فيها ([11]).

تغول تلك الطبقة البيرقراطية الناشئة لم يفقِد رأس المال الوطني أي هامش أو قدرة على المناورة فحسب، بل أجبره تمامًا على الالتحاق بتلك الطبقة والتوحد فيها عضويا في حال أرادت البقاء في نادي العمل التجاري، وهو ما يفسر غياب أي موقف للنخب المالية من الثورة السورية، والتحامها الكامل مع النظام.

وأعمق من التحالف التقليدي لرأس المال بالسلطة، فإن علاقة الطبقة المستحدثة ورساميلها، في المستوى السياسي والأمني، تتعدى صيغة التحالف إلى كونها علاقة توحد عضوي محمول على ماضيها وماضي ثروتها المستولدة من حيازتها للسلطة، وقائم في الحاضر بنفوذها المزدوج، في عمق السلطة، وفي الاقتصاد السوري، ومرهون مستقبلها أيضا بمستقبل تلك السلطة.

من عمق هذه العلاقة الاستيلادية، أو الاستنساخ اللاشرعي لبنية النظام في الاقتصاد، انبثق “رجال الأعمال الجدد الذين سيكيفون السياسة الاجتماعية الاقتصادية تبعا لمصالحهم الخاصة”([12]).

وتلخيصًا لفهم هذا التوحد العضوي لتلك القوة المالية نشير إلى مراحلها الثلاث:

  • استغلت مواقعها الوظيفية للحصول على الثروة، مستفيدة في البداية من توسع إدارات الدولة وتراجع البورجوازية الوطنية.
  • تسللت إلى مواقع الشراكة معها بالإكراه، أو التراضي بحكم النفوذ القائم، وبهدف تبيض أموالها ذات المصدر المجهول قانونيا.
  • وفي العتبة الأخيرة بعد درجة من التغول المتراكم، والنهب المتزايد استطاعت تلك القوة الصاعدة احتواء البورجوازية التقليدية، وإلحاقها بها وظيفيا ونفعيا لتغدو البورجوازية المدينية أحد الاستطالات أو الشركاء الأقل شأنًا في هذا التحالف.

 

ثانيًا: المصادر المالية للطبقة الجديدة “أمراء الفساد”

شكلت الأموال العامة منبعًا دائمًا لتلك الطبقة التي استفادت من آليات الإنفاق، الإنتاج، والجباية، المعمول بها في سورية، وطوّعت عمل تلك الآليات للتحكم، والمنفعة الشخصية لأكبر قدر ممكن، وباتت أشكال الإنفاق والإنتاج والجباية وتوجهاتها محكومة وظيفيًا بالعائد الخفي لتلك الطبقة المتنفذة.

 

1- آلية الإنفاق

تتراوح الموازنة العامة في سورية وسطيًا بين 20و25 في المئة من الناتج المحلي السنوي، فقد بلغت لعام 2010 (754) مليار ليرة سورية، وتكافئ بسعر الصرف في حينه (45 ليرة سورية للدولار) ما يزيد على 16 مليار دولار، وخلافًا لكتلة الرواتب التي تخضع لحد أدنى من التلاعب والفساد، ولا تتعدى 20 في المئة من الموازنة، فان الإنفاق الاسمي يختلف عن الإنفاق الفعلي لتلك الكتلة النقدية الكبيرة في السوق السورية، التي يفترض أن تتجلى بشكل خدمات ومشروعات استثمارية، لكنها في واقع الحال تخضع لكثير من التلاعب والتواطؤ وفق شبكات زبنية متدرجة من الأعلى إلى الأسفل وظيفيا، ويجري اقتسام الفارق بنسب متدرجة تعبر عن الحجوم الزبنية لمقتسميها، ومن الصعب تقدير نسب الإنفاق المنهوب، أو الوهمي من مجموع الموازنة، ولكنها تصل في بعض التقديرات إلى النصف.

شكلت موازنات ما يزيد على نصف قرن أساسًا صلبًا لتكون الطبقة الجديدة، التي غالبًا ما حظي أفرادها بالحماية والثبات الطويل في الموقع الرسمي.

 

2- آلية الإنتاج

يشكل القطاع العام والمشترك في سورية نسبة كبيرة من رأسمال المال الثابت والمتداول، وبحسب بيانات المالية فإن نسبة مساهمة القطاع العام في سورية عام 2008 وصل إلى 35،3 في المئة ومعظمه يتكون من الصناعات النفطية استخراجًا وتكريرًا، وبعض الصناعات التحويلية، وتقدر مساهمة هذا القطاع النفطي وحده بحوالى 30 في المئة من الناتج المحلي بحسب الأرقام المعلنة، وهي أرقام يشوبها كثير من التناقض والتضارب، والسرية أيضًا ([13]).

يشكل الفارق بين الإنتاجين الاسمي والفعلي فوارق مهمة في القطاع العام، ويعدّ مصدرًا كبيرًا لثروات تراكمت طويلًا في سورية، وتحديدًا في قطاع النفط الذي جرى احتكار التصرف فيه للرئاسة عبر التفويض الحصري لآل مخلوف، بالإشراف عليه وتسويقه. وبعيدًا من قطاع النفط فإن إنتاجية القطاع العام تراجعت تراجعًا شديدًا، وباتت كثير من المؤسسات الإنتاجية عبئًا اقتصاديًا على الدولة، بسبب النهب المتراكم، ما شجع الحديث عن خصخصتها، أو إغلاقها بوصفها مؤسسات فاشلة.

 

3- آلية الجباية

تشكل الجباية الرسمية أحد واردات الخزينة السورية، ولا تشكل الأرقام الرسمية للجباية مستندًا عن واقع الجباية الفعلي، إذ إن الضرائب المدفوعة من القطاع الخاص المساهم في الناتج المحلي بنسبة 64،9 في المئة لم تتجاوز 1،7 في المئة من الناتج المحلي، في حين سدد القطاع العام المسهم في الناتج المحلي بنسبة 35،3 في المئة من الناتج المحلي ضرائب قيمتها 4،1 في المئة ([14]).

واقع الأمر إن الجباية في سورية تنقسم إلى نوعين: جباية رسمية تدخل إلى الخزينة بوصفها أرقامًا معلنة، وجباية غير رسمية تسهم في تكوين الثروات الكبرى يجري اقتسام الحصص فيها بالنسب التصاعدية نفسها لهرمية السلم الوظيفي.

وكان خبراء اقتصاديون قد قدروا مؤخرًا (لعام 2017) قيمة التهرب الضريبي بمقدار 400 مليار ليرة سورية ([15]).

ويندرج التهرب الضريبي، إضافة إلى مفهوم الجباية المزدوجة، ضمن سياق نفوذ تلك الشركات وحصانتها بسبب عائديتها إلى كبار المتنفذين.

لا تشكل الآليات الثلاثة السابقة المنحى الوحيد لتكون الثروات غير الشرعية، ونشوء الطبقة الجديدة واستمرارها، وإنما يضاف إليها التهريب المنظم والمحمي بفعل النفوذ، أحد أهم المصادر الرئيسة لتراكم الثروات، وتشكل عقود التراضي مصدرًا رئيسًا للثروات، على غرار عقود الخليوي، والعقود اللاحقة مع الشركات القابضة، ويَمنح الاستملاك المعروف في سورية ببسط يد الدولة على مساحات عقارية، وتعويض أصحابها بالقليل، ثروات هائلة لأصحاب النفوذ بعد حيازة العقارات وتأهيلها بحجة إقامة مشروعات استثمارية، ويشكل منح الرخص الحصرية واحدًا من مصادر استثمار حيازة الدولة بوصفها منافع للمقربين، وتندرج الخدمات الخاصة ضمن آلية مصادر الثروة لتلك الطبقة ضمن تعميم مفهوم: لكل خدمة ثمن.

يتحرك الاقتصاد السوري على إيقاع توزيع المنافع، والحصص، سواء تلك المنافع التي تحوز على غطاء “مشرعن” شكلًا، كالاستثمارات والرخص وغيرها، أم تلك الخارجة على الشرعية كالاختلاس والتهريب المنظم، والقضايا المسكوت عنها أيضًا، وفي الحالين فإن من يقدر حجم المنافع والحصص المالية المفترضة لكل شخص أو جهة هو النفوذ السياسي والأمني لأصحابها، وهو يعني شيئين: أولا، إن تراتبية الثروة متساوقة مع تراتبية النفوذ السياسي وثباته، وثانيا، شبه اكتمال مصفوفة المنتفعين العليا بصفتهم المزدوجة (أسياد السوق المالي، ومحظيّو النظام) وإغلاقها، وتحولهم إلى طبقة مغلقة، مع التنويع على الدوائر الأدنى بحسب الحاجة.

 

ثالثًا: الطبقة الجديدة واقتصاد الفساد

بداية، ليس هناك اسم أو مصطلح واضح ومتفق عليه للطبقة المحدثة، ففي أدبيات اليسار جرى توصيفها بالبورجوازية الطفيلية، أو البورجوازية البيرقراطية، أو بحسب جمال باروت “البورجوازية المترسملة”([16]) من جراء حيازتها لأجهزة الدولة، وجرى توصيفها بالذئاب الشابة ([17])، لكن بغض النظر عن التسميات فإن الجميع متفق على مصدر ثروتها الآتي من حيازتها الطويلة للدولة.

