المحتويات

إيران “ما بعد الاتفاق النووي”

الديناميات السياسية في إيران: الثابت والمتغير

الخلاصة

الجدول الزمني للصفقة النووية لإيران

 

 

عنوان المادة الأصلي باللغة الإنكليزية CONTINUITY AND CHANGE IN IRANIAN POLITICS AFTER THE NUCLEAR DEAL
اسم الكاتب بيرم سينكايا، Bayram Sinkaya
مصدر المادة الأصلي مركز أورسام لدراسات الشرق الأوسط، ORSAM REVIEW OF REGIONAL AFFAIRS
رابط المادة https://goo.gl/x4unGQ
تاريخ النشر تموز/ يوليو 2016
المترجم أحمد عيشة

 

 

حُلّت الخلافات على البرنامج النووي الإيراني دبلوماسيًا باتفاقٍ بين إيران ومجموعة البلدان (5+1) في 14 تموز/ يوليو 2015. ومع ذلك، عدّ عدد من النقاد هذا الاتفاق خطوةً مفصلية في إيران، والمنطقة من خلال تأثيراته الإقليمية السياسية والاقتصادية، أكثر من اتفاقٍ ببساطة على “المسألة النووية”.

تتفحص هذه الدراسة الثابت والمتغير في السياسة الإيرانية بعد عامٍ على الاتفاق النووي. فحرارة الانتخابات البرلمانية لشهر شباط/ فبراير 2016، والانتخابات الرئاسية التي ستجري في حزيران/ يونيو المقبل، قد زادت من حدّة المناقشات في إيران.

بتناول المناقشات في إيران، تسلط هذه الدراسة الضوء على ثلاث قضايا بما في ذلك حالة العلاقات مع الغرب، والسياسات الاقتصادية الرئيسة، والسياسات الثقافية التي تحتلُّ منزلةً بارزة. حقيقة، فإن تلك المسائل هي المصادر الرئيسة للخلافات، والاختلافات في السياسة الإيرانية منذ الثورة. ومن ثم، فإنَّه يمكن القول إنه لا يوجد تغييرٌ كبير في السياسة الإيرانية بعد عامٍ من الاتفاق النووي.

التفاوضات التي استمرتْ أشهرًا ما بين إيران ومجموعة (5+1) أو (EU3 + 3)، التي بدأت بعد مدّةٍ وجيزة من تنصيب حجة الإسلام حسن روحاني رئيسًا، هدفت إلى إيجاد حلٍّ دبلوماسي للخلاف الدولي حول البرنامج النووي الإيراني، وانتهت باتفاقٍ في 14 تموز/ يوليو 2015([1]).

الاتفاق بعنوان خطة العمل المشتركة الشاملة (JCPOA)، كان متوقعًا منه إزالة العقوبات التي تفرضها كل من الأمم المتحدة، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي على إيران بسبب الخلاف النووي، وفي المقابل على إيران فتح مواقعها النووية أمام عمليات التفتيش الدولية. وعلاوةً على ذلك، تحدُّ إيران من نشاطها النووي عند مستوياتٍ معينة، ولمدد معينة.

يُعدّ الاتفاق النووي على نطاقٍ واسع نقطة تحوّلًا بالنسبة إلى تاريخ السياسة المعاصرة في إيران. على الرغم من أنَّه يهدف أساسًا إلى معالجة الخلاف حول البرنامج النووي، لكن من المتوقع أيضًا أن يحقق الاتفاق تغييراتٍ كبيرة، سواء في السياسات الداخلية أم الخارجية لإيران بسبب آثاره الاقتصادية والسياسية.

ومن ثم، هناك اتجاهٌ عام في تحليلات السياسة الإيرانية معظمها إلى معالجة تطورات “ما بعد الاتفاق النووي” بوصفها مرحلةً جديدة. هناك عدد من التقويمات التي أُجريت في هذا الصدد. ستتناول هذه الدراسة المناقشات الرئيسة في إيران خلال العام الأول بعد الاتفاق النووي، وسنستعرض آثاره في السياسة الإيرانية.

 

إيران “ما بعد الاتفاق النووي”

كان الاتفاق النووي الذي كان يُسمى “بارجام barjam” في إيران باسم الاختصار الفارسي لـ (JCPOA)، بينما ما تزال إزالة العقوبات قضايا تُناقش بشدّةٍ في السياسة الإيرانية. وعلاوةً على ذلك، فقد جرتْ مناقشة الاتفاق من الرأي العام الإيراني لوقتٍ طويل، إذ لاقى ردات فعلٍ مختلفة([2]).

