المحتويات

مقدّمة

أولًا: مراكز الاعتقال

ثانيًا: دهم المنازل والأماكن العامة

ثالثًا: العنف الجنسي ضدّ مجتمع المثليين (LGBTI)

رابعًا: الضرر الدائم للعنف الجنسي المتربط بالعنف ضدّ الرجال والفتيان

خامسًا: التحديات في إحقاق العدالة للضحايا

خاتمة


 

مقدّمة

عندما اجتاح تنظيم “داعش” شمال العراق وأجزاء من سورية في عام 2014، ترنّح العالم على وقع صدمة قصص الاسترقاق الجنسي للنساء الإزيديات. دعا قادة وشخصيات بارزة في العالم إلى اتخاذ فعل فوري وحاسم، لمكافحة جرائم ضدّ الإنسانية أجهضت القانون الدولي، وبدأت مهمة إنقاذ الإيزيدين من أيدي “داعش”. وعلى الرغم من اتحاد العالم في إدانة اغتصاب الفتيات الإزيديات من قبل عناصر داعش، إلّا أنّ ضحايا العنف الجنسي، المرتبط بالنزاع الذي يرتكبه النظام السوري والجماعات المسلحة الأخرى، قوبلوا بحماسٍ أقل.

في تقرير الأمين العام للأمم المتحدة لعام 2015، يُعرَّف العنف الجنسي المرتبط بالصراعات؛ بأنّه «أيّ فعلٍ جنسي يرتبط بصورة مباشرة أو غير مباشرة (موقتة، جغرافية أو سببية) في أيّ صراع». العنف الجنسي المرتبط بالصراع بحق الذكور يتخذ صورًا مزعجة عدّة، وغالبًا ما يختلف كثيرًا عن العنف الجنسي المتربط بالنزاع الذي تعانيه النساء والفتيات. وفقًا لدوستين أ. لويس، قد يُجبر الرجال والفتيان على ارتكاب العنف الجنسي بحق الآخرين، بمن فيهم الموتى وأفراد العائلة، أو يُجبرون على مشاهدة الجرائم الجنسية المرتكبة ضدّ الآخرين([1]). ويُمكن أن يشمل العنف الجنسي ضد الرجال عملية (الإخصاء)، والصدمات الكهربائية للأجهزة التناسلية، والضرب، والاستمناء القسري، وإدخال أدوات في المجرى البولي أو فتحة الشرج، والاغتصاب الفموي والشرجي بأدوات من مثل البنادق والعصي والزجاجات المكسورة، كما ورد في عدد من الصراعات حول العالم بما في ذلك الصراع الدائر في سورية([2]).

على الرغم من ذلك، فإنّ الرجال والفتيان الذين يعانون هذه الجرائم غالبًا غير مُعترف بهم. وفقًا لمنظمة الصحة العالمية، فيما يتعلق بضحايا اغتصاب الذكور، فإنّ الإحصائيات الرسمية تفتقر إلى حدٍّ كبير من العدد الحقيقي للناجين([3]). ويرجع ذلك، على الأرجح، إلى نقص في الإبلاغ، والضعف في التحري، والوصم الاجتماعي، والأطر القانونية الضيقة التي لا تُجرِّم العنف الجنسي ضدّ الرجال، والتركيز على العنف الجنسي الذي تتعرض له النساء والفتيات([4]). على أيّ حال، سلّطت مجموعة من التقارير الضوء على العنف الجنسي ضدّ النساء في منطقة الشرق الأوسط، وذلك في أثناء الهجرات القسرية، والاضطرابات السياسية والصراعات، وغالبًا خلال مدة السجن والاحتجاز([5]). واعترفت هذه الدراسات بأنّ العنف الجنسي ضدّ الذكور يمارس بصورة مُنظَّمة، وغير مستثنى، ومنتشر بصورةٍ كبيرة ([6]). وأكّد هذا الرأي الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة المعني بالعنف الجنسي الذي أشار إلى التفاوت بين مستويات العنف الجنسي المتربط بالصراعات ضدّ النساء ومستوياته ضدّ الرجال بأنّه (دراماتيكي كما هو متوقع).

في الآونة الأخيرة، سجّلت المفوضية السامية لشؤون اللاجئين، حجم العنف الجنسي المرتبط بالصراع في سورية بتفاصيل مروعة. أصبح من الواضح وبصورة مثيرة للقلق أنّ النظام والجماعات المسلحة المعارضة تستخدم بصورة اعتيادية الاغتصاب أو الاعتداء الجنسي ضدّ الرجال والفتيان عنصرًا أساسًا في استراتيجياتهم العسكرية والاجتماعية. على الرغم من عد العنف الجنسي ضدّ الرجال صورة من صور الاضطهاد والإكراه السياسي، إلّا أنّ له تاريخًا طويلًا في سورية([7])، فاستخدام العنف الجنسي بدأ في وقت مبكر من الصراع، وخاصة في مراكز الاحتجاز التابعة للنظام أداةً من أدوات التعذيب([8]). إنّ إطالة أمد الحرب ووحشيتها جعلا هذه الممارسات حالة طبيعية، حيث أفادت منظمة العفو الدولية ومنظمة حقوق الإنسان أنّ مجموعة من الميليشيات المسلحة، المرتبطة بالنظام على الأغلب، ارتكبت بصورة اعتيادية جرائم العنف الجنسي ضدّ الرجال والفتيان([9]).

