المحتويات

مقدمة

أولًا: المواجهة الإيرانية مع القوى الإقليمية

  1. تركيا
  2. “إسرائيل”
  3. السعودية
  4. لبنان

ثانيًا: المواجهة الإيرانية مع الولايات المتحدة وروسيا

ثالثًا: خاتمة

 

 

مقدمة

بعد عقد ونيّف من التوسّع الإيراني الشرس في المنطقة العربية، مستفيدًا من التغاضي الأميركي بدءًا من العراق، وضعف النظام العربي، إن لم يكن سقوطه موضوعيًا بعد حرب الخليج الثانية، يبدو أن هذا المشروع، وبغضّ النظر عن تصريحات ومبالغات المسؤولين الإيرانيين، قد وصل إلى نهاية مداه، ليس فحسب بسبب انقلاب الموقف الأميركي بعد أن استنفذ التمدد الإيراني من وجهة نظر أميركا أغراضه، هذا الموقف الذي تحدِّده بصورة أساسية مقتضيات الأمن الإسرائيلي، إضافة إلى المصالح الأميركية، لكن وبدرجة أهم حالة الاستياء العربي شعبيًا ورسميًا، بعد المذابح الفظيعة التي ارتكبتها ميليشيات إيران بحق الشعبين السوري والعراقي، وتدخلاتها في لبنان واليمن وفي مواقع أخرى، وباتت الادعاءات الكاذبة التي تتغنى بها إيران وحلفها في مقاومة “إسرائيل” تُثير السخرية والاستهجان في الشارع العربي، خاصة أن مشروعها يتلحّف عباءهً مذهبية مقيتة.

لقد حققت إيران إنجازات عسكرية وسياسية لا يُستهان بها بدماء الشباب من (الشيعة) العرب، الذين اندرجوا في مشروعها في أجواءٍ من التجييش الطائفي والمذهبي، وبعضهم تحت ضغط الحاجة المادية في هذه البلدان التي أفقرتها أنظمتها المستبدة.

يقف الآن مشروع تصدير الثورة الذي أطلقته إيران الخمينية أمام استحقاقات مصيرية، يضع حصاد المرحلة الماضية برمّته في بيدر الصراعات والمساومات المتعددة الدائرة في المنطقة ومآلاتها. والسؤال الذي يطرح نفسه في هذه المرحلة يتحدّد بقدرة إيران الفعلية على التعامل مع هذه المستجدات، وكيف ستواجه استحقاقاتها سياسيًا وعسكريًا في الجبهات المختلفة؟

قد يكون من الصعب التكهن بأن إيران ستختار الانسحاب الممنهج من هذه المواجهات، وتُجنب نفسها أهوال المواجهات الأمنية والعسكرية، مع عدم استبعاد هذا الاحتمال، أو أنها ستُدير معارك محدودة بالوكالة عبر ميليشياتها المنتشرة في أكثر من ساحة وبلد، والأرجح أن التحرك السياسي والمناورات والمقايضات مع هذا الطرف أو ذاك، والمراهنة على عامل الزمن، سيكون سمة الفعل الإيراني، إلا إذا اختارت الأطراف الأخرى، أو بعضها، التصعيد ونقل هذه المواجهات إلى مستوى لا يترك معه مجالًا للتكتيك السياسي و”حذاقة” الإيرانيين، ولترف الزمن المفتوح الذي اعتادوه.

لقد أعلنت الإدارة الأميركية استراتيجيتها الجديدة لمواجهة التمدّد الإيراني في المنطقة، كما أن السعودية وبعض الأطراف المتحالفة معها تزيد في تصعيدها السياسي، وربما أبعد من ذلك؛ كذلك تهديدات “إسرائيل” التي تتذرع بأن أمنها القومي يهدِّده الوجود الإيراني في سورية. ومع هذا كله، لا تزال هذه المعطيات في إطار التصريحات، في الوقت الذي تتقدم فيه إيران عسكريًا في الميدانين العراقي والسوري، وسياسيًا في الساحة اللبنانية، وتعمل على تعزيز وتثبيت إنجازاتها، فهل تندرج هذه السياسة في إطار قرار إيراني بالمواجهة حتى النهاية؟ أم أنها تأتي في إطار تعقيد المهمة أمام الآخرين؟ أم هي تستهدف بالدرجة الأولى تحصين الجبهة الداخلية لنظام الملالي وضبطها في مواجهة تداعيات المرحلة المقبلة؟

 

