جدول المحتويات

المقدمة

قانون المقاضاة

جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية

الخاتمة

 

 جدول الاختصارات

الاختصار الاسم
SNHR الشبكة السورية لحقوق الإنسان
HRW هيومن رايتس ووتش/ مراقبة حقوق الإنسان
ICC المحكمة الدولية للجرائم
GC محادثات جنيف
AP البروتوكول الإضافي لمحادثات جنيف
UN الأمم المتحدة
IHL القانون الإنساني الدولي
IHRL القانون الدولي لحقوق الإنسان
HRC مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة
NGO منظمة غير حكومية

 

 

 

المقدمة

مع التركيز العالمي على “الحرب ضد الإرهاب” في سورية والقبول الدولي المحتمل باستمرار حكم الأسد، يبدو أنّ الفظاعات التي ارتكبها نظام الأسد وغيره من الجماعات المسلحة ضدّ الشعب السوري قد نُسيت إلى حدٍ كبير. ارتكبت الجماعات المسلحة الحكومية منها وغير الحكومية بصورة اعتيادية جرائم مروعة، منذ اندلاع الصراع في سورية عام 2011، ما أسفر عن عدد هائل من الضحايا المدنيين. وفقًا للشبكة السورية لحقوق الإنسان (SNHR)، قُتل أكثر من 480 ألف شخص منذ بداية الصراع ([1]). ونجم العدد الهائل في الوفيات عن الغارات الجوية، الصواريخ، القنابل وغيرها من الأسلحة، واستخدمت الجماعات المسلحة المتورطة في الصراع، أساليب غير قانونية في قتل الخصوم وتدميرهم. من الجلي أنّ هذه الجرائم ترقى إلى جرائم حرب خطرة وجرائم ضدّ الإنسانية. وفقًا لهيومن رايتس ووتش (HRW)، الاعتقال التعسفي، والتعذيب، والمعاملة اللاإنسانية، والاختفاء القسري المؤدي إلى الموت استمر بصورة منتظمة وعلى نطاق واسع في سورية ([2]). استمرت هذه الحالة من دون حلٍّ مدة 7 سنوات، ويبدو أنّ الآمال في تحقيق العدالة والملاحقة القضائية بعيدة المنال أكثر من أي وقت مضى. وعليه، سوف يركّز البحث على: أولًا الاختفاء القسري، ثانيًا الاعتقال التعسفي، ثالثًا التعذيب، ورابعًا عمليات الإعدام غير المشروعة، المرتكبة من النظام السوري، وكذلك من الجماعات المسلحة الأخرى، وإلى أي مدى تمثل هذه الجرائم جرائم ضدّ الإنسانية.

يُركز البحث، على الرغم من محدودية الأدلة المتاحة، على الجرائم المرتكبة من النظام السوري والجماعات المسلحة غير الحكومية كـ “داعش”، “جبهة للنصرة”، “حركة نور الدين الزنكي”، “حركة أحرار الشام الإسلامية”، ” الفرقة- 16″ و”الجبهة الشامية”. وسوف تحلّل الأدلة، التي جمعها المصور “القيصر” إلى جانب مقابلات ومواد وثائقية، وستجري مناقشة موضوع المسؤولية الجنائية الفردية داخل النظام السوري. والاستنتاج الذي سنتوصل إليه يرى أنّ الجرائم المرتكبة في سورية هي جرائم حرب مرتكبة ضدّ الإنسانية، وتقع معظم المسؤولية للمعاناة الممنهجة، في الواقع على عاتق نظام بشار الأسد. وفي وقت لا تسلط هذه الورقة الضوء على أي دليل جديد، فإنّها تسعى لجمع البيانات المتاحة التي توفرها المنظمات غير الحكومية والأمم المتحدة، المنظمات الدولية الأخرى المخصصة في السعي لمتابعة الحقوق والعدالة.

 

قانون المقاضاة

قبل البدء بالتحليل حول ما إذا كانت الممارسات المنتهجة من الجماعات المسلحة المختلفة غير قانونية، وما إذا كانت ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية، فهو من المعتاد أن يجري تعريف المصطلحات القانونية والقانون المطبق في ما يتعلق بالنزاع السوري.

