المحتويات

مقدمة

أولًا: قرار الهجوم المؤجل وتداعياته

ثانيًا: خيارات المدنيين بين السيء والأسوأ

ثالثًا: الخيارات المتوافرة أمام الفصائل المسلحة

رابعًا: تطورات المواقف الدولية ذات الصلة

خاتمة

 

مقدمة

لم تتأخر تظاهرات دوما، عاصمة الغوطة الشرقية، أكثر من أسبوع بعد انطلاق تظاهرات درعا 18 آذار/ مارس 2011. ومنذ بداية 2012، تناوب الجيشان (النظامي) و(الحر) السيطرة على بلدات الغوطة الشرقية حتى عام 2013، عندما انكفأت قوات النظام واكتفت بفرض الحصار عليها، مع استمرار وصول بعض الإمدادات عبر البادية السورية، ومن خلال قنوات الفساد عند حواجز النظام، فضلًا عن دخول بعض المساعدات الأممية على نحو محدود ومتباعد.

تعرضت بلدات الغوطة الشرقية خلال السنوات الخمس الماضية إلى عمليات قصف عديدة أوقعت آلاف الضحايا وألحقت دمارًا كبيرًا في البنى التحتية، كما تعرضت أحياء مدينة دمشق للقصف بقذائف قال النظام إن مصدرها الغوطة الشرقية، فضلًا عن تمكّن المسلحين من قطع الطريق الدولية دمشق- حمص من خلال عمليات القنص.

بلغت المساحة التي كان يسيطر عليها المسلحون من الغوطة الشرقية 100 كم مربع ونيف قُبيل الهجوم الأخير، وهي المنطقة الرئيسة الباقية تحت سيطرة المعارضة المسلحة حول العاصمة دمشق. وتشير تقديرات الأمم المتحدة إلى وجود نحو 400 ألف نسمة تحت الحصار المستمر منذ 5 سنوات.

كانت بلدات الغوطة الغربية ووادي بردى وبعض أحياء العاصمة (برزة والقابون) قد تعرضت للحصار حتى إجراء المصالحات، التي قضت بترحيل بعض المسلحين وعائلاتهم إلى إدلب أو بقاء بعضهم الآخر وتسوية أوضاعهم “وفقًا للأنظمة النافذة”، التي تعني، أساسًا، تجنيد هؤلاء الشباب ضمن صفوف الجيش أو الميليشيات الرديفة، بسبب النقص الكبير في موارد النظام البشرية اللازمة لتشغيل آلة الحرب.

 

أولًا: قرار الهجوم المؤجل وتداعياته

كان اجتياح الغوطة الشرقية مسألة وقت فحسب، بانتظار التمكن من حشد القوى اللازمة من المناطق السورية الأخرى، وخاصة بعد تبريد جبهة إدلب مؤخرًا ووضع نقاط المراقبة التركية واندلاع مواجهات بين (جبهة تحرير سورية)، المُشكّلة حديثًا والمدعومة من تركيا، و(هيئة تحرير الشام- جبهة النصرة سابقًا) في الريف الإدلبي وريف حلب الغربي. وفّرت التطورات المشار إليها ظروفًا ملائمة للحشد العسكري باتجاه الغوطة، في محاولة لتطبيق سيناريو مشابه لما حصل في حلب أو مناطق أخرى حول العاصمة دمشق.

في الأشهر الماضية، حصلت المعارك الأهم في الغوطة الشرقية على جبهة إدارة المركبات بحرستا، حيث قام تنظيم (أحرار الشام)، مدعومًا بعناصر من (جبهة النصرة) و(فيلق الرحمن)، بعدة هجمات في هذه المنطقة وحقق بعض التقدم، وردّ النظام بقصف مناطق الاشتباك وعدة بلدات مجاورة.