أولًا: المواجهة الإيرانية مع القوى الإقليمية

يواجه المشروع التوسعي الإيراني، في تمدِّده بصورة مباشرة ونسبية من حيث حدّة المواجهة، ثلاث قوى إقليمية هي “إسرائيل” وتركيا والسعودية، وإذا كانت الجغرافيا وتناقض المصالح والأهداف بين هذه الأطراف، وأيضًا اعتماد إيران في توسعها عمومًا على ميليشيات محلية أو خارجية وعدم الزجّ بقواتها بصورة مباشرة، قد أتاح لها حتى الآن حيزًا واسعًا من المناورة في إدارة معاركها العسكرية والسياسية؛ فإن هذه الحال، إذا كانت تعطيها مدىً زمنيًا، لكنها لا تعفيها من حتمية المواجهة طالما أن الواقع الجيو- سياسي ينحو نحو الاستقرار، وطالما أن إيران ما زالت في نظر جميع المنافسين والمتأذّين من سياساتها مصدر إشاعة للحروب وعدم الاستقرار. فكيف تتجلى مواجهات إيران مع الأطراف الإقليمية على طريق إعادة الاستقرار إلى المنطقة؟

 

1- تركيا

كانت تركيا على الدوام حريصة على علاقاتها العربية، وكثيرًا ما شاركت العرب تنديدهم بالسياسة التوسعية الإيرانية، بل وأعلنت عن استعدادها لمواجهة هذه السياسة، من دون أن يعني ذلك أن تركيا كانت في يوم من الأيام على استعداد للدخول في مواجهة عسكرية مع إيران، فالعلاقات الاقتصادية الإيرانية- التركية في توسع دائم، ولم تلتزم تركيا أي عقوبات دولية على إيران، بل كانت منفذًا إيرانيًا مهمًا للتهرب من ضغوط تلك العقوبات المديدة. بعد الثورة السورية أخذت تركيا موقفًا مغايرًا، واحتضنت اللاجئين السوريين ورعت الكثير من الفصائل المقاتلة في مواجهة الميليشيات الإيرانية التي تُقاتل إلى جانب النظام؛ لكن بعد سقوط حلب نهاية العام 2016 وصفقة المقايضة بين الروس والأتراك التي أتاحت لتركيا أن تتحكم، مقابل حلب، في مثلث (جرابلس– إعزاز- الباب) ضمن عملية درع الفرات التي قطعت الاتصال الجغرافي الكردي بين “مناطقه” الثلاث المفترضة، بدأت العلاقات التركية- الإيرانية تأخذ منحىً آخر؛ فالدولتان شريكتان في مسار أستانا ذي الرعاية الروسية، الذي عقد حتى الآن ستّ جولات تمخضت عما سُمّي بـ (مناطق خفض التصعيد الأربع)، حيث تضمن تركيا وإيران المنطقة الرابعة التي تشمل محافظة إدلب وبعض مناطق من محافظات حلب وحماه واللاذقية، وحيث ضمنت تركيا لنفسها وجودًا عسكريًا مباشرًا في القسم الأكبر من هذه المنطقة.

انبثق مجال آخر من مجالات التلاقي التركي- الإيراني بمناسبة الخلاف الناشئ في الخليج، حيث قاطعت كل من السعودية والإمارات والبحرين ومصر دولة قطر، وتداعت كل من تركيا وإيران للاصطفاف إلى جانب قطر. وإذا كان الموقف الإيراني مفهومًا، فإن اللافت للانتباه هنا، والمثير للتساؤل أيضًا، أن تركيا لم تندفع كثيرًا في تقديم نفسها وسيطًا، وفي إبداء استعدادها لمحاولة إصلاح ذات البين؛ فهل هو خطأ في الحسابات من تركيا، أم إدراك منها بأن مصر والسعودية اللتين تستهدفان (الإخوان المسلمين) لا تستثنيان تركيا من هذا الاستهداف؟

الملف الكردي في دوله الأربع موضع تلاقٍ استراتيجي وقديم بين كل من تركيا وإيران أيضًا، كون الدولتين تعانيان- على اختلاف في الدرجة- من هاجس الاستقلال الكردي. وقد تمظهر هذا التلاقي في الموقف من استفتاء كردستان العراق، الذي أظهر أن علاقات الأكراد مع أي من دول الوجود الكردي، مهما تعمقت، فإنها لن تتجاوز حدود العلاقات العابرة أو العلاقات العامة.