 

أولًا: مراكز الاعتقال

غالبًا ما ارتُكِبت الجرائم الجنسية المتعلقة بالصراع ضدّ الرجال والفتيان داخل شبكة مراكز احتجاز تابعة للنظام. وتزعم لجنة التحقيق المستقلة أنّ التعذيب الجنسي الممنهج يحدث في مراكز الاحتجاز في دمشق وحلب وحمص([10]). وأفاد من أجريت معهم المقابلات، أنّه في (فرع المخابرات العسكرية 248) و(فرع 235 فرع فلسطين) في دمشق، و(مبنى المخابرات العسكرية) في جسر الشغور، و(فرع المخابرات الجوية) في المزة واللاذقية وحمص، ارتُكِبت في مبانيها معظم هذه الجرائم.

يأخذ الاعتداء عددًا من الصور. تشير التقارير إلى أنّ استخدام الصدمة الكهربائية هو طريقة شائعة في التعذيب الجنسي. سجلت الأمم شهادة عدد من المعتقلين السورين السابقين. «وضعوا الأقطاب الكهربائية على أعضائهم التناسلية، حيث كهربوا، وضِعَت العصى أيضًا في فتحة الشرج”([11]). تُكرر تقارير من هيومان رايتس ووتش- (HRW) هذه الاتهامات. وأظهرت مقابلةٌ أُجريت مع لاجئ في الأردن، «أنّهم استخدموا سلكين مرتبطين ببطارية السيارة، وكانت الأسلاك ملفوفة حول القضيب… كنت اسمع صوت أزيزهما، واعتقدت أنّها سوف تنفجر»([12]). وقد جرى الإبلاغ عن هذه الممارسات على نطاق واسع.

أفاد عدد من الذين أُجريت معهم المقابلات بأنّ الاغتصاب، بما في ذلك الاغتصاب الجماعي، وإدراج أشياء من مثل الزجاج المكسور والبنادق والعصي كان شائعًا أيضًا. قال أحدهم، «كان لديهم جدول زمني». وأضاف: «كانوا يتناوبون علينا. أكثر من رجل سوف يقوم باغتصابك، وكان ذلك بصورة منتظمة»([13]). أفاد آخرون بأنّ الاغتصاب لم يقتصر على الرجال فحسب، بل طال الأولاد الصغار أيضًا، إذ إنّهم كثيرًا ما كانوا يتعرضون لاعتداءات جماعية، «حتى إنهم يعاملون الأطفال معاملة أسوأ من البالغين، جاء صبي يعاني نزفًا من الخلف، لم يستطع المشي. كان قد فعلوه به شيئًا، وكُّنا نبكي عليه»([14]). ويضيف محتجز آخر بأنّ ضباط الأمن كانوا يجبرونهم على رؤية فيديوهات، «اثنان من المحتجزين (أجبروا على الجلوس) على زجاجات الكوكولا… استمروا كذلك لمدة خمس دقائق»([15]).

أُفيدَ بأنّ هذا الاعتداء «منهجيٌ في المعتقل… وكان لديهم توجيهات بشأن ذلك. حدث ذلك للكثيرين بالطريقة ذاتها… كان ذلك حالة طبيعية»([16]). وما أفادت به المفوضية السامية لشؤون اللاجئين للأمم المتحدة أنه «يبدو العنف الجنسي، في مدة الاحتجاز منهجيًا، وأنّ المُعَنَّفين يَمرّون بالتجارب نفسها». تزعم سارا ليا ويتسن، مديرة الشرق الأوسط لمنظمة هيومن رايتس ووتش- (HRW) أنّ «قوات الأمن السورية استخدمت العنف الجنسي لإذلال المحتجزين، وتحطيمهم نفسيًّا من دون عقاب تام»([17]). على الرغم من أنّ «هذه الاعتداءات لا تقتصر على مرافق الاحتجاز فقط»([18]).