 

القانون الجنائي الدولي

 

جرائم ضد الإنسانية

وفقًا للمادة 7 من “قانون روما” للمحكمة الجنائية الدولية (ICC)، الجريمة المرتكبة ضدّ الإنسانية، هي الهجوم الممتد والممنهج ضدّ السكان المدنيين، وتنطبق إذا كان مرتكبو الجريمة قد أُمروا أو كانوا على علم بالهجوم. وتشمل جرائم مثل القتل، التعذيب، والسجن في انتهاك للقانون الدولي الإنساني، الاختفاء القسري وغير ذلك من الأفعال اللاإنسانية ([3]).

 

جرائم الحرب

وفقًا للمادة 8 من “قانون روما” للمحكمة الجنائية الدولية (ICC)، إنّ جرائم الحرب هي انتهاكات جسيمة لاتفاقات جنيف ضدّ أشخاص مصانين ومحميين بموجب الاتفاقات ذات الصلة، وذلك موضوع الهجوم على المدنيين أو مقاتلي العدو الأفراد أو البنى التحتية على سبيل المثال. ويشمل ذلك، جرائم من قبيل القتل العمد، التعذيب والمعاملة اللاإنسانية للمعتقلين.

في وقت لم تصادق سورية على “قانون روما”، ما يعني أنّ المحاكمة المباشرة غير ممكنة، أصبحت سورية طرفًا موقعًا عام 2000. من ثمّ، سورية ملزمة بالامتناع عن “قهر الهدف والغرض من المعاهدة” ومن ثم الامتناع عن ارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية في أي حال من الأحوال ([4]).

 

القانون الإنساني الدولي (IHL)

على الرغم من أنّ الحرب السورية أصبحت معركة دولية خلال مسارها، ما تزال تعدّ بحسب التعريف نوعًا من أنواع الصراع الداخلي، إذ يتميز الصراع السوري إلى حدّ كبير بوجود جماعات معارضة تقاتل النظام وتقاتل بعضها. يُطبق القانون الإنساني الدولي في وقت النزاعات المسلحة، كما في الأزمة السورية، وهو ملزم الأطراف المتورطين في النزاع المسلح جميعهم، بما في ذلك الجماعات المسلحة غير الدولية. سورية هي دولة طرف في اتفاق جنيف لعام 1949 (GC) وصادقت على البروتوكول الإضافي (AP) الأول للاتفاقات. غير أنّها لم تصادق على البروتوكول الملحق الثاني، الذي ينطبق على النزاعات المسلحة غير الدولية، مثل النزاع الدائر في البلاد.

لكنّ المادة المشتركة الثالثة في “اتفاق جنيف” تحظر القتل، والتعذيب، والممارسات الوحشية، والإعدام من دون محاكمة، وأخذ الرهائن وغيرها من الجرائم ([5]). لذلك، على الرغم من عدم مصادقة سورية على “قانون روما” والبروتوكول الملحق الثاني، فإنّ سورية قانونيًا لا تسمح بارتكاب جرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، نظرًا إلى أنها محظورة بموجب اتفاق جنيف، الذي صادقت عليه.

 

القانون الدولي لحقوق الانسان (IHRL)

وفقًا لمحكمة العدل الدولية ولجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة، يطبق القانون الدولي لحقوق الإنسان في كل من أوقات السلم، وأيضًا في أثناء النزاعات المسلحة. إنّ سورية دولة طرف في بعض معاهدات حقوق الإنسان المهمة، مثل العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأيضًا العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR)، ومن ثم فهي ملزمة قانونيًا بشروط هذه المعاهدات. يحظر العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ICCPR)، بشدّة أعمال التعذيب، على سبيل المثال، حتى في أثناء حالة الطوارئ ([6]). كذلك سورية طرف في اتفاق ([7]) مناهض للتعذيب وغيره من ضروب المعاملة الوحشية واللاإنسانية والمهينة، وأيضًا الميثاق العربي لحقوق الإنسان، إذ يحميان حياة المعتقلين وإعلان حالات الإعدام بإجراءات موجزة، والتعذيب، والاختفاء القسري وغير ذلك من الجرائم غير المشروعة.

 

القانون الوطني

في إطار القانون الوطني السوري، تحظر المادتان؛ المادة (1) من دستور الجمهورية العربية السورية والمادة (391/ i) من القانون الجنائي السوري، اللتان تمنعان استخدام التعذيب. وتعد المواد من 51 إلى 53 من الدستور السوري أيضًا الاحتجاز التعسفي غير قانوني وضمانة الإجراءات القانونية العادلة.

