المحتويات

مقدمة

أولًا: توظيف مجلس الأمن الدولي لمصالح الدول الكبرى

ثانيًا: التهجير القسري والتفريغ الديموغرافي

ثالثًا: أين القانون الدولي الإنساني؟

رابعًا: هل يفعّل المجتمع الدولي حق التدخل الإنساني في سورية؟

خامسًا: خاتمة

 

مقدمة

لم يشهد التاريخ الحديث بؤرة صراع دموي أُهملت من قبل المجتمع الدولي، وعرفت هذا الاستهتار المخزي، وباتت مرتعًا لصراعات النفوذ وتقاسم الحصص، مثل المأساة السورية، خاصة حين ترعاها ثورة الاتصالات ولغة الصورة التي تصل إلى كل بيت وتكشف للبشرية ما يعجز اللسان عن كشفه وقوله، ليتكرر السؤال، لماذا تُركت سورية لهذا المصير المرعب!؟

حينما يصدر قرار دولي غير ملزم، لا يتضمن أي ملحقات تنفيذية، يكون من أجل ذر الرماد في عيون شعوب العالم. لا بل إن القرار 2401، بعد التعديلات التي فرضتها روسيا عليه، أدى إلى تشريع همجية التحالف الروسي– الإيراني- الأسدي.

لقد شهد نظام العلاقات الدولية في التاريخ الحديث عدة تحوّلات توافقية بين الأطراف الدولية الرئيسة في كل مرحلة. ومنذ سقوط جدار برلين ونهاية الحرب الباردة ينشغل الساسة والمؤرخون وعلماء السياسة والعلاقات الدولية بتحليل النظام الدولي الجديد وطرح التساؤلات التي يثيرها. فعلى الرغم من طموح شعوب العالم إلى تطوير أنماط جديدة من الحياة الدولية المعاصرة، تعبّر عن حاجة العالم إلى نظام دولي جديد يتماشى مع حقائق الحياة، ويوفر الأمن والعدل والتقدم والديمقراطية وحقوق الإنسان والسلام لشعوب ودول العالم، إلا أن شعوب العالم ونخبه ما فتئت تتساءل عن سمات المرحلة الجديدة التي تبدو بازغة في الأفق، خاصة بعدما أظهره عجز المجتمع الدولي عن إيقاف المقتلة السورية. إذ يمكن أن نحدِّد المسألة السورية بوصفها المحكّ الرئيس لتحوّلات جذرية في بنية النظام الدولي،‏ هيكلًا وتفاعلًا‏،‏ وإحدى أهم القضايا المحورية في إعادة تشكيل هذا النظام‏.‏

‏لقد كان الصراع الدائر في سورية وعليها، منذ سبع سنوات وما زال، قد أخذ في البداية شكل مسألة داخلية أفرزتها ثورة شعب في مواجهة نظام مستبد. غير أن التفاعلات المتشابكة لتلك المسألة ما لبثت أن حولته إلى صراع دولي وإقليمي واسع النطاق، وجاذب للقوى المتنافسة على قيادة المنطقة والهيمنة على النظام العالمي، الأمر الذي أدى إلى تحوّل سورية– تدريجيًا- إلى ساحة لتصفية الحسابات المتعلقة بأنواع الصراعات القديمة والمستجدة كافة.

سبعة أعوام والأمم المتحدة في حالة تراجع دائم، وبدلًا من أن تولي المأساة السورية، التي لم يشهد العالم لها مثيلًا منذ الحرب العالمية الثانية، اهتمامًا يرتقي إلى مستوى خطورتها، فإنها اكتفت بإدارة الأزمة وتصريفها. ولا شك في أن روسيا والولايات المتحدة الأميركية تتحملان المسؤولية الرئيسة في منع الأمم المتحدة من أداء دورها في معالجة هذه المأساة، ومن ثمّ تدمير صدقية المنظمة الدولية.