 

ثانيًا: دهم المنازل والأماكن العامة

وفقًا لسارة ليا ويتسن، «قامت القوات الحكومية وأفراد ميليشيا الشبيحة الموالية للحكومة أيضًا بالاعتداء الجنسي على الرجال والفتيان خلال دهم المنازل وعمليات تمشيط الأحياء»([19]). ووفقًا للمقابلات التي أجرتها المفوضية السامية لشؤون اللاجئين للأمم المتحدة (UNHCR)، «دهموا منزلًا في الحي الذي أعيش فيه، واغتصبوا جميع من في المنزل»، و«أجبروا الزوج والزوجة على ممارسة الجنس، أمام الجنود قبل إطلاق النار عليهما»([20]). وأفادت سيدةٌ أُخرى بأنّ ابن عمها كان في صفوف الجيش الحر، أُخذت وأُرغمت على مشاهدة أبنائها يتعرضون للاغتصاب من قبل جنود النظام.

إنّ استخدام التعنيف الجنسي أداة تعذيب يهدف إلى زعزعة التماسك الاجتماعي العام وإرهاب بقية المجتمع. وكثيرًا ما هدّد هذا النوع من العنف أسرًا بأكملها وأرغمها على الفرار من منازلها، حيث تُسلط هذه الممارسات الضوء على استراتيجية التشريد القسري الذي تتبعه الأنظمة([21]).

ووفقًا لعدد من اللاجئين والمُخبرين الذين قابلتهم المفوضية السامية لشؤون اللاجئين (UNHCR)، زعموا أنّ الميليشيات المسلحة المرتبطة بالنظام ارتكبت تعذيبًا جنسيًا لإرهاب المدنيين والأشخاص المشتبه بأنّهم أعضاء في المعارضة. في إحدى الحالات قُبض على واحد من قادة المجلس المحلي في محافظة دير الزور، واقتيد إلى منزل مع شخصيات محلية أخرى معارضة. وتعرّض للضرب المبرح والاغتصاب بـ «خرطوم قصير يستخدم لتنظيف الأطباق»، أمام الآخرين. وأفاد بأنّه أُجبر على مغادرة المنطقة لأنهّ لم يَعد قادرًا على مواجهة العار والوصم الاجتماعي الذي يلحق بضحايا هذه الجرائم([22]). وفي حالة أخرى، رأى واحد من اللاجئين بعينيه شابًا يتعرّض للضرب في الشارع على أعضائه التناسلية وعلى مناطق حساسة في جسده بالعصي والألواح، في إشارة واضحة إلى تهديد الشباب المحليين لمنعهم من المشاركة في التظاهرات ضدّ النظام([23]). يوضح هذا أنّ النظام يستخدم الاغتصاب ضدّ زعماء المجتمعات المحلية من الذكور سلاحًا من أجل زعزعة استقرار مجتمعات المعارضة وإلحاق الضرر النفسي بالمجتمعات المحلية المعنية.

 

ثالثًا: العنف الجنسي ضدّ مجتمع المثليين (LGBTI)

يُستَهدف “المثليّون من الذكور والإناث، والمتحولون جنسيًا- (LGBTI)” بصورة منتظمة في أثناء الصراع في سورية، على الرغم من استمرار رحلاتهم في الهجرة واللجوء إلى البلدان المجاورة([24]).

يواجه اللاجئون المثليون وصمة عار مزدوجة؛ بوصفهم لاجئين وأشخاصًا ذوي هوية جنسية أو اجتماعية مغايرة لا تتفق مع العادات والتقاليد الدينية المحلية([25]). في الواقع، يمكن رصد حالة المثليين في المنطقة من خلال القوانين التي تنبذهم اجتماعيًا، وتصف ممارساتهم (بالأفعال غير الطبيعية) أو تلك التي تمسُّ (بالأخلاق العامة)، ما يزيد الحيلولة دون توفير الحماية الكافية، وتُعزّز في المقابل إفلات مرتكبي الجرائم في حقهم من العقاب.

يواجه المثليون في سورية تهديداتٍ يومية تمسّ حياتهم، ووفقًا لمنظمة هيومن رايتس واتش، «لا يوجد شخص من المثليين إلّا وتعرّض أو يتعرض للعنف الجنسي. إنه أمر حدث ويستمر في الحدوث لهم جميعًا»([26]).

أدّت الحرب في سورية إلى تفاقم مشكلات العنف الجنسي الذي يتعرض له المثليون في البلد. وبحسب ضابط حماية في الأردن: «جعلت الحرب الأمور أسوأ بالنسبة إلى المثليين في سورية، وأصبحوا هدفًا للأطراف جميعها»([27]). أفادت دراسة، أُقيمت في 2017 عن المثليين اللاجئين في لبنان، أنّ 70% من المثليين اللاجئين من سورية هربوا من البلد بسبب ازدياد العنف الجنسي تجاههم نتيجة للصراع. يُمكن أن تكون زيادة العنف الجنسي ضدّ هؤلاء أحد تجليات ازدياد تطرف الجماعات المسلحة بالتزامن مع الاستراتيجية المنهجية للنظام السوري. وكثيرًا ما اتُّهمت جماعات مثل (داعش)، (جبهة النصر) وغيرها من فصائل (الجيش السوري الحر)، باستخدام العنف الجنسي لإجبار المثليين وغيرهم من الأشخاص غير المرغوب فيهم على أن يكونوا “أخلاقيين” ضمن الأراضي التي يسيطرون عليها([28]).