لذلك، ينطبق القانون الدولي الإنساني والقانون الدولي لحقوق الإنسان على الصراع السوري وعلى الجماعات المسلحة الحكومية وغير الحكومية. ثم إن من المألوف أنّ القانون الدولي الإنساني ينطبق على النزاع الداخلي. علاوةً على ذلك، يحظر القانون الوطني السوري أيضًا ممارسات مثل التعذيب والاحتجاز التعسفي من دون محاكمة عادلة.

وستبحث هذه الورقة مدى احترام عملاء الدولة والجماعات المسلحة غير الحكومية المتورطة في الصراع السوري للقانون المطبق المشار إليه أعلاه.

 

تحليل الأدلة: صور “قيصر”

“القيصر” هو اسم رمزي لمصور عسكري رسمي سابق في الشرطة العسكرية السورية، هرب من سورية في عام 2013، سرّب حوالى 55 ألف صورة لجثث المعتقلين من السجون السورية في منطقة دمشق. قبل أن يجري التحقق من صحة الصور، كانت أول مقابلة لـ “لقيصر” في عام 2014 من محامين بريطانيين وأميركيين لضمان صدقيته، وحُللت صوره من دكاترة وقضاة محترفين ([8]). التُقطت الصور بين أيار/ مايو 2011 وآب/ أغسطس 2013، حين انشق “القيصر” عن الجيش السوري. وقد أُعطيت الصور التي تظهر أجسادًا تحمل علامات آثار التعذيب، والهزال والتجويع، للمعارضة السورية “المجلس الوطني السوري”. إذ أنشأ أعضاء من الحركة الجمعية السورية للمفقودين ومعتقلي الرأي، لجانًا لتحليل الملفات، ومن ثمّ أعطيت الملفات لهيومان رايتس ووتش (HRW) ([9]). حللت هيومان رايتس ووتش العدد الإجمالي البالغ 53275 صورة، تظهر 28707 صورة السوريين الذين ماتوا في مراكز اعتقال النظام أو المستشفيات العسكرية. وحددت هيومان رايتس ووتش هوية ما لا يقل عن 6786 جثة من هذه الصور. وعندما استجوب “القيصر” أمام الكونغرس الأميركي أوضح أنّ الصور التُقطت في مشرحة أو فناء مستشفى المزة العسكري (601)، ومستشفى تشرين العسكري. وقد تأكّد ذلك بتقنيات تحديد الموقع الجغرافي، وصور الأقمار الصناعية، وشهادات المنشقين الآخرين من جيش النظام.

أوضح “القيصر” أنّه اعتاد أن يكون شاهد المحقق للجريمة، عندما بدأت الثورة السورية في عام 2011، كانت وظيفته تصوير المعتقلين المتوفيين، وهي الوظيفة التي تسببت له وللمصورين العسكريين الآخرين بمعاناة نفسية عميقة. صور “القيصر” ما لا يقل عن 50 جثة يوميًا، ما يدلّ على أنّ عمليات الإعدام كانت منتظمة وواسعة الانتشار. وكشف “القيصر” عن مكان تنفيذ عمليات الإعدام، ما يشير إلى أنها وقعت في مراكز احتجاز قبل نقل الجثث إلى المستشفيات العسكرية، لإعطاء الانطباع بأنّ الوفاة حدثت لأسباب طبيعية. وبعد التقاط الصور في المستشفيات، يجري نقل الجثث في المناطق الريفية لدفنها هناك ([10]).

في أيّ حال، فإنّ هذه الصور لا تمثل العدد الإجمالي للوفيات التي وقعت في مراكز اعتقال النظام والمستشفيات العسكرية خلال هذه المدة. ووفقًا لشهادات المنشقين، لم تُنقل الجثث جميعها إلى مستشفى المزة أو مستشفى تشرين العسكري، حيث نقلت الجثث إلى مستشفى حرستا كذلك. إضافة إلى ذلك، لم يكن “القيصر” قادرًا على نسخ الصور جميعها من تلك المرحلة قبل انشقاقه، من ثم، هذه الصور تمثّل عددًا قليلًا من العدد الإجمالي للصور التي تظهر صور الجثث ([11]).

