لا بد أن نشير في البداية إلى أن تفكك الدولة السورية الناتج من الحروب والصراعات بين نظام استبدادي وثورة تنشد التغيير خلق جملة من المشكلات المتداخلة والمتراكمة، ثم إن التدخل السلبي للمجتمع الدولي الذي أطال مدّة الصراع وخلق وقائع متنافرة ومتناقضة. ذلك كله راكم الصراعات، فإضافة إلى الصراع السياسي أصبح هناك صراعات دينية وقومية وطائفية، ما شكل استقطابات حادة دفعت إلى حالة مرضية من التحزب والفصائلية وحتى والعصبية القبلية على حساب قيم المواطنة والتشاركية. وفي ظل ذلك التصادم أصبحت الوطنية ترفًا وخيالًا بينما أصبح الاعتدال شذوذًا وخيانة.

فغياب التنظيم أوجد كثيرًا من المشكلات العالقة والمزمنة، كذلك عدم وجود مشروع وطني يمكن الاتكاء عليه والانطلاق منه دفع بعضهم إلى التفكير والقبول ببعض الحلول المحدودة والجزئية.

تمكن حزب الاتحاد الديمقراطي بحكم العلاقة التاريخية مع نظام الأسد أن يحظى بموارد مالية وأسلحة، ليتحول إلى ميليشيا سلمها النظام مناطق شرق الحسكة الغنية بالنفط، ثم لم تلبث أن توسعت إلى مناطق أخرى إلى أن حظيت بثقة التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأميركية (قوة موثوقة) بالتعبير الأميركي لقتال الإرهاب المتمثل  بما سمي الدولة الإسلامية (داعش) نجحت قوات سوريا الديمقراطية التابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي بالسيطرة على مساحات واسعة، وبحكم الفراغ الإداري والخدمي في تلك البيئات وجدت الحاجة الملحة إلى إدارة هذه المناطق. إذ سعى الحزب لتنظيم هذه المناطق وإدارتها في انتظار انتهاء الأزمة السورية، وشكل بالتشارك مع ٣٥ حزبًا ومنظمة مجلسًا لإدارة هذه المناطق وتنظيمها، فعمد إلى تقسيمها إلى ثلاث مناطق إدارية “كانتونات” شملت الحدود الشمالية السورية التركية معظمها سميت بالإدارة الذاتية إلا أن الهدف السياسي ظل غامضًا بين تأسيس إقليم والانفصال عن المركز أم إنه اتفاق بين حزب الاتحاد الديمقراطي والنظام السوري بهدف إدارة هذه المناطق إلى حين انتهاء الأزمة.

في المقابل أثار مشروع الإدارة الذاتية كثيرًا من الجدل من السوريين والأطراف الإقليمية  فضلا عن الناشطين والأحزاب الكردية التي هي على خلاف مع حزب الاتحاد الديمقراطي فثمة قناعة عميقة لدى الأطراف الرافضة لهذا المشروع، بأنه يخدم النظام السوري لجهة خلط الأوراق، ثم إنه في المستوى الاستراتيجي أثار مخاوف كثير من الجهات السورية من أن تمهد الإدارة الذاتية الطريق لخطوات انفصالية، ولا سيما أن الحزب طرح الخيار الفدرالي الذي على الرغم من كفايته في عدد من دول العالم إلا أن الطرح المشوه له سبب ردات فعل سلبية في دوائر المجتمع، فالطرح لم يسبقه أي عمل توعوي تعريفي ممهد له. وكذلك طُرح بوصفه مشروعًا على جزء من سورية. ومن طرف واحد فقط، وليس مشروعًا وطنيًا جامعًا، هذا من جهة.  ومن جهة أخرى، طرح الفدرالية على دولة بسيطة (غير مركبة) مثل سورية يتعارض مع تجارب الدول جميعها في العالم التي تتخذ من الفدرالية نظامًا لحكمها.

وفي المجمل فإن القوى السورية معظمها سواء لأسباب أيديولوجية قومية عروبية أو كردية أم لأسباب سياسية تتعلق بحسابات الصراع في الأزمة السورية رفضت شكل الإدارة الذاتية.

فثمة اعتراضات من المجلس الوطني الكردي على تفرد حزب الاتحاد الديمقراطي بالإدارة الذاتية. فضلًا عن أن إقليم كردستان الذي يشكل تقريبًا المرجعية الكردية تعامل مع التجربة بسلبية. وإن لم ينجح حزب الاتحاد الديمقراطي في إزالة التوتر بينه وبين الأحزاب الكردية وإقليم كردستان؛ فسيكون من الصعب إكساب المشروع مرجعية شعبية لدى الكرد، وستبقى المسألة في إطار التوترات والصراعات الحزبية التي لا تلبث أن تضعف المشروع ولا سيما بعد نهاية الإرهاب وشرعية السلاح.

أما القوى السياسية العربية فليس لها أي دورٍ سياسي عدا بعض الشخصيات الهامشية وكذلك القاعدة الاجتماعية غير شريكة أو مُساهمة في المشروع السياسي لحزب الاتحاد الديمقراطي، إن في مؤسسات الإدارة الذاتية وسُلطتها، أو حتى في مشروع فديرالية الشمال السوري. عمليًا ســيؤدي هذا التهميش إلى إحباط لدى القاعدة الاجتماعية العربية، يُمكن أن يُستغل ويتحول إلى أشكال عدة مُضادة للإدارة. وقد يتحول ذلك إلى بداية لصراعٍ أهلي طويل الأمد. الأمر نفسه ينطبق على بقية المكونات السريانية والأشورية والتركمانية وغيرها.