أولئك الذين فضلوا الاتفاق قارنوا وزير الخارجية م. جواد ظريف، كبير المفاوضين الإيرانيين، بالدكتور مصدق، الزعيم القومي الأسطوري لإيران، لأنَّه ضمن الاعتراف بحقوق إيران النووية، وإزالة العقوبات، بينما اتهم معارضو الاتفاق ظريف بـ “الخيانة” بسبب القيود على برنامج إيران النووي، وأحوال إزالة العقوبات التي يتوخاها الاتفاق([3]).

المرشد الإيراني، آية الله السيد علي خامنئي، لم يعتمد وجهةَ نظرٍ واضحة حول الاتفاق، ما أدى إلى تكثيف الانتقادات. ووصف الاتفاق في خطاباته المختلفة بأنَّه “غير جيد، وغير سيئ”، وشدّد على وجهة نظره بعدم الثقة بالغرب.

وعلاوةً على ذلك، ادعى أن “العدو” يستخدم تكتيكاتٍ جديدة، وسيحاول “التسلل” إلى إيران مستغلًا الاتفاق. لهذا السبب كان قد منع مزيدًا من المحادثات مع الولايات المتحدة بعد الاتفاق النووي([4]). وعلى الرغم من الانتقادات كلها، وافق البرلمان الإيراني على الاتفاق في 13 تشرين الأول/ أكتوبر 2015.

بعد الموافقة عليه من الأطراف، “اُعتمد” الاتفاق رسميًّا في 18 تشرين الأول/ أكتوبر 2015.

لاحقًا، تبعه عدد من التفاوضات التقنية بين إيران، والوكالة الدولية للطاقة الذرية. يوكيا أمانو، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، ذكر في 16 كانون الثاني/ يناير 2016 أنَّ إيران اتخذت التدابير اللازمة، وقامت بمسؤولياتها من أجل تنفيذ خطة العمل المشتركة الشاملة، وبناءً على ذلك، بدأ “تنفيذ” الاتفاق النووي.

يشير هذا التطور إلى إزالة العقوبات المفروضة من الأمم المتحدة، والولايات المتحدة، والاتحاد الأوروبي على إيران بسبب برنامجها النووي.

لم تنته المناقشات حول الاتفاق النووي حتى بعد بداية مرحلة التنفيذ. في خطابه في مشهد، يوم 21 آذار/ مارس 2016، بمناسبة السنة الإيرانية الجديدة، النوروز، أعلن آية الله خامنئي أنَّ الاتفاق النووي تجاوز خطوط إيران الحمراء، وزعم أنَّ العقوبات ما تزال فاعلةً، وأنَّ الغرب فشل في المسؤوليات المنوطة به بموجب الاتفاق. ومنذ ذلك، عبرَّتْ انتقاداتٌ مشابهة صدرت من خطبات الجمعة في عموم إيران، وأكدَّتْ أنَّ الاتفاق قد بقي غير مقنعٍ([5]).

في الواقع، فقد مضى أكثر من ستة أشهرٍ على تنفيذ الاتفاق، وما تزال هناك مشكلات متعلقة برفع العقوبات. الاتحاد الأوروبي مدّد عقوباته ضد إيران مدة عامٍ واحد، بسبب انتهاكات حقوق الإنسان. بطريقةٍ مماثلة، بعد رفع الولايات المتحدة لعقوباتها المفروضة على إيران حصريًا بسبب البرنامج النووي، ما تزال مستمرةً بفرض عقوباتٍ على إيران بسبب سياساتها تجاه سورية، بحجة دعم الإرهاب، وانتهاكات حقوق الإنسان، وغيرها من القضايا([6]).

في وقتٍ مبكر من نيسان/ أبريل 2016، قال جاكوب ليو، وزير الخزانة في الولايات المتحدة، في بيانه: إنَّ النظام المالي الأميركي سيبقى مغلقًا أمام إيران. وبطريقةٍ مماثلة، فإنَّ السلطات الأميركية أو الإيرانية أكدتا أن إيران تلقت فقط 3 مليارات دولار من أصولها خارج البلد، والمقدرة بحوالى 100 مليار دولار([7]).

وعلاوةً على ذلك، أمرتْ المحكمة الأميركية بإعطاء 2 مليار دولار من الأصول الإيرانية التي كانت مجمدةً في البنوك الأميركية لمصلحة أقارب ضحايا الهجوم ضد قوات المارينز الأميركيين في بيروت عام 1983 بسبب الدور الإيراني المزعوم في الحادثة. ما حرضَّ ردات فعلٍ قوية في إيران، موجهةً في الأغلب ضد حكومة روحاني.

