1- احتلت “إسرائيل” الجولان في حرب حزيران/ يونيو 1967، وهجرت أغلبية سكانه البالغ عددهم آنذاك 137 ألف نسمة، وهدمت قراه البالغ عددها 340 قرية ومزرعة، عدا سكان خمس قرى ظلوا في قراهم، وأخضعتهم للحكم العسكري.

في عام 1974، بعد اتفاقية فصل القوات، أعادت “إسرائيل” نحو 100كم2 من أصل 1250 كم2 من مساحة الجولان المحتل، بما فيها مدينة القنيطرة المهدمة.

حاولت “إسرائيل” تطبيق قوانينها على الجولان أرضًا وسكانًا منذ الأيام الأولى للاحتلال، واستغلته اقتصاديًا في جميع المجالات، وأقامت المستوطنات فيه بعد أن أزالت معالم القرى السورية وغيرت أسماء الأماكن فيه، ومع وصول (الليكود) إلى السلطة بدأت محاولة ضم الجولان: عام 1979 قدم عدد من أعضاء الكنيست اقتراحا لاعتبار الجولان جزءا من “إسرائيل”، في السنة التالية عُدِّل قانون الجنسية الإسرائيلية بحيث يسمح لوزير الداخلية بأن يعطي الجنسية لسكان المناطق المحتلة عام1967، حيث أُعطيت للبعض من الموظفين والمتعاونين.

رفض سكان القرى الأربعة ( مجدل شمس، بقعاثا، مسعدة، عين قنية) محاولات فرض الجنسية الإسرائيلية عليهم، وأصدروا “الوثيقة الوطنية” في 25 آذار/ مارس 1981 التي أكدت على انتمائهم وجنسيتهم السورية، وفرضوا حصارًا اجتماعيًا واقتصاديًا على من يأخذ الجنسية الإسرائيلية، وفي 14 كانون الأول/ ديسمبر 1981 أصدرت “إسرائيل” قرارها بضم الجولان الذي رفضته الأمم المتحدة واعتبرته لاغيًا.

عارض سكان الجولان قرار الضم، مؤكدين على أن الجولان أرض سورية محتلة، وأنهم عرب سوريون، لكن السلطة الإسرائيلية استمرت في ضغطها لتنفيذ القرار بمضايقة السكان في أعمالهم وحركتهم، وعبر مداهمة البيوت والاعتقالات، وغير ذلك، الأمر الذي دفع سكان الجولان لإعلان الإضراب المفتوح عبر اجتماع عام في 13 شباط/ فبراير 1982.

استمر الإضراب من 14 شباط/ فبراير حتى 20 تموز/ يوليو 1982، شاملًا جميع السكان الذين انقطعوا عن أعمالهم داخل الجولان وخارجه، وحاصرت القوات الإسرائيلية الجولان وعزلته عن العالم الخارجي، وحاولت إعطاء الهوية الإسرائيلية بالقوة حيث وزعها الجنود على البيوت داخل القرى، لكن السكان رفضوا استلامها وأعادوها إلى مصدرها، واستمروا في الإضراب على الرغم من فصل العمال والموظفين من أعمالهم. وفي النهاية جرى الاتفاق على إنهاء الإضراب مقابل أن تتخلى السلطة عن فرض الجنسية، وجرى إعطاء السكان بطاقات إقامة من دون ذكر الجنسية.

 

2- تميز إضراب الجولان بعدة مظاهر يمكن تلخيصها بالآتي:

– كان الإضراب تجربة حية في العصيان المدني، مارسه عدد قليل من السكان ( حوالي 13 الف نسمة) ، في منطقة شبه معزولة عن محيطهم السوري والعربي، وعن دولتهم التي لم تهتم إلا بحاجات نظامها الأمني، ويُعدّ من الإضرابات الطويلة في تاريخ سورية.

– كان الإضراب قرارًا داخليًا اتخذته مجموعة قليلة من السكان، أحست بالخطر على وجودها وهويتها، وحّدت موقفها وحدّدت هدفها، واستخدمت الوسيلة الوحيدة المتاحة لها وهي الإضراب العام للوصول لأهدافها.