 

رابعًا: الضرر الدائم للعنف الجنسي المتربط بالعنف ضدّ الرجال والفتيان

لوحظت الآثار الجسدية والنفسية للعقاب الاجتماعي لأفعال العنف الجنسي الممارس على الرجال الفتيان بنطاق واسع وشامل. أفادت المفوضية السامية لحقوق الإنسان، أنّ عائلات الذكور الناجين أبلغت عن العار النفسي والذنب واليأس والغضب والارتباك الذي لحق بفلذات أكبادهم بشأن هويتهم الجنسية والجسمانية. وغالبًا ما يعزل الناجون أنفسهم عن أسرهم ومجتمعاتهم، ومنهم من ينتحر أيضًا، ما يزيد من التحديات الاجتماعية والاقتصادية للأسر التي تعتمد تقليديًا على الأزواج والأبناء للعمل في توفير الغذاء والحماية. بهذا المعنى، يُستخدم العنف الجنسي المرتبط بالنزاع سلاحًا في الحرب الاقتصادية، ما يجعل استمرار الحياة مستحيلة بسبب زعزعة استقرار الأدوار التقليدية للأسرة.

إنّ المحنة الاجتماعية- الاقتصادية للضحايا تتفاقم بسبب الأضرار المادية الجسيمة الناجمة عن العنف الجنسي([29]). وفقًا للمفوضية السامية لشؤون اللاجئين، فإنّ العواقب الجسدية الأولية هي الأضرار التي لحقت بالجهاز الهضمي في المناطق التناسلية والحميمة بسبب صدمة الأدوات الحادة من مثل الزجاج أو الخشب؛ الجروح مؤلمة بصورة لا تُصدَّق، وتحول دون القدرة على الاستمرار في الأداء الوظيفي السليم للأجهزة. وغالبًا ما يحتاج الضحايا إلى جراحات تعويضية واسعة النطاق، ما يضاعف من الوصمة الاجتماعية، ونتيجة لذلك قد يترددون في الإبلاغ عن هذه الجرائم أو التماس العلاج.

غالبًا ما يعاني الناجون من العنف الجنسي الوصمَ والتهميش الاجتماعي([30]). وبالنسبة إلى الناجين البالغين، لا يكون الاعتداء جسديًا فحسب، بل اعتداء على ذكورتهم وحياتهم الجنسية. التهديد بالموت، والنبذ، والاضطهاد أمر شائع، ولا سيما إن كانت الضحية من المثليين([31]). ويستخدم النظام والجماعات المسلحة الأخرى هذه الوصمة الاجتماعية، ونتيجة لهذا الإذلال والرفض الاجتماعي يتوجه الضحايا إلى خيار التهجير القسري والهرب من المجتمع، في المحصلة يُستخدم فهم الاغتصاب سلاحًا نفسيًّا اجتماعيًّا.

 

خامسًا: التحديات في إحقاق العدالة للضحايا

على الرغم من التاريخ الطويل للعنف الجنسي ضدّ الرجال والفتيان في الصراعات الحاصلة في سيراليون وأوغندا والبلقان، حيث أقرّت المحكمة الجنائية الدولية-(ICC) للمرة الأولى؛ أنّ الاغتصاب جريمة ضدّ الإنسانية([32])، فإنّ الإجراءات الدولية تبقى بطيئة. أصدرت المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافية السابقة والمحكمة الخاصة بسيراليون عددًا من السابقات القضائية المهمة، وفتحت المحكمة الجنائية الدولية الطريق في محاولات التشريع ضدّ هذه الجرائم المرتكبة بحق الرجال([33]). وتُعرِّف الوثيقة الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية (ICC) لعام 2010 جرائم العنف الجنسي بكلّ الأفعال التي تنال من جسد الذكور بالإكراه وباستخدام القوة. وعلى الرغم من ذلك، كثيرًا ما يُحاكم العنف الجنسي ضدّ الرجال بوصفه ضررًا بدنيًا أو تعذيبًا، وما يزال هناك تحيّز إزاء الجرائم المرتكبة ضدّ الضحايا من الإناث أيضًا([34]). وتشمل الحالات ظلمًا مثل قضية “سيساي إيل آل 2009” في المحكمة الخاصة بسيراليون، وقضية “لوبانغا” الكونغولية في المحكمة الجنائية الدولية، حيث اعترف جندي حَدَثْ بقيامه بعمليات اغتصاب بالإكراه، بشهادةٍ حُسبت ضدّه([35]). وعلى الرغم من الأدلة الوافرة في قضية “لوبانغا”، إلّا أنّه لم تكن ثمة محاكمات لاغتصاب الجنود الأحداث الذكور، ولم تُعَد جرائم مثل الختان القسري أو بتر القضيب جرائم حرب يمكن مقاضاة مرتكبيها. وبدلًا من ذلك، لم يُنظر إلى هذه الأعمال إلّا بوصفها «أفعالًا لا إنسانية» إلى جانب عددٍ كبيرٍ من الجرائم الأخرى([36]).

