المحتويات

مفهوم اللامركزية السياسية أو الفدرالية

نشأة اللامركزية السياسية أو الفدرالية

أسباب ظهور النظام الفدرالي

الفرق بين اللامركزية السياسية واللامركزية الإدارية

هل يصلح نظام اللامركزية السياسية لسورية المستقبل

 

 

بداية لا بد من الإشارة إلى أن مصطلح اللامركزية السياسية هو المصطلح المرادف للفدرالية، ويقال إن الفدرالية كلمة لاتينية مؤلفة من كلمتين؛ فيديرا وتعني الثقة، وفويدوس وتعني الاتحاد، وفي جمع الكلمتين نحصل على ما يسمى باتحاد الثقة، لذلك يرى كثيرون أن الفدرالية تعني الاتحاد وليس التقسيم أو التجزئة، ثم إن مصطلح اللامركزية السياسية لم يذكر في مختلف الوثائق الأممية أو التجارب الدولية السابقة لذلك استند كثير من الباحثين في تعريف اللامركزية السياسية على الفدرالية، وأن لهما الدلالة والمعنى نفسيهما.

 

مفهوم اللامركزية السياسية أو الفدرالية

يعرف وليام ريكر الفدرالية بأنها التنظيم السياسي الذي يقسم فيه نشاط الحكومة بين الحكومات الإقليمية والحكومة المركزية بالطريقة التي يكون فيها أي نوع من الحكومات يملك يعض النشاط الذي يتخذ بشأنها القرارات الحاسمة. ويعرف نصر عبد المعز في كتابه النظريات والنظم السياسية الصادر عام 1973 أن الفدرالية هي التدبير السياسي الذي يقصد به التوفيق بين الوحدة القومية والمحافظة على حقوق الأقليات والمقاطعات والأقاليم.

عمومًا يرى كثير من الباحثين أن اللامركزية السياسية أو الفيدرالية نظام قانوني وسياسي يضمن مشاركة سياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية في السلطة ويشترط لنجاح ذلك تنظيم عقد اجتماعي وطني اختياري بين مختلف مكونات المجتمع في الدولة الاتحادية سواء كان الاختلاف عرقيًا أو قوميًا أو دينيًا أو مذهبيًا، ومهما تعددت الثقافات فإن النظام الاتحادي ينظم هذا الارتباط بين الأقاليم وفق دستور اتحادي يوزع السلطات ويحددها التي تخص المركز من جهة والتي تمنح للأقاليم من جهة أخرى.

إن اللامركزية السياسية تمنح هامشًا واسعًا للمشاركة في صنع القرار السياسي واتخاذ القرارات وتوزيع السلطات والثروات والصلاحيات بما يحقق المصالح المشتركة لكل أقاليم الدولة الاتحادية وفق الدستور أولًا والقوانين الفدرالية أو المحلية ثانيًا، ثم إن اللامركزية السياسية تعني توزيع السيادة الداخلية بين الدولة الاتحادية والأقاليم التابعة لها، إذ تحتفظ الدولة الاتحادية ببعض الحقائب السيادية لنفسها كالدفاع والسياسة الخارجية والعلاقات والاتفاقات الدولية، وبالمقابل تمنح الأقاليم سلطات تشريعية وتنفيذية وقضائية ينظمها دستور محلي لكل إقليم شرط عدم التعارض مع الدستور الاتحادي.

إن فكرة الدولة الفدرالية أو اللامركزية السياسية تبنى على حقائق عدة، وهي ثنائية المجالس التشريعية، وثنائية السلطة التنفيذية والقضائية، وثنائية السلطة المركزية والسلطات المحلية في الأقاليم، وثنائية الدستور الاتحادي والإقليمي، ويرى بعضهم أن الفكرة تقوم على أساس عنصرين متناقضين وهما الاستقلال الذاتي والاتحاد.

 

نشأة اللامركزية السياسية أو الفدرالية

ظهرت الفدرالية في مسارين مختلفين:

  • تفكك دول بسيطة موحدة إلى أقاليم عدة لأسباب مختلفة منها الحروب أو اختلاف الثقافات والانتماءات العرقية أو المذهبية ما فرض اللجوء إلى دستور اتحادي يعيد تجميع هذه الأقاليم في دولة اتحادية، وهو ما حدث في البرازيل في عام 1891 والأرجنتين عام 1857 وحديثًا تشيكوسلوفاكيا في عام 1969.
  • الاتحاد الطوعي بين ولايات أو أقاليم منفصلة إداريًّا كما حدث في الولايات المتحدة الأميركية في عام 1787، والاتحاد السويسري في عام 1848، وغيرهم كثير من دول العالم.