 

أولًا: توظيف مجلس الأمن الدولي لمصالح الدول الكبرى

يفاخر الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، اليوم بأن سورية، بكل جغرافيتها وديموغرافيتها، كانت حقل التجارب الأول لأسلحته، وأنها ميدان الرمي والساحة التي تدرب فيها جنرالاته وجنوده على السلاح والتخطيط العسكري كي يكتسبوا الخبرات، على الرغم من أنها ليست أرضه. ومن هنا لم يشأ الروس تمرير قرار مجلس الأمن الدولي 2401 إلا حينما أصبح تشريعًا لاستباحة كل مناطق سورية التي دخلت ضمن مناطق خفض التصعيد، أو سواها؛ حيث استطاعت تضمين القرار ما يوسّع هوامش التلاعب الروسي بالفصائل العسكرية، ويضعها تحت التهديد المباشر، بالتصنيف ضمن حيثيات البند الثاني من القرار، المتعلق بعدم شمولية وقف الأعمال العدائية ضد (النصرة) و(داعش) والأفراد والكيانات المرتبطة بهما والمتعاونة معهما!؟ بينما أميركا ليست معنية كثيرًا بالقرار الدولي، ما دامت مناطق نفوذها تحميها قواعدها العسكرية، حيث تُسحق أيّ قوات عسكرية تقترب منها كما حدث في دير الزور مؤخرًا وفي البادية الشرقية منذ أيام.

يؤكد تاريخ مجلس الأمن أن الدول الكبرى أفرطت في ممارسة حق الفيتو منذ عام 1945، خاصة الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي (السابق) وروسيا في هذا الزمان. فأميركا استخدمت هذا الحق سيئ السمعة (43) مرة دعمًا لإسرائيل على حساب حقوق الفلسطينيين. أما روسيا فقد سجلت صفحة سوداء في تاريخها، تحديدًا في دعمها لسلطة آل الأسد، فقد استخدمت حق الفيتو ضد قرارات المجلس في الشأن السوري إحدى عشرة مرة خلال سبع سنوات عجاف راح ضحيتها مئات الآلاف من القتلى وأكثر منهم من الجرحى والمعاقين، واثنا عشر مليونًا من النازحين في الداخل والمهجرين في الخارج، ما أوقف جميع مساعي المجلس لحلحلة هذه المأساة، وعطّل مهمة لجنة التحقيق الدولية حول استخدام الأسلحة الكيماوية.

كانت معضلة روسيا في مجلس الأمن أن دولتي السويد والكويت عرضتا عليها “قرارًا إنسانيًا” ولم تعرضا عليها شيئًا آخر يشجعها على “شرائه”. فهي لم تتدخل في سورية لتبرهن عن إنسانيتها، بل لتساوم الأميركيين والأوروبيين على ملفات أخرى، وهي غير معنية بـ (القانون الدولي الإنساني).

هناك ثمان وعشرون حالة في مجلس الأمن حول سورية، بين قرار دولي ومشروع قرار، استخدم الروس (الفيتو) حيالها إحدى عشر مرة. لكنّ جميع القرارات التي صدرت لم تأتِ تحت الفصل السابع الرادع من ميثاق الأمم المتحدة، وبالتالي، لم يمتلك أي منها أدوات إكراه لتنفيذ مقررات الشرعية الدولية بقوة القانون الدولي، فضلًا عن أن نصوصها جاءت في كثير من الأحيان مبهمة وغامضة وحمالة أوجه، كما هو حال القرار 2401.

لم يمنع القرار 2401، الذي تبنّاه مجلس الأمن الدولي بالإجماع في 24 شباط/ فبراير الماضي، سلطة آل الأسد وحلفاءها الروس والإيرانيين من متابعة العملية العسكرية التي تهدف إلى السيطرة على غوطة دمشق الشرقية، مع ما ينطوي عليه ذلك من تغيير ديموغرافي في محيط دمشق، بل جعلها تجري بالتقسيط المريح عسكريًا.

المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، تباهت في 25 شباط/ فبراير الماضي، بأن بلادها استطاعت “إفشال تمرير قرار روجت له الدول الغربية في مجلس الأمن الدولي لخطة توجيهية، وبالتالي غير واقعية للتسوية”، كما تجاهلت الوقائع الميدانية وعدم التزام النظام بدء الهدنة المفترضة، معتبرة أن بلادها تعوّل “على قيام داعمي المجموعات المسلحة في الخارج بتنفيذ واجبهم ودفع من لهم عليهم تأثير نحو وقف النشاط القتالي من أجل الإيصال العاجل للقوافل الإنسانية”. وكان المندوب الروسي في مجلس الأمن، فاسيلي نيبينزيا، أكثر وضوحًا في الكشف عن الاستخفاف الروسي بالقرار 2401، حين قال، فور انتهاء التصويت عليه بالإجماع، إنه “من المستحيل تنفيذ هذا القرار ما لم تتواصل كل الأطراف مع الحكومة السورية”.