لقد كانت قمة سوتشي التي عقدت في 22 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، وجمعت الرئيسين التركي والإيراني إلى الرئيس الروسي آخر محطات تنامي العلاقات التركية- الإيرانية، وبغضّ النظر عن الهدف الروسي من هذه القمة، إلا أنها تؤشر إلى حرص الطرفين التركي والإيراني على التقارب، خاصة أن القمة حضرها رؤساء أركان الدول الثلاث، كما أن البيان الختامي الذي صدر عن القمة أشار إلى توجيه الرؤساء الثلاثة رؤساء أركانهم واستخباراتهم إلى حشد الجهد لإنجاح مؤتمر”الحوار الوطني السوري” الذي تنوي موسكو عقده في شباط/ فبراير المقبل، بعد أن فشلت محاولتها الأولى لعقده في الشهر الفائت.

تُشير اللوحة الظاهرية من دون لبس إلى زيادة التقارب التركي- الإيراني، أقلّه على الساحتين السورية والعراقية. لكن، في العمق، هل تُعبّر هذه الوقائع عن حقيقة العلاقات بين البلدين؟ وأن ما يجري عبارة عن سياق انسيابي في تطور علاقاتهما؟ أم أن خلف هذه اللوحة يكمن صراع على النفوذ في المنطقة العربية التي يطمع كل طرف منهما في زيادة حصته من غنيمتها بوصفها الطرف الأضعف في العلاقات التبادلية بين الأطراف؟ وفيما إذا كانت توجهات الإدارة الأميركية الجديدة تجاه إيران، وتدهور علاقات تركيا مع حلفائها الغربيين في حلف الأطلسي، يُضاف إليهما المغريات التي تقدمها روسيا إلى تركيا بغية إبعادها عن حلفائها السابقين، والحاجة التبادلية بين الروس والإيرانيين على الساحة السورية، تُشكّل الركن الأساس في هذا المنحى الذي تأخذه العلاقات بين البلدين؟

من جانب آخر، هل يمكن الوقوف عند تصريحات علي أكبر ولايتي من حلب، التي أعلن فيها أن إيران سوف تتوجه إلى الرقة وإدلب بعد انتهاء معارك دير الزور والبوكمال؟ فما صرح به ولايتي لا يمكن اعتباره مجرد تكرار لتأكيد إيران الدائم هدفها في تأمين سيطرة النظام على سائر المناطق التي فقد السيطرة عليها في سنوات سابقة؛ ذلك أن استمرار حكم الأسد يشكل الضمانة الوحيدة لمصالح إيران في سورية، بل يمكن اعتبارها رسالة إلى تركيا مفادها أن إيران غير قابلة بالقسمة التي أقرتها أستانا في جولتها الخامسة، أو ربما تندرج في سياق الابتزاز الإيراني لتركيا لتعديل موقفها من الأسد ورفع يدها عن المعارضة السورية.

كان لافتًا تصريح الرئيس الأميركي في 27 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، بأنه سوف يراجع الخطة الأميركية لتسليح (قوات سورية الديمقراطية- قسد) التي تشكل (وحدات حماية الشعب) الكردية عمودها الفقري، ومع الأخذ في الحسبان أن (قسد) لم تعد في حاجة إلى مزيد من الأسلحة بعد هزيمة (داعش)، ولديها ما يكفيها، إلا أنه قد يكون لفت نظر إلى تركيا بألّا تذهب بعيدًا في علاقتها مع روسيا؛ وإذا ما أخذت تركيا هذا الموقف مدخلًا لإعادة تفعيل العلاقات الثنائية، أو جس نبض الإدارة الأميركية في هذا الاتجاه، فإنه سيكون بالضرورة عقبة في طريق العلاقات التركية- الإيرانية. من جهة أخرى، إلى أيّ مدى ستكون تركيا مستعدة للاصطفاف إلى جانب المحور الإيراني في مواجهة العرب؟

 

2- “إسرائيل”

تعمدت “إسرائيل” منذ بداية الصراع في سورية أن تظهر بمظهر المراقب، لكنها في الواقع كانت أحد المتدخلين بعمق، ومن دون ضجيج، بحيث تتابع كل تطور على الساحة السورية، وكانت مهتمة أيضًا بنجاح الأسد في وأد الثورة السورية؛ وعليه فهي لم تُبدِ أيّ اعتراض على تدخل إيران وميليشياتها الواسع في هذا الصراع، بما فيها حزب الله اللبناني، لكنها وضعت خطًا أحمر وحيدًا هو عدم ترحيل السلاح إلى حزب الله في لبنان عبر الأراضي السورية، وقد نفذت عشرات الغارات الاعتراضية لعمليات نقل السلاح.