وهذه الصورة ستبقى بلا شك محورية في عملية تحقيق العدالة للشعب السوري، وتوفر دليلًا واضحًا على الجرائم المرتكبة لمقاضاة الجناة في المستقبل. أوضح “القيصر” دوافعه بأنّه “من أجل سورية والشعب السوري حتى يمكن محاكمة القتلة وتحقيق العدالة”([12]). وفقًا لـ ستيف راب، السفير الأميركي السابق؛ في ما يتعلق بجرائم الحرب، فإنّ الأدلة ضدّ النظام السوري، بما في ذلك صور “القيصر”، هي الأقوى ولم يسبق لها مثيل. عمل راب في محكمة نورمبرغ، وكان المدعي في المحكمة الخاصة لسيراليون، وهو المدعي العام في المحكمة الدولية لرواندا، وعمل بشكل وثيق مع المحاكم الدولية المخصصة الأخرى. بصرف النظر عن خبرته الواسعة في العدالة الدولية، أوضح أنّه لم يسبق له أن رأى دليلًا شاملًا وواضحًا على التعذيب والاختطاف والإعدام وغير ذلك من الفظاعات الشنيعة. وهو حاليًا يجمع الأدلة مثل صور “القيصر” والوثائق المهربة والمسربة” من نظام بشار لبناء قضية ضد الأسد ([13]).

أخيرًا، من المهم الإشارة إلى أنّ هذه الصور لا تمثّل سوى الجرائم التي ارتكبت من نظام بشار الأسد، وليس من الجماعات المسلحة غير الحكومية. لهذا السبب، سوف تستخدم صور “القيصر” في هذه الورقة بوصفها واحدًا من الأدلة الرئيسة لإثبات الجرائم التي ارتكبها النظام السوري.

 

المصدر: الشبكة السورية لحقوق الإنسان

 

جرائم الحرب والجرائم ضدّ الإنسانية

الاختفاء القسري والاختطاف

الجهات الحكومية

يمكن عدّ العدد الكبير من المعتقلين لدى النظام السوري اختفاءً قسريًّا. وفقًا للشبكة السورية لحقوق الإنسان، اختفى 85 ألف شخص قسرًا منذ اندلاع الصراع عام 2011. النظام مسؤول عن اختفاء 9 من كل 10 حالات، إذ إن له تاريخًا طويلًا في الاختفاء القسري تجاه أولئك الذين يعارضون حكمه([14]). وفقًا لهيئة حقوق الإنسان (HRW)، إنّ الاختفاء القسري كثيرًا ما يرتبط بانتهاكات أخرى للحقوق الأساسية، مثل التعذيب والمعاملة اللاإنسانية وغياب المحاكمة العادلة، الإعدام وغياب المعلومات المتعلقة بالضحية ([15]).

أثبتت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أنّ نظام الأسد مسؤول عن اختفاء 76656 حالة، من ضمنهم 4210 حالة نساء و1116 حالة أطفال مع وجود 200 ألف حالة محتجز حاليًا. إذ تستهدف القوات الحكومية أفراد أسر المنشقين، الناشطين، العاملين في المجال الإنساني، وأعضاء المعارضة والعاملين الطبيين الذين يقدمون المساعدات إلى جماعات المعارضة ([16]). وفقًا لمنظمة العفو الدولية، حالات الاختفاء القسري في سورية واسعة الانتشار، وممنهجة ([17]) وبحسب لجنة الأمم المتحدة لتقصي الحقائق في سورية، هذه الهجمات ضدّ المدنيين تشكل جرائم ضدّ الإنسانية ([18]). وتعد محكمة العدل الدولية (ICC) الاختفاء القسري جرائم ضدّ الإنسانية ([19]).

في الواقع، مثل هذه الممارسات اللاإنسانية غير قانونية، حتى في أثناء الحروب. عُرف الاختفاء القسري من المحكمة الجنائية الدولية والاتفاق الدولي لحماية جميع الأفراد من الاختفاء القسري، بأنّه “اعتقال أو احتجاز أو اختطاف أشخاص بتصريح من دولة أو منظمة سياسية أو بدعم منها، يليه رفض الإقرار بالحرمان من الحرية أو توفير معلومات عن مصير هؤلاء الأشخاص ومكانهم، بنية إبعادهم عن حيز حماية القانون مددًا زمنية طويلة”([20]).