في بداية القصف الجوي على الغوطة الشرقية (18 شباط/ فبراير) تمهيدًا للهجوم البري، عبّر وزير الخارجية الروسي، سيرغي لافروف، عن إمكانية تطبيق سيناريو لخروج المسلحين من الغوطة الشرقية يُحاكي ما حصل في حلب الشرقية عام 2016، بيد أن مثل هذه السيناريو يمكن أن تقف دونه عقبات، وأهمها العدد الكبير للمقاتلين من أبناء المنطقة نفسها (تشير مختلف التقديرات إلى وجود أكثر من 20 ألف مقاتل)، وإمكانية القتال لفترة طويلة في المناطق العمرانية، نظرًا إلى وجود بنية تحتية تضم شبكة من الخنادق والأنفاق الممتدة في أنحاء الغوطة كافة. لكن، من جهة ثانية، لا يمكن لكل ما سبق أن يصمد أمام قصف جوي عنيف ومستمر، فضلًا عن أن الكثافة السكانية العالية في بلدات الغوطة تعيق استمرار القتال لفترة طويلة، ما يُعرّض المدنيين لخسائر كبيرة في الأرواح والممتلكات، ويمنعهم من ممارسة حياتهم الطبيعية، فضلًا عن الشرخ الذي قد يحدث بين المدنيين والمسلحين من جرّاء تفاقم الأوضاع.

بدأت الحملة العسكرية البرية الأخيرة لقوات النظام وحلفائه في الخامس والعشرين من شباط/ فبراير الماضي، مدعومةً بغطاءٍ جوي كثيف من الطيران الروسي وطائرات النظام، وذلك بعد أسبوعٍ من القصف المكثَّف. ولم تمض عدة أيام حتى اتضحت الخطة العسكرية المتمثلة بشطر الغوطة إلى نصفين، فضلًا عن عزل حرستا عن دوما وقطع الطريق الرئيسة بينهما. وهكذا تحولت الغوطة الشرقية إلى ثلاثة أجزاء محاصرة؛ دوما وضواحيها، حرستا وبساتينها، والمنطقة الجنوبية التي تحتوي على العديد من البلدات، والمتصلة مع جيب جوبر، وهو أحد أحياء دمشق المجاورة لساحة العباسيين. ومع أن الهجوم الرئيس للنظام وحلفائه بدأ من الجهة الشرقية للغوطة واصطدم بـ (جيش الإسلام) أولًا، فإن الهدف الأساس هو عزل هذا الجيش في دوما ومحيطها، أملًا في عقد صفقات لاحقة معه، والتفرغ لقتال الفصائل الأكثر تشددًا، كـ (فيلق الرحمن) و(أحرار الشام) و(جبهة النصرة). وهكذا لم تلبث المعارك البرية أن تركّزت في الجزء الجنوبي من الغوطة، في حين لم يوفر القصف الجوي أي بلدة أو موقع.

لم تكن هناك مؤشرات مهمة إلى إمكانية تقديم الدعم العسكري الجدي لفصائل الغوطة من خلال فتح معارك في مناطق أخرى من سورية. مع ذلك، في السابع من آذار/ مارس، وفي بيان صادر عن المكتب الإعلامي لـ (قوى الثورة السورية)، أعلنت بعض الفصائل المقاتلة في ريف اللاذقية المتاخم لمحافظة إدلب وحماه عن هجوم شنته على مواقع للجيش في المنطقة، كما أعلنت الفصائل المسلحة في القلمون الشرقي في الحادي عشر من الشهر نفسه عن قطع طريق دمشق- بغداد، وفي الرابع عشر منه بدأت فصائل في ريف حماة الشمالي معركة باسم (النصر للغوطة)، وكانت كلها تحركات إعلامية وضعيفة الأثر ميدانيًا. في الواقع، كان يمكن لفصائل المنطقة الجنوبية تحديدًا التخفيف عن الغوطة الشرقية لو لم يكن قرارها يتبع، في نهاية المطاف، غرفة عمليات (الموك) بإدارة الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والأردن، والمجمدة حاليًا، مع أن طائرات النظام قصفت مناطق عدة في درعا، وفي تصرف لم يتضح إن كان احترازيًا أم هجوميًا.

وفقًا للمعطيات الحالية، تسير الأمور باتجاه سيطرة النظام وحلفائه على ما تبقّى من الغوطة الشرقية بطريقة ما، أساسها الحل العسكري، مع العمل عبر (لجان المصالحة) لإجراء مصالحات تحت الضغط العسكري المتزايد، على غرار ما حدث لمناطق أخرى في السابق، يُفضي ذلك إلى وقف تهديد هذه الفصائل للعاصمة، فيما يؤمن لإيران إمكانية توسيع منطقة نفوذها حول دمشق، ويعزز من هيمنة روسيا على مقدرات الأمور في الجزء الذي تسيطر عليه من سورية.

