أي مناقشة في الموضوع الإعلامي تعدّ من أكثر الموضوعات الشائكة، ولا سيما في هذا الوقت، لما للإعلام من تأثير قوي في مجريات الحوادث في  المستويات كافة؛ السياسية منها والاقتصادية والعسكرية وحتى المعيشية.

وهنا لا بد أن نعترف أن المنظومة الإعلامية مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالمنظومة الاقتصادية بل تعدّ المنظومة الاقتصادية للعلم (الاقتصاد هو من يقود السياسة والعسكرة ويحركهما.. إلخ) وهي الموجه الرئيس للإعلام بأركانه كلها، قبلنا بهذا أم لم نقبل فهذه حقيقة يجب التسليم بها.

حتى إننا نشاهد أحيانًا أن الإعلام في كثير من المواقف والمنابر يتحول إلى إعلان أو ترويج لسلعة ما أو سياسة ما أو أيديولوجيه يُراد منها الوصول إلى غايات تصب في النهاية في مصلحة المنظومة الاقتصادية المتحكمة والمسيطرة على الأمور السياسية او العسكرية والفكرية والاجتماعية والتربوية التعليمية كلها.

وإن رأيناها بلبوس سياسي أو إعلامي والأمثلة كثيرة بل أكثر من أن تُذكر في ندوة، وعلى سبيل المثال نرى نقل حدث ما في مكان ما مرتبط بسياسة أو موقف الممول من هذا الحدث، فيصاغ الخبر بطريقة تتواءم مع سياسة الجهة الممولة ونهجها، وإن ادعت هذه الجهة أو تلك الحيادية في النقل فهذا فيه شيء إن لم نقل كثير من الاستخفاف بعقولنا نحن المتلقين. ليظهر لنا خبر الحدث نفسه بتاريخه ومكانه مختلفًا، وأحيانًا متناقضًا بين هذه الجهة أو تلك، وهذا بطبيعة الحال يكون على حساب مهنية الإعلام بوصفها أمانة لاتخلو من التدليس وتجاوز حق المتلقي في المعرفة والاطلاع بتجرد.

إن أردنا توجيه دفة الإعلام إلى حيث يجب أن تكون بكل حيادية وأمانة وبتجرد بعيدًا عن سطوة المنظومة الاقتصادية، لا بد لنا من إيجاد أحد أمرين اثنين:

1 – إيجاد مؤمنين بفكر الإعلام بوصفه رسالة وحقًا من داخل المنظومة الاقتصادية وهذا لا يمنع أن تكون المنابر الإعلامية إحدى سبل الكسب ولكن ليس على حساب الرسالة.

2 – تحرير وسائل الإعلام من سطوة المنظومة الاقتصادية (السياسية) عبر الدول أو رجال أعمال يمتهنون الإعلام أو يؤمنون به رسالة مهمة..

 

أدوات الاعلام

كأي مهنة لها أدوات كذلك للإعلام أدواته، فهناك أدوات مادية لا بد من تأمينها لتكون أساس انطلاق، وهناك أدوات فكرية، وهي الرسالة الأهم أي الموضوع أو سياسة الإعلام.

لا داعي أن نذكر لكم أدوات الإعلام المادية، مثلًا في التلفزيون أنت بحاجة إلى المبنى واستديو وكاميرات وأدوات إنتاج وإضاءات وما إلى ذلك؛ إضافة إلى العنصر البشري.

 

أما الأدوات الفكرية أو سياسة الإعلام ونهجها، فالإعلام يقوم على نقاط أساسية عدة بغض النظر عن المضمون وهي كالآتي:

  • الموضوع
  • الشريحة المستهدفة
  • الهدف من الطرح
  • ردات الفعل بعد الطرح وتلافي الزلل
  • متابعة الموضوع
  • استخلاص النتائج

وبتفصيل هذه النقاط وشرحها يمكننا أن ندخل إلى حيث الرؤية أو دور الإعلام في تسويق شكل الدولة المستقبلي.