– خلال الإضراب، تراجعت الانتماءات الضيقة من عائلية وقروية وشخصية، لمصلحة الانتماء الأكبر الذي يشمل الجميع وهو الانتماء الوطني، ونمت روح الجماعة والمصلحة العامة، وانعكس هذا في أعمال عديدة مشتركة أسهم فيها جميع الأفراد ( كبارًا وصغارًا، رجالًا ونساءً) لمصلحة الجماعة.

– كان الإضراب فرصة شعر فيها العرب في المناطق المحتلة، في الجولان وفلسطين، بوحدة المصير، وتجلى هذا في حملات تضامن العرب الفلسطينيين في الداخل مع أشقائهم في الجولان، حيث استطاعوا كسر الحصار الإعلامي والاقتصادي، وقدموا ما استطاعوا من مساعدات للناس المضربين.

 

3- ما الذي تعنيه لنا ذكرى الإضراب في هذه الأيام، في ظل وضع سوري وعربي يزداد ضعفًا وتفككًا، وفي ظل نظام سوري يصرّ على التمسك بالسلطة ضد إرادة شعبه الذي ما زال يطالب بالحرية والكرامة منذ سبع سنوات، وما جلبه هذا التمسك من قوى خارجية احتلت البلد وتحاول تقاسم النفوذ فيه على حساب أرضه وسكانه، وفي ظل سلطة إسرائيلية تزداد يمينية وتحاول إكمال ابتلاع الأراضي العربية المحتلة، وفي ظل وضع عالمي تعجز المنظمات الأممية فيه عن إدانة ما يحصل في سورية من تدمير ممنهج للأرض والانسان، وتصر قواه الكبرى على إبقاء هذا النظام على الرغم مما يمارسه ضد شعبه من جرائم ومآس.

في ظل هذه الأوضاع، وعلى الرغم من معاناة شعبنا من القمع والاعتقال والقتل والتشريد على يد نظام الأسد، إلا أن شعبنا ما زال مصرًا على الاستمرار في النضال لتحقيق أهدافه، مدركًا أنه سوف يحقق أهدافه ولو طال الزمن.

إن معركة شعبنا في سبيل حريته وكرامته معركة طويلة، تقتضي من جميع قواه الحية توحيد الصفوف، والاتفاق على قواسم مشتركة يناضل من خلالها الجميع معًا لتحقيق أهدافهم، مستفيدين من تجاربهم التي خاضوها ويخوضونها، ومدفوعين بالتضحيات الجسيمة التي قدمت وما زالت تقدم يوميًا.

يواجه شعبنا في مختلف المناطق المحتلة من سورية، في شمال وجنوب سورية، وفي شرقها وغربها، وفي مختلف مناطق النزوح التي لجأ إليها، تحديًا رئيسًا هذه الأيام يتمثل بالحفاظ على هويته الوطنية السورية، تلك التي خاض أهلنا في الجولان معركتهم من أجلها خلال الإضراب؛ وعلى شعبنا اليوم أن يخوضها مجددًا في كل أماكن وجوده، سعيًا لبناء هوية وطنية سورية تتوافق مع العصر وحاجاتنا الواقعية، وحقائق التاريخ والجغرافيا، وتجمع جميع السوريين، على اختلاف انتماءاتهم الفرعية، لمصلحة الانتماء الأكبر للوطن.

 

تحية لشعبنا السوري الذي ما زال يناضل للحصول على حريته وكرامته، ويتحمل في سبيل ذلك التضحيات الجسيمة، في مواجهة تحدٍّ مزدوج، عدو خارجي وعدو داخلي.

تحية للشعب الفلسطيني الذي يواجه هجمة صهيونية شرسة تهدد كيانه ووجوده على أرضه التاريخية.

 

صالون الجولان في مركز حرمون للدراسات المعاصرة          14 شباط/ فبراير 2018