إنَّ التوقعات الرئيسة لإيران من الاتفاق النووي هي رفع العقوبات المتعلقة بالبرنامج النووي. في الواقع، إنَّ استبعاد إيران من نظام التحويل المالي الدولي، (سويفتSWIFT)، وعقوبات الاتحاد الأوروبي، والولايات المتحدة على أنواع المعاملات الصادرة من البنك المركزي الإيراني جميعها، وجَّه ضربة قوية إلى المعاملات، والتجارة الإيرانيتين. على الرغم من تلك العقوبات المرفوعة الآن رسميًا، لم تعدْ المعاملات المصرفية في إيران إلى وضعها الطبيعي، بسبب المشكلات التقنية والوضع المعقد للعقوبات. أيضًا البنوك الأوروبية والتكتلات الكبيرة تعمل بحذر كبير عندما يتعلق الأمر بالمعاملات مع إيران، لأنَّها ما تزال على نحوٍ ما خائفةً من التعرض للعقوبات الأميركية. وهكذا، على الرغم من تدفق الوفود السياسية كثيرًا، ورجال الأعمال إلى طهران منذ أنْ جرى التوصل إلى الاتفاق، لم تتخذْ خطواتٍ ملحوظة للاستثمار في إيران. هناك عدد من مذكرات التفاهم والاتفاقات الأولية بين إيران والشركات الدولية، مثل “الاتفاقات” مع إيرباص وبوينغ التي توقعت شراء إيران ما يقارب مئة طائرة ركاب، ومع ذلك، عددٌ قليلٌ منهم فقط يمكن أنْ يدخلَ حيز التنفيذ، ما قد تستغرق بعض الوقت الإضافي. ومن ثم، فالتوقعات الاقتصادية الإيرانية من الاتفاق لم تتحققْ حتى اليوم([8]). شارك في هذه المخاوف، أكثر من مئة نائب إيراني، إذ كتبوا رسالةً موجهة إلى روحاني، دعوا فيها إلى وقف تنفيذ الاتفاق([9]).

في مقابل الانتقادات كلها للاتفاق، سمى الرئيس روحاني الاتفاق النووي “نجاحٌ لا بدَّ من تذكره بفخر” من الأمة الإيرانية. وقال: إنَّ “الاستعادة أو إعادة إعمار الخراب تستغرق بعض الوقت”، تحتاج إيران أيضًا إلى بعض الوقت الإضافي لجني فوائد الاتفاق، ومع ذلك لم يمض سوى وقت قليل منذ بداية التنفيذ.  إضافة إلى ذلك، ذُكر أنَّ إيران قد “رجعت إلى القرن التاسع عشر” من الناحية المصرفية، لأنَّها كانت معزولةً عن الشبكات المالية الدولية. واستذكر أيضًا أنَّ صادرات النفط الإيرانية تحولَّتْ إلى مستوى ما قبل العقوبات، التي توقفت تقريبًا قبل الاتفاق، وكثير من المستثمرين الأجانب قد جرت دعوتهم للاستثمار في إيران([10]). وبالمثل، التقى دبلوماسيون رفيعو المستوى، وموظفون بقيادة وزير الخارجية ظريف، مرارًا وتكرارًا مسؤولين أميركيين وأوروبيين لحلِّ مشكلات التنفيذ، ولضمان الاستثمارات الأجنبية([11]).

تدور مناقشةٌ أخرى ذات صلة بالاتفاق النووي حول آثاره في أمنْ إيران. قال كل من الرئيس روحاني، ووزير خارجيته مرارًا وتكرارًا في خطاباتٍ مختلفة إنَّ “الصفقة قد صرفت غيوم الحرب من فوق إيران، وجعلتها أكثر أمانًا”. استدعت مثل تلك التصريحات ردَّة فعل النخبة الأمنية، ولا سيما الحرس الثوري. وقال بعض قادة الحرس الثوري الإيراني: إنَّها “ليست تفاوضات، ولكن القوة الرادعة لإيران” هي التي جلبت أمانه. انتخابات شباط/ فبراير

جرتْ انتخاباتٍ ثنائية في شباط/ فبراير 2016، للبرلمان ولمجمَّع الخبراء، إذ كانت مناقشةً حيَّةً ثانية في السياسات الإيرانية بعد الاتفاق النووي([12]).

فاز المرشحون الإصلاحيون والبراغماتيون المرتبطون بحملة انتخابات الرئيس روحاني في 26 شباط/ فبراير بـ”قائمة الأمل “بقيادة محمد رضا عارف، إذ حصلت القائمة على 120 مقعدًا من أصل 290 في البرلمان. فاز التحالف الكبير للأصوليين (أوسولغارايانOsoulgarayan) المؤلف من خصوم حكومة روحاني، بـ 83 مقعدًا، في حين إنَّ المستقلين، ومجموعاتٍ صغيرة أخرى ضمنت 81 مقعدًا في البرلمان([13]).