  • الموضوع: ولنأخذ مثالًا شكل أو أشكال الدولة في سورية بحسب الطروحات على الأرض اليوم من مثل الفدرالية أو اللامركزية أو غيرها من الطروحات.
  • الشريحة المستهدفة: لنقل إنها الشعب السوري بمشاربه الدينية والمذهبية والعرقية كلها، وهنا لا بد من معرفة ثقافة الشريحة المستهدفة، ومدى تقبلها لهذا الطرح أو ذاك بناء على معتقدات هذه الشريحة من معتقدات دينية وعشائرية وأخلاقية وعادات وتقاليد بحث لا نقدم ما هو مخالف لهذه التوجهات والمرتكزات الاجتماعية، وأن يكون الطرح ضمن الأطر والمحددات لهذا المجتمع فكلنا يعلم أن نابليون بونابرت عندما دخل مصر وخطب بشعب القاهرة، وهو العلماني الملحد بدأ خطابه بسم الله الرحمن الرحيم، وتلا آيات من القرآن لإدراكه ثقافة المجتمع، ومحاولة للتقرب منه، أي إن أي طرح صادم ومخالف لمعتقدات الشعوب والمساس بثوابتها يكون الموضوع أو الوقوف مع هذا الموضوع ضربًا من ضروب الانتحار الإعلامي والسياسي والاجتماعي، وفي الوقت نفسه إن كان هذا الموضوع مخالفًا فإن الوقوف الإعلامي ضده يقربك من هذه الشريحة، ويجعل منك مرجعًا، هنا رب قائل يقول: ولم لا نحاول تطوير المجتمع بتقبل أفكار جديدة كون العالم في تطور، وهذا كلام مهم، ولهذا أقول:

لايمكن أن تجابه معتقدات الناس أو حتى تمسها بأسلوب إعلامي إلا إن كنت راغبًا في أن تكون إعلاميًا من مثل شادي الحلوة أو منبرًا كقناة الدنيا وقناة الجديد مأجورًا ليس إلا.

فعلى سبيل المثال ترى عشرات القرى السورية (العربية) تُزال عن وجه الأرض، وهناك أكثر من 250 ألف كردي سوري هُجِّروا إلى العراق وأكثر من 100 ألف هُجّروا بلاعودة إلى أوروبا من ميليشا الـ PYD ، وتقول إنها حرب تحرير فهذا اسمه نفاق، وليس إعلامًا، ونحن نتحدث عن المهنية والصدقية.

مثال آخر؛ عندما نود طرح موضوع الفدرالية أو اللامركزية فهنا لا بد أن نعي تمامًا الثوابت أو المرتكزات التي تقوم عليها أي فدرالية، فهل يجوز إقامة فدرالية على أساس عرقي في منطقة لا يتجاوز عدد المطالبين بها نسبة ربع سكان المنطقة، فهذا منطقيًّا يجب أن يؤخذ إعلاميًّا وبحياد من باب التهجير أو التغيير الديمغرافي القسري على حساب الأكثرية من أبناء المنطقة.

وعلى الإعلام أن يتعاطى مع هذا الأمر من باب أخلاقيات المهنة أولًا، ومن باب الأخلاقية الوطنية ثانيًّا، بأن الفدرالية موضوع صادم للمجتمع السوري وغير قابل للعيش، في حين إن هناك أدوات وسبلًا أكثر نجاعة وأسهل تطبيقًا وأقرب إلى موافقة المجتمع السوري وواقعه؛ ألا وهو موضوع المجالس المحلية لمرحلة انتقالية ريثما نصل إلى الاستقرار بجوانبه كلها.

  • الهدف من الطرح: وهذا يتوقف على موقف من الموضوع هل أنت مع أو ضد، إن كنت مع فعليك تقديم براهين مقنعة بثوابت وتوثيقات تستند إلى التوثيق لما يجري والتوثيق التاريخي لهذا الموضوع، ووقوفك مع الموضوع أو ضده لا يخولك اعتماد البروبوغندا أو التلفيق لإثبات ما تريد الوصول إليه وتطلب نتائج إيجابية، فهذا العمل كمن يحصد الهواء، وإن وصل في بعض الأحيان إلى بعض حدود النجاح.
  • ردات الفعل بعد الطرح وتلافي الزلل

لايوجد إجماع على أي طرح بالمطلق حتى الرسائل السماوية هناك من ينكرها أو يخالفها، وهنا أعني الثقافة الجمعية للشريحة المستهدفة وقراءة ردات فعلها حول طرح الموضوع، وتحليل ما طُرح ومحاولة الوقوف عند الزلات ومحاولة تلافيها ما أمكن.

  • متابعة الموضوع

لا بد لأي طرح أو موضوع تريد الوصول به إلى الغاية المرجوة لا بد من المتابعة والتحليل وقراءة ردات الفعل والتعاطي مع المستجدات المتعلقة بهذا الموضوع.

  • في النهاية ل ابد من استخلاص النتائج من الموضوع المطروح، ومراقبة النتائج التي أحدثها طرح هذا الموضوع لتسجله في قائمة نجاحاتك أو فشلك.