 

ثانيًا: خيارات المدنيين بين السيء والأسوأ

في 8 آذار/ مارس، وصفت المديرة التنفيذية لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف) الغوطة الشرقية بأنها أصبحت “جحيمًا للأطفال على الأرض”، وشدّدت على أن “المساعدة مطلوبة على نحوٍ عاجل”. من جهة ثانية، في التاسع من آذار/ مارس، أعرب الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، عن “القلق البالغ إزاء استمرار الأنباء المتعلقة باستخدام النظام السوري أسلحة كيماوية ضد المدنيين”، وكالعادة، ليس في وسع الأمم المتحدة سوى التعبير عن القلق، وفي المقابل، تكيف النظام السوري على ما يبدو مع هذا الوضع الدولي لجهة استبدال غاز السارين بالكلور!

لاتّقاء القصف المدمّر، لجأ السكان المدنيون في بلدات الغوطة الشرقية إلى أقبية لا تتوافر فيها الشروط الدنيا كملاجئ، ونزح بعضهم من مناطق الاشتباكات إلى المدن والبلدات التي لم تتعرض للاجتياح، وأهمها مدينة دوما ومحيطها، لكن كان من الصعب الاستمرار في هذه الحال وقتًا طويلًا، ما وضع السكان بين تقاطع النيران ورتّب ضغوطًا كبيرة على قوى الأمر الواقع المسلحة للبحث عن مساومات مع الطرف الروسي المتحكم في جبهة حلفاء النظام، فلا يكفي أن يكون المسلحون من أبناء الغوطة، فلهؤلاء أجنداتهم ومصالح داعميهم، التي قد لا تتوافق مع مصالح السكان المدنيين الذين يتحمًّلون ويُحمّلون ما لا طاقة لهم به.

لقد عانى سكان الغوطة الشرقية من حصار النظام لسنوات، ولم ينجوا من تحكم الفصائل في مقدراتهم بسبب/ حجة ظروف الحرب، مع العلم أن البنى التحتية التي أقامها المسلحون تؤمن لهم ظروف حمايةٍ أفضل مقارنةً بالمدنيين. وفي أثناء القصف، ارتفعت بعض الأصوات للتعبير عن هذه الحالة في وسائل الإعلام الاجتماعية، لدفع الفصائل لأخذ معاناة الأهالي في الحسبان والتسريع بعقد الاتفاقات مع الطرف الآخر. ويبدو أن (جيش الإسلام) ذا المرجعية السعودية، هو الأكثر مرونة في هذا الشأن، وكان قد وقّع على اتفاقية خفض التصعيد بضمانة روسية ورعاية مصرية قبل شهر من توقيع (فيلق الرحمن).

على الرغم من فتح معبر مخيم الوافدين لخمس ساعات فقط في اليوم (بخلاف ما نص عليه القرار الأممي 2401 الذي صدر في أواخر شباط/ فبراير)، لم تُسجَّل حالات عبور تُذكر حتى الثالث عشر من آذار/ مارس، حيث عبره بعض المرضى وعائلاتهم، من ضمن اتفاق بين جيش الإسلام والروس، بوساطة الأمم المتحدة، لإجلاء 1000 جريح ومريض، وكان معبر جسرين- المليحة في الجنوب قد شهد خروج العشرات، وسط مؤشرات على منع مسلحي (فيلق الرحمن) المدنيين من الخروج. في ما بعد افتُتح معبر جديد في حرستا (معبر الموارد المائية)، خرج منه العشرات من المحاصرين، في الوقت الذي أمهل فيه النظام مسلحي حرستا للانسحاب حتى يوم الأحد في 18 آذار/ مارس 2018.

كان واضحًا أن أهل الغوطة يريدون البقاء في أرضهم ما استطاعوا، لكن حقهم في الخروج من مناطق الاشتباكات تضمنه القوانين المتعلقة بحماية السكان المدنيين في أثناء الحرب، والأمر كان متوقفًا على ما ستسفر عنه الحوادث والتطورات، مع أنه كان من غير المرجح أن تتطور المواقف الدولية بما يكفي لتغيير السيناريو الحالي، الذي يعمل فيه النظام وحلفاؤه على القضم التدريجي للأرض، في محاولة لامتصاص ردّات فعل الدول المعنية وعدم دفعها لتصعيد مواقفها.