 

أسباب ظهور النظام الفدرالي

  • بعض الدول كانت تعاني المساحات الكبيرة لحدودها الجغرافية مثل الولايات المتحدة الأميركية والبرازيل وروسيا، ما جعلها تفضل النظام الفدرالي لتخفيف العبء عن المركز، وتمكينه بناء دولة قوية، فمنحت الأقاليم صلاحيات تشريعية وتنفيذية وقضائية، ما يسمح لها بإدارة شؤونها الداخلية بالتوافق مع قوانين السلطة الاتحادية وتوفير الضمانات كافة في المساواة والتوزيع العادل للثروات بين هذه الأقاليم.
  • تنوع القوميات والأعراق في بعض الدول دفع باتجاه النظام الفدرالي أو اللامركزية السياسية، وقيام اتحاد فدرالي بين القوميات والأقليات لضمان العيش المشترك ضمن دولة واحدة والمحافظة على الخصوصية القومية أو الدينية أو الثقافية ومثال هذه الدول كندا والهند والعراق.

 

الفرق بين اللامركزية السياسية واللامركزية الإدارية

هناك اختلاف كبير بين اللامركزية السياسية واللامركزية الإدارية وهو:

  • اللامركزية السياسية تمنح استقلالًا ذاتيًا للإقليم سياسيًّا واقتصاديًّا واجتماعيًّا وثقافيًّا في المساحة الجغرافية التي تتبع له وفق دستور محلي ينظم هذه الأمور كافة، ولا يتعارض مع الدستور الاتحادي، أما اللامركزية الإدارية تمنح تفويضًا إداريًا للسلطات المحلية يقتصر على أمور مالية وإدارية محددة معظمها يتعلق بالخدمات.
  • اللامركزية السياسية توجد في الدولة الاتحادية أو المركبة، أما اللامركزية الإدارية توجد في الدولة الموحدة والاتحادية.
  • اللامركزية السياسية تعطي الحق في تطبيق قوانين خاصة أصدرتها السلطات التشريعية المحلية، أما اللامركزية الإدارية تخضع للقوانين نفسها المطبقة في أنحاء الدولة كافة.
  • اللامركزية السياسية تحد من رقابة السلطات المركزية أو الاتحادية على الأقاليم إلا ما هو مسموح به في الدستور الاتحادي، اللامركزية الإدارية تسمح برقابة كاملة للسلطات المركزية على مختلف الإدارات المحلية.
  • اللامركزية السياسية تستمد قوتها من الدستور الاتحادي، إذ تضع بعض الدول شروطًا قاسية لتعديله أو الخروج عليه، وهذه الصعوبة تواجه الطرفين؛ السلطات الاتحادية والمحلية، أما اللامركزية الإدارية يمكن تغيير شروط تطبيقها أو تعديلها بالقوانين العادية التي تصدر من السلطات المركزية.

 

هل يصلح نظام اللامركزية السياسية لسورية المستقبل؟

تنوعت مطالب السوريين حيال رؤيتهم لسورية المستقبل واختلفت بحسب الانتماءات السياسية والقومية والمذهبية، فبعضهم أراد دولة علمانية والآخر إسلامية والثالث مواطنة، وبعض الطيف السياسي الكردي انحاز إلى اللامركزية السياسية، وهناك كثير من الوثائق السياسية التي تشبه بعضها في المضمون وتختلف في حواملها، هذه الشعارات جميعها فقدت وزنها وقيمتها مع مرور الزمن، لأن القائمين عليها استخدموها لبث الخلافات بين السوريين، وتجنبوا أو لنقل تهربوا من البحث عن المشتركات والعمل على بلورتها في رؤية وطنية سورية جامعة.

يشير بعض الكرد السوريين في نظرتهم إلى اللامركزية السياسية بوصفها نوعًا ناجحًا من أنظمة الحكم، وهي سمة بارزة في الأنظمة الديمقراطية إذ تمنح فضاء أوسع لممارسة الحريات والمشاركة الفاعلة في السلطة السياسية والإدارية والاجتماعية والثقافية، وإن عقلية النظام المركزي الاستبدادي انتهت مع ثورات الربيع العربي، وحان الوقت لتغيير تركيبة الحكم الشمولي وآلياته باتجاه اللامركزية السياسية والتخلص من الرقابة والوصاية الجبرية المفروضة من الإدارة المركزية وإنهاء التفرد بالسلطة وفتح الأبواب أمام الأفراد والجماعات القومية والإثنية في المجتمع للمشاركة الديمقراطية في الحكم، وبلوغ الحكم الرشيد، وتحقيق العدالة في توزيع الثروات والموارد على الأقاليم.

يبرر الكرد ذهابهم بهذا الاتجاه على أنه نتيجة طبيعية لمعاناة طويلة مع أنظمة الاستبداد، وشعورهم بالاضطهاد المزدوج الاستبدادي العام الذي طال أطياف الشعب السوري كلها، والعنصري الخاص المتمثل بإنكار وجودهم بوصفهم قومية تعيش على أرضها ضمن الدولة السورية والتمييز بينهم وبين القوميات الاخرى.