بعد التدخل الروسي خريف العام 2015، زار نتنياهو موسكو أربع مرات، وتُشير المواقف الروسية إلى أن تفاهمًا روسيًا إسرائيليًا بمراعاة مصالح “إسرائيل” وهواجسها الأمنية قد تمّ بين الطرفين، وكان أبرز تجلياته في اتفاق خفض التصعيد في المنطقة الجنوبية الذي لم تكن “إسرائيل” بعيدة عنه. هذا الاتفاق الذي تضمن إبعاد المليشيات التي ترعاها إيران حتى عمق 40 كم، لكنه لم ينفذ إلا في حدود 6 كم حتى الآن. ومع نجاح روسيا في تعديل ميزان القوى لمصلحة النظام، وتزايد التمدد الإيراني على الأراضي السورية الذي ترافق مع اندحار (داعش) في معظم المناطق التي كانت تسيطر عليها وما يفرضه هذا التطور من استحقاقات، منها التوجه الدولي للبحث في حل سياسي تؤشر إليه كثرة المؤتمرات حول القضية السورية، ترتفع عقيرة “إسرائيل” بالتصريح بأنها لن تسمح بوجود إيراني على الأراضي السورية بعد أن كانت تحدِّده بالقرب من حدودها.

موقفان صدرا عن “إسرائيل” (عدا عن قصفها المتكرر لمواقع تخصّ حزب الله أو مستودعات أسلحة أو تطوير لها تعود إليه) يُشيران إلى أن مرحلة غضّ الطرف الإسرائيلي عن التدخل الإيراني في سورية أصبح من الماضي ما دام التدخل الإيراني حقق أغراضه الإسرائيلية، أولهما كان في تعليق الحكومة الإسرائيلية على البيان الأميركي- الروسي المشترك على هامش قمة التعاون الاقتصادي بفيتنام في 11 تشرين الثاني/ نوفمبر 2017، حين صرحت “أن مضمون البيان جيد لكنه يفتقر إلى آليات تنفيذية وجدول زمني محدد، وأن “إسرائيل” غير ملتزمة به وسوف تفعل ما يتطلبه أمنها القومي”، الأمر الذي يعني أن ما يخصّ “إسرائيل” من هذا البيان إشارته إلى ضرورة مغادرة القوات الأجنبية الموجودة على الأراضي السورية؛ وثانيهما في تصريح نتنياهو في 28 تشرين الثاني/ نوفمبر مهدِّدًا النظام السوري بضربه إذا وافق رسميًا على إعطاء إيران قواعد في سورية، ويبدو أن هذا التصريح يعود إلى ما أشيع عن طلب إيران من روسيا، أثناء قمة سوتشي الثلاثية، موافقتها على إقامة قاعدة بحرية إيرانية على الساحل السوري، وكذلك القاعدة البرية في منطقة الكسوة.

من جهتهم، يتابع المسؤولون العسكريون الإيرانيون تصريحاتهم التي يريدون من خلالها القول إنهم لا يكترثون باعتراضات الآخرين جميعًا؛ فقد صرح محمد علي جعفري، قائد الحرس الثوري الإيراني، أن القوات الإيرانية والميليشيات التابعة لها باقية في أماكن وجودها، وستتابع مهمتها بمحاربة الإرهاب، وأن سلاح حزب الله غير قابل للتفاوض، ولا يمكن نزعه، في الوقت ذاته الذي يتابع فيه قاسم سليماني استعراضاته مزهوًا بانتصاراته في البوكمال والميادين. لكن اللافت في هذا السياق، سرعة التراجع الروسي عن الاتفاق الأميركي- الروسي المشار إليه أعلاه عندما صرح وزير الخارجية، سيرغي لافروف، بأن الاتفاق “لم يُشر إلى القوات الإيرانية أو الميليشيات التابعة لها لأن وجودها في سورية جاء بناءً على طلب الحكومة السورية الشرعية”، ملمحًا إلى أن المقصود بالقوات الأجنبية هو القوات الأميركية التي لم تدخل بموافقة الحكومة السورية، لا بل زاد مسؤول الشؤون الأمنية والدفاعية في الدوما الروسي واصفًا إعلان البنتاغون أن “القوات الأميركية في شمالي وشرقي سورية لن تغادر بعد اندحار (داعش)، وأنها باقية حتى تحقيق الانتقال السياسي واستقرار الوضع”، بأنه “وقاحة ما بعدها وقاحة”.

من الواضح أن التصعيد الإسرائيلي ضد الوجود الإيراني في سورية تزداد وتيرته في لعبة عضّ أصابع قاسية، لا يُستبعد أن تتطور إلى حرب مباشرة أو غير مباشرة تستهدف (حزب الله). ولا يقتصر هذا التصعيد على التمدد العسكري الإيراني، بل يتجاوزه إلى الملف والاتفاق النووي الإيراني الذي عارضته “إسرائيل” دائمًا في عهد الإدارة السابقة، وتشجع على إلغائه في عهد الإدارة الحالية التي لا تُخفي تذمرها منه.