بدأ الخروج الجماعي من بلدات الغوطة الشرقية صباح يوم 15 آذار/ مارس بعد اقتراب قوات النظام من بلدة حمورية، في حين اتجه آخرون باتجاه البلدات الأقرب إلى العاصمة، والتي لم تصل إليها القوات المتقدمة بعد، وما زال النزوح مستمرًا، واستغلت وسائل إعلام النظام خروج المدنيين في أوضاع بائسة من تحت القصف والحصار لتحقيق مكاسب إعلامية، ولإظهار أن المسلحين هم من كانوا يمنعونهم من الخروج. لكن، وإن كان في ذلك بعض الحقيقة، فإن المسؤولية العظمى تقع، بالطبع، على النظام وحلفائه بسبب الخطر الذي يمثله القصف.

مع ذلك، لا يمكن غضّ النظر عن التظاهرات التي طالبت بخروج المسلحين من بلدات جنوب الغوطة الشرقية لتجنيبها التدمير و”التعفيش”، حتى لو كانت بتحريض من النظام، لأن دلالاتها لا تخفى كتعبير عن الرغبة في الخلاص من وضع شبه ميؤوس وتوقهم لممارسة حيواتهم الطبيعية ورفض الزجّ بهم في أتون مآرب المتحاربين. وقد قوبلت التظاهرات بإجراءات عقابية مختلفة من قبل (فيلق الرحمن) المسيطر على المنطقة الجنوبية من الغوطة الشرقية، والتي وصلت إلى حدّ إطلاق النار لترهيب المتظاهرين، بخاصة في بلدتي كفر بطنا وحمورية. اللافت في هذه التظاهرات هو ترديد شعارات الثورة أيضًا، إلى جانب رفع علم النظام وشعارات تؤيد جيشه، ما يشير إلى الرغبة في استعادة تلك اللحظات المؤثرة والاستثنائية لدى من صدحوا بأصوات الحرية قبل سنوات سبع.

تتوقف حركيات السكان في الأيام المقبلة على نتائج المصالحات والتسويات، والتي، في حال نجاحها، قد تُفضي إلى بقاء المدنيين في البلدات، كليًا أو جزئيًا، تبعًا لدرجة تضررها من القصف، ولو أن الخروج لفترة ما ربما يكون ضروريًا لإعادة تأهيل البنى التحتية. إن طبيعة العلاقة بين المقاتلين والأهالي تفترض الترابط في المصير، شريطة ألا تنعكس قرارات المسلحين زيادةً في مآسي المدنيين، الذين تعتبر مصلحتهم ذات أولوية قصوى، وبالتالي ضرورة تمثيلهم بصورة مستقلة في أي مفاوضات، ضمانًا لمصالحهم.

لن تنتهي مأساة مدنيي الغوطة الشرقية بالخروج منها، وقد أخذوا العبرة ممن سبقوهم وخرجوا من مناطق محاصرة أخرى، وما تلا ذلك من معاناة في مخيمات اللجوء وتحكّم جهات أخرى في مصائرهم، ما اضطر بعضهم إلى العودة من حيث أتى، كما حدث لبعض مهجري الوعر في حمص. إن فرحة النجاة من الموت ستتبعها تساؤلات مؤلمة لا تجد لها إجابات واضحة، فماذا بعد مراكز الإيواء، وهل سيعودون إلى ديارهم، ومتى؟

مع ذلك، من المبكّر الحديث في هذه المرحلة عن عملية تهجير واسعة لجميع سكان الغوطة الشرقية، فقد يكون ذلك من مصلحة الطرف الإيراني، لكنه ليس من مصلحة النظام الذي يعتمد كثيرًا على وسطاء مؤيدين من وجهاء الغوطة لمحاولة تحييد بعض البلدات (بخاصة دوما ومحيطها التي تضم أكثر من نصف سكان الغوطة) عن طريق إخراج المسلحين منها أو إجراء تسويات معهم، ويعتمد النظام في هذا الموقف على الروس، الذين يهمهم رفد (الفيلق الخامس) الذي يشرفون عليه بعناصر جديدة من مسلحي الغوطة والشبان الفارين من التجنيد.