المقاعد الـ 30 المحجوزة لطهران ذهبت جميعها إلى قائمة الأمل. نتيجة لـلانتخابات، فقدت الشخصيات البارزة من الأصوليين مثل أحمد تافاكولي، وغولامالي حداد عادل، إضافة إلى بعض النقاد الصريحين لحكومة روحاني، مثل إسماعيل كوساري، وعلي رضا زكاني، مقاعدها في البرلمان.

انتخابات مجمَّع الخبراء، المسؤول عن اختيار الزعيم الجديد في حالة تفاقم الأوضاع الصحية، أو وفاة الزعيم الحالي خامنئي، ويتألف من العلماء المنتخبين من الناس مدة ثماني سنوات، نال أيضًا اهتمامًا كبيرًا. كان التحالف بين الإصلاحيين، والبراغماتيين فاعلًا أيضًا بالنسبة إلى انتخابات مجمَّع الخبراء.

فاز هذا التحالف بقيادة الرئيس روحاني، وآية الله هاشمي رفسنجاني (خبراء من الناس) بـ 15 مقعدًا من أصل 16 مقعدًا محجوزًا لطهران([14]).

كان أحدُّ الأهداف الرئيسة لهذا التحالف عرقلة انتخابات آيات الله “الراديكاليين”، مثل: مصباح يزدي، ومحمد يزدي، وأحمد جناتي، وإضعاف قوتهم. وحده جناتي من الثلاثي يمكن أنْ ينجح في اللدخول في المجمّع الجديد. مكنَّتْ نتائج الانتخابات إلى حدٍّ ما موقف الرئيس روحاني في السياسة الإيرانية، وأسعدتْ الحكومة، وصرح محمد باقر نوبخت: “استكملت انتخابات 2016، انتخابات 2013 الرئاسية”([15]).

الرئيس روحاني قال: إنَّ الأمة الإيرانية “أظهرت إرادتها وقوة الاختيار مرةً أخرى لإعطاء هيئاتها جميعها، بخاصة الحكومة المنتخبة شعبيًا صدقيةً وقوةً أكبر”([16]).

على الرغم من نجاحهم في الانتخابات، لم يتمكنْ حلفاء الرئيس روحاني أنْ يؤمّنوا الأغلبية المطلقة لا في البرلمان، ولا في مجمّع الخبراء، لأنَّ قائمة الأمل كانت تقريبًا “ائتلافًا” بما في ذلك شعوبًا بتوجهاتٍ مختلفة، ولأن المستقلين فازوا بعددٍ معقول من مقاعد البرلمان، والتحالف البراغماتي الإصلاحي لم يكن قويًا كما رغبوا.

وفي حقيقة الأمر، محمد رضا عارف، وهو واحدٌ من الإصلاحيين البارزين، وزعيم قائمة الأمل، خسر السباق من أجل المتحدث باسم البرلمان أمام المحافظ “التقليدي” علي لاريجاني. وبالمثل، فإن آية الله جناتي الذي حاول تحالف روحاني- رفسنجاني منعه، اختير رئيسًا لمجمَّع الخبراء. لقد أكدَّت هذه التطورات على مدى هشاشة حكومة روحاني وضعفها.

وبالمنوال نفسه، في رسالته بمناسبة نوروز، دعا مرةً أخرى الاتفاق النووي بأنَّه نجاحٌ تاريخي لا بدَّ من تذكره بفخرٍ. وقال أيضًا: إنَّ “خطةً وطنية من العمل، بارجام ثان” يجب أنْ يجري تطويرها لمعالجة المشكلات المالية والسياسية لإيران، التي بدأت بالفعل مع الانتخابات([17]).

في خطابه في مشهد يوم 21 آذار/ مارس 2016، أكدَّ خامنئي بعض المخاوف المتعلقة بالاتفاق النووي. وأضاف: “أولئك الذين يقترحون بارجامًا ثانيًا وثالثًا “حلًا لمشكلات البلاد “… يلعبون بالنار”([18]).

ويرى أنَّ “بارجامًا ثانيًا” يعني التفاوض مع الولايات المتحدة الأميركية، وتغيير بعض سياسات إيران الجوهرية كي نحلَّ المشكلات الاقتصادية والاجتماعية في إيران. وفقًا لخامنئي، وحاشيته المقربين، هناك ثلاثة أسباب تبين أنَّ “بارجامًا ثانيًا” خطر: فضلًا عن أنَّ مطالب الولايات المتحدة لن تنتهي أبدًا.

ثانيًا، إذا غيّرتْ إيران سياساتها الإقليمية، وتراجعت بناءً على طلب الولايات المتحدة، ستفقد الثورة معناها.

وأخيرًا، وكما شهدنا مؤخرًا، فإنَّ حكومة الولايات المتحدة، التي تفشل في الوفاء بالتزاماتها، لا يمكنْ أنْ تكون موضع ثقةٍ. بعد انتقادات خامنئي القاسية، قال اللواء علي جعفري، قائد فيلق الحرس الثوري: إنَّ “الاتفاق النووي لا يمكن عدّه أبدًا وثيقةً لنفخر بها، وأيدّته الناس على مضض”([19]).