إن ما طرحَته روسيا كهدنة يومية من خمس ساعات هو خدعة جديدة، إذ إن هذه السويعات تحتاج إليها الميليشيات الإيرانية المهاجمة للاستراحة والإعداد، ومراجعة الموقف على الأرض، لإحكام سيطرتها على خطوط النار، ولأن الطيران الروسي لا يستطيع منح الغطاء الجوي على الأرض أربعًا وعشرين ساعة في اليوم.

ومن مؤشرات التسليم بهذه المعادلة والتصرف على أساسها، أن الخارجية الأميركية في تعاملها مع فاجعة الغوطة، حرصت على مقاربتها من منظور إنساني بحت، مع الاكتفاء بغمز خجول من زاوية موسكو ودورها. إذ بقي المأخذ على موسكو في حدود “أنها لم تفِ بالتزاماتها” السورية، التي تعهد بها الرئيس بوتين لنظيره ترامب خلال لقائهما في فيتنام، فضلًا عن استمرارها “في تمكين النظام السوري”، من دون شرح وتوضيح لتفاصيل هذا التمكين الميداني.

وهكذا، يبدو أن النظام الدولي قد تخلّى عن شعاراته الكبيرة التي رفعها غداة الحرب العالمية الثانية، خاصة بعد نهاية الحرب الباردة، والحديث عن الديمقراطية وحقوق الإنسان.

لا يقلل من النتيجة السابقة المناكفات الغربية– الروسية، حيث اعتبرت واشنطن أن موسكو تجاهلت قرار مجلس الأمن، وقتلت “مدنيين أبرياء وسط ادعاءات زائفة بتنفيذ عمليات مكافحة الإرهاب.. إنها التركيبة ذاتها من الأكاذيب والقوة العشوائية التي استخدمها كل من روسيا والنظام السوري لعزل حلب وتدميرها عام 2016، وقتل آلاف المدنيين فيها”. وطلب الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، من نظيره الروسي في 5 آذار/ مارس “اتخاذ إجراءات فعلية وملموسة” كي يقبل النظام السوري “من دون لبس” بهدنة في منطقة الغوطة الشرقية المحاصرة. بل إن الرئيس الفرنسي شدّد على أنه “في حال إثبات استخدام أسلحة كيماوية أدت إلى مقتل مدنيين، فسيكون هناك رد حازم بالتنسيق مع حلفائنا الأميركيين”. والأمر ذاته عبّر عنه وزير الخارجية البريطاني حين قال إن بلاده مستعدة للالتحاق بالولايات المتحدة وتوجيه ضربات للنظام السوري، إذا ما تأكد استخدام الكلورين ضد المدنيين.

إن تجارب الشد والجذب هذه بين القطبين الدوليين، تمنح كلًا منهما قدرة على قراءة حدود أفعال خصمه، واختبار مدى جديته وقدرته، إذ شكّل استهداف الغوطة الشرقية فرصة لبوتين كي يختبر استعدادات واشنطن لإنهاء القطيعة، طالما أنها قادت، وسائر الدول الغربية، حملة للدفاع عن المدنيين السوريين، لكنها قيادة “من الخلف”، تدعم تحركات الدول الأخرى، من دون أن تفتح خطًا مع روسيا، لعلمها بأن بوتين يريد أن يساومها على أمور أخرى.

وهكذا، فإن الكل يبحث عن مصلحته السياسية في هذه المأساة وغير مستعد لإيقافها إلا بعد أن يضمن نصيبه من الكعكة، وبالتالي؛ فالحديث عن مسؤولية طرف أكثر من الآخر هي مسألة نسبية فقط، إذ الكل يشترك في الجريمة. فواقع الحال أن كل دولة من الدول المنخرطة في الصراع السوري بدأت تستعجل تأمين مناطق نفوذها، قبل أن تظهر تأثيرات العودة الأميركية على الساحة السورية على نطاق أوسع، فتغيّرت الاستراتيجية من تجميد الصراع، ريثما يتم التوصل إلى اتفاق على تأمين مصالحها، إلى تأمين مناطق نفوذها تحسبًا من تغيّر المعادلات.

الخلاصة أن الحرب الباردة الروسية- الأميركية المتجددة تُخاض في سورية كما في خارجها، وأن ثمة أطرافًا إقليمية وسيطة تؤجج هذه الحرب وتهدئها بإيعاز من هاتين الدولتين أحيانًا، وضد رغبتيهما أحيانًا أخرى، وبالتالي، فإن القرار 2401 لم يصمد طويلًا ليس فقط لأنه جاء ملغوم الصياغة، لكن أيضًا لأن قواعد الاشتباك على الأرض السورية آخذة في التغيير وكذلك دوائر الضوء أيضًا.