 

ثالثًا: الخيارات المتوافرة أمام الفصائل المسلحة

تقاسمت السيطرة على ما تبقى من الغوطة الشرقية، حتى الهجوم الأخير للنظام وحلفائه، ثلاثة فصائل مسلحة رئيسة: (جيش الإسلام) في دوما ومحيطها، (فيلق الرحمن) في الجزء الجنوبي وجوبر، فيما سيطر (تنظيم أحرار الشام) على حرستا، مع وجود لعدة مئات من (هيئة تحرير الشام- جبهة النصرة) في جنوبي الغوطة. وكان (جيش الإسلام) قد سيطر على دوما ومحيطها بعد أن قضى على (جيش الأمة) عام 2015، كما خاض حربًا مع (جبهة النصرة) و(فيلق الرحمن) عام 2017 وأبعدهما إلى المنطقة الجنوبية، وكان التنافس على عائدات الحواجز والأنفاق من أهم عوامل الاحتراب بين هذه الفصائل.

في التاسع من آذار/ مارس أصدر (جيش الإسلام) بيانًا أعلن فيه الإفراج عن 13 معتقلًا من عناصر (هيئة تحرير الشام- النصرة)، كدفعة أولى، بالاتفاق مع فريق الأمم المتحدة الذي دخل مع قافلة المساعدات، وترحيلهم، مع عائلاتهم، إلى محافظة إدلب. وفي اليوم نفسه، أعلن رئيس مركز حميميم، اللواء يوري يفتشينكو، بأن “مسلحين في الغوطة الشرقية عرضوا على النظام انفصالهم عن النصرة” عبر وسطاء تواصلوا مع المركز. لاحقًا، في الرابع عشر من الشهر نفسه، أعلنت وزارة الدفاع الروسية عن “توقف جميع العمليات القتالية في دوما”.

تنطوي مبادرة (جيش الإسلام) هذه على “غزل” سياسي ستتضح نتائجه لاحقًا، مع أن التطورات الميدانية قد تجاوزت موضوع (جبهة النصرة)، التي لا يتجاوز عدد أفرادها 250 فردًا، وفقًا للمتحدث باسم (فيلق الرحمن) وائل علوان. كما أعلن (فيلق الرحمن) من جهته أن روسيا عطلت في اللحظات الأخيرة اتفاقًا يقضي بخروج 240 عنصرًا من (هيئة تحرير الشام) إلى شمالي سورية، وأنها “أبقت على ذريعة وجود (هيئة تحرير الشام) ولم تلتزم بإخراجهم، من أجل قصف المدنيين والثوار بالغوطة الشرقية”.

في العاشر من الشهر نفسه، ولتعويم (الائتلاف الوطني) من جديد بعد أن فقد دوره، المحدود أصلًا، لمصلحة (الهيئة العليا للتفاوض)، أعلن رئيس الدائرة الإعلامية في الائتلاف السوري، عن مبادرة لاتفاق ما مع روسيا، وتمنى على الفصائل أن تتوقف عن الاتصالات الفردية مع الروس. وفي اليوم التالي، نفى كل من (جيش الإسلام) و(فيلق الرحمن) وجود مفاوضات مع روسيا، وأنهما لم يفوِّضا أي جهة بالحديث نيابةً عن مسلحي الغوطة.

وشعورًا منها بالخطر المحدق بالجميع، أصدرت الفصائل الثلاثة (جيش الإسلام) و(فيلق الرحمن) و(أحرار الشام) بيانًا في السادس عشر من آذار/ مارس، أعلنت فيه عن استعدادها لإجراء مفاوضات مع روسيا في جنيف برعاية الأمم المتحدة من أجل تنفيذ قرار مجلس الأمن 2401. لكن السؤال المطروح هو عن جدوى التفاوض مع روسيا حول قرار دولي كانت أول من خرقه.

مع ذلك، كان من غير المرجح حصول تغيرات في المواقف الدولية من شأنها إحداث تحول مغاير في سير الحوادث، لذا، وللحدّ من الخسائر في صفوف المدنيين والبنى التحتية والممتلكات، سيضطر مسلحو الغوطة إلى عقد اتفاق إذعان مع الروس قبل فوات الأوان، ما قد يؤمن لبعضهم البقاء في مناطقهم والحيلولة دون تهجير المزيد من المدنيين في المناطق التي ما زالت قابلة للحياة، مع أن ذلك قد أصبح أقل احتمالاَ في بلدات جنوبي الغوطة الشرقية.

وفقًا لنتائج المعارك العسكرية وإجراء المصالحات وتطور المواقف الدولية، كانت فصائل الغوطة الشرقية أمام الاحتمالات الآتية:

1- الاستمرار في القتال، مع أن ذلك يبدو لمصلحة النظام وحلفائه في المدى المنظور.