لعل السمة الأبرز لتلك الطبقة هو شكل مشروعها “التنموي” وطبيعته البعيدة كل البعد عن الإنتاج، والمتمثل في نظرتها إلى التجارة الخارجية قائدًا للنمو، وهو ما نجد تعبيره الأبرز في مقولة هيثم جود “التجارة أولا، ثم السياحة، فهما نفط سورية، ثم الصناعة.”([18]) وهو ما انعكس سلبًا في مجمل الإنتاج السوري، وفي التشريعات الحكومية المواكبة التي عززت رؤية تلك الطبقة، وغلّبت مصالحها.

سعت تلك الطبقة بعد عام 2000 لتوحيد جهدها في شركات قابضة تحت غطاء الاستثمارات الواعدة، وفي مناخ اللبرلة الاقتصادي، ولم يكن اتحادها محض إعلان لتطويبها بوصفها صاحبة عربة القيادة في الاقتصاد السوري، وإنما كانت تطوي أيضًا، وبشكل كامل صفحة المال المشبوه وتمنحه الشرعية النهائية من خلال اندماجه بالمال التقليدي محليًا وخارجيًّا، وكانت مؤشرًا واضحًا من الحكومة السورية على منحى توجهاتها المقبلة.

ومثّل رامي مخلوف “رئيس صندوق الشرق الاستثماري” دينامو تأسيس هذه الشركات، ودفع شركات القطاع الخاص والمستثمرين فيه إلى التهيكل فيها، لإبعاد شبهة استئثاره أو استئثار حلقة ضيقة من عائلته بقطاع الأعمال”([19]).

قدر رامي مخلوف في تصريحات نشرتها “صحيفة الاقتصادية” حجم نشاط “شركة شام القابضة” وحدها بـ 60 في المئة من نشاط الاقتصاد السوري ([20]). وشركة شام القابضة واحدة من الشركات التي أسست برعاية رامي مخلوف لتضم نخبة رجال الأعمال السوريين.

“ونشرت مجلة الاقتصاد والنقل السورية في عام 2010 قائمة بأسماء أهم مئة رجل أعمال في سورية، مع أن المجلة لم تتجرأ على نشر أسماء عدد من رجال الأعمال الذين ينتمون إلى الكتلة العائلية لآل الأسد والمتمثلة بكتلة مخلوف – شاليش وعائلات خدام وطلاس والشهابي وسليمان… إلخ، فإذا توقفنا عند أسماء الكبار فإن القائمة التي نشرتها المجلة تمثل الوضع العام بصورة معقولة. ويبين تحليل هذه العينة التي يمكن عدّها تمثيلية أن 23 في المئة منها هم أبناء مسؤولين أو شركاؤهم أو واجهاتهم، و48 في المئة رجال أعمال جدد، لكن لمعظمهم علاقات وطيدة ولولبية بأجهزة الدولة، و22 في المئة من عائلات تجارية كانت موجودة قبل التأميم واستعادت دورها بشراكاتها مع قيادات الدولة، ونحو 7 في المئة هم رجال أعمال يتمركز نشاطهم الرئيس خارج سورية، وكان من اللافت أن رجال الأعمال السوريين معظمهم يتركز نشاطهم في سورية وحدها”([21]).

انعكست بشكل واضح بين الأعوام 2004 و2010 الآثار السلبية المترتبة على صعود طبقة رجال الأعمال الجدد، وتراجع كل من قطاعي الزراعة والصناعة تراجعًا واضحًا على حساب تقدم قطاع الخدمات، وازدادت نسب الفقر في الأسر السورية وخصوصًا في المحافظات الشرقية والجنوبية وريف اللاذقية، على الرغم من أرقام النمو المعلنة.

وتراجع الإنفاق الاستثماري العام المخصص من الحكومة خلال (2005-2008) من 13 إلى 8 في المئة، وبالمقابل تراوح الاستثمار الخاص عند أرقامه، مع انخفاض من 12 في المئة إلى 11 في المئة، ليصل المعدل العام إلى 20 في المئة عوضًا عن 25 في المئة، وهو معدل منخفض جدا، وينبئ بكارثة اقتصادية في المستقبل غير البعيد ([22]).

وبالنظر إلى طبيعة الطبقة الجديدة فإن استثماراتها توجهت إلى مشروعات الربح السريع عبر النشاطين السياحي والتجاري من دون أي اهتمام يذكر بالمشروعات الصناعية والزراعية، بالتزامن مع إغفال الدولة وإهمالها لهذين القطاعين، وتراجع إنفاقها فيهما، عاملة على توسيع الفجوة بدل ردمها.

كان من نتائج تلك السياسات أن أمسكت الطبقة الجديدة بمفاصل الاقتصاد السوري كليًّا، وباتت هي المتحكم الأول بالسياسات الاقتصادية وتوجهاتها العامة، وبدل أن تخضع تلك الشركات للحكومة وتوجهاتها باتت الحكومة خاضعة لرجال الأعمال الجدد الذين سيكيفون السياسة الاقتصادية والاجتماعية تبعًا لمصالحهم الخاصة ([23]).

وشكلت تلك الطبقة المكونة من أمراء الفساد صورة واقعية وطبق الأصل لنظيرتها الحاكمة في كل من الشكل والمضمون، فتعاملت مع الاقتصاد كما السياسة، من وجهة النظر الحصرية والاستئثار الكلي، بوصفها حقلًا خاصًا لها وحدها، ضاربة عرض الحائط بالتوجهات الاجتماعية السابقة لسياساتها الشعبوية، التي اعتمدتها خلال المراحل الماضية لدعم الفئات الاجتماعية الأدنى.

أفضى هذا التحول العلني في الاقتصاد السوري إلى تغيير الصيغة القديمة المتمثلة في سياق “يحكم ويستفيد” إلى سياق “يملك ويحكم في آن معًا”. غير أن هذا التحول لم يحدث ضمن آليات السوق المتبعة، ولا وفق تطور آليات الإنتاج السوري، وإنما فُرضت عليه عملية من خارجه نتاج رؤية خاصة أملتها مصالح طبقة مالية مشوهة تشعر بفائض في القوة في غياب المساءلة والقانون، وخصوصًا مع حقبة صعود الذئاب الشابة من أبناء الجيل الثاني من البعثيين الذين ورثوا السلطة والمال.

بحكم العقلية المافيوية لتلك الطبقة، ونشأتها المشوهة والمتوحشة في آن معًا، فإن انغماسها في السوق لم يفض إلى توسيع السوق كعملية مرادفة للتنمية المفترضة، وإنما عمدت إلى إتباع تعزيز سوقها القائم على الريع والخدمة بما يضمن لها امتصاص الفائض من النمو العام، بعيدًا من الاستثمار الإنتاجي، بما يحقق كبحًا لعملية التنمية، وتراجعًا لها.

إن نظرة فاحصة لطبيعة الاستثمارات والخدمات المقدمة من أمراء الفساد يوضح بجلاء طابعها الترفيهي والخدمي الذي استهدف عمومًا الشرائح الأكثر دخلًا في المجتمع، وهو إضافة إلى ريعه الاقتصادي، يعبر عن مفهوم خاص من منظور طبقي ونفسي وسياسي، سينعكس لاحقًا في تسويغ قتل الجموع الثائرة غير المستهدفة أصلًا بتلك المشروعات، وسينعكس في تسويغ مسح مناطقها من الوجود، بوصفها عملية هندسة مدن وإعادة تأهيل لائقة بها.

 

رابعًا: التحول إلى اقتصاد الحرب

بعيدًا من تكاليف الحروب التقليدية، فإن تكاليف الحرب السورية كانت باهظة جدا، بسبب طبيعتها الداخلية، وطول أمدها، ومنطق الإلغاء الذي اتخذ صيغة سياسة الأرض المحروقة بالكامل، إضافة إلى سياسة العقوبات المتخذة من المجتمع الدولي على النظام ورموزه الاقتصادية، وعلى البنك المركزي.

هشمت الحرب السورية الاقتصاد السوري بالكامل، ودفعت بالسلطة إلى اعتماد اقتصاد الحرب، وهو توفير المستلزمات كلها والدعم من أجل المعركة، ما يعني تراجع الخدمات كلها، والنشاط الاقتصادي كله بسبب التجيير المكثف للدعم الحربي، ودخل الاقتصاد السوري الذي يعاني أصلًا اختلالًا وظيفيًا، في مرحلة من التراجع والتخبط وانعدام المركزية، ما ساعد في نشوء اقتصادات متعددة تدار محليا، وفرضت طبيعة المعارك والتوزع السياسي لقوى الأمر الواقع حدودًا فاصلة بين الاقتصادات بسبب تناحرها الشديد، وعززت هذه الحدود سياسة النظام في اعتماد سياسة “الجوع أو الركوع”.