 

الديناميات السياسية في إيران: الثابت والمتغير

هناك ثلاثة جوانب من التوتر السياسي المتصاعد التي تدور على ما يبدو حول الاتفاق النووي. الأول، يتعلق بعلاقات إيران مع الغرب. تهدف إستراتيجية روحاني في السياسة الخارجية إلى تعزيز علاقات إيران مع الغرب بعد حلِّ النزاع النووي. وبهذا الخصوص، فإنَّ العلاقات الدبلوماسية بين إيران، والمملكة المتحدة التي قُطعت في تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، قد عادت تمامًا بعد الاتفاق.

استأنفت السفارة البريطانية في طهران نشاطها في 23آب/ أغسطس 2015 بحفلٍ حضره فيليب هاموند، وزير خارجية المملكة المتحدة([20]).

وبالمثل، بعد مدّة 16 عامًا، قام روحاني بزياراتٍ إلى بعض العواصم الأوروبية بصفته رئيسًا. ومع ذلك، فالأجنحة المحافظة والراديكالية تعاملت بشكٍّ مع سياسة تحسين العلاقات مع الغرب. في هذا الموقف، قال خامنئي: “لا أُفضل قطع العلاقات مع الغرب، ولكنْ يجب أنْ نعرف الذين نتعامل معهم … يجب أنْ يكون لدينا علاقاتٍ مع العالم كلَّه، إلا الولايات المتحدة الأميركية، والنظام الصهيوني، ولكنَّ العالم ليس مقتصرًا على الغرب وأوروبا”([21]).

الجانب الثاني من الدينامية السياسية في إيران متعلق بإعادة إعمار الاقتصاد الإيراني، وانفتاحه على العالم الخارجي. فالرئيس روحاني كان أولَّ زعيمٍ إيراني بعد مدّةٍ طويلة من الغياب، يحضر المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس، إذ دعا الشركات الدولية إلى أنْ تستثمر في إيران([22]).

واجهت سياسة دمج إيران مع النظام الاقتصادي العالمي ردات فعلٍ قوية. إذ اقترح الرئيس روحاني “بارجامًا ثانيا”، بينما اقترح الزعيم خامنئي “اقتصادًا مقاومًا” في رسائلهم بمناسبة النوروز([23]). خصص خامنئي السنة الإيرانية الجديدة (1395) التي بدأت مع نوروز، بعدّها سنة “اقتصاد المقاومة: عملٌ وتنفيذ”.

طرح مصطلح اقتصاد المقاومة في البداية، عندما واجهت إيران العقوبات. إنًّ استخدام هذا المصطلح لاقتصاد “إيران ما بعد العقوبات” له أكثرُ من معنى.

إنَّ اقتصاد المقاومة، الذي يعني أنَّ عدوًا مستمرًا يهدّد، ويحاول أنْ يقلّل من ضعف إيران في المجال الاقتصادي، هو مختلفٌ تماما عن وجهة نظر روحاني الاقتصادية القائمة على التكامل مع العالم الخارجي؛ لأنَّ اقتصاد المقاومة يقوم على فكرة الاقتصاد المكتفي ذاتيًّا والتعاقدات المقيّدة مع الغرب.

يظن خامنئي، وأنصاره المحافظين أنَّ العلاقات الاقتصادية المستدامة مع الغرب سوف تضر بالاستقلال الاقتصادي لإيران، وأنَّ الغرب قد يسعى لزيادة نفوذه السياسي والثقافي في إيران من خلال الاستثمارات الأجنبية([24]).

القضية الثالثة من المناقشات الحيّة في السياسة الإيرانية هي السيطرة على السياسة، ووسائط الإعلام. إنَّ حكومة روحاني التي توظف توظيفًا فاعلًا وسائل التواصل الاجتماعي تسعى لتوسيع حرية الصحافة، وتخفيف “سيطرة الدولة” على النشاط الثقافي، ولكنَّ الأجنحة المحافظة، والراديكالية ترى أنَّ الاتفاق النووي لم ينهِ عداوة الولايات المتحدة أو يقلّل منها تجاه “إيران الإسلامية”. ويرون، أنَّ العدو يحاول التسلل إلى إيران من خلال وسائل الإعلام والثقافة، ومن ثم، الهجوم الثقافي، والتهديدات أيضًا ضرورتان([25]).

هذا هو السبب، لمَ يصرّون على تقنين الحياة الاجتماعية وفقًا لـ: “التدابير الإسلامية”. على سبيل المثال، فإنَّ منظمة الاستخبارات في الحرس الثوري الإيراني اعتقلت خمسة صحافيين بسبب عضويتهم المزعومة في “شبكة نفوذٍ تابعة للولايات المتحدة وبريطانيا”.