حصل التغير الكبير في عام 2013 حينما اعتُرف بالعنف الجنسي ضدّ الرجال جريمة حرب. اعتُمِدت ثلاثة وثائق رفيعة المستوى بخصوص العنف الجنسي في الحرب؛ “قرار مجلس الأمن الخاص بالسلم والأمن للنساء 2106″([37])، و”إعلان مجموعة الثماني”([38])، و”قرار الجمعية العامة للأمم للمتحدة”([39])، اعترفت كلها صراحةً بالعنف الجنسي ضدّ الذكور في أثناء النزاعات، واعتمدت إلى حدٍّ كبيرٍ لغة محايدة. استندت هذه الإعلانات إلى حلقة عمل للأمم المتحدة عنيت بالعنف الجنسي ضدّ الرجال والفتيان في حالات الصراع([40]). وتضمن التقرير النهائي مجموعة من التوصيات سعت إلى تحديد أبعاد المشكلة، وتطوير استجابة الناجين، وتعميم التفاهمات الشاملة للذكور، وزيادة الزخم الدولي، وتمكين إجراءات العدالة([41]). على أيّة حال، ووفقًا لهيلين توركيت، وعلى الرغم من تعريف العنف الجنسي ضدّ الرجال بأنّه جريمة حرب يُلاحق مرتكبوها، إلّا أنّه يعتمد على آراء المدعيين العامين والقضاة بالدرجة الأولى، وإنّ الشواهد تثبت أنّه لا الأدلة الشاملة للجنسين ولا المناقشات رفيعة المستوى استطاعت سدّ الفجوة بين القانون والممارسة([42]). وإلى جانب هذا التقصير القانوني، ثمة عددٌ من التحديات العملية ينبغي التغلب عليها إذا ما أُريد ملاحقة هذه الجرائم بصورة أنسب، وكذلك دعم الضحايا.

التحدي الرئيس الذي يواجه الإبلاغ عن العنف الجنسي ضدّ الذكور، هو عدم الاعتراف الشخصي للضحية التي تُفيد بتأكيد وقوع الجريمة. في ثقافة مجتمع من مثل المجتمع السوري، يُعزَّز دور الرجل في قدرة الأفراد على ممارسة السلطة على الآخرين، يُنظر إلى العنف الجنسي بصورة واسعة بوصفه حالة تشابه حالة الخصي، لذا يعد ضحية هذه الجرائم غير متناسق مع أفكار الهوية الذاتية للذكور([43]). وفي هذا السياق، ربّما يكون الرجال غير راغبين في وصف الانتهاكات التي عانوها بدقة، وبدلًا من ذلك يصفون العنف الجنسي بالتعذيب([44]). وتوجد وصمة ثقافية واجتماعية تحيط بـ (عار الشذوذ الجنسي) تطلق على ضحايا العنف الجنسي من الذكور([45]). وفي الوعي الجماعي السوري، تُعدّ المثلية الجنسية مرضًا وممارسةً غير أخلاقية، وغالبًا ما يتُّهم الضحية بالرغبة والجذب والإيحاء من أجل التعرض للاعتداء([46]).

ويزيد هذا تعقيد النظام القانوني ضدّ المثلية الجنسية في سورية. تحظر المادة 520 من قانون العقوبات لعام 1949 الأفعال المثلية بوصفها «علاقات جسدية ضدّ الحالة الطبيعية»([47]). ونتيجة لذلك، فإن ّضحايا العنف الجنسي هم الأقل تبليغًا، نتيجةً لسوء المعاملة التي يتلقونها من المجتمعات المحلية، إذ إنهم يخشون وصمة العار وتشريعات الفعل المثلي. ما يولِّد تحديات إضافية للمبادرة في الإبلاغ وتحقيق العدالة.