حتى نهاية عام 2011 كان الاقتصاد السوري المركزي قادرًا على امتصاص الصدمة بأقل الخسارات، إذ لم تكن كثير من المناطق قد خرجت على سيطرة النظام، والمناطق المحاصرة محدودة، ولم تتأثر كثيرًا حركة النقل العام بين المدن، بسبب المعارك، أو بسبب الحواجز، وبقيت الموانئ البرية والبحرية فاعلة، وعلى الرغم من ارتفاعه الملحوظ بسبب الوضع الأمني، إلا أن سعر الصرف بقي عند حاجز الستين ليرة للدولار (بعد أن كان سعره السائد سابقًا 45 ل.س)، مع استمرار المراكز الصناعية في العمل ضمن الشروط المقبولة، وأهمها مراكز حلب الصناعية.

أسهمت الرشوة الأولى التي قدمها النظام بعد اندلاع الثورة في تخفيض سعر الوقود من 25 ليرة إلى 15 ليرة في امتصاص تأثيرات سعر الصرف المتزايد، وتخفيف نسب التضخم الآخذة في التصاعد.

وشكل عام 2013 منعطفًا، فقد كانت دمشق  شبه محاصرة، واقتصرت سيطرة النظام على مراكز المدن وحدها ما عدا الشريط الساحلي وقليل من شبكة الطرق، وارتفع سعر الصرف إلى 300 ليرة للدولار، ما عدّ في حينه انهيارًا كبيرًا، وهو مؤشر رقمي إلى ما آلت إليه الأوضاع الاقتصادية، فقد خسر النظام مواقعه وموارده الرئيسة معظمها، وتضررت البني التحتية والمرافق الحيوية، إضافة إلى خروج جزء كبير من الصناعة نتيجة دمار المصانع، أو وقوعها تحت قبضة المجموعات القتالية المتعددة، وجرى تفكيك ما بقي منها سالمًا وبيعه خردة أو إلى دول الجوار، من قوى الأمر الواقع، ولحق الخراب الشديد بقطاع الزراعة للأسباب المماثلة، أما التجارة فقد بقيت في حدودها الدنيا، لتأمين مستلزمات البقاء، وشكلت المنافذ البحرية، وطريق بيروت دمشق المتنفسين الوحيدين للنظام الممسك “بسورية المفيدة”.

وعلى الرغم من الانهيار اللاحق مع اشتداد المعارك وتفتيت الجغرافيا السورية وتدمير البنى التحتية، إلا أن النواة الاقتصادية الصلبة للنظام، والمتمثلة في الطبقة الجديدة وتحالفاتها الموسعة، بقيت متماسكة، ولعل أولى مظاهر التردي النسبي والتردد التي ظهرت عليها كانت عام 2013 إذ سارع كثير من أبناء هذه الطبقة إلى محاولة تجميع الأصول المنقولة من أموالهم، ونقلها إلى الخارج مع بقاء الأصول المملوكة واستمرار العمل التجاري ضمن “سورية المفيدة”، لكنها لم تقفز من السفينة الآيلة إلى الغرق في حينه على الرغم من ترتيباتها لذلك، واستمر الحال على ما هو عليه إلى تاريخ التدخل الروسي وما بعده.

لم يقتصر دور النواة الاقتصادية الصلبة للنظام على دعمها له من خلال التأييد السياسي، والاستمرار في وظائفها التجارية، وإدارة الحركة الاقتصادية في المركز، ولكنها ذهبت شوطًا أبعد من ذلك، بإنشاء النشاط العسكري غير الرسمي وتمويله، وأهمه “الشبيحة” بمسمياتهم المتعددة، وذلك بوضوح ومباشرة ([24]) أو مداورة عبر الاكتفاء بدعم مالي دوري لهذا النشاط، والاحتماء وراء واجهات معينة.

لم يجد النظام صعوبة في الانتقال إلى اقتصاد الحرب، وهو الذي كان قد قطع شوطًا كبيرًا في انتهاج سياسة اقتصاد السوق الاجتماعي القائم أصلًا على تحرير النشاط الاقتصادي، وإلغاء برامج الدعم الحكومي بتحرير الأسعار، وجاءت الحرب لتقدم لها الذريعة المثلى في التخلي عن آخر وظائفها الحمائية اجتماعيًّا.

وبالمقدار الذي تضررت به النخب المالية المقربة من النظام نتيجة انكماش أعمالها داخليًّا، ومن جراء تقديمها للدعم المالي المباشر، فإنها في المقابل وجدت في اقتصاد الحرب، وفلتان الأسعار، وغياب أي حضور اقتصادي فاعل للدولة، ما يعوضها، مستفيدة من وكالتها الحصرية للسوق.

وبغض النظر عن جدلية التوحد بين النخب السياسية والاقتصادية في أثناء الحرب وقبلها، فإن معادلة من التواطؤ الواضح بين “طبقة الدولة الاقتصادية” والدولة، في ظل اقتصاد الحرب كانت قائمة على إطلاق يدها في السوق مقابل ولائها واستمرار دعمها.

وشكلت الارتفاعات المتتالية والكبيرة لأسعار المشتقات النفطية، والحواجز التي تفرض الأتاوات على البضائع، ستارًا لتلك الطبقة لتحديد أسعار البضائع بأعلى من قيمها في السوق العالمية بنسب عالية.

وفي المقابل تدنى حضور النظام بوصفه فاعلية اقتصادية في السوق إلى حوالى الحدود الصفرية، وبات أداؤه مقتصرًا على حدود التدخل في تأمين مادتي القمح والمشتقات النفطية، في ظل اختناقات شهدتها “سورية المفيدة” في هاتين المادتين الرئيستين.

شكل اقتصاد الحرب نهجًا واضحًا في تأمين مقومات استمرار المعركة بمعناه الحرفي، وهو ما يعني استمرار تأمين الموارد للحكومة وأذرعها، للمضي في حربها، مهما كانت الآثار المترتبة على المجتمع، ولم تفض هذه الإجراءات إلى انعدام الدعم الاجتماعي، وإنما امتدت لاستنزاف المجتمع وإرهاقه من جيبه الخاص ومدخراته عبر التضخم، والضرائب المباشرة وغير المباشرة.

هيأ الشكل التدريجي لارتفاع الأسعار المتزامن مع ارتفاع وتيرة الأخطار العنفية في البلاد، إلى تراجع الهم الاقتصادي إلى المرتبة الثانية، واجدًا مسوّغاته في الخطوات التصعيدية المقابلة مفسحًا المجال للنظام للتنصل من مسؤولياته الاجتماعية والاقتصادية بحجة الوضع الراهن.

وهيأ الوضع لأمراء الفساد أن يتموضعوا بقوة في صلب هذا التدرج وإدارته وفق مصالحهم، بما ينسجم مع أدوات القوة الممسوكة في أيديهم.

في المحصلة جرى الانتقال من اقتصاد الفساد، إلى اقتصاد الحرب، بصورة سلسة بعيدًا عن أي تداعيات مباشرة على النظام بسبب تفلته المسبق من مقتضيات الدعم، وإدارة السوق بما يتلاءم مع التوجهات الانفتاحية، التي كانت ستقود على المدة الطويلة إلى النتيجة ذاتها، فاقتصاد الفساد كان يتوخى شكلًا من المساكنة بين السياسات التحريرية التي تطلق يده، واعتماد النظام على تأمين موارد الحكومة لاستمرار عملها الإجرائي، بعيدًا من أي توجهات تعنى بالتنمية البشرية، أو الدعم الاجتماعي، وما فعلته الحرب أنها سرعت هذا التوجه بوتيرة عالية، وأوجدت له المسوّغات والأعذار.

 

خامسًا: الاقتصادات المتنوعة وانهيار المركزية

مع تفتت الجغرافيا السورية، ونشوء قوى الأمر الواقع، وغياب المركزية الاقتصادية، نشأت مجموعات من الاقتصادات المحلية المشوهة، والمنفصلة من جهة، وغير القابلة للحياة بمفردها من جهة ثانية، وكانت نتاجًا لفقدان النظام قدرته على إدارة الاقتصاد المركزي الموحد في البلاد، وتحول اقتصاده إلى واحدة من تلك الاقتصادات المتعددة التي “تدار بشكل  لا مركزي غير متسق، ولم تعد هناك حتى محافظة واحدة تدار بشكل مركزي من الإدارة المركزية الرسمية، بل وصل التشظِّي إلى حد إدارة النواحي المقدرة بنحو 280 والمناطق المقدرة بـ 64 في سورية بطريقة لا مركزية منفصلة حتى عن بقية النواحي والمناطق داخل المحافظة الواحدة”([25]).

ومع هذا يمكن إحالة هذا التشظي على خمس مرجعيات اقتصادية فاعلة على الأرض ([26])، مع مراعاة تراجع الفاعلية الداعشية في الاقتصاد لانحسار الأخير عن معظم الأراضي السورية التي كان يهيمن عليها.

 

1- اقتصاد النظام

على الرغم من ضعف اقتصاد النظام وارتهانه للراعيين الروسي والإيراني خصوصًا إلا أنه بقي الأكثر تماسكًا في تلك الاقتصادات المتنوعة، ويمكن أن يعزى السبب إلى احتواء مناطقه على الكثافة السكانية الأعلى، وعلى نسب التدمير المتدنية مقارنة بالمناطق الأخرى، ويشكل وجود النخب المالية المرتبطة به شكلًا من أشكال الدعم والتماسك النسبيين، إضافة إلى إمكان عقده للصفقات القائمة على بيع مكاسب سياسية أو أصول مملوكة للدولة، أو حتى  قروض سيادية، عدا امتلاكه  السابق لاحتياطي نقدي تراوح وفق التقارير بين 18و28 مليار دولار([27]).