كانت ردة فعل الرئيس روحاني قوية على هذه الاعتقالات. طالب بألا يتصرف مسؤولو الأمن مثل قضاة الصحافة، وطلب ألا يُساء فهم التحذيرات التي أطلقها المرشد حول “تسلل الأجانب”([26]).

وبالمثل، أُسست وحدةٌ من الشرطة السرية، تتألف من 7000 شخص في طهران، في آذار/ مارس 2016 من أجل الإبلاغ عن أولئك الذين ينتهكون الحجاب (اللباس الإسلامي)، ويزعجون المجتمع إلى أقسام الشرطة.

انتقد روحاني تأسيس وحدة الشرطة السرية، وأكدَّ أنَّهم بحاجةٍ إلى نشاط ثقافي من أجل التغلب على المشكلات الثقافية. وقال أيضًا: إنَّ خصوصية الناس هي أكثر أهمية من الدين([27]).

ومع أنَّ ردات أفعال روحاني في حالاتٍ مشابهة بقيت مقتصرةً على النقد، فقد تجنبَ عن عمدٍ زيادة التوترات من خلال المواجهة.

 

الخلاصة

لا يوجد تغيير لافتٌ في النظر إلى السياسة الإيرانية، أو الاقتصاد في عامٍ بعد الاتفاق النووي. والأهم من ذلك، أنَّ التوقعات الإيرانية من إزالة العقوبات لم تتحققْ بالكامل.

ومع ذلك، إضافة إلى الاتفاق النووي، فقد أجريت انتخابات البرلمان، ومجمّع الخبراء في 26 شباط/ فبراير، ما أراح الرئيس روحاني إلى حدٍّ ما.

لم يكن مؤيدوه قادرين على تأمين الأغلبية المطلقة في البرلمان أو المجمّع، لكنهم فعلوا ما بوسعهم بالمقارنة بالأصوليين (أوسولغارايان) الذين انتقدوا الاتفاق النووي، وسياسات حكومة روحاني انتقادًا كبيرًا.

بعد أنْ لاقى التشجيع من نتائج الانتخابات، أراد روحاني أنْ يكون الاتفاق النووي بدايةَ صفحةٍ جديدة في السياسة الإيرانية. وانعكست دعوته لـ “بارجام” جديد فعليًّا بالبحث عن “عقد اجتماعي” في إيران بعد الاتفاق([28]).

ومع ذلك، لم تتغير الديناميات الرئيسة في السياسة الإيرانية كثيرًا بعد الاتفاق النووي.

الاختلافات في الرأي في ما يتعلق بعلاقات الدولة مع الغرب، والسياسات الاقتصادية الأساسية، والسياسات الثقافية كانت تصدعاتٌ كبيرة في السياسة الإيرانية منذ الثورة.

كانت الاختلافات على هذه القضايا تُعدّ الأسباب الرئيسة لذلك التباين بين الأجنحة المحافظة /الراديكالية والإصلاحية/ البراغماتية، وتُشكّل القواعد الرئيسة للنضال من أجل السلطة بين الأجنحة السياسية المتنافسة. تحوّلَ هذا الصراع المزمن في الوقت الحاضر إلى نزاعٍ ومنافسةٍ على استمرار سلطة الرئيس روحاني. إن كلًّا من عدم اليقين في تنفيذ الاتفاق النووي، وانتخابات الرئاسة المقبلة التي ستجرى في حزيران/ يونيو 2017 من المرجح أن تؤديا إلى تكثيف هذا الصراع. ومن ثم، أيّ تطورٍ في إيران يجب أنْ يُقوم في هذا الإطار.

 

الجدول الزمني للصفقة النووية لإيران

التاريخ الحدث
6 آب/ أغسطس 2013 الرئيس روحاني يدعو إلى استئناف التفاوضات النووية بين إيران ومجموعة (5+1).
26 أيلول/ سبتمبر 2013 وزراء خارجية المجموعة الخمس في نيويورك على هامش اجتماعات الجمعية العامة
24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2013 اتفقت إيران ومجموعة (5+1) على خطة عمل مشتركة (JPOA)