 

ثانيًا: التهجير القسري والتفريغ الديموغرافي

لم يمنع القرار 2401 سلطة آل الأسد من إطلاق عمليتها العسكرية التي تهدف إلى السيطرة على غوطة دمشق الشرقية. فقد أكد رأس النظام بشار الأسد في 4 آذار/ مارس، في تصريحات لصحافيين نقلها التلفزيون الرسمي “يجب أن نستمر في العملية بالتوازي مع فتح المجال أمام المواطنين للخروج”، معتبرًا أن “عملية الغوطة هي استمرار لمكافحة الإرهاب”. وفي الواقع لا تريد سلطة آل الأسد وحلفاؤها الإيرانيون استعادة أي منطقة مع أهلها، لذلك يفضّلون إنزال الدمار الشامل بها وجعلها أرضًا محروقة، ليضمنوا تفريغها من السكان وتسليمها إلى الإيرانيين ليستولوا على (أملاك الغائبين).

وكان واضحًا أن معسكر النظام بأجنحته الثلاثة، دمشق وموسكو وطهران، فهم أن القرار الدولي يؤمّن له شرعية مواصلة حرق الغوطة، إذ قال رئيس أركان الجيش الإيراني، الجنرال محمد باقري، إن إيران وسورية ستواصلان الهجمات على ضواحي دمشق التي يسيطر عليها من وصفهم بـ “الإرهابيين”، زاعمًا، في الوقت نفسه، أنهما “ستحترمان قرار الأمم المتحدة بوقف إطلاق النار”.

السيناريو الإيراني للحل في الغوطة، هو تهجير المدنيين وزرعها بالميليشيات الإيرانية، ثمنًا للحل الذي تكلمت إيران عنه بوضوح مع دمشق، لدفع ثمن وقوفها مع الأسد، بينما السيناريو الروسي يذهب إلى إدخال شرطة شيشانية (سنّية) بعد خروج جميع الفصائل المسلحة منها.

وهكذا، يرمز الإصرار السوري- الإيراني- الروسي على الخلاص من المعارضة في الغوطة الشرقية إلى الكثير من الأهداف، بدءًا بضمان الحماية لدمشق إزاء احتمال تحريك الجبهة الجنوبية في اتجاه العاصمة، مرورًا بتعميق التغيير الديموغرافي في محيطها بتهجير أهلها منها في ما يشبه حرب إبادة المدنيين، وبتقليص فرص الحل السياسي على أساس قرار مجلس الأمن 2254 عبر انتصار جديد للنظام يُثبّت رأسه في السلطة، بموازاة توسيع سيطرته الميدانية مع حلفائه.

لقد عمدت إيران وسلطة آل الأسد، خلال السنوات الأخيرة، إلى تطبيق هذه السياسة القائمة على تفريغ ريف دمشق من سكانه الذين كان عددهم قبل الثورة يزيد على أربعة ملايين نسمة، عبر الحصار أولًا بحجة وجود مسلحين، ومن ثم القصف التدميري للمنازل ومقوّمات الحياة، وصولًا إلى تهجير المقاتلين وأهاليهم. بينما يؤدي انعدام مقوّمات الحياة إلى تهجير بقية السكان “طوعًا”، إذ بات معظم أهالي هذه المناطق خارجها، فمن أصل أربعة ملايين نسمة، لا يوجد في ريف دمشق اليوم أكثر من مليون، أغلبهم مهدّد بالتهجير، كما حال سكان الغوطة الشرقية التي تُعتبر الثقل السكاني الأكبر حاليًا في ريف دمشق الذي لم يصبه التهجير القسري على نطاق واسع، بينما غادر أكثر من نصف سكان الغوطة خلال السنوات الماضية نتيجة التدمير الممنهج لمقوّمات الحياة فيها، على غرار مناطق أخرى.

الواقع أن الريف الدمشقي شكّل، منذ انطلاق الثورة في آذار/ مارس 2011، مصدر قلق لسلطة آل الأسد التي تدرك أن أبناء هذا الريف لا يكنّون لها الود، بسبب ممارساتها المتراكمة بحقهم خلال العقود الماضية، لجهة الاستيلاء على أراضيهم بحجج مختلفة، وإهمال مناطقهم وحرمانها من أبسط الخدمات، على الرغم من أنها تشكل رئة دمشق ومصدر غذائها.