كانت الضربة الأكبر للنظام خسارته لمنابع النفط، إذ حرمته من أهم مورد صاف، ويقدر المورد وفق أرقام إنتاجه المعلنة بـ 6 مليار دولار سنويا، وشكل فقدانه السيطرة على المساحات المزروعة ضررًا كبيرًا، غير أنه في هذين المجالين بالتحديد كان الأبرع في إدارة صفقاته (مع داعش والأكراد) لتأمين حاجاته النفطية والحبوب، وأدّت العلاقات المتشعبة للنخب المالية لديه، بصفتها الاسمية، دورًا في إتمام هذه الصفقات واستمرارها، واستمرت الصفقات غير المعلنة مع داعش إلى تاريخ انحساره منتصف عام 2017، وما تزال الصفقات نصف المعلنة مستمرة مع الأكراد.

ومن جديد شكل النفط المهرب من داعش والأكراد، بأقل من نصف الثمن كما تشير التقارير، موردًا للنظام الذي سعى لتحرير المشتقات النفطية وبيعها في السوق المحلية، بما يوازي أسعارها العالمية ويزيد عليها، واستمر النظام في تأمين موارد الجباية والضرائب الفعلية والخدمية، التي تعرضت بدورها إلى ارتفاعات كبيرة ([28]).

وساهمت المساعدات الاقتصادية والعسكرية الخارجية في رفد اقتصاد النظام، فإيران وحدها تولت وبشكل مباشر دفع رواتب 86 ألف عنصر ميليشياوي محلي ([29])، إضافة إلى ما سمي بالخط الائتماني الإيراني المفتوح.

وعملت المساعدات الأممية التي خضعت لشروط النظام في توزيعها، وحصوله على الحصة الأكبر منها، على رفد اقتصاد النظام، والتخفيف من أعبائه الاجتماعية بتقديم المساعدات الطبية والغذائية.

ومع هذا فإن اقتصاد النظام أصيب بانهيار كبير تمثل في خروج 80 في المئة من المستثمرين وقطاع الصناعة من الخدمة، وفقدت الليرة السورية أكثر من 90 في المئة من قيمتها، وانخفض الناتج المحلي الإجمالي، لكامل سورية، وليس لاقتصاد النظام وحده، إلى الثلث تقريبًا (من 60 إلى 22 مليار دولار).

 

2- اقتصاد الأكراد

لم يشكل اقتصاد المناطق الكردية قطيعة كاملة مع اقتصاد النظام بخلاف الاقتصادات الأخرى، وخلق حالة هجينة ومتقاطعة نسبيًا معه، وبقي التبادل بينهما قائمًا، والمعابر الطرقية بينهما مفتوحة، وتعد الحسكة التي يوجد فيها الطرفان نموذجًا للتعايش الاقتصادي بينهما، وتركزت إيرادات هذا الاقتصاد الذي يشرف على نسبة تقترب من خمس الأراضي السورية من:

  • إيرادات النفط والغاز المستخرج من المناطق الخاضعة لها
  • إيرادات المعابر الحدودية المستلمة منها
  • جباية الضرائب الخدمية العامة في المناطق التابعة لها، إضافة إلى فرض بعض الضرائب الجديدة، وخصوصًا على قطاع النقل

ويتولى حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) حصرًا الإشراف على إدارة الاقتصاد في تلك المناطق، وتشكل الجزيرة وعين العرب (كوباني) وعفرين أهم تلك التجمعات الكردية التي يديرها الحزب، إضافة إلى المناطق التي خضعت لها بفعل المعارك العسكرية مع داعش، واندحاره السريع مؤخرا، ومن أهمها الرقة.

ويحاول الأكراد محاولة حثيثة بناء اقتصاد مستقل نسبيًا عن المركز لتحقيق الكفاية الذاتية، ولكن المعارك ومحدودية الموارد الحالية وتأثيرات الموقف التركي من الموضوع، وارتباط الاقتصاد الكردي بالليرة السورية؛ يجعل اقتصاد هذه المناطق تابعًا لتقلبات المشهد الاقتصادي العام، المتمثل بالمركز، ويشير مسؤولون أكراد إلى خططهم تلك من خلال خلق بيئة آمنة، وتشجيع انتقال المصانع الحلبية إلى عفرين ([30]).

“ويصرِّح المسؤولون في الإدارة الذاتية بأنَّ النظام الاقتصادي المتبع لديهم هو نظام الاقتصاد الاجتماعي الذي يستند إلى المجتمع (تشاركية المجتمع)، وذلك من خلال بناء نظام الجمعيات التعاونية متعدد الأغراض، وذلك بغية الوصول إلى الاكتفاء الذاتي من الناحية الاقتصادية “([31]).

 

3- اقتصاد الجيش الحر

ما يزال الجيش الحر يسيطر على مساحات متعددة في سورية، على الرغم من الانحسار الذي أصابه منذ التدخل الروسي، وتعدّ منطقة الجنوب السوري في حوران والقنيطرة والغوطة وبعض مناطق ريف حمص وحماه من أهم أمكنة وجوده، إضافة إلى بعض المناطق في ريفي حلب وإدلب.

نالت المناطق التي يسيطر عليها الجيش الحر النصيب الأكبر من الاستهداف العسكري والحصار المشدد، ما أضعف اقتصاد تلك المناطق بشكل يفوق سواها من المناطق غير الخاضعة للنظام، وشكلت سياسة الأرض المحروقة التي اتبعها النظام، خصوصًا في تلك المناطق، واقعًا اقتصاديًا شديد الصعوبة، وجعل إمكان الاستمرار في الحياة الاقتصادية فيها مرهونًا بحجم الدعم والتمويل الخارجي الذي تتلقاه تلك المناطق، الذي يمكن عدّه أهم مورد في اقتصادها.

لم تتأثر هذه المناطق بالانهيار الاقتصادي العام فحسب، وإنما وصل التضخم فيها نتيجة قلة الموارد والسلع، والحصار، وبسبب سماسرة الأزمات والحروب إلى أرقام تجاوزت التضخم العام في البلاد بنسب مضاعفة، وتعيش تلك المناطق في ظل أزمات متراكبة بسبب قلة مواردها، وضيق مساحاتها، والحصار المفروض عليها.

 

4- اقتصاد النصرة

يتركز الثقل الأساس لجبهة النصرة حاليًا في الشمال السوري في إدلب وريفها، وبعض الريف الحلبي المجاور لها، ويعتمد اقتصادها في المقام الأول على التمويل الخارجي، وتعتمد النصرة في اقتصادها على فرض الأتاوات الحمائية على الفاعليات الاقتصادية الموجودة تحت سيطرتها، إضافة إلى بعض الجبايات المرتبطة بالمعابر الحيوية، وأهمها المعابر الحدودية التي تمثل السيطرة على قطاعي النقل والتهريب، إضافة إلى موارد الجباية الخدمية.

ويمتاز اقتصاد إدلب والمناطق التابعة لها، حاليا، بسمتين لم تتميز بهما المناطق الأخرى، عدا مناطق النظام، وهما الكثافة السكانية العالية للمحافظة بسبب النزوح الطوعي والقسري إليها، والسمة الثانية هي قربها من تركيا ما يجعل اقتصادها مفتوحًا عليها وتابعًا لها في آن معًا.

لا يتوقف اقتصاد النصرة عند إدارتها لإدلب وما حولها والاستفادة من معابرها للتهريب من داخل مناطق النظام وإليها، وإنما تستفيد من خبرتها الطويلة التي اكتسبتها من التنطيم الأم “القاعدة” في إدارة الشأن المالي الخاص وتوظيف رساميلها حتى في المضاربات المالية وتصريف العملات في السوقين السورية والتركية ([32]).

يضاف إلى هذه المناطق الأربعة اقتصاد داعش الذي أخذ بالانحسار مؤخرًا نتيجة انهيار مناطقه وتراجع نفوذه، ولكنه بقي فاعلًا سنوات وتحديدًا في ما يخص التجارة البينية بينه وبين النظام، وخصوصًا على صعيدي النفط والغاز، إضافة إلى إدارة المعابر غير الشرعية والضرائب على النقل والزراعة بحكم سيطرته على مساحات واسعة سابقا ([33]).

في العموم تشترك اقتصادات المناطق المتنوعة في سورية بالهشاشة والضعف، وعدم الثبات، وخضوعها للمتغير اللحظي عسكريًا، ولمصالح أمراء الحرب فيها، من دون الاهتمام بالطبقات الأدنى التي رزحت تحت كاهل الفقر الشديد، وباتت غير قادرة على تلبية متطلبات البقاء على قيد الحياة من دون مساعدة، مع انعدام الإنتاج وفرص العمل، وارتفاع نسب التضخم ارتفاعًا كبيرًا اقترب من حاجز 900 في المئة ([34]) وتتغير هذه النسبة صعودًا تبعًا للوضع العسكري لتلك المناطق، أو اقترابها من المنافذ الحدودية مع الدول المجاورة.