2- وقف القتال في مرحلة ما قبل تحقيق نصر حاسم للنظام وحلفائه والانخراط     في التسويات، والتي قد تفضي إلى:

  • بقاء المسلحين مع أسلحتهم الخفيفة في المدن والبلدات كقوى أمنية محلية مع تفعيل محدود للمؤسسات الحكومية (قد يتحقق ذلك مع “جيش الإسلام” في دوما بنسبة أكبر).
  • بقاء بعض المسلحين وترحيل من يريد إلى إدلب بأسلحتهم الخفيفة، خاصة بالنسبة لـ (هيئة تحرير الشام) والفصائل الحاضنة لها، في حين قد تكون درعا وجهة بعض عناصر جيش الإسلام.
  • سوقهم إلى الخدمة في جيش النظام والميليشيات التابعة له ولحلفائه.

 

رابعًا: تطورات المواقف الدولية ذات الصلة

في 23 شباط/ فبراير الماضي صرحت الناطقة باسم وزارة الخارجية الأميركية، هيزر ناورت، بأن “روسيا هي المسؤولة عما يحدث في الغوطة الشرقية من مأساة إنسانية”، وأشارت إلى أن “ما يجري من أحداث يشير إلى انتهاء عملية أستانا، لذا فإن الولايات المتحدة وبعض الدول تؤكد دعمها لمؤتمر جنيف”. وفي الأول من آذار/ مارس قالت المتحدثة نفسها إن “المقترحات الروسية بفتح ممرات آمنة لإجلاء المدنيين من الغوطة الشرقية هي مجرد مزحة” وإن “الناس يخشون الخروج”. لكن الهجوم الأميركي الأعنف جاء على لسان المتحدثة باسم وزارة الدفاع الأميركي، دانا وايت، في منتصف آذار/ مارس الحالي، والتي اتهمت روسيا بأنها “شريكة في جرائم القتل التي يرتكبها نظام الأسد”، لكنها جدّدت دعوتها إلى “وقف جرائم الأسد ضد المدنيين”! كما دعت الولايات المتحدة إلى اجتماع عاجل في الأردن من أجل سورية، بسبب “قلقها من حدوث هجمات في منطقة خفض التصعيد جنوبي غرب سورية”. من غير المرجح حصول صدام أميركي- روسي مباشر، مع احتفاظ أميركا بخيار إعادة تنشيط الجبهة الجنوبية كرد على التصعيد الروسي في الغوطة الشرقية وغيرها.

أثار التهديد الأميركي ردة فعل روسية في اليوم التالي، حيث أعلنت وكالة الأنباء الروسية على لسان الجيش بأنه “سيرد على أي هجوم أميركي على سورية إذا تعرض الجنود الروس للخطر، وسيستهدف أي صواريخ أو منصات إطلاق تشارك في الهجوم”.

كذلك، فإن هاجس الخوف من ضربة أميركية يقضّ مضاجع النظام، خاصة بعد تصريح مندوبة أميركا في الأمم المتحدة، نيكي هيلي، في جلسة مجلس الأمن المنعقدة في الثاني عشر من آذار/ مارس، بأن أميركا “ما زالت مستعدة للتدخل في حال تقاعس مجلس الأمن”. ففي مقابلات تلفزيونية أجراها إعلام النظام مع أسرى وخارجين من الغوطة ليلة الأحد في 11 آذار/ مارس، ركّز على تقويلهم بأن جماعة الخوذ البيضاء (الدفاع المدني) يقومون بتمثيليات بغية اتهام النظام باستخدام هذا النوع من الأسلحة، كما زعم بأن قواته المتقدمة عثرت على مواد كيماوية تركها المسلحون الفارون وراءهم.

لا ينفصل ذلك كله عما يحدث داخل الولايات المتحدة، حيث تم تدعيم فريق الرئيس دونالد ترامب من خلال تعيين رئيس وكالة المخابرات الأميركية، المعروف بتشدده تجاه الملفات الخارجية، مايك بومبيو، في منصب وزير الخارجية، عوضًا عن ريكس تيلرسون؛ بسبب خلاف الأخير مع الرئيس ترامب حول الاتفاق النووي مع إيران. ومن مؤشرات تفعيل السياسة الأميركية في سورية، أيضًا، ما أوردته وكالات الأنباء في الثالث عشر من آذار/ مارس حول حدوث ضربة جوية استهدفت رتلًا لقوات موالية لإيران حاولت الاقتراب من قاعدة التنف.