فهيمنة حزب الاتحاد الديمقراطي، على الحياة السياسية والاقتصادية والإدارية كلها في مناطق الشمال السوري شبه المُطلقة، وإقصاء التيارات السياسية كلها، الكُردية والعربية والسريانية المناوئة، كذلك تحيّيد التنظيمات والقوى الأهلية بذريعة مُحاربة «داعش» كأولوية، جعل الإدارة الذاتية تسير على شاكلة الأنظمة السائدة في المنطقة في اعتمادها على الأيديولوجية في التنظيم والإدارة وهي حالة لا تختلف عن النسخ التي عاناها أبناء المنطقة لجهة الشعاراتية والهوة الكبيرة بين النظرية والممارسة و(الواحدية) (القيادة الملهمة).

وفي المجمل سيحدد شكل تعامل حزب الاتحاد الديمقراطي في ما بعد داعش مع ملف الحياة السياسية والإدارية في مناطق سيطرته هوية هذا الحزب وشكله ومستقبله: فإما أن يتحول إلى قوة هيمنة وتسلّط على بقية الأطراف السياسية والأهلية، بحُكم التفوق العسكري ما سيشكل ارتدادات سياسية واجتماعية غير مأمونة العواقب. أو أن يُقدم الحزب مشروع شراكة سياسية في إطار وطني في أكثر من مستوى، يكون مُختلفًا عما تعيشه القوى السياسية والجماعات الأهلية في المناطق السورية الخاضعة لسيطرة النِظام السوري، أو حتى تلك الخاضعة لبعض أطراف المعارضة والجماعات الإسلامية المُسلحة.

على أن المستويين كليهما يتأثران بعمق بما ســـوف تســـتقر عليه العلاقة بين قوات سوريا الديمـقراطية والقوى الدولية الداعمة لها، وتحديدًا الولايات المُتحدة. فهذه القوات لم تنل أي اعترافٍ دولي واضح بشرعيتها السياسية، إذ ما يزال الغموض يكتنف العلاقة مع مختلف أطراف المجتمع الدولي. فهو يتعامل واقعيًا مع هذه القوات، ويقدم لها أشكال الدعم جميعها، لكن من دون الاعتراف بها سياسيًا وشرعيًا، ولم تتوضح أي استراتيجية من الدول المعنية بهذا الاتجاه.

فالمساحة المُشتركة التي تجمع بين القوى الدولية وقوات سورية الديمقراطية هي محاربة «داعش». والقوى الدولية ستأخذ عددًا من المعايير في حساباتها، قبل تحديد شكل علاقاتها المُستقبلية من قوات سوريا الديمقراطية. فمن الناحية الجغرافية تبدو حدود الإدارة الذاتية مغلقة ومحاصرة خارجيًّا، سواء من جهة إقليم كردستان العراق أم تركيا، في ما الحدود مع مناطق الداخل السوري غير مستقرة وقابلة لتتحول إلى حدود مواجهة وصدام في ظل تغير موازين القوى بين الأطراف المتنازعة على الأرض وبصورة خاصة بعد تحييد العدو المشترك للجميع (تنظيم داعش).

ثم لا ننسى المحاذير الإقليمية، وفي مقدمتها تُركيا، في مُقدم تلك الحسابات. فالقوى الدولية كلها تعرف مدى الحساسية التُركية من مشروع الإدارة الذاتية وعلاقتها بحزب العُمال الكُردستاني في تركيا، وأن عدم أخذ هذه الحساسية في الحسبان رُبما يدفع الجانب التركي لأن يعوق أي جهد دولي ضمن سورية. وكذلك الأمر بالنسبة إلى العراق وإيران.

أما النظام السوري فما تزال القوى الدولية تعدّه الجهة الشرعية في سورية، وهي لا تُريد أن تمنح أي شرعية، ولو نسبية، لأي طرف سياسي آخر.

وفي الحصيلة تقوم الإدارة في الشمال السوري على جملة من المتناقضات والتوازنات غير المستقرة والهشة سواء في جانبها التطبيقي (الإدارة الذاتية) أم في الجانب الأيديولوجي حزب الاتحاد الديمقراطي، إذ تقوم شرعية الإدارة على قوة السلاح ومرجعتيها على محاربة الإرهاب في ما لم تقم بأي جهد لبناء مؤسسات حيادية بعيدًا عن الأيديولوجية وفكر القائد. ومن جهة أخرى ترفع الإدارة شعار الأمة الديمقراطية التعددية بينما تقوم بالتكريد في المناهج التربوية في استنساخ لتجربة التعريب البعثية. وكذلك تدعّي الوطنية وتتنازع التمثيل القومي مع الأحزاب الكردية وإقليم كردستان في ما تنادي بالديمقراطية وتحرير المرأة والإيكولوجيا من جهة، ومن جهة أخرى تّدعي الوطنية، وتفرض فكر القائد تركي الجنسية، وترفع صوره في الساحات، وتدعي الثورة والديمقراطية في ما تتجاوز مع نظام الاستبداد وتتعاون معه.

أما في الشأن الخارجي فتتعاون مع التحالف وأميركا كما تتعاون مع روسيا وغيرها بحيث تتداخل علاقات الصداقة والعداء.

وختامًا تبدو هذه التجربة موقتة، ولا تمتلك عوامل الديمومة إلا إن جرى الانتقال من العمل بالذهنية الحزبية إلى ذهنية المؤسسة، ومن مفهوم الرفاقية إلى مفهوم المواطنة في وطن وليس إدارة، ومن دون ذلك ستبقى هناك مشكلة في العلاقة بين الإدارة والدولة مهما كان شكلها من جهة وبين الإدارة والمجتمع، إذ ستتحدد العلاقة بنسق الموالاة أو العداء أي الانتماء السياسي ما ينذر باستمرار الانقسام المجتمعي وإعادة إنتاج الأنظمة الاستبدادية.