وتشترك تلك الاقتصادات في تنامي ظاهرة اقتصاد الظل القائم على شبكات التجارة المحلية، غير أن هذه الشبكات على الرغم من محليتها تتقاطع في كثير من الأحيان مع بعضها، وخصوصًا مع شبكات النظام التي عملت تحت الغطاءين الاقتصادي والأمني لتمرير الصفقات المطلوبة له، والمسكوت عنها.

عموما، امتاز اقتصاد النظام على تلك الاقتصادات بميزة التواصل النسبي والانفتاح، وعدم الانقطاع الجغرافي بين مناطقه التي تترابط معظمها بشبكة طرق بقيت فاعلة، وامتدت من درعا إلى اللاذقية وحلب، وحتى تلك التي تعذر ربطها جغرافيا بهذه الشبكة جرى استعمال الطرق الجوية لإمدادها، ولو بالحد الأدنى، وهو ما لم يتوافر لغيرها من الاقتصادات.

 

سادسًا: أمراء الحرب وتجار الظل

كرست الحرب السورية بتشعباتها المناطقية كثيرًا من أمراء الحرب الذين أثْروا من خلالها، غير أنه من خلال المفهوم الاقتصادي يمكننا التمييز بين أنواع عدة من أمراء الحرب في سورية تبعًا لمراكزهم ونشأتهم، وطبيعة ثرائهم.

يندرج الصنف الأول في صنف قادة الميليشيات، والقادة الميدانيين الذين يبسطون نفوذهم على الأرض مددًا طويلة، ويتحكمون بكامل مقدرات المنطقة اقتصاديا، وهم ينتمون إلى التشكيلات المتحاربة كلها، وترجع مصادر ثروتهم إلى بسط يدهم على مقدرات المنطقة التي يتولون أمورها كلها، بدءًا من النهب والسلب، واستخدام النفوذ، وإمساك الطرقات ([35])، والتلاعب بالمساعدات، والتجارة غير الشرعية، مرورًا بتجارة الخطف والمخدرات والأسلحة، وصولًا إلى بيع مواقعهم العسكرية لأعدائهم المفترضين.

ويمكن إدراج بعض المسؤولين الحكوميين ذوي الطبيعة الحساسة ضمن هذا التصنيف، وخصوصًا المرتبطين منهم بقضايا عسكرية، كالتجنيد والتأجيل والسجون والمحاكمات والجمارك، فهؤلاء ازدهرت أعمالهم ضمن الأوضاع الحربية والأمنية، وباتت خدماتهم مطلوبة للجميع وبأرقام عالية.

أما الصنف الثاني وهو الأكثر تنوعًا وسريّة، فهو الطبقة التي نشأت من خلال التجارات البينية بين المناطق المتحاربة. وعززت، هذا النوع من التجارة، سياسة الحصار وتقطيع أوصال المناطق. وغالبًا لا ينتمي هؤلاء مباشرة إلى الجسم العسكري المقاتل لضرورة حيازتهم على حرية الحركة، لهم، أو لوكلائهم بين المناطق المتعددة، وهم يملكون صلات متينة مع أسياد المناطق الأخرى تتصل بشراكات فرعية أو عبر أتاوات متفق عليها لتمرير البضائع، وهم أقرب إلى أمراء الفساد، وغالبا، إما يمثلونهم شخصيًا، أو تفرعوا منهم مستفيدين من اللحظة الراهنة، ويمثل “أحمد الفوز” الذي برز اسمه مؤخرًا تلك الشريحة الصاعدة من أمراء الحرب مجهولي النسب الاقتصادي.

ينتمي الصنف الثالث، وهو الأكثر تجذرًا، إلى الطبقة الجديدة من أمراء الفساد المكرسين قبل الحرب، مستفيدين من الإجازات الحصرية لاستيراد نوع محدد من البضائع ضمن تفاهمات اقتسام السوق في ما بينهم، وشكلت لهم الحرب فرصة مثالية لرفع الأسعار بلا رادع مستغلين قدرتهم على الاحتكار، وساهم نفوذهم المالي والأمني وشبكة العلاقات القديمة في نقل البضائع ضمن حد أدنى من الخطر، عدا عن تحول بعضهم شخصيًا إلى أصحاب ميليشيا فاعلة على الأرض ومموليها، أو بمسميات أخرى كالشركات الأمنية.

ولم يقتصر وجود هذه الطبقة على المناطق الخاضعة للنظام، وإنما بقي مستمرًا بشكل مقنّع، حتى في المناطق الخارجة على سيطرته، بشكل أو بآخر عبر التجارة البينية.

استغلت هذه الطبقة شح البضائع، وانفلات الأسعار لتكريس مضاعفة الثروة، وخصوصًا في السلع الرئيسة الملحة لاستمرار الحياة، من مثل الأغذية والكهربائيات، والمواد الطبية، وحتى في المواد الإغاثية، وفي هذا المجال يشمل مفهوم أمراء الحرب بعض عناصر المعارضة في الخارج ممن عملوا في هذا الإطار ([36]).

خلاصة القول إن أمراء الحرب مهما اختلفت تصنيفاتهم وفق واقع الحال، فإنهم:

  • يشبهون تمامًا أمراء الفساد من حيث النشأة عبر تكوين ثرواتهم من بسط حيازتهم للنفوذ ومواقع القوة، ما يعني استنتاجًا: أنه على الرغم من غياب المركزية الاقتصادية في ظل الحرب، إلا أن الحرب أعادت استنساخ آلية عمل النظام الاقتصادي، حتى في المناطق الخارجة عليه وشكلت صورة طبق الأصل عن نموذجه.
  • إن الطبقة الجديدة من أمراء الحرب وخصوصًا في مناطق النظام والأكراد لم تخلخل النفوذ المالي لأمراء الفساد، وتراتبياتهم، أو تغيره؛ وإنما وسعت القاعدة فحسب لتشمل أعضاء إضافيين في هذا النادي.
  • كان لشبكات النظام امتداد وتعاون مع المناطق الاقتصادية الأخرى معظمها، وأهمها مناطق داعش والأكراد في ما يخص النفط والقمح ([37]).
  • ومن الملاحظ أيضًا، أن إمساك أمراء الحرب بمفاصل الاقتصاد والحياة جعلهم القوة الأكبر التي تخضع السلطة لتوجهاتهم، وليس العكس ([38])، ما يرخي بمفعولاته على الوضع السياسي والأمني بوصفهم قوى فاعلة في استدامة الحرب لارتباطها بمصالحهم.

ولعل الملاحظة الأبرز في هذا السياق لا تتوقف عند صمت النظام على هذه الحالة، ولا حتى عند تشجيعها نوعًا من الرشوة، وإنما الذهاب أبعد عبر تراخيص الشركات الأمنية، وعبر تشريع الترفيق على البضائع المنقولة، ويعني دفع مبلغ للجهات الرسمية، يتراوح بين 100 ألف و250 ألف على كل سيارة بضائع عابرة لقاء خدمة الحماية، علمًا أن مبلغ الترفيق الرسمي لا يلغي أتاوات الحواجز الشخصية.

 

 سابعًا: هجرة رؤوس الأموال

تعرض رأس المال السوري إلى هجرات متتالية بسبب الوضع السياسي والأمني، وانعدام البيئة المستقرة للاستثمار، منذ تسلم البعث للسلطة، وحاولت الطبقة الجديدة مع بداية انطلاقتها توسيع قاعدة الاستثمارات في سورية، وجذب الاستثمارات الخليجية، والسورية المغتربة على حد سواء، وعلى الرغم من نجاحها النسبي، وبعيدًا عن الخوض في طبيعة الاستثمارات، إلا أن الاستثمارات بقيت محصورة ضمن الإطار التشاركي والحمائي مع الطبقة الجديدة، وفق ضمانات النفوذ الشخصي أكثر من كونها ضمانات محمية بالتشريعات القانونية.

وشكل عام 2009 ذروة التدفقات المالية الاستثمارية، التي بدأت عام 2004 وانخفضت عام 2010 لتصل إلى النصف تقريبًا مقارنة بالعام 2009 (من 2,33 مليار دولار إلى 1,28 مليار دولار) ([39]).

ومع انطلاق الثورة تراجع التدفق الاستثماري الخارجي بنسب ضئيلة في عام 2011 ليصل إلى 1,059 مليار دولار([40])، ولكنه مع ازدياد العنف وتوسع دائرة المعارك فقدت الساحة السورية أي مقدرة استثمارية ليتحول طريق المال منها إلى الخارج بحثًا عن بيئة ملائمة، وتبلغ قيمة التحويلات المالية السورية إلى لبنان وحده 17 مليار دولار بحسب تقرير نشرته cnbc، في ما بلغ نصيب كل من تركيا ومصر والأردن 2 مليار دولار، وأسست 10 آلاف شركة سورية في تركيا، وهو رقم يساوي ثلث الشركات الجديدة فيها، وتوجد في مصر 500 شركة بأموال سورية ويقيم فيها ثلاثين ألف رجل أعمال سوري، في ما بلغ عدد المصانع في الأردن 370 مصنعًا سورية ([41]).