يبقى من الواضح أنّ الاختفاء القسري ينتهك دائمًا حقوقًا أساسية أخرى. إنّ الاختفاء القسري، والحرمان من الحرية، وضمانات محاكمة عادلة وحظر القتل تصان في القانون الإنساني الدولي العرفي، ومن ثم، يجب احترامها في الأوقات جميعها في الصراعات الوطنية والنزاعات الدولية ([21]).

دان قرار مجلس الأمن الدولي الرقم 2139 بشدة حالات الاختفاء القسري في سورية وطالب بإطلاق سراح السوريين المحتجزين بصورة غير قانونية ([22]). إلّا أنّه، ومنذ اتخاذ القرار في شباط/ فبراير 2014، لم يُتخذ أي إجراء لإعادة الضحايا إلى ذويهم أو تقديم دليل على أنّهم على قيد الحياة. وبحسب مدير منظمة هيومان رايتس ووتش في الشرق الأوسط، إنّ قضية الاختفاء القسري أمر بالغ الأهمية في التفاوضات السياسية وتحقيق العدالة خصوصًا للضحايا ولعائلاتهم ([23]).

لهذه الجرائم الأثر الضار على أسر المختفين وتسبب معاناة نفسية شديدة لهم لعدم معرفتهم بمصير أقاربهم. مؤخرًا، أطلقت نساء سوريات في المملكة المتحدة حملة “عائلات من أجل الحرية”، تهدف الحملة إلى رفع مستوى الوعي حول قضايا أقاربهم المختفين أو المحتجزين بصورة غير قانونية في سورية. وتشرح تلك النساء الشجاعات لأنفسهن المعاناة التي يعانينها. تشرح نورا أنّ زوجها “باسل خرطبيل الصفدي”، وهو مبرمج كمبيوتر وناشط مدني، قد اُختطف من قوات النظام في عام 2012 واحتجز. وعام 2015، توقفت زوجته وعائلته عن تلقي أي أخبار منه. انتشرت الشائعات أنّه أعدم، ولكن من دون أي دليل رسمي. وقد تأكّدت أسوأ مخاوفهم بعد سنتين، حينما أخطر النظام السوري نورا رسميًا أن زوجها قد أعدم في عام 2015. إن نورا واحدة من آلاف السوريين الذين يعانون هذه الفظاعات الرهيبة ([24]). وتكون عائلات المختفين وأصدقاؤهم مهمين في أي تحقيق قانوي لأنهم غالبًا ما يكونون الدليل الوحيد على اختطاف الأفراد بصورة غير مشروعة.

 

الأطراف غير الحكومية

بالنسبة إلى الجماعات المسلحة غير الحكومية، أعلنت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أنّ “داعش” اختطفت حوالى 4698 شخص بينهم 182 امرأة و204 طفل. وثبت أيضًا أنّ “جبهة فتح الشام”، وجماعات المعارضة والقوات الكردية، مسؤولة عن الاختفاء القسري ([25]).

وبصورة أدق، ذكرت الشبكة السورية لحقوق الإنسان، أنّه في المدة ما بين بدايات عام 2012 وحزيران/ يونيو 2016، اختطفت الجماعات المسلحة 367 صحافيًا وناشطًا إعلاميًا في محافظتي إدلب وحلب. ويشمل هذا العدد الحالات التي جرى الإبلاغ عنها. تشتبه منظمة العفو الدولية في أنّ العدد أكبر كثيرًا، ولكن الناس يخشون الانتقام إذا ما أبلغوا عن تلك الحوادث.  وفقًا للشهادات، فإنّ عمليات الاختفاء القسري تجري بصورة رئيسة من جماعات؛ “جبهة النصرة”، “حركة نور الدين الزنكي”، “الجبهة الشامية” و”حركة أحرار الشام الإسلامية”، ويبدو أنّ الهدف الرئيس لهذه الحالات هو قمع حرية التعبير ([26]).  وثمة سبب آخر للاختفاء كان بسبب الهوية الإثنية، إذ أفادت منظمة العفو الدولية أن 25 كرديًا سوريًا قد اختطفوا في حلب من الجماعة المسلحة “الفرقة 16” بين عامي 2012 و2106([27]). علاوةً على ذلك، فإنّ “داعش” كثيرًا ما استخدمت عمليات الاختطاف، إذ اختطفت بصورة تعسفية الأفراد، بمن فيهم الأطفال، ونقلتهم إلى مراكز احتجاز سرية خاصة بها، حيث لا يكون للمحتجزين أي اتصال بأقاربهم ومن دون معرفة سبب احتجازهم ([28]).