علاوةً على ذلك، ثمة نقص كبير في اهتمام المانحين. وكثيرًا ما أغفلت المنظمات الإنسانية والدولية على المستوى الاستراتيجي والعملي الضحايا الذكور من العنف الجنسي المتعلق بالصراعات([48]). ففي عام 2002، أشارت فقط 3 بالمئة من المنظمات غير الحكومية، العاملة في مجال العنف الجنسي المرتبط بالنزاعات، والعنف الجنسي المرتبط بالسياسة، في برامجها أو تقاريرها ([49]). في وقت لا تتوافر بيانات محدثة، تشير حال ضحايا العنف الجنسي المرتبط بالصراع في سورية إلى وضع لم يتم معالجته. في الواقع، في وقت توجد وكالتان تابعتان إلى الأمم المتحدة -هيئة الأمم المتحدة للمرأة ووكالة صندوق الدعم السكاني التابع إلى الأمم المتحدة- التي تُشدد بصورةٍ صريحة على منع العنف الجنسي ضدّ المرأة، لا توجد أجندة سياسية دولية من هذا القبيل للضحايا الذكور من الجرائم نفسها. إلّا أنّ المجتمع الدولي بدأ الاعتراف بالذكور ضحايا للعنف الجنسي. فبينما نشرت مؤخرًا المفوضية السامية لشؤون اللاجئين ووزارة الخارجية الأميركية والوكالة الأميركية للتنمية الدولية مبادئ توجيهية شاملة بشأن ضحايا العنف الجنسي المتربط بالنزاع بين الذكور، ما يزال هناك كثير يتعين القيام به لضمان حصول الضحايا الذكور على الاعتراف والحماية نفسها المقدمة للنساء([50]).

ونظرًا لهذه الوصمات الاجتماعية والتحديات الهيكلية، فليس مستغربًا أيضًا، بألا تولى محنة ضحايا هذه الجرائم اهتمامًا يذكر. وفقًا للمركز الدولي للعدالة الانتقالية فإنه «سوف يبقى خطر الضحية الذكر غير مرئي ويُستبعد الردود على العنف الجنسي بصورة كبيرة، ما لم تولى حقوقهم الاهتمام ذاته الذي يولى بصورة متزايدة للضحايا النساء»([51]). وحتى يبدأ المجتمع الدولي باتخاذ إجراءات لحماية ضحايا العنف الجنسي من الذكور في سورية، وإعادة تأهيلهم، فإنّ النظام والجماعات المسلحة الأخرى سوف تستمر في استخدام الاغتصاب والاعتداء الجنسي سلاحين قويين نفسيًّا واجتماعيًّا.

 

خاتمة

للبدء في معالجة المسألة، يجب على المنظمات الإنسانية أن تضع نهجًا متداخلًا يراعى الطابع المترابط والمتوافق مع طبيعة الهويات الاجتماعية مثل الجنس والعرق والتوجه الجنسي والثقافي الذي يبني نظم القمع والتهميش([52]). وفي هذا الإطار، من المهم أن يتلقى الرجال والفتيان التدخل الخاص بهم، وأن تصبح هذه التدخلات جزءًا من أي رد على العنف الجنسي المرتبط بالنساء في أثناء مراحل الصراع. وإلى جانب هذا الإطار، من الأهمية بمكان أن تُبنى نوعية جيدة وخدمات ميسرة للرجال والفتيان والمثليين الأفراد، وإبعادهم عن الوصمة الاجتماعية التي تلاحقهم من مجتمعاتهم المحلية، لضمان توثيق هذه الجرائم، وادراجها في أي محاكمات جنائية مقبلة ضدّ مرتكبيها. ونفذت برامج مشابهة في مناطق الحروب في أفريقيا. وإلى أن يولى الرجل الاهتمام الدولي ذاته الذي يولى للناجيات من العنف الجنسي، سيشعر النظام والجماعات المسلحة الأخرى بأنّ هذه الممارسات لن تفلت من التحقيق من قبل المجتمع الدولي. وعلى الرغم من أنهم لم يتعرضوا للقتل، فإنّ الضرر النفسي والمادي- والاجتماعي الذي يلحق بهم يستمر عقودًا، ومن الأهمية بمكان أن يعمل المجتمع الدولي والسوري الآن على إنهاء هذه الجرائم وهذه المعاناة للضحايا.

 

 

([1]) Dustin A. Lewis, “Unrecognised Victoms: Sexual Violence against Men in Conflict Settings Under International Law”, Wisconsin International Law Journal, vol. 27, no 1, (2009), pp. 1-49.

([2]) Human Rights Council, “Report of the Independent International Commission of Inquiry on the Syrian Arab Republic”, United Nations, http://undocs.org/A/HRC/21/50, 2012, pp. 96-102.

([3]) World Health Organisation, World Report on Violence and Health, Geneva, 2002, p. 154.

([4]) United Nations Office for the Coordination of Humanitarian Affairs, Discussion paper 2: the nature, scope and motivation for sexual violence against men and boys in armed conflict”, Paper presented at UNOCHA Research Meeting on the Use of Sexual Violence in Armed Conflict: Identifying Gaps in Research to Inform More Effective Interventions, 26 June 2008.