لا يتوقف المال الهارب من سورية عند حدود دول الجوار، ولا يمكن بدقة إجراء المسوحات الرقمية لمقداره الفعلي، غير أن ملاحظة تمركز الرقم الأكبر منه في لبنان يعدّ مؤشرًا إلى عائدية المال إلى الجهات المقربة من النظام، وهو ما تدعمه التقارير المتكررة حول تهريبها للمال على إيقاعات المعارك المتقلبة سابقا، واختيارها لبيئة بنكية قادرة على تأمين تسهيلات خاصة بها، وتدعم تقارير أخرى الميول السياسية لأصحاب الأموال الهاربة معظمهم، “وافتتح أحد أرباب الصناعة مصنعًا جديدًا في الأردن بعد نهب مصنعه القديم في حلب، الذي كان يعمل فيه 700 عامل، وكان يعتمد على أعمال التصدير إلى الخارج  واشتكى رجل الصناعة، وكان يتحدث وتظهر بجانبه صورة مؤطرة لبشار الأسد في مكتبه في العاصمة عمان.”([42]).

يتشابه أمراء الحرب في البنية والتكوين مع أمراء الفساد في سورية على الرغم من أن التقاطع بينهما يتعدى طريقة المنشأ والأسلوب الاقتصادي وهو الاستفادة المالية تحت جناح القوة، ليصل إلى الخلاصات، إذ يمثل الانتصار النسبي، والآني لقوات النظام انتصارًا لمفهوم أمراء الحرب المركزي، والقائم أساسًا على مركزية أمراء الفساد، فليس من حل أمام الثروات الجديدة الناشئة في حال انتصار النظام سوى التعبير عن نفسها ضمن الشبكات القديمة الأقوى منها، بالتماهي معها، أو الرحيل إلى الخارج.

 

ثامنًا: الاقتصاد في ظل أمراء الحرب

بلغت تكلفة الحرب التي لم تنته بعد، أرقامًا قياسية أرجعت الاقتصاد السوري خمسين عامًا في المستوى الوطني، غير أن تكلفتها على الطبقة المتوسطة والدنيا، في اللحظة الراهنة، كانت شديدة الوطأة بعد خسارتها لأعمالها ومدخراتها، وارتفاع نسب البطالة، وارتفاع نسب الفقر والعوز الشديد إلى أرقام  تزيد على 80 في المئة من المجتمع الذي وجد نفسه بين فكي التحول إلى اقتصاد الحرب من جهة، وسياسة الحكومة التي اتبعت من جهة ثانية نهج التمويل بالعجز، لينخفض الدخل الوظيفي العام إلى ما دون 80 دولار في ظل تضخم تجاوز 773,4 في المئة في حده الأدنى ويرتفع أكثر في محافظات كحلب ودرعا، وتتصدر الحسكة الرقم القياسي الاكبر842,4 في المئة، في حين ارتفع في المناطق المحاصرة إلى أرقام مضاعفة مرات عن هذا الرقم بسبب شح البضائع، وشبكات التجارة المحلية المستفيدة من هذا الواقع.

 

انعكس التمويل بالعجز سلبًا على الطبقات الأدنى والوسطى بصورة كارثية، كان من نتائجها المباشرة التحول من حد الفقر لشرائح كبيرة إلى حد العوز الشديد، أما الطبقة الوسطى فقد انسحقت تمامًا في ظل الحرب المدمرة في ظل تناقص مدخولاتها بأشكال متنوعة من النزوح والهجرة والبطالة، وتدني سعر الصرف.

وبحسب تقرير حديث صادر عن البنك الدولي فإن خسارة سورية من الوظائف تقدر بـ 538 ألف وظيفة سنويا، في حين بلغت نسبة البطالة إلى حد 78 في المئة، وبحسب مدير البنك الدولي أيضًا، فإن وجود 9 مليون عاطل عن العمل سيكون له عواقب طويلة الأجل بعد توقف المعارك ([43]).

تشير هذه الأرقام إلى أن الحرب في سورية اقتلعت الطبقة الوسطى من جذورها، وغيبتها نهائيًا، بفعل إفقارها، وتأكل مدخراتها، لتلتحق بالطبقات المعدومة، وخصوصًا أنها بفعل بنية الاقتصاد السوري كانت موزعة بشكل رئيس بين القطاع الوظيفي، والجانب الخدمي في القطاع الخاص، وتعرض كلاهما للتجريف الحاد، اقتصاديًا بفعل الأوضاع، وبشريًا بسبب الهجرة والنزوح.

وكانت الطبقة الوسطى في سورية، وفق التعريفات المتداولة، تقترب من معدلاتها العالمية، وتشكل ما يزيد على نصف المجتمع السوري، في ما لا تزيد تقديراتها الحالية، وفق كثير من الدراسات والتقارير، على نسبة 10 في المئة في أحسن الأحوال.

ويعاني الاقتصاد السوري شللًا كليًا بسبب الدمار الحاصل في قطاعي الصناعة والزراعة وانعدام السياحة، ودمار البنية التحتية، وتأكل الاحتياطي النقدي، ويحاول النظام الإيحاء بالتماسك والوقوف على قدميه، وخصوصًا بعد استعادته حلب، وبعض الحقول النفطية، وتثبيته لسعر صرف الليرة عند حدود 500 للدولار، بما يعني تثبيت أسعار السلع، غير أن الواقع الفعلي يشير إلى زيادات متوالية في الأسعار تتعاكس مع هذا الاتجاه، وهو ما يشير إلى السيطرة والهيمنة الكلية لأمراء الفساد والحرب على السوق السورية، من خلال قدرتهم على تحديد الهامش الربحي من خلال حجم الفارق بين أسعار السلع العالمية وقيمها المحلية، وهو ما عبر عنه الواقع الفعلي من خلال فشل المحاولات البهلوانية لوزير التجارة الداخلية بتخفيض أسعار عدد من السلع، وخضوعه لاحقًا لأمراء الفساد.

وفي ظل الإنفاق الحربي الدائم والمتزايد، يعيش اقتصاد النظام على الموارد الضريبية المباشرة، والخدمات التي ارتفعت ارتفاعًا كبيرًا في السنوات الأخيرة، على حساب المجتمع، إضافة إلى النهب المقنع من تحويلات السوريين الذين يعتمدون على ذويهم في الخارج، من خلال تحديد سعر الصرف، وإجبارهم على استلامها بالليرة السورية، وأحيانًا بتواريخ مؤجلة.

وتبلغ قيمة التحويلات السورية من الخارج، وفق مصادر النظام 2,5 مليار دولار سنويًّا ([44]). ويعدّ الخط الائتماني المفتوح من إيران أحد أشكال الدعم السلعي للنظام، يُمنح بشكل قروض ما تزال طبيعتها وأحجامها تتسم بالسرية عمومًا، وتخضع للاتفاقات البينية المتكررة، وتشكل المساعدات الأممية رافدًا مهمًا له، ولبيئته الاجتماعية، وتعمل على تخفيف حدة الضغط عنه، من خلال الاستئثار بها، وتوزيعها وفق مصالحه.

 

تاسعًا: إعادة الإعمار “أهداف وأخطار”

تتباين التقديرات حول خسارات الحرب في سورية، وتتباين التقديرات حول تكلفة إعادة إعمار سورية، ويقدر البنك الدولي تكلفة إعادة الإعمار بـ 180 مليار دولار حتى هذا العام، وتقدم بعض الدراسات رقمًا أعلى من ذلك، في ما “نقل الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، في وقت سابق عن مسؤولة السياسة الخارجية في بالاتحاد الأوروبي فريدريكا موغريني، قولها إن إعادة بناء سورية وحدها تحتاج إلى 900 مليار دولار”([45]). غير أن الحرب لم تنته ما يشير إلى تحرك الأرقام، بغض النظر عن تحديد قيمتها الحقيقية، صعودًا باطراد مع استمرار الحرب.

وتشير أرقام البنك الدولي في تقريره الأخير إلى أن 27 في المئة من الوحدات السكنية قد دمرت أو تضررت جزئيًا، وأن نصف المنشآت الطبية قد تضررت، وأن الخسارات التراكمية ستبلغ لو توقفت الحرب في السنة السادسة 7,6 ضعف الناتج المحلي عام 2010 (أي حوالى 450 مليار دولار) ([46]).

عمومًا، تبدو المقاربة الاقتصادية لمفهوم إعادة الإعمار مرهونة بالمقاربة السياسية، ولا يمكن النظر إليها من خارجها، فما حدث في سورية ليس زلزالًا طبيعيًا يجري تلافي آثاره، ليعاد ترميم ما تهدم وفق آلية تنفيذية منفصلة عن السياسة.

إن مفهوم إعادة الإعمار شعار براق ينطوي ضمنًا على مفهوم انتهاء الحرب من جهة، وعلى العزم لإعادة تشكيل البنى المدمرة وتجهيزها بواقع جديد يفترض أنه أكثر حداثة من الواقع القديم، ومع التصورين السابقين يبقى مفهوم إعادة الإعمار، مصطلحًا معلقًا في الهواء يحتاج إلى الوضع السلمي أولا، وإلى الحافز المتعلق بأهداف المانحين ثانيًّا، وإلى الإمكان الفعلي ثالثًا.