مع ذلك، ومن دون الذهاب بعيدًا في التوقعات، تبقى ثمة مصلحة أميركية في استمرار الدور الروسي في سورية، بخاصة فيما يتعلق بالقضاء على التنظيمات الجهادية والقريبة منها، ولو أن وجود بعض هذه التنظيمات يبقى ضروريًا ليتم استخدامها في الحروب بين الفرقاء، حيث تقتضي الحاجة والمصلحة، وينطبق ذلك على تلك الموجودة حاليًا في الغوطة الشرقية. ويبدو أن جل ما يريده الأميركيون هو ألا يتم إحراجهم من جراء تسبّب عمليات الروس وحلفائهم بخسائر كبيرة بين المدنيين، أو أن يقوم النظام، الذي تدعمه روسيا، باستخدام السلاح الكيماوي، ما يضطر الولايات المتحدة إلى القيام بعمل عسكري محدود ضد مواقع النظام.

في هذه الأثناء، تبدو أميركا مشغولة عن سورية بتطورات الأزمة الكورية المستمرة فصولًا، والتحضير للقمة المرتقبة بين الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، وزعيم كوريا الشمالية، كيم جونغ أون، في شهر أيار/ مايو المقبل؛ فقد عبر الرئيس الأميركي ترامب في العاشر من آذار/ مارس عن أمله بتوقيع “أعظم اتفاق للعالم” مع كوريا الشمالية. انشغال آخر للولايات المتحدة يتعلق بمسألة اتهام السلطات البريطانية لروسيا بتسميم الجاسوس الروسي المزدوج في بريطانيا، وما أحدثه ذلك من توتر في علاقة الغرب مع روسيا.

لم تخرج مواقف الدول الغربية الرئيسة الأخرى عن الموقف الأميركي، واكتفت بالتعبير عن المزيد من الأسف الإنساني ولوم روسيا، التي لن يردعها ذلك، بالطبع، عن قصف الغوطة الشرقية أو تكرار القصف في مناطق سورية أخرى تقع ضمن نطاق سيطرتها الجغرافية.

لا ينفصل الهجوم الشرس على الغوطة الشرقية عن الانتخابات الرئاسية الروسية في الثامن عشر من آذار/ مارس، وكان الرهان الروسي يتركّز على حسم معركة الغوطة، بصورة ما، قبل هذا التاريخ ليكون في منزلة هدية للمرشح (الرئيس) بوتين، وربما لإخباره بنتائج تجريب بعض الأسلحة الحديثة التي تحدّث عن امتلاكها في خطابٍ سابق.

كذلك، فإن التناغم الروسي- التركي جليّ فيما يتعلق بالقرار الأممي 2401، فقد أعلنت الدولتان بأن القرار لا يعنيهما كونهما تحاربان الإرهاب، في إشارة إلى البند الذي أدخلته روسيا على القرار المذكور حتى لا تستخدم حق النقض (الفيتو) كما فعلت في مرات كثيرة سابقة. وهكذا استمرت روسيا بدعم عملية اجتياح الغوطة الشرقية بحجة وجود (هيئة تحرير الشام- النصرة) المصنفة إرهابيةً، وواصلت تركيا اجتياح عفرين بحجة وجود حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، الذي تصنفه تركيا إرهابيًا. وللمفارقة، يحدث ذلك من قبل دولتين ضامنتين لاتفاقات خفض التصعيد في أستانا، لطالما كانتا على طرفي نقيض فيما يتعلق بالمسألة السورية، حيث دعمت روسيا النظام على طول الخط، في حين دعمت تركيا الثورة عليه، وذلك قبل أن تفعل المصالح فعلها، وتلتقي الدولتان على مفترق مناهضة السياسة الأميركية في سورية.

مهما بلغ الانشغال التركي بالسيطرة على عفرين، فهو لا يحول دون ردّ الجميل للحليف الروسي الذي غطّى الدخول التركي إلى عفرين، ثم طلب من النظام سحب القوات الموالية له منها كإقرار نهائي بالسيطرة عليها، فأعلنت تركيا عن رغبتها في المساعدة على إخراج عناصر (هيئة تحرير الشام- النصرة) من الغوطة الشرقية، بحسب تصريح الناطق باسم الرئيس أردوغان في الخامس عشر من آذار/ مارس. من جهة ثانية، وسواء أكان تزامن اشتباكات الفصائل في إدلب مع حوادث الغوطة الشرقية مجرد صدفة أم لا، فالنتيجة واحدة، وهي أن تركيا ليست مستعدة الآن للتعاون في مسألة خروج مسلحي الغوطة بأعداد كبيرة إلى محافظة إدلب، فهؤلاء قد يكونون عبئًا عليها.