 

3- السعودية

تشكل إيران بعدوانيتها المعلنة خطرًا وجوديًا بالنسبة إلى دول الخليج عامة، والسعودية على وجه الخصوص، ليس بسبب الجوار الجغرافي فحسب، بل أيضًا لأن إيران تُشكّل جزءًا من النسيج المجتمعي لهذه الدول، وبحكم أنها تُشهر سيفها المذهبي الذي يدين به قسم لا بأس به من سكان هذه الدول، على الأخص في المناطق الشرقية من المملكة السعودية، وأيضًا بحكم الدور الديني الذي تتبوأه المملكة لحيازتها الأماكن الإسلامية المقدسة في مكة والمدينة.

لم تُفد التفاهمات الإيرانية- السعودية على مدار العقدين السابقين في تطوير علاقة إيجابية بين البلدين. وجلّ ما فعلته أنها أخّرت الصدام، وضبطت الصراع في لبنان. ثم جاء التدخل الإيراني المُعلن في سورية منذ العام 2012، ثم التمدّد الحوثي عام 2014 بدعم من إيران وحزب الله اللبناني على معظم الجغرافيا اليمنية بالتحالف مع علي عبد الله صالح الذي انقلب على الحل الخليجي في اليمن، ليضرب في الحديقة الخلفية الهشة للمملكة، ويدفعها إلى شن عاصفة الحزم، ولتدخل، من ثمّ، حربًا لم تنته حتى الآن، ليس بسبب الدعم الإيراني المتواصل فحسب، بل أيضًا لأن القوى الدولية المؤثرة لا تريد للصراعات المتعددة المواقع والأوجه التي تفجرت في المنطقة مع مطلع هذا العقد أن تنتهي قبل أن تؤمن من ورائها مصالحها.

لقد استفزت إيران البلدان العربية بإصرارها على مشروعها التوسعي عبر ميليشياتها المنتشرة في المنطقة العربية شرقي المتوسط من ضمن سعيها للهيمنة عليها؛ وربما تكون السعودية الهدف الأبرز في المشروع الإيراني بعد السيطرة على العراق وسورية واليمن والتحكم في لبنان، لهذا ليس من المبالغة القول إن السعودية تشعر أنها أمام مواجهة مصيرية ومحتومة مع المشروع الإيراني الذي لا يُخفي نياته وأهدافه، وما زاد من حالة الخوف والإرباك عند السعوديين، ما لاقَوه في عهد الإدارة الأميركية السابقة من تجاهل لقلقهم وهواجسهم، في وقت كانوا يعتبرون أنفسهم أصحاب أقدم وأرسخ تحالف استراتيجي مع أميركا؛ وهذه الحالة السعودية يمكن تلمسها من اضطراب علاقاتها وتأرجحها، بل وضبابيتها، مع كل من تركيا ومصر وروسيا، فهي لم تعد مطمئنة لتحالفها الخليجي، ولم يعد بإمكانها الاعتماد على حليفها التاريخي باكستان، ولا السودان ولا غيرهما، وربما تبين لها بالملموس أن أغلب الدول القريبة منها لن تذهب بالعلاقة معها في مسارات مُكلفة. من هنا يمكن أن يفهم المتابع التقلبات غير المعهودة في السياسة السعودية، من انفتاحها غير المشروط على العراق، والاندراج مع التوجه الدولي في سورية، والتغيرات الداخلية التي انقلبت على كل ما وسم الحالة السعودية المحافظة، ومحاولة ضبط وضع السلطة ومركزتها، على خطورة ما تحمله هذه التوجهات على وضعها الداخلي. لكن يبدو أن هذه الإجراءات الجديدة، ببعديها الداخلي والخارجي، يمكن إدراجها في سياق الاستعداد للمواجهة.

يذهب البعض إلى الاستنتاج بناءً على بعض التصريحات أو التوجهات والوقائع التي طرأت في الأشهر الأخيرة، ومنها زيارة ترامب مطلع الصيف الماضي للرياض، وما يُشاع عن صفقة لحلّ الصراع الفلسطيني- الإسرائيلي، أن المملكة باتت أكثر استعدادًا للتحالف مع “إسرائيل” في مواجهة إيران. لكن السؤال الذي يطرح نفسه هو هل تستطيع المملكة الذهاب في هذا الطريق حتى آخره على افتراض صحة ما يشاع؟ الجواب المُرجّح لا، ولن تستطيعه لأن كلفته أكبر من طاقتها على تحمّله، كما أنه ليس من مصلحة أميركا و”إسرائيل” دفعها في هذا الاتجاه عند هذه العتبة من الصراع العربي- الإسرائيلي. قد تكون هناك تسهيلات اقتصادية، أو أن تساعد السعودية مع أطراف عربية أخرى في إنضاج حل للمسألة الفلسطينية- الإسرائيلية، فيما إذا كانت الولايات المتحدة جادة في هذا الأمر، وهذا غير متوقع وغير مضمون. لكن، يُمكن التكهن بأن السعودية لن تضيرها حرب إسرائيلية جديدة ضد إيران في سورية أو ضد حزب الله في لبنان، علمًا بأن هذا، إن حدث، لن يكون في مصلحة العرب، وسينعكس مزيدًا من الدمار والضحايا بحق الشعبين اللبناني والسوري.