كانت مناطق ريف دمشق في طليعة المناطق التي ثارت على النظام، وشهدت تظاهرات مناوئة له منذ الأيام الأولى للثورة. ومن هنا تلاقت مصالح سلطة آل الأسد في إخماد الريف الثائر مع مصالح إيران في الاستيلاء على مناطق هذا الريف وتهجير سكانه، بينما ساعد الطيران الروسي في تنفيذ هذا المخطط بنيّة تثبيت حكم بشار الأسد، والقضاء على كل أشكال المعارضة المسلحة، التي تعتبرها روسيا إرهابية بالجملة.

وعلى الرغم من تمسك أغلبية سكان الغوطة بأرضهم وبيوتهم وبلداتهم، ورفضهم الخروج منها، فإن مواصلة الحصار، والضغط عبر القصف المُركّز، يمكن أن يُجبر الكثيرين على الخروج منجاة من الموت.

 

ثالثًا: أين القانون الدولي الإنساني؟

أهم ما ميز الحرب الأهلية في يوغسلافيا السابقة كان حصار سراييفو الذي استمر من نيسان/ أبريل 1992 إلى شباط/ فبراير 1996، والذي اعتُبر حينها أطول حصار لعاصمة في تاريخ الحروب الحديثة، فقد استمر هذا الحصار ثلاث مرات أطول من معركة ستالينغراد خلال الحرب العالمية الثانية. لكنّ حصار الغوطة الشرقية يُعتبر الأطول في التاريخ على الإطلاق، بعد مرور ما يقارب الخمس سنوات بدءًا من أيار/ مايو 2013 وحتى يومنا هذا.

كما أن لجنة التحقيق الدولية المستقلة، التي تقدم تقاريرها إلى مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف، تحدثت عن ممارسات الحكومة السورية في منطقة الغوطة في تقريرها الصادر في آب/ أغسطس 2014 الذي أشار إلى أن القوات الحكومية “ارتكبت انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان وجرائم حرب وأخذ الرهائن والتعذيب والاغتصاب والعنف الجنسي وتجنيد الأطفال واستخدامهم في الأعمال العدائية واستهداف المدنيين. وقد أدى القصف الجوي العشوائي وغير المتناسب إلى وقوع خسائر في صفوف المدنيين مع انتشار الرعب والهلع بينهم، واستخدمت القوات الحكومية غاز الكلور، وهو سلاح غير شرعي”. وقد كشف تحليل صور للأقمار الصناعية أجراه خبراء الأمم المتحدة في كانون الأول/ ديسمبر 2017 ما يقرب من 3853 منزلًا مدمّرًا و5141 منزلًا مصابًا بأضرار جسيمة، و5423 مبنى متضررًا في شكل معتدل في الأجزاء الغربية الأكثر كثافة سكانية.

يجب ألا ننسى أن الغوطة الشرقية نفسها كانت عرضة لأكبر هجوم بالسلاح الكيماوي في آب/ أغسطس 2013، ما أدى إلى مقتل أكثر من 1400 شخص أكثر من 400 منهم من الأطفال، وعلى الرغم من ذلك بقيت المنطقة بأكملها تحت الحصار ومُنع عنها وصول الإمدادات الغذائية والدوائية والطبية حتى بعد صدور قرارات مجلس الأمن الدولي تباعًا في شأنها، بخاصة في ما يتعلق بالكشف عن استخدام الأسلحة الكيماوية، ومن ثم القرارات الخاصة بالمناطق تحت الحصار، وبخاصة القرار 2268 الذي أدخل كلًا من الغوطة الغربية والشرقية كمناطق تحت الحصار وأُقِّر بالإجماع في 26 شباط/ فبراير 2016. والآن، وبعد عامين كاملين، ما زالت الغوطة الشرقية ترزح تحت الحصار.

لذلك، على العالم اليوم أن يتذكر أن مأساة الغوطة لم تبدأ اليوم، وأن قرارات مجلس الأمن التي صدرت بحقها وآخرها القرار 2401 لم يجد طريقه للتنفيذ كما القرارات التي سبقته. وعلى المجتمع الدولي اليوم أن يفكر أبعد من تحويل مجلس الأمن إلى منبر للخطابة وتدبيج العبارات التي تصف ألم السوريين في الغوطة ومعاناتهم، عليه أن يفكر في استخدام وسائل أخرى، من أجل حماية المدنيين والحفاظ على أرواحهم وضمان تحقيق انتقال سياسي، يعيد الغوطة إلى روضة للجنة بدلًا من أن تكون مرادفًا لـ “جهنم على الأرض” بحسب تعبير الأمين العام للأمم المتحدة.