وإذا تجاوزنا الشرط السلمي غير المتحقق حاليا، فإن الأهداف والحوافز تبدو جدّ متباينة لدى معظم الأطراف المنادية بإعادة الإعمار، إذ يختلف مفهوم إعادة الإعمار من جهة إلى أخرى بحسب موقعها السياسي، ونواياها المستقبلية، من عدّ إعادة الإعمار بمنزلة هبة ذات مردود سياسي، إلى عدّها فرصة استثمارية، مرورًا بوصفها مكافأة على خدمات حربية، وصولًا إلى ترسيمها في الحدود السياسية بمعنى التطويب وتأكيد الشرعية لجهة ما.

وبهذا المعنى لا تبدو إعادة الإعمار هدفًا مجردًا بحد ذاته، بمقدار ما تتصل بالمانحين والمنفذين وبأهدافهم أيضًا، وهو معطى يحمل استحالته خارج أرضية التسوية السياسية الصلبة المتفق عليها من الأطراف المحلية والإقليمية والدولية كلها، ولا يبدو قابلًا للتحقيق في المدى المنظور.

ويستعجل الروسيون والإيرانيون والنظام طرح الفكرة لجني ثمارها، وتأكيد أهليتهم واستعدادهم لتنفيذها، ولكنهم غير قادرين على تلبية شروطها المادية بإمكاناتهم المتواضعة، وفي المقابل يستمر الطرف الدولي المناهض لهم باشتراط خروج الأسد مقابل البدء بإعادة الإعمار.

وكان ستيف هايدمن([47]) قد رأى في إعادة الإعمار، وفق الوضع الحالي، وصفة لحرب أهلية قادمة، وأنها ستزيد الفروق المجتمعية على أساس الحظوة والقرابة من النظام([48]).

ففي الشرط الراهن سيكون أمراء الحرب وأمراء الفساد هم المؤهلون بما يملكون من قوى مالية، وشركات، لتنفيذ إعادة الإعمار، إذ يستحيل القيام بعمل من هذا الحجم من دون الاستعانة شبه الكاملة بالأدوات المحلية، وسيتحول مشروع إعادة الإعمار من جديد إلى مصدر لتراكم الثروة بشكليها المشروع وغير المشروع، وستجد تلك القوة من جديد آليات للتعبير الوحشي عن سطوتها المالية.

وحتى في حالة التسوية السياسية، وخروج الأسد من المشهد المنظور، فإنه سيكون من الصعب تجاوز تلك الأذرع المحلية القابضة على مقدرات المال السوري معظمها، التي تعود بمعظمها إلى طبقة أمراء الفساد، بما تملك من باع طويل في التلون، وتجديد واجهاتها، وبسبب إمكاناتها المادية المملوكة منهم على الأرض.

ويطرح “هايدمان” حلولًا ومقاربات للخروج من المأزق البنيوي، في موضوع إعادة الإعمار على الصعيدين السياسي والتنفيذي، ليشير إلى حلول تتصف بالجرأة تعتمد الحلول على المباشرة بتنفيذ إعادة إعمار لا مركزية تجري المباشرة فيها من الأراضي الخارجة على سطوة النظام، ويجري فيها الاعتماد بشكل رئيس على المجالس المحلية والبلديات ([49]).

 

خلاصة وتوصيات

في صلب المضامين السياسية للثورة السورية كانت المضامين الاجتماعية والاقتصادية شديدة الحضور، وإن كانت خصوصية شكل النظام السوري قد استدعت من الثورة التوجه إلى مفتاح التغيير، والتركيز عليه، وهو الجانب السياسي.

شكلت السياسات الاقتصادية الخاطئة والقسرية نوعًا من الحرب الباردة أو المبطنة على المجتمع السوري، وتبعتها الحرب التدميرية التي شنها النظام، وكان من نتائجها دمار البنية التحتية، وإفقار المجتمع كليًا.

وعليه، فإن الخروج من الكارثة الحالية لن يكون سهلا، ويستدعي إجراءات فاعلة، وحازمة في آن معًا، لتعافي المجتمع من أضرار الحرب، وبخاصة في الشق الاقتصادي، ويترتب على ذلك قاعدة بيانات شاملة للأضرار والإمكانات المتاحة، وتخطيط نصف مركزي يتشاور مع المجالس المحلية، ويمنحها القرار النهائي في حال التعارض.

إن الخلاصات القائمة في هذه الدراسة تلحظ ضبابية الحل السياسي الممكن راهنا، وعدم وضوح ملامحه العامة، وتحاول عدم الغرق في التفاصيل لارتباط الخلاصات والتوصيات بالمستقبل ومآلاته.

  • عمومًا تخلص هذه الدراسة إلى أن إزالة الطبقة السياسية سيكون محدود التأثير مع بقاء الطبقة المالية المرتبطة بالنظام، بسبب قوتها وتجذرها، وإمساكها بمفاصل القوة المالية، وفي حال عدم القدرة على محاسبتها بسبب الوضع الحالي أو بسبب شروط التسوية الممكنة فإنه من الضروري العمل على تجريدها من أنيابها بآليات مبتكرة لا تدفع بالرساميل المحلية إلى الهجرة.
  • ضرورة إيجاد طرائق سياسية واقتصادية تفصل طبقة أمراء الفساد وذيولها عن منابع المال العام، ومصادره، وفق آليات رقابية مجتمعية وإعلامية حرة.
  • إعادة النظر إلى كل عقود التراضي القائمة بين النظام الحالي والشركات المقربة منه، وفق مفعول رجعي، وتصويب الأمور.
  • ضرورة انتهاج سياسة اقتصادية جديدة تقوم على بعد اجتماعي يكون للدولة فيها الكلمة العليا وفق معايير التنمية الشاملة، والنمو العام.
  • إعادة تفعيل القطاع العام ودوره في المجتمع والاقتصاد بعيدًا عن الآليات البيرقراطية أو المحسوبيات السياسية أو الحزبية أو الطائفية، مع إعطاء دور فاعل ومحفّز ذي بعد تكاملي للقطاع الخاص، وتحديدًا في القطاعات الإنتاجية.
  • تصحيح المسار الاقتصادي عبر انتهاج سياسات اقتصادية لاحقة ذات بعد اجتماعي تقوم على توزيع متناسب للدخل، وتتوجه بالدعم إلى الشرائح الأكثر تضررًا.
  • لتصحيح عمل الشركات الاقتصادية المتجذرة، يجب توجيه الاقتصاد السوري، نحو فرض ضرائب تصاعدية على الشركات الخدمية بالتوازي مع تسهيلات للشركات الإنتاجية.
  • العمل على تشجيع المشروعات الصغيرة ودعمها، وتقديم التسهيلات اللازمة لها.
  • 7- اعتماد التوجه في إعادة الإعمار نحو البنية التحتية، والمشروعات غير الربحية في المدى القصير.
  • الاعتماد بالطاقة القصوى على الخبرات المحلية، والرساميل الوطنية للمساهمة في إعادة الإعمار وفق مشروعات غير ربحية لقاء تسهيلات ملائمة، وخصوصًا الرساميل الوطنية الهاربة.
  • تشجيع رأس المال البشري على العودة والاستفادة من طاقاته وخبراته المميزة.

 

خاتمة

بلا شك، تعد الامتيازات الاقتصادية الهدف الرئيس من وراء الاستئثار بالسلطة، وأفضت خمس عقود ماضية من هذا النهج إلى المآل الحالي، من قتل ودمار وخراب دفع جيلان من المجتمع السوري ثمنها، وقد يتحتم على جيلين تاليين أن يدفعا أيضًا ثمن السياسات الخاطئة التي بنيت على قاعدة أولوية البقاء على الكرسي، وأفضت لاحقًا إلى انتهاج سياسات التحرير الانتقائية المُصنّعة على مقاس أفراد محددين مدفوعين بالبحث عن النمو الكمي على حساب التنمية الشاملة.

ولم تبدأ حرب النظام على المجتمع السوري عام 2011، وإنما كان قد أعلنها منذ زمن طويل بأشكال مختلفة عبر هيمنة السلطة على الاقتصاد، وتسيّد أمراء الفساد، وحرمان المجتمع من عوائد الثروات العامة بما ينذر بالكارثة المتوقعة.

وحاليًا تجاوز الاقتصاد السوري حد الكارثة، فالمؤشرات الاقتصادية الدالة عليه، تقع في أدنى اللائحة العالمية، وتتصدر سورية المرتبة الثانية في قائمة الأكثر فسادًا في العالم، ويعاني المجتمع السوري العوز الشديد والفاقة، ويبلغ معدل البطالة مستويات غير مشهودة عالميًّا، بالتزامن مع تأكل الناتج المحلي إلى حدود الثلث تقريبًا قياسًا بعام 2010.

إن تعافي المجتمع السوري رهن بتعافي اقتصاده، ويعتمد الأخير على السياسات الصائبة التي تدفع أوسع قطاعات المجتمع إلى المشاركة في عملية البناء والتنمية ذات المردود الشخصي والجماعي.

إن المردود الجماعي يحفز فكرة العمل والبناء الاقتصادي، وخصوصًا في القطاع العام، ويدفع إلى تطويره والمحافظة عليه، خلافًا للوضع الحالي.