 

4- لبنان

لقد فرضت الجغرافيا على لبنان الصغير والضعيف أن يكون ساحة لصراعات الآخرين، فمنذ الحرب الأهلية والدخول السوري الذي هيمن على البلد بصورة كاملة بعد اتفاق الطائف، لدرجة عرَفه معها اللبنانيون بـ (نظام الوصاية السوري) الذي استمر حتى العام 2005، ليتم بعد ذلك تجيير تلك الوصاية إلى (حزب الله) الذي رعته وكبرَته الوصاية السورية. وبعد اجتياح بيروت في 7 أيار/ مايو عام 2008، بات (حزب الله) بصورة علنية صاحب الكلمة الأولى في لبنان، يُقرر مصير الحكومات والرئاسة ويستحوذ قرار السلم والحرب، ليس أدل على ذلك من شغور موقع الرئاسة لمدة أكثر من سنتين بسبب إصراره على فرض مرشحه وحليفه ميشيل عون؛ إلا أن أبرز مظاهر السيطرة التي يفرضها (حزب الله) على لبنان خروجه على الإجماع اللبناني في بيان بعبدا الذي التزم فيه لبنان سياسة النأي بالنفس تجاه الصراع الدائر في سورية، فقد تدخل (حزب الله) في سورية بكامل قوته وبات أكبر ذراع إيرانية في هذا الصراع، وخسر المئات من عناصره وعشرات القياديين من الصف الأول في قواته.

قبل عام ارتكب زعيم تيار المستقبل وبعض حلفائه في حركة 14 آذار، بالتنسيق مع حليفتهم السعودية، خطًأ من الصعب تبريره. كان ذلك عندما عقد الحريري صفقة مع ميشيل عون تضمنت ترئيس عون للجمهورية وسعد الحريري للوزراء اعتمادًا على كلام بأن يلتزم (حزب الله) بيان بعبدا وسياسة النأي بالنفس. لكن الوقائع سارت كما هو متوقع على عكس نيات الحريري والسعودية. وتأكد أن كل ما كان يريده (حزب الله) من هذا الاتفاق هو إيصال عون للرئاسة. فهو لم يلتزم البيان الوزاري، ورفع مستوى تدخله في سورية، وبات يتبجّح علنًا بتدخله في اليمن والعراق والكويت. كذلك لم يلتزم الرئيس بما وعد به، بل زاد في منافحته عن (حزب الله) وممارساته، في وقت تشتدّ فيه العقوبات الأميركية على الحزب بعد تصنيفه على قائمة الإرهاب، وتاليًا على الاقتصاد اللبناني. كما أخذت تتصاعد التهديدات الإسرائيلية للبنان بحجة الحزب، بالدرجة ذاتها التي تحتدّ فيها المواجهة السعودية- الإيرانية، خاصة بعد الصاروخ الإيراني الذي أطلقه الحوثيون على الرياض.

بغضّ النظر عن الملابسات الإجرائية والبروتوكولية غير الملائمة بطريقة استدعاء الحريري إلى الرياض، وإعلان استقالته منها، فإنها تؤشر على أن لبنان على فوهة بركان لن يتورّع (حزب الله) وداعموه في حلف “المقاومة” عن تفجيره، غير عابئين بمصير اللبنانيين ولا بخياراتهم. لكن كان لافتًا سرعة تدويل استقالة الحريري وعودته عبر فرنسا ومصر وقبرص إلى بيروت وتريثه في تقديم الاستقالة، لإتاحة المجال للمزيد من المشاورات للخروج من المأزق الذي وُضع فيه لبنان نتيجة التدخلات الإيرانية وممارسات (حزب الله)، مشاورات يعرف الجميع نتيجتها مسبقًا، وهي تندرج، بالنسبة إلى الحزب وحلفائه، في سياسة كسب المزيد من الوقت حتى موعد الانتخابات البرلمانية المقبلة.