فكيف هو الحال مع إعلان المنظمات الأممية أن ما يحصل في سورية هو من أكبر الأزمات الإنسانية التي واجهتها خلال تاريخها، وخلوصها إلى الاعتراف بأنها تقف عاجزة اليوم عن مساعدة أكثر من عشرة ملايين سوري تعرضوا لأضرار مختلفة… مئات الآلاف من الجرحى والمشوهين، ومثلهم من المفقودين والمعتقلين، وملايين باتوا اليوم بلا مأوى وفي حالة قهر وفقر شديدين وقد فقدوا كل ما يملكون أو يدخرون، منهم من نزحوا داخليًا إلى أماكن أقل عنفًا ويعانون الأمرين، ومنهم من لجأوا إلى بلدان الجوار ليعيشوا في معازل لا تليق بالبشر، وفي مخيمات لا تقيهم برد الشتاء ولا الانتهاكات الجسيمة وظواهر الإذلال التي يتعرضون لها، فضلًا عن إخضاع حياتهم لمعونات أممية تتقلص تدريجيًا وتعجز عن تلبية أبسط حاجاتهم، وأسوأ النتائج فقدان أكثر من ثلاثة ملايين طفل سوري فرص التعليم والرعاية الصحية.

إذا ما نظرنا إلى البند السابع لنظام مجلس الأمن سنجد أنه ينطبق على المأساة السورية المفتوحة، لجهة اقتراف النظام وحلفائه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية مثل التطهير العرقي والإبادة الجماعية، ولجهة استعمال أسلحة محرّمة دوليًا كالأسلحة الكيماوية. ومع هذا لم يحصل التدخّل الدولي الإنساني الذي شرّعته الجمعية العامة للأمم المتحدة في سنة 2005.

إن حماية المواطنين من انتهاكات حقوق الإنسان هي مسؤولية الدولة بالدرجة الأولى، لكن عندما ترتكب السلطة الحاكمة بحق مواطنيها انتهاكات جسيمة، ترقى إلى مستوى جرائم الحرب أو الجرائم ضد الإنسانية أو جريمة الإبادة، أو عندما تكون هذه السلطة غير راغبة أو غير قادرة على تقديم الحماية لمواطنيها، فحينئذ يتعين على المجتمع الدولي أن يأخذ على عاتقه مسؤولية حماية المدنيين والأبرياء. ومن هذا المنطلق، هناك التزامات قانونية وأخلاقية، تفرض عليه حماية السوريين من انتهاكات سلطات بلادهم.

إن المؤسسات الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة وبعض المنظمات المنبثقة عنها، متورطة بمساعدة سلطة آل الأسد على قتل الشعب السوري بثلاث طرق مختلفة: المشاركة والتغاضي والتبرير، وبالتالي، إضفاء الشرعية على إجرامه وسلطته. لقد أثبت العديد من التقارير الموثّقة هذه الأدوار المختلفة للمؤسسات الدولية، ولم يسجّل التاريخ، منذ الحرب العالمية الثانية، سماح المؤسسات الدولية والمجتمع الدولي لسفّاح بأن يسفك دماء المدنيين لسبع سنوات متواصلة من دون محاسبة كما يحصل في سورية.

ومن المهازل الموصوفة مؤخرًا في هذا السياق، قيام اللجنة الخاصة المعنية بتنفيذ إعلان منح الاستقلال للبلدان والشعوب المستعمرة، والمعروفة باسم “لجنة الـ 24″، بانتخاب مندوب نظام الأسد الدائم لدى الأمم المتحدة، بشار الجعفري، مقررًا لها. كيف يمكن تصوّر نظام مارق، يرتكب يوميًا جرائم إبادة جماعية بحق المدنيين منذ سبع سنوات باستخدام كل الأسلحة بما في ذلك الأسلحة المحرّمة دوليًا كالسلاح الكيماوي، ويستجلب كل أنواع الاستعمار والاحتلال لسورية، ثم يُنصّب مندوبه في هيئة تسمح له بالادعاء بأنه في موقع الدفاع عن الشعوب!

إن التصريحات الصاخبة المتعاقبة لرؤساء ومسؤولي الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا وألمانيا، عن “ضرورة عقاب مستخدمي السلاح الكيماوي في سورية، إذا ثبت ذلك”، تضعنا أمام مفترقات طرق جديدة، لكنها سرعان ما تتحول إلى سراب، مع اقتران تلك التهديدات بـ “إذا” الشرطية، حيث تصبح مهمتها تمييع الفعل، وتفريغ مضمون التهديد الصوتي، ما يفيد بأن ما يحدث للسوريين ليس مرهونًا برغبة سلطة آل الأسد ومن يساندها فحسب، إنما هو صمت يرقى إلى مستوى الشراكة العالمية، ربما بالرغبة في تدمير سورية وتغيير وجهها الديموغرافي والجغرافي، في خطوةٍ تسبق استعادة تمركز كل القوى المتصارعة في منطقة الشرق الأوسط من بوابة سورية المدمرة.