استثناء اللحظة السورية الراهنة يحتم على السوريين إجراءات استثنائية في المجال الاقتصادي، بالمعنى الإيجابي (بعيدًا من قوانين الطوارئ)، فالبنية التحتية المدمرة، والاقتصاد الحالي المهشم يحتاج بالضرورة إلى مساعدات خارجية لإعادة الأعمار، وهو شر لا بد منه، لاختصار زمن التعافي، لكن المساعدات المشروطة قد تتحول إلى نقيض غايتها، وتشكل عبئًا إضافيًّا، يجب التنبه إليه وعدم الانزلاق في مساراته.

والاستثناء السوري الحالي يحتم إعادة تشكيل الحلم الجامع لبناء دولة ومجتمع قويين باقتصادهما، وسورية تمتلك من الثروات العامة، والمقدرات البشرية ما يؤهلها للنهوض الاقتصادي بوتيرة قد تشكل نموذجًا فريدًا في حال انتهت الحرب، وتوفرت البيئة الملائمة، فمقومات التنوع الاستثماري موجودة، وكذلك الموقع الحيوي، والكادر البشري، إضافة إلى وجود رساميل سورية كبيرة في الخارج، وهي قابلة للعودة في ظل شروط سياسية وأمنية مغايرة، ذات بيئات تشريعية حمائية، وقضاء مستقل ونزيه، بعيدًا من الواقع المافيوي، والاحتكار الحصري.

إن الشرط الاقتصادي الناجح محكوم بجملة من العوامل الخارجة عنه، وتوفيرها سوريًا، لم يعد من قبيل الترف في اللحظة الراهنة، وإنما هو حاجة ماسة إلى البقاء على قيد الحياة خطوة أولى، للنهوض من المأزق الشديد، وسيرتب أي تأخير في توفير هذا المناخ عواقب شديدة ستدفع بالمجتمع إلى حالة التشظي المطلق، ونقطة اللاعودة في بناء مجتمع متماسك، أو مجتمع قادر على إعالة نفسه بنفسه، كما هو الوضع الحالي.

وفي حال عدم توافرها فإن حسابات البنك الدولي القائمة على محاكاة الواقع بتقدير الخسارات، في ما لو استمر الصراع السوري عشرين عامًا ستكون بلا جدوى بسبب زوال الدولة السورية عندها.

 

 

([1]) انظر

جامعة سانت أندروز: تحليل الصراع المحلي والدولي في سورية (هل يوجد دروس من العلم السياسي؟)

وطبقًا لإيلسينهانس، فإن طبقة الدولة تتألف من كل الموظفين في “الوظائف القيادية في جهاز الدولة، وشركات الدولة، ومنظمات الدولة السياسية والمجتمعية القائدة” (1981: 122). تتضمن هذه الطبقة المستويات العليا من بيروقراطية الدولة، وشركات الدولة، والجيش، وجماعات الدولة شبيهة القائدة التي تتمتع بمعدل دخل أعلى من المعدل المعتاد، وبالامتيازات، وفرص المشاركة السياسية. وبالتأكيد، إن طبقة الدولة التي هي طبقة مميزة تختلف عن جمهور موظفي القطاع العام.

([2]) محمد جمال باروت، العقد الأخير في تاريخ سورية، جدلية الجمود والإصلاح، (د.م: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الدراسات العربية، د. ت)، ص39.

([3]) عزمي بشارة، سورية درب الآلام والحرية: محاولة في التاريخ الراهن، (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات)، “النظام السوري ليس ريعيًا. فهو يجبي من المجتمع معظم ما يعيل الدولة” ص 305

([4]) ستيف هايدمان، التسلطية في سورية، صراع المجتمع والدولة

([5]) ستيف هايدمان، التسلطية في سورية: صراع المجتمع والدولة، عباس عباس (مترجم)، (دار الريس، د.ت)، ص 71-72

([6]) ستيف هايدمان، التسلطية في سورية، ص 337

([7])  ستيف هايدمان، التسلطية في سورية، ص 339

([8])  ستيف هايدمان، التسلطية في سورية، ص395

([9]) قانون الاستثمار الشهير رقم 10

([10]) الإحصاء المركزي

http://www.cbssyr.sy/work/2012/TAB20.htm

([11]) عزمي بشارة، سورية درب الآلام والحرية/ محاولة في التاريخ الراهن، (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، د.ت) راجع أسماء مؤسسي شام القابضة ص 309

([12]) محمد جمال باروت، العقد الأخير في تاريخ سورية، جدلية الجمود والإصلاح، (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، د.ت)، الدراسات العربية ص51

([13]) تناقضت أرقام إنتاج النفط في سورية، التي كان يشاع أنها تصل إلى 800 ألف برميل لتصل إلى 600 ألف برميل يوميا، (بحسب دراسات حديثة ومقربة من النظام… (http://ncro.sy/?p=3478) لتنخفض في أعوام لاحقة وفق تصريحات إلى 404 ألف برميل، ولاحقًا رقم 370 ألف برميل

([14]) محمد جمال باروت، العقد الأخير في تاريخ سورية: جدلية الجمود والإصلاح، (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الدراسات العربية، د.ت)، ص101

([15]) https://goo.gl/J5J7xk

([16]) محمد جمال باروت، العقد الأخير في تاريخ سورية، جدلية الجمود والإصلاح، (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الدراسات العربية، د.ت)، ص 35

([17]) عزمي بشارة، سورية درب الآلام والحرية: محاولة في التاريخ الراهن، (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، د.ت)، راجع أسماء مؤسسي شام القابضة ص 305

([18]) محمد جمال باروت، العقد الأخير في تاريخ سورية، جدلية الجمود والإصلاح، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الدراسات العربية ص76

([19]) محمد جمال باروت، العقد الأخير في تاريخ سورية، ص 70

([20]) عزمي بشارة سورية درب الآلام والحرية/ محاولة في التاريخ الراهن، راجع أسماء مؤسسي شام القابضة، ص 310

([21]) المصدر نفسه ص 310-311

([22]) انظر محمد جمال باروت، العقد الأخير في تاريخ سورية، جدلية الجمود والإصلاح، (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات الدراسات العربية)، ص 111

([23]) محمد جمال باروت، العقد الأخير في تاريخ سورية، جدلية الجمود والإصلاح، ص51

([24]) أنشأ رامي مخلوف وموّل عددًا من الميليشيات، التي يستخدم جمعية البستان الخيرية والعائدة إليه، ستارًا لها، ومثله فعل أيمن جابر، الذي تشير التقارير إلى أنه أنشأ معملا للبراميل المتفجرة، ويتزعم أخوه فرقة صقور الصحراء المعروفة، والقائمة تضم عددًا من الأسماء الاقتصادية التي تساهم في دعم النشاط الحربي وتموله بالشكلين المباشر، وغير المباشر: كصائب النحاس ونبيل طعمة وبشار كيوان، وأبناء اللواء مصطفى التاجر، وغيرهم، بمن فيهم المفتي احمد حسون وأولاده. انظر

http://www.all4syria.info/Archive/39131

([25]) http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2015/04/2015414102236660664.html

([26]) انظر

http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2015/04/2015414102236660664.html

([27]) – إعلان البنك الدولي نضوب الاحتياطي من 20 مليار إلى 700 مليون دولار

 https://goo.gl/DXtLvi

([28]) شكلت جوازات السفر، وبدل الخدمة العسكرية واحدا من أهم الموارد

([29])  http://www.all4syria.info/Archive/428033

([30]) انظر

https://www.al-monitor.com/pulse/ar/originals/2016/04/kurdish-areas-norther-syria-economy-self-sufficiency.html

([31]) http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2015/04/2015414102236660664.html#a2

([32]) انظر

http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2015/04/2015414102236660664.html

([33])  https://goo.gl/Fg16gp

([34]) http://b2b-sy.com/news/45671/

([35]) اشترطت الوحدات الكردية وضع لوحة عفرين ودفع رسم مواصلات يصل إلى 700 ألف ليرة سورية على السيارات القادمة إلى عفرين

https://goo.gl/bpDjKr

([36]) http://www.alarab.co.uk/?id=51788

([37]) ” وبعدما رسخت «الوحدات» سلطاتها هناك، بدأ الوسطاء الموالون للميليشيات الكردية في الظهور لبيع محصولات القمح إلى النظام السوري، كما هو الحال في منطقة رأس العين على الحدود التركية،” انظر

https://goo.gl/61pp7Y

([38]) بعد حروب دامية بين ميليشيات آل الأسد وميليشيات آل جابر في المناطق الساحلية، جرى الإقرار النهائي بعائدية تجارة الدخان إلى آل جابر، وفي التوقيت ذاته عمد البرلمان السوري إلى إقرار تشريع يضاعف عقوبات تهريب الدخان عام 2017.

([39]) https://goo.gl/GsPEMG

([40]) المصدر السابق نفسه

([41]) http://b2b-sy.com/news/44102/

([42]) https://goo.gl/PCUHm6  

([43])   https://goo.gl/J835Hd

([44]) http://al-akhbar.com/node/214067

([45])   https://goo.gl/VtWFP1

([46]) تفرير البنك الدولي

https://openknowledge.worldbank.org/bitstream/handle/10986/27541/Syria%20ESIA%20Executive%20Summary-AR.pdf

([47]) خبير في شؤون الشرق الأوسط وصاحب كتاب التسلطية في سورية، الصراع بين الدولة والمجتمع.

([48]) https://www.eqtsad.net/read/18164/

([49]) المصدر السابق نفسه