(اتفاق تجريبي لمدة 6 أشهر) في جنيف

20 كانون الثاني/ يناير 2014 بدء تنفيذ خطة العمل المشتركة
19 حزيران/ يونيو 2014 بقيت محادثات فيينا غير حاسمة، لكن مددت خطة العمل المشتركة ستة أشهر
24 تشرين الثاني/ نوفمبر 2014 تمديد خطة العمل المشتركة مع نهاية المحادثات في جنيف حتى 1 كانون الثاني/ يناير 2015
2 نيسان/ أبريل 2015 أعلنت الأطراف نقاط الاتفاق في لوزان، وتوقعت الوصول إلى خطة عمل شاملة للعمل (JCPOA، اتفاق دائم) حتى 20 حزيران/ يونيو.
14 تموز/ يوليو 2015 وافقت الأطراف على JCPOA في فيينا
20 تموز/ يوليو 2015 أيَّدَ مجلس الأمن JCPOA بالموافقة على القرار 2231 (2015)
13 تشرين الأول/ أكتوبر 2015 المجمع الاستشاري الإيراني وافق على JCPOA
يوم القبول: 18 تشرين الأول/ أكتوبر 2015 تبني JCPOA رسميا
يوم التنفيذ: 16 كانون الثاني/ يناير 2016 تنفيذ JCPOAK، مع توقع بإزالة العقوبات المتعلقة بالبرنامج النووي في إيران.
يوم الانتقال سيحدث يوم الانتقال بعد ثماني سنوات من يوم القبول أو عند استلام مجلس الأمن للتقرير من الوكالة الدولية للطاقة الذرية الذي يفيد بأن الوكالة قد وصلت إلى الاستنتاج الأوسع بأن المواد النووية جميعها في إيران تبقى في نشاط سلمي. يوم الانتقال سيؤدي إلى إزالة العقوبات المتبقية نهائيا.
يوم النهاية/ الخلاص بعد عشر سنوات من يوم القبول، شرط أن تكون بنود قرارات مجلس الأمن السابقة لم يجرِ خرقها خلال ذلك، ستنتهي بنود القرار 2231  (2015) جميعها، وسيخلص مجلس الأمن إلى تقديره للقضية النووية الإيرانية.

 

([1]) “خطة العمل المشتركة الشاملة”، المفوضية الأوروبية، 14 تموز/ يوليو 2015، على الموقع:

https://eeas.europa.eu/statements-eeas/docs/iran_agreement/iran_joint-comprehensiveplan-of-action_en.pdf

([2]) جونيت دوروسوزلو، “الاتفاق النووي ينعكس في السياسة الداخلية الإيرانية”، تحليل الشرق الأوسط، مجلد. 7، عدد 68 (أيار/ مايو – حزيران/ يونيو 2015).

([3]) كيف تفاعل المتشددون الإيرانيون مع الاتفاق؟” لوبيلوغ، 17 تموز/ يوليو 2015، على الموقع:

Here’s How Iranian Hardliners Have Reacted to the Nuclear Deal

([4]) “المرشد الأعلى يحرم المفاوضات مع الولايات المتحدة”، الجزيرة، 7 تشرين الأول/ أكتوبر 2015، على الموقع:

http://america.aljazeera.com/articles/2015/10/7/irans-supremeleader-bans-negotiations-with-the-united-states.html

([5]) “صلوات الجمعة في إيران: انتقاد للحكومة على نطاق واسع”، الدبلوماسية الإيرانية، 24 نيسان/ أبريل 2016،

http://www.irdiplomacy.ir/en/page/1958369/Iranrsquo%3Bs+Friday+Prayers+Criticism+of+the+government+in+full+force.html

([6]) انظر، كينيث كاتزمان، “إيران: السياسة وأمن الخليج وسياسة الولايات المتحدة”، تقرير وكالة الإغاثة الكاثوليكية (CRS)، 30 آذار/ مارس 2016.

([7]) باربارا سلافين، ” يقول وزير الخزانة الأميركي إن النظام المالي سيبقى مغلقا أمام إيران”، المونيتور، 11 نيسان/ أبريل 2016، http://www.al-monitor.com/pulse/originals/2016/04/treasury-secretary-lew-financial-system-closed-iran-sanction.html

([8]) ” اتفاق إيران النووي: صفقة تبين أنها بعيدة المنال”، تلفزيون برس، 26 حزيران/ يونيو 2016،

http://www.presstv.ir/Detail/2016/06/26/472302/Iran-JCPOA-elusive

([9]) 9-       آراش كرامي “، أكثر من 100 نائب إيراني يطلبون من روحاني وقف تنفيذ الاتفاق النووي”، المونيتور، 9 أيار/ مايو 2016،

http://www.al-monitor.com/pulse/originals/2016/05/iran-parliament-nuclear-deal-npt-rouhani-obstruction.html

([10]) Vakonashe Rouhani be enteghade fermandehe sepah: Bercam yel eftekhari siyasive huquqi beraye millete Iran est,” BBC Farsça. 19 نيسان/ أبريل،

http://www.bbc.com/persian/iran/2016/04/160419_l12_iran_rrouhani_nuclear_deal_reax_sepah

([11]) “ظريف: أزالت الولايات المتحدة العقوبات على الورق”، وكالة أخبار مهر، 14 حزيران/ يونيو 2016.