لقد أصبحت الحرب السورية حربًا بالوكالة، وقد ظهر هذا النوع من الحروب خلال فترة الحرب الباردة، إذ كانت الدول العظمى تتجنب خطر الصدام المباشر فيما بينها في ظل وجود الأسلحة النووية، وبالتالي كانت تدفع الدول الصغرى متجنبة الدخول مباشرة في هذه المواجهة، وذلك لإنقاذ العالم من احتمال المواجهة النووية الانتحارية. ولم يتغير هذا الموقف كثيرًا بعد نهاية الحرب الباردة.

يتحمل الغرب بالدرجة الأولى المسؤولية عن هذا التردّي في أوضاع حقوق الإنسان وقيمها، وفي مقدمة الغرب تأتي مسؤولية الولايات المتحدة الأميركية التي تنصّب نفسها رائدة للعالم الحر، فصمت الإدارات الأميركية المتعاقبة وتواطؤها، شجع دكتاتوريات وأنظمة مستبدة كثيرة في العالم على التمادي في انتهاكاتها لحقوق شعوبها والشعوب الأخرى التي تطاولها جرائمها.

إن تداخل الوجهين، السياسي والقانوني، في عمل مجلس الأمن الدولي، من شأنه أن يؤثر في عملية تصنيف المشكلات الدولية المطروحة عليه، حيث لا تُعتمد في ذلك، في أغلب الأحيان، المقاييس نفسها، بسبب خضوع المجلس لمصالح الدول الكبرى، خاصة تلك المتمتعة بحق النقض، إذ إن المعايير المزدوجة والممارسة الكيفية لسلطة مجلس الأمن واضحة بما فيه الكفاية، ما يشكل تهديدًا للسلم والأمن الدوليين.

إن المعايير المزدوجة والمعايير غير المنطقية التي يعتمدها المجلس في قراراته التي يتخذها، أو في تلك التي يمتنع عن اتخاذها في ما يتعلق بحفظ السلم والأمن الدوليين، هي خرق فاضح لمبدأ المساواة أمام القانون. فتجاهل مجلس الأمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبتها سلطة آل الأسد وداعموها الروس والإيرانيون، يعطي الدليل القاطع على خروجه عن الضوابط القانونية الواجبة لشرعية قوانينه.

لو كانت الأمم المتحدة جادّة لكانت أولت المسألة السورية اهتمامًا مختلفًا شبيهًا بأزمات أخرى، مثل رواندا على سبيل المثال، وفي هذه الحالة فاتها أن تدرس جدّيًا إرسال قوات دولية لوقف قتل المدنيين. إن حماية المدنيين في أثناء الحروب هي جزء لا يتجزأ من منظومة حقوق الإنسان، التي يُفترض أنها مسؤولية أممية، لكن هذه المسؤولية الأممية بقيت غائبة تمامًا في المسألة السورية.

لكن، وبالرغم من كل ما ذكرناه، ستبقى هيئة الأمم المتحدة ملاذًا للدول والشعوب الضعيفة، ما يستدعي تعزيز دورها من خلال إجراء إصلاحات عميقة في ميثاقها وفي بنيتها.

 

رابعًا: هل يفعّل المجتمع الدولي حق التدخل الإنساني في سورية؟

في سياق الكارثة الإنسانية التي أنزلها طغاة هذا العصر بمن تبقى من سكان غوطة دمشق الشرقية، الذين يربو عددهم على أربعمئة ألف، لا تبدو التصريحات الأميركية والأوروبية فعّالة حتى الآن، حيث بدأ الحديث عن “معابر آمنة” تمهيدًا لعرض مشهد الباصات الخضراء التي تملأ سلطة آل الأسد خزاناتها بالوقود، لتحمل أهالي الغوطة إلى مصيرهم المجهول في إدلب أو في مكان آخر. وإذا استمرت هذه السياسة، فإن المقتلة السورية ستستمر إلى أجل غير مُسمّى، لأنه بكل بساطة، لم يتم حل الخلافات الدولية، وبالتالي، فإن سورية، بموقعها الجغرافي، ستكون المكان المناسب جدًا لاستمرار الحرب بالوكالة.