 

ثانيًا: المواجهة الإيرانية مع الولايات المتحدة وروسيا

يكثر الحراك الدولي والمؤتمرات والمبادرات حول القضية السورية، في محاولة لإيجاد حلّ سياسي للصراع الدائر في سورية وعليها منذ سبع سنوات، مع هول الفظائع والضريبة الإنسانية الكبيرة التي رافقته. يبدو هذا الحراك طبيعيًا ومتوقعًا بعد الهزائم التي لحقت بـ (داعش)، وبعد أن أوشكت “الحرب على الإرهاب” في العراق وسورية على أن تضع أوزارها. لكن الجميع يُدرك أن الصراع في سورية لن يتوقف قبل أن يحصل تفاهم دولي، وتاليًا إقليمي، على مندرجات هذا الحل، فهل تتوافر الشروط الموضوعية لحصول هذا التوافق؟

وبما أن الحاسم في هذا السياق حصول تفاهم أميركي- روسي، يذهب الكثير من المحللين والمتابعين إلى أن تفاهمًا أو اتفاقًا، بحدود ما، قد حصل؛ لا بل يذهب البعض إلى أن هناك تلزيمًا أميركيًا لروسيا بإنجاز هذا الحل، فهل هذا الاستنتاج واقعي؟ إن الوقائع على الأرض، وهذيان التحركات الروسية التي تستعجل حلًا، لا تشير إلى حصول مثل هذا الاتفاق. وما يزيد من حالة الإرباك وعدم اليقين تعمّد الولايات المتحدة عدم الإفصاح عن استراتيجيتها في سورية، إضافة إلى التناقض بين تصريحات مسؤوليها وبين الممارسة التي تُبديها على أرض الواقع. فعلى سبيل المثال، في الوقت الذي تُعلن فيه الولايات المتحدة عن أنها سوف تدعم مسار جنيف، وأن المسار الأممي هو الوحيد المخول في الوصول إلى حلّ، تتقافز روسيا من مؤتمر أستانا إلى قمة سوتشي الثلاثية التي أرادت منها الاستقواء بالموقفين التركي والإيراني، ثم تصرّ على دعوتها ممثلي “الشعوب السورية” إلى مؤتمر تعمل على تنظيمه في سوتشي، والذي جرى تعديل عنوانه بعد ذلك ليصبح “مؤتمر الحوار الوطني السوري”.

تُدرك روسيا أنها لن تستطيع فرض حلّ في سورية يتوافق ورؤيتها، إلى هذا الحد أو ذاك، دون مشاركة أو قبول الأطراف الدولية الفاعلة، وفي مقدمتهم الولايات المتحدة. ولو حصلت روسيا عل مثل هذه المشاركة أو القبول لما احتاجت إلى إيران ولا إلى تركيا. ومادام الأمر كذلك، فعلى ما يبدو أن روسيا تعتقد أن مراكمة الإنجازات الصغيرة قد تتحول نوعيًا إلى إنجازات كبيرة وحاسمة، وهذا ما لا تُتيحه تعقيدات الصراع السوري.

تعمل أميركا على إخراج الأطراف الإقليمية المتدخلة في الصراع السوري أو على الأقل تحجيم دورها فيه، لذلك تزيد في الضغط على إيران بزيادة العقوبات أو بالتهديد بفسخ الاتفاق النووي أو حتى التهديد بعمل أمني وعسكري، وبالمثل أغرقت السعودية في التركيز على الملف اليمني، في الوقت ذاته الذي لا يطمئن فيه الأتراك إلى الموقف الأميركي الذي يسدّ أمامهم باب الحوار أو يحول دون تفهم هواجسهم الكردية أو الداخلية؛ في حين تحاول روسيا ضبط التوازنات بين الأطراف الإقليمية المتحالفة أو المتوافقة معها، لكن من المشكوك فيه أن تنجح في هذا المسعى نظرًا إلى اختلاف المصالح والأهداف بين هذه الأطراف، ومن ذلك عدم رضا إيران عن الوجود التركي في شمالي سورية.

من جهة أخرى، فإن التناحر الروسي- الأميركي وصل إلى ذروته في مجلس الأمن، وكانت آخر جولاته اضطرار روسيا إلى استخدام الفيتو مرتين خلال يومين متتاليين، قضت فيهما على عمل الآلية المشتركة المكلفة بالتحقيق في استخدام الأسلحة الكيماوية في سورية من أجل تجنيب النظام فيها الإدانة أو المحاكمة، غير عابئة بما سوف يترتب من جراء ذلك على الأمن والسلم الدوليين، وعلى مبدأ حظر انتشار هذه الأسلحة!؟ وقد ظهرت كدولة معزولة في المجتمع الدولي لا تحترم امتياز ومسؤولية حقّ النقض الذي تتمتع به.