([12]) بينار أركان، “مجلس شورى إيران الإسلامية (البرلمان) وخبراء الإرشاد، والانتخابات البرلمانية”، أورسام، 25 شباط/ فبراير 2016،

http://www.orsam.org.tr/tr/yazigoster.aspx?ID=5631

([13]) مصطفى جانير، “برلمان جديد في إيران”، تحليل الشرق الأوسط، المجلد 8، عدد 74، أيار/ مايو- حزيران/ يونيو 2016.

([14]) “لقد فاز الإصلاحيون، ونحن لا نعرف أي شيء سوى عن الأصوليين”، الدبلوماسية الإيرانية، 27 شباط/ فبراير 2016،

http://irdiplomacy.ir/en/page/1956781/Reformists+Have+Won%2C+We+Just+Don’t+Know+about+the+Principlists+Yet.html

([15]) “صحف طهران يوم الأربعاء 12 اسفند 1394. 2 آذار/ مارس 2016″، الدبلوماسية الإيرانية، 2 آذار/ مارس 2016.

http://www.irdiplomacy.ir/en/page/1956897/Tehran’s+newspapers+on+Wednesday+12th+of+Esfand+1394%3B+March+2nd%2C+2016.html

([16]) “الرئيس روحاني يشكر الإيرانيين على الإقبال الكبير في الانتخابات”، إيران ريفيو، 28 شباد/ فبراير 2016،

http://www.iranreview.org/content/Documents/President-Rouhani-Thanks-Iranians-for-Massive-Turnout-in-Elections.htm

([17]) “الرئيس روحاني يدعو إلى وحدة وطنية قوية في السنة الجديدة”، وكالة تسنيم الإخبارية، 20 آذار/ مارس 2016.

([18]) “يقترح آية الله خامنئي 10 طرق لهزيمة خيار الولايات المتحدة المنحاز”، مكتب المرشد الأعلى، 21 آذار/ مارس 2016،

http://leader.ir/en/content/14478/The-Leader’s-Norouzaddress-in-the-holy-city-of-Mashhad

([19]) Sarlashkar Jafari: Berjam hergez senede eftekhari nist,” Fars News, 5 April 2016,

http://www.farsnews.com/13950117000830

([20]) جوليان بورغر، “السفارة البريطانية في إيران تفتح من جديد”، الغارديان، 23 آب/ أغسطس 2015،

http://www.theguardian.com/politics/2015/aug/23/british-embassy-iran-tehran-reopens.

([21]) “رفضت الانتخابات مطالبات بتزوير الأصوات: تصريحات آية الله خامنئي في لقاء مع كبار رجال الدين، “الدبلوماسية الإيرانية، 14 آذار/ مارس 2016،

http://www.irdiplomacy.ir/en/page/1957228/Elections+Disqualified+VoteRigging+Claims+Ayatollah+Khamenei’s+remarks+in+meeting+with+top+clerics.html

([22]) “دافوس 2014: إيران مستعدة للتشارك مع العالم، كما يقول روحاني”، الغارديان، 23 كانون الثاني/ يناير 2014.

([23]) -“يحث الزعيم على اتخاذ إجراءات جادة بشأن اقتصاد المقاومة في السنة الجديدة”، وكالة تسنيم للأنباء، 20 آذار/ مارس 2016،

http://www.tasnimnews.com/en/news/2016/03/20/1031481/leader-urgesserious-action-on-resistance-economy-in-new-year

([24]) ممثل المرشد في الحرس الثوري الإيراني: الولايات المتحدة في مسعى جاد نحو الاختراق الثقافي”، وكالة فارس للأنباء، 26 تشرين الأول/ أكتوبر 2015،

http://en.farsnews.com/newstext.aspx?nn=13940804000284

([25]) ممثل المرشد في الحرس الثوري الإيراني: الولايات المتحدة في مسعى جاد نحو الاختراق الثقافي”.

([26]) “مخابرات الحرس الثوري تعتقل مزيدًا من الصحافيين” المتسللين”، أوسكوي حول إيران، 5 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015.

http://www.uskowioniran.com/2015/11/irgc-intelligence-arrests-more.html

([27]) صلوات الجمعة في إيران: انتقاد واسع النطاق للحكومة”، الدبلوماسية الإيرانية، 22 نيسان/ أبريل 2016،

http://www.irdiplomacy.ir/en/page/1958369/Iranrsquo%3Bs+Friday+Prayers+Criticism+of+the+government+in+full+force.html

([28]) انظر أرانغ كيشافارزيان، “الاتفاق الإيراني كعقد اجتماعي”، تقرير الشرق الأوسط، مجلد 8، عدد 4(شتاء 2015).