([5]) See Mariz Tadros, Politically motivated sexual assault and the law in violent transitions: a case study from Egypt, IDS Evidence Report, No. 8 Brighton, UK, Institute of Development Studies, July 2013.

([6]) Sandesh Sivakumaran, “Sexual violence against men in armed conflict”, European Journal of International Law, vol. 18, No. 2, 2007, pp. 253-276.

([7]) Arial I. Ahram, “Sexual violence and the making of ISIS”, Survival, vol. 57, No. 3, 2015, pp. 57-78

([8]) OHCHR, “Report of the Independent International Commission of Inquiry on the Syrian Arab Republic”, United Nations, November 2011, add.1.

([9]) Amnesty International, ‘It Breaks the Human’: Torture, Disease and Death in Syria’s Prisons (London, 2016). Available from http://www.reliefweb.int/sites/ reliefweb.int/files/resources/MDE2445082016ENGLISH.PDF, See also Human Rights Watch, “Syria: sexual assault in detention”, 15 June 2012. Available from https://www.hrw.org/news/2012/06/15/syria-sexual-assaultdetention.

([10]) United Nations Human Rights Council, “Report of the Independent International Commission of Inquiry on the Syrian Arab Republic”, United Nations, March 2014, para. 65. https://reliefweb.int/report/syrian-arab-republic/report-independent-international-commission-inquiry-syrian-arab-republ-5.

([11]) UNHCR, “Sexual Violence against Men and Boys in the Syria Crisis”, UNHCR, October 2017, www.refworld.org/docid/5a128e814.html, p. 25.

([12]) Human Rights Watch, “Syria: Sexual Assault in Detention”, Human Rights Watch”, June 2012, https://www.hrw.org/news/2012/06/15/syria-sexual-assault-detention.

([13]) Ibid.

([14]) Ibid.

([15]) Ibid.

([16]) UNHCR, “Sexual Violence against Men and Boys in the Syria Crisis”, p. 25-26.

([17]) Human Rights Watch, “Syria: Sexual Assault in Detention”, p. 6

([18]) Ibid.

([19]) Ibid.

([20]) UNHCR, “Sexual Violence against Men and Boys in the Syria Crisis”, p 28.

([21]) Ibid.

([22]) Ibid.

([23]) Ibid.

([24]) See Graeme Reid, “The Double Threat for Gay Men in Syria”, Human Rights Watch, 28 April 2014. http://www.hrw.org/news/2014/04/28/ double-threat-gay-men-syria.

See also Henri Myrttinen, Lana Khattab and Charbel Maydaa, “’Trust no one, beware of everyone’: vulnerabilities of LGBTI refugees in Lebanon”, in Jane Freedman, Zeynep Kivilcim and Nurcan Özgür Baklacıoğlu, eds, A Gendered Approach to the Syrian Refugee Crisis, New York, Routledge, 2017.

([25]) Human Rights Campaign, Helping LGBTQ Refugees and Asylum Seekers in the Age of ISIL (July 2016). http://dcrally4refugees.org/ PDFs/lgbtq_refugees_whitepaper.pdf (accessed 21 December 2016).

([26]) UNHCR, Sexual Violence against Men and Boys in the Syria crisis. p. 29.

([27]) Ibid.

([28]) Sarah Chynoweth, “Male Rape and Sexual Torture in the Syrian War”, The Guardian, November 2017, https://www.theguardian.com/working-in-development/2017/nov/21/male-sexual-torture-in-the-syrian-war-it-is-everywhere.

([29]) Pauline Oosterhoff, Prisca Zwanikken and Evert Ketting, “Sexual torture of men in Croatia and other conflict situations: an open secret”, Reproductive Health Matters, vol. 12, No. 23, May 2004, pp. 68-77.

([30]) Megan Bastick, Karin Grimm and Rahel Kunz, Sexual Violence in Armed Conflict: Global Overview and Implications for the Security Sector, Geneva, DCAF, 2007.

([31]) UNHCR, Sexual Violence against Men and Boys, p. 38.

([32]) Edina Becirevic, Genocide on the Drina River, Yale University Press: New Haven, 2014, p.117.

([33]) See ICTY, “Tadic IT-94-1”, ICTY, http://ICTY.org/case/tadic. See also Valarie Oosterveld, “The Gender Jurisprudence of the Special Court for Sierra Leone: Progress in the Revolutionary United Front Judgements”, Cornell International Law Journal, vol. 33, no. 1, 2001, pp. 49-71.

([34]) Sandesh Sivakumaran, “Lost In Translation: UN Responses to Sexual Violence Against Men and Boys in Situations of Armed Conflict,” International Review of the Red Cross, 2010; pp. 92:259–276.