لقد حدّد الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، هدفين رئيسين للتوجهات الأميركية الراهنة تجاه سورية هما: الأول، تأكيد عدم عودة الإرهاب، وهذا يعني في القاموس الأميركي وجود قوات أميركية على الأرض لرعاية مصالح أميركا وضمان أمن حلفائها المحليين؛ والثاني، خروج جميع القوات الأجنبية من الأراضي السورية، والمقصود بها الميليشيات التابعة لإيران. فهل يفيد الالتفاف الروسي بالقول إن المقصود بالقوات الأجنبية هي القوات الموجودة من دون موافقة الحكومة السورية؟ وإذا حصل حلّ سياسي وتوقف الصراع فما لزوم وجود قوات أجنبية في سورية بما فيها الروسية والأميركية؟ وهذا استعصاء آخر في المنطق الذي تفسر فيه كل من الدولتين الوقائع السياسية.

من المؤكد أن إيران سوف تكون حريصة على تحالفها مع روسيا كي تشكل لها مظلة حماية في مواجهة التهديدات التي تواجهها، لكن هذا الحرص سيبقى مرهونًا بالحدود التي لا تتهدد فيها المصالح الإيرانية في سورية التي استثمرت إيران فيها كثيرًا، عندها سوف تفترق الدولتان، وهو الأمر الذي ما زال بعيدًا في ظلّ المعطيات القائمة.

بالمثل، سوف تتجنب إيران المواجهة مع أميركا، ما لم تُفرض عليها. لكن، قد تدور معارك بالوكالة بين كلا الطرفين، وقد تأخذ زمنًا مديدًا، وهذا يُدلل مرة أخرى على أن الحلول المنشودة ليست في أمر اليوم، ولا يمكن تصور المشهد النهائي الذي سترسو عليه الوقائع وخرائط النفوذ في منطقة حساسة وتعاني من فراغ استراتيجي قاتل، وسوف تحرص الأطراف المتصارعة جميعها على حجز مكانة لها تضمن بها مصالحها الحيوية، وليس من الضروري أن يتطابق حساب الحقل مع حساب البيدر لدى كل الأطراف.

 

ثالثًا: خاتمة

لقد تمدّدت إيران بدفع من وهم تصدير الثورة أكثر من قدرتها، مستفيدة من التغاضي الأميركي بعد غزو العراق، وتجاوب قسم من (الشيعة) العرب مع المشروع الإيراني التوسعي المغطى بمظلومية مذهبية تتذرع بمقاومة الإمبريالية الأميركية و”إسرائيل” عبر حربها اللامتناظرة، وعبر تشكيل وتدريب وتسليح ميليشيات علنية عديدة في العراق ولبنان واليمن، وأخرى مستترة في أكثر من دولة. واستغلت حالة الانفجار التي شهدتها أكثر من ساحة عربية لتزجّ بهذه الميليشيات في أتون الصراع التي أصبحت رقمًا في معادلاته لا يمكن تجاهله. لكن يبدو أن هذا التمدد الإيراني وصل إلى نهايته. فإذا كانت إيران قد ثبتت وجودها في دولتين هما العراق ولبنان، فإن وجودها في سورية واليمن ما زال معلقًا، وباتت تواجه ضغطًا أميركيًا وتهديدًا إسرائيليًا واستنفارًا عربيًا، وبواكير انقلاب في المزاج الشيعي العربي ضد سياساتها؛ وهذه التطورات تدفع إيران للتفكير جديًا في سبل المواجهة التي لا تستطيع الانسحاب منها، كما تُشير دلائل كثيرة إلى أن نظامها لا يريد مثل هذا الانسحاب كي لا يكون مضطرًا إلى المواجهة في الداخل؛ وإذا كان اختيار المواجهة سيكلفها كثيرًا، فليس هناك من سبيل أمامها لتفاديها إلا عبر تبريد الصراعات والإسهام في إيجاد حلول سلمية لها؛ مع التنويه بأن لا تؤخذ تصريحات المسؤولين الإيرانيين على محمل الجدّ، وأن لا تُعتبر مواقف سياسية نهائية، فالإيرانيون يعتمدون سياسة حافة الهاوية وتوزيع الأدوار.

من جهة أخرى، ليس من مصلحة العرب نشوب صراعات جديدة في هذه المنطقة التي أنهكتها الحروب. وأي صراعات جديدة سوف يكونون هم وقودها وضحاياها من دون عائد يذكر لهم، خاصة أن أميركا لا تنوي، حتى الآن، الزجّ بقواتها في هذه الميادين المشتعلة.