في الثامن عشر من آذار/ مارس، في ذكرى انطلاق الثورة السورية، دخلت القوات التركية والفصائل الحليفة لها إلى عفرين، ورفعت العلم التركي فيها، فيما حطّم المسلحون السوريون الموالون لها تمثال كاوا الحداد، رمز الحرية الكردي، في إشارة إلى الأكراد بأن مشروعهم لن يمر من هذه المنطقة أبدًا.

إيران، من جهتها، لم تكثر من التصريحات المتعلقة بمعركة الغوطة الشرقية، ذلك أن الحليف الروسي يكفي للقيام بالمهمات الدبلوماسية ويزيد، وهي تأمل بتوسيع منطقة نفوذها في جنوبي دمشق بلا ضجيج وعلى حساب الغوطة الشرقية هذه المرة. وكان رئيس هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، محمد باقري، قد صرح في بداية الهجوم البري بأن إيران وسورية ستلتزمان القرار، ولكنه استدرك بأن بعض ضواحي دمشق التي تخضع لسيطرة “الإرهابيين” على حدّ وصفه “ستبقى خارج قرار وقف إطلاق النار”.

 

خاتمة

مرة أخرى، تشير ردّات الفعل الدولية على اجتياح الغوطة الشرقية إلى أن الدول لا تعبأ كثيرًا بالخسائر في صفوف المدنيين ولا بمعاناتهم، وإلى أن جميع الدول المنخرطة في الحرب السورية قد استباحت دماء السوريين، إلى هذه الدرجة أو تلك، في غمرة تحقيق أهدافها ومصالحها. ويبدو أن دوامة تبادل الاتهامات بين الدول لن تتوقف حتى تنجلي المعارك عن رسم الحدود بين مناطق نفوذها في سورية على نحوٍ شبه نهائي، وما سيتلو ذلك سيبقى رهنًا بمصالحها إلى وقت غير معلوم، بخاصة في غياب الطرف السوري الذي يُعبر عن المصالح الوطنية الاستراتيجية للسوريين.

لا يمكن تفسير التلكؤ الدولي فيما يتعلق بما يحدث الآن في الغوطة الشرقية، وما حدث في باقي مناطق سورية من قبل، والاكتفاء بإدارة الصراع والتعاطف الإنساني والحرص على ألا ينتصر أحد الأطراف؛ بانهيار منظومة الأمم المتحدة وتراجع قيم حقوق الإنسان فحسب، إنما بغياب صورة البديل السوري المقبل، والخوف من أن تتصدر القوى الإسلامية السلفية المشهد السوري، مع العلم أن تردّد الغرب ذاته وعدم وقوفه مع ثورة شعب من أجل الانعتاق من نير الاستبداد كان أحد أسباب وصول ثورة الحرية والكرامة إلى هذا المأزق.

وهكذا، تعيد مسألة الغوطة طرح السؤال القديم الجديد حول الخلط الحاصل في سورية بين الثورة وبين الارتداد الذي شهدته منذ سيطرة ظاهرتي العسكرة والأسلمة على المشهد عام 2012، وحول الخطأ الذي وقع فيه معظم المعارضين لسياسة النظام في التغاضي عن هاتين الظاهرتين، أو التواطؤ معهما، عوضًا عن الوقوف عند مصالح وممارسات الأطراف الإقليمية والدولية التي تقف وراءهما، والتي كان دورها في هذا مكملًا لدور النظام، إن لم نقل إنه الوجه الآخر له.

إذا كان ثمة أمر مهم في هذه المرحلة، فهو ضرورة إجراء مراجعة شاملة لحوادث السنوات السبع المنصرمة، ولا قيمة لأي حديث عن الظروف الموضوعية والوضع العالمي ما لم يجر نقد ذاتي عميق لسياسات (المعارضة) ولمن تنطّح للحديث باسم الثورة. لا ينفصل ذلك عن ضرورة العمل الدؤوب في سبيل تجسيد بديل سوري، وطني ديمقراطي، بغية إحداث نقلة سياسية نوعية.