في الحقبة التي استقرت فيها الحضارة الإنسانية على تجريم العنف الفردي والجماعي، وإقرار مبدأ التدخل الإنساني حين يتعرض شعب من الشعوب للإبادة من طغمته الحاكمة، متجاوزة المفهوم التقليدي لسيادة الدول التي حصّنت المجرمين فيها، يُحتم على النظام الدولي التحرك لإيقاف المذبحة كي لا تتزايد أوجاع ضميره التي ما زال يعاني منها من المذابح السابقة.

انطلاقًا من هذا، وبعد كل ما حل بسورية وبالشعب السوري طوال هذه السنوات السبع المنصرمة، في ظل العطالة المفروضة على مجلس الأمن، ألم يحن الأوان للدول الفاعلة في هذا المجتمع الدولي التي تدّعي صداقة الشعب السوري، أن تبادر إلى تحرك ما من خارج هذا المجلس الذي حكم عليه الروس بالعطالة، لوضع حد لهذه المأساة بموجب القانون الدولي الإنساني؟ أم أن هذه الدول لا تتطلع إلى هذا الأمر، وهي لن تُقدم عليه لأسباب ومصالح سياسية أيضًا بعيدًا عن الجانب القانوني الإنساني.

من المفترض، لا بل من المحتم، أن يقوم المجتمع الدولي، “الغرب المتحضر” تحديدًا، بواجباته الإنسانية، ويتحمل مسؤوليته حيال جرائم الحرب التي يرتكبها الروس وملالي إيران ونظام الأسد في الغوطة الشرقية، وسواها من المناطق السورية، خاصة بعد صدور قرار مجلس الأمن 2401 القاضي بوقف إطلاق النار وبهدنة إنسانية. فهل تشكل مأساة الغوطة اليوم اختبارًا لـ (الاستراتيجية الأميركية الجديدة) في سورية؟ وهل ينتهي التفويض الأميركي لروسيا بالتحكم بالمسألة السورية؟

المشكلة هنا أن السوريين هم من يدفعون ثمن العجز أو التواطؤ الدولي دمًا وخرابًا، وتتحمل المسؤولية الكبرى في هذا نخبهم السياسية والثقافية التي فشلت منذ البداية بتقديم قيادة وطنية لثورتهم، حين استسلمت للتناقضات الصغيرة التي كانت تنخر فيها، ولم تعمل على تأطير العمل السياسي والثوري في مواجهة النظام الذي ثار الشعب ضده، واكتفت بالمراهنة على الخارج الذي تحوّل إلى خوارج، وسلّمته مهمة القيام بهيكلة العمل المعارض، وبقيادة ثورة السوريين ضد الديكتاتورية والاستبداد والفساد، متجاهلة في هذا كله أن هؤلاء الخوارج جميعهم تحركهم، أولًا وأخيرًا، مصالحهم لا الأخلاق والمسؤوليات الإنسانية.

 

خامسًا: خاتمة

لم تنتهِ المأساة السورية بعد، حتى نجري عملية تقييم شاملة للآثار التي تركها غياب مؤسسات الأمم المتحدة خلال مجريات واحدة من أعقد الأزمات الدولية، وأكثرها حدة في تاريخ المنظمة الدولية منذ الحرب العالمية الثانية، إلا أن الحصيلة حتى الآن تكفي للحكم على صدقية الأمم المتحدة على نحو سلبي، ووضعها أمام حكم تاريخي قاسٍ، لم يسبق لها أن وجدت نفسها حياله.

وهكذا، يتبلور في الآفاق مستقبل سورية الذي تقرره تفاعلات صراعات المصالح والأجندات بين القوى الكبرى والإقليمية. ومن الواضح الآن أن المسألة تتجاوز استباحة الغوطة الشرقية أو حلب وقتل الأبرياء من الشعب السوري، إلى تأسيس مرحلة جديدة في العلاقات الدولية بين القوى الموجودة في سورية، وخاصة روسيا والولايات المتحدة الأميركية.

إن الإطار الدولي وتقاطعاته الاستراتيجية، وبما يرسمه من خطوط حاكمة لتحركات القوى الإقليمية، قد حوّل سورية، ليس فقط إلى أنموذج للنظام الإقليمي الذي سيولد على أنقاض ما تُخلّفه الحروب المشتعلة في عدد من الدول العربية، وإنما، إضافة إلى ذلك، إلى محطة رئيسة ترتسم من خلالها أبعاد النظام الدولي المقبل.