ومن جانب آخر ربما يشكل غياب الحل لبعض عناصر الأزمة المجتمعية الداخلية وعدم بيان حواملها ومدى القدرة على تجاوزها سببًا إضافيًّا في مطلب اللامركزية السياسية، وأبرزها:

  • مسألة الحقوق سواء كانت قومية أم إثنية أم دينية فهي الجسر الذي ينقل الفرد أو الجماعة من ضفة العداء للدولة إلى ضفة الاندماج مع الدولة، وحل هذه المعضلة يعزز الشعور بأنه جزء من المشروع الوطني السوري.
  • كيفية التخلص من ثقافة الاستبداد المجتمعية والانتقال بالمجتمع إلى ثقافة المشاركة وقبول الآخر وممارسة الديمقراطية عن وعي وثقافة والتزام كامل بالأنظمة والقوانين، وتداول طبيعي وسلس للسلطة سواء كانت لامركزية سياسية أم لا مركزية إدارية.
  • عدم وجود عقد اجتماعي سوري لا يستثني أحدًا، ويكون صالحًا للبناء عليه في تحديد شكل الدولة المقبل.

ولتسليط الضوء أكثر على اللامركزية السياسية أو الفدرالية لا بد من تناول المثال الأقرب إلى السوريين، وهو الذي جرى في العراق بعد سقوط النظام السابق، وأظن أوجه التشابه بين الوضع في العراق وسورية كبير جدًّا من حيث نظام الحكم والأيديولوجيا، والتركيبة الاجتماعية أيضًا مع بعض الاختلاف في بعض التفرعات الطائفية، والبحث في التجربة العراقية يجيب على الأسئلة كافة، ويجنب السوريين الخوض في تجربة فاشلة تأخذ وقتًا وزمنًا وربما تولد أحقادًا ومزيدًا من الحروب.

لقد أشار بعض الباحثين في الأزمة العراقية إلى مكامن الخلل والفشل في تجربة الدولة الاتحادية، وأبرزها:

  • على الرغم من تبني الدستور العراقي مفهوم النظام الفدرالي في بعض بنوده بناء على مطالبات سياسية للقومية الكردية إلا أنه لم يصغ بشكل متناسق وضمن منظومة متكاملة تلبي متطلبات النظام الفدرالي مثل بقية الدول التي تعمل بهذا النظام، إذ تبنى الدستور العراقي نظام حكم هجين يتوزع بين الفدرالية واللامركزية الإدارية وهذه بحد ذاتها كارثة وطنية وفوضى تشريعية أدت إلى تنازع القوانين بدلًا من تنظيمها وتوافقها.
  • شكل الدولة في العراق لم يتحدد فهو من جهة فدرالي مع الإقليم الكردي ومن جهة أخرى لامركزي إداري مع بقية المحافظات العراقية.
  • عدم التفريق بين اللامركزية السياسية واللامركزية الإدارية وبيان اختصاصات وخصائص كل منهما على حدة شكل مفخخات قابلة للتفجير في أي لحظة ومنح المجال للأحزاب السياسية ومن خلفهم الدول القريبة والبعيدة للتلاعب والفساد وإشعال الحروب بين مكونات الشعب العراقي.

هذه بعض الملاحظات التي تقودنا بوصفنا سوريين إلى السؤال الآتي: هل تنجح اللامركزية السياسية إذا لم تشمل جغرافيا الدولة وأقاليمها كلها، بحسب التجربة العراقية الإجابة لا،  لن تنجح، وبغض النظر عن مشروعية المطلب الكردي الخاص في سورية، وبافتراض أن سورية دولة بسيطة، علينا البحث عن السبب الموضوعي العام لقيام النظام الفدرالي في كل سورية، وهو التفكك، هل بلغ الوضع في سورية مرحلة التفكك الفعلي وانقسام الجغرافيا والمجتمع إلى أقاليم منفصلة ومتعددة ومتخاصمة، يبدو أيضًا أن الوضع ليس كذلك.

إذ إن تبني نظام اللامركزية السياسية أو الفدرالية يتطلب توافر شروط موضوعية وجغرافية تمس أطياف المجتمع كلها، بحيث تستفيد منه الكتل البشرية كافة في الدولة، بما يضمن حمايته والدفاع عنه من الأقاليم كافة، ويجب أن تكون الحاجة إليه واضحة سياسيا واجتماعيا وتنمويا، ويجب سريان نظامه على الأقاليم كافة، وليس إقليمًا واحدًا حتى وإن كان مختلفًا قوميًّا، ويجب أن يكون الهدف بناء الدولة وتطبيق الديمقراطية والمحافظة على الهوية الوطنية للدولة، وترسيخ مبادئ المواطنة والعدالة والمساواة، من دون توافر هذه الشروط يبقى هناك اختلال في توازن المصالح وصراع بين القوى الحاكمة وغياب للاستقرار السياسي وثغرات واسعة للتدخل الإقليمي والدولي لإجهاض أي تقدم في إنجاز الديمقراطية وبناء دولة قوية.