([35]) See Laura Shepherd, Gender matters in global politics: a feminist introduction to international relations, New York: Routledge, 2015. See also ICC Prosecutor vs. Thomas Lubanga Dyilo, “Prosecution’s Closing Brief”, ICC, 1 June 2011, https://www.icc-cpi.int/pages/record.aspx?uri=1123809. paragraph 479.

([36]) ICC Prosecutor v Francis Kirimi Muthuara, Uhuru Muigai Kenyatta and Mohammed Hussein Ali, “Decision on the Confirmation of the Charges”, ICC, 23 January 2012, https://www.icc-cpi.int/pages/record.aspx?uri=1314543, paragraphs 260, 262, 266.

([37]) UN Security Council, “Security Council Resolution 2106”, United Nations Security Council, June 2013, http://www.peacewomen.org/SCR-2106.

([38]) British Foreign and Commonwealth Office, “G8 Declaration on Preventing Sexual Violence in Conflict”, FCO-UK, April 2013, https://www.gov.uk/government/news/g8-declaration-on-preventing-sexual-violence-in-conflict.

([39]) UN General Assembly, “122 Countries Endores Historic Declaration of Commitment to End Sexual Violence in Conflict”, UN Press Office, October 2013 http://www.un.org/sexualviolenceinconflict/press-release/122-countries-endorse-historic-declaration-of-commitment-to-end-sexual-violence-in-conflict/.

([40]) UN News Centre, “UN forum highlights plights of male victims of sexual violence in conflict”, UN News Centre, July 2013, http://www.un.org/apps/news/story.asp?NewsID=45532#.Wik9oTdpHIU.

([41]) UN Office of the Special Representative of the Secretary General on Sexual Violence in Conflict, “Report of Workshop on Sexual Violence against Men and Boys in Conflict Situations”, United Nations, July 2013, http://www.slideshare.net/osrsgsvc.

([42]) Heleen Touquet and Ellen Gorris, “Out of the Shadows? The Inclusion of Men and Boys in Conceptualisations of Wartime Sexual Violence”, Reproductive Health Matters, vol. 24-27, 2016, pp. 36- 46, p. 41.

([43]) Sandesh Sivakumaran, “Sexual Violence Against Men in Conflict,“ The European Journal of International Law, vol. 18, no. 2, 2007, p.270; and Elizabeth A. Stanko and Kathy Hobdell, “Assault on Men,” The British Journal of Criminology, vol. 33, no. 3, 1993, p. 413

([44]) Dustin Lewis, “Unrecognized Victims: Sexual Violence against Men in Conflict Settings Under International Law”, Harvard School of Law, 2009, https://dash.harvard.edu/bitstream/handle/1/9823975/Lewis_2009_UnrecognizedVictims.pdf?sequence=1, ip. 9; See also Anjal Manivannan, “Seeking Justice for Male Victims of Sexual Violence in Armed Conflict,” New York Journal of International Law and Politics, vol. 46, pp.646-652

([45]) Sandesh Sivakumaran, “Male/Male Rape and the Taint of Homosexuality,” Human Rights Quarterly, vol. 27, no. 4, 2005, p. 1290.

([46]) A. Nicholas Groth, Men Who Rape: The Psycology of the Offender, New York: Platinum Press, 1979, pp:138-39.

([47]) Austrian Centre for Country of Origin and Asylum Research and Documentation (ACCORD), Syria: Treatment and human rights situation of homosexuals: Legal provisions concerning homosexual activity; social treatment of homosexuals (including the issue of “honour killings”), 22 May 2009, http://www.refworld.org/docid/4a16a9d92.html, a-6753.

([48]) Anjal Manivannan, “Seeking Justice,” p. 646

([49]) Augusta DelZotto and Adam Jones, “Male-on-Male Sexual Violence in Wartime: Human Rights’ Last Taboo”, Paper Presented to the Annual Contention of the International Studies Association, March 2002.

([50]) USAID, “United States Strategy to Prevent and Respond to Gender Based Violence”, USAID, https://www.state.gov/documents/organization/258703.pdf, 2016. See also UNHCR, “Working with Men and Boy Survivors of Sexual and Gender-based Violence in Forced Displacement” UNHCR, October 2012, https://reliefweb.int/report/world/working-men-and-boy-survivors-sexual-and-gender-based-violence-forced-displacement.

([51]) International Center for Transitional Justice, “When No One Calls it Rape: Addressing Sexual Violence against Men and Boys in Transitional Contexts, ICTJ,2016,  https://www.ictj.org/publication/sexual-violence-men-boys, p. 41.

([52]) Kimberle Williams Crenshaw, “Toward and Field of Intersectionality Studies: Theory, Applications, and Praxis”, Journal of Women in Culture and Society, vol. 38, no. 1, 2003, pp. 785-810.