وكما هو موضّح هنا، فإنّ حالات الاختفاء القسري في سورية هي جرائم ضدّ الإنسانية لكلّ من الضحايا وعائلاتهم. وبينما تقوم الأطراف جميعها بهذه الممارسات، فإنّ المسؤولية الرئيسة تقع على عاتق النظام السوري. يستخدم النظام الاختفاء القسري بوصفه سلاحًا من أسلحة الحرب على نطاق واسع ومنهجي بحيث تعدّ جرائم حرب وجرائم ضدّ الإنسانية. وعلى خطوط المعارك، تتهم “داعش” بصورة واضحة بعمليات الاختطاف والاختفاء القسري وهي متورطة في جرائم حرب.

 

الاحتجاز التعسفي وأوضاع الاحتجاز

الجهات الحكومية

منذ بداية الثورة في آذار/ مارس 2011 اعتقل الآلاف من السورين تعسفيًا في أوضاع فظيعة ومن دون دافع ([29]). وتمتلك أجهزة استخبارات النظام سلطة فعلية غير محدودة في إلقاء القبض، التحري واستجواب أي شخص واحتجازه، بما أنّه لا يوجد قانون واضح بشأن غاية كل جهز استخباراتي وحدوده ([30]). نتج من ذلك الاختطاف والاعتقال التعسفي غير القانوني.

في عام 2012، حدّدت منظمة هيومان رايتس ووتش على الأقل 27 مركز احتجاز في سورية يدار من النظام، إذ جرى الإبلاغ عن عدد كبير من حالات الوفيات، من جراء أوضاع الاحتجاز السيئة ([31]). وفقًا لشبكة السورية لحقوق الإنسان، أنّه عام 2015، توفي 11358 شخصًا في مراكز احتجاز تدار من النظام السوري ([32])؛ تقول هيومان رايتس ووتش إنّ الأرقام ربّما تكون أعلى، لأنّ أغلب الحالات لا يجري الإبلاغ عنها ([33]).

الشهادات من محتجزين سابقين ومنشقين عن الجيش السوري وصور “القيصر”، تثبت أنّه في مراكز الاحتجاز، كان المحتجزون معظمهم خاضعين للتعذيب، التجويع، الضرب المبرح، عدم العناية الطبية، الصحة العامة، المساحة الكافية، التهوية والاعتداء الجنسي، إلخ. وليس للمحتجزين أي وسيلة اتصال بأقاربهم، إلّا نادرًا عندما يرشون الحراس لإجراء مكالمة هاتفية ([34]). فوق ذلك، يفتقر المحتجزين إلى المساحة، وقد ذكر اثنين من المسجونين السابقين أنّهم كانوا يقيمون في زنزانة مشتركة مساحتها حوالى 20 مترًا مربعًا فيها ما بين 60 إلى 75 مسجونًا. كان هناك كثير من الأشخاص في الزنزانات وكان للمحتجزين القدرة على الوقوف فحسب، وكان عليهم التناوب على النوم ([35]).

فهد المحمود، سجّان منشق، كشف أنّه في السجن الذي كان يخدم فيه، كان هناك دائمًا 1000 محتجز معًا، وكان يموت يوميًا بين 2 إلى 11 مسجونًا، بسبب الأوضاع اللاإنسانية في مركز الاحتجاز. هذا يوحي أنّ هناك -على الأقل-  2000 محتجز يموت سنويًا، في كل مركز احتجاز تابع للنظام. كريم، سجين سابق في مركز احتجاز آخر، كشف أنّه في زنزانته توفي بمعدل 9 محتجزين شهريًا. أوضح أنّ الزنزانة كانت تحوي على 80 إلى 170 سجينًا معًا ([36]).

وفقًا للأطباء أنّ المحتجزين في مراكز الاحتجاز تلك والتحليل الجنائي لصور “القيصر”، فإنّ الوفيات في سجون النظام تعود أساسًا إلى التهابات الجهاز الهضمي والأمراض الجلدية والتعذيب والضرب المبرح، وضيق التنفس، الذي يقود المحتجز إلى رفض تناول الطعام والشراب، والأمراض المزمنة غير المعالجة والتجويع. هذه الأحوال نتجت من أوضاع لاإنسانية في السجون والحرمان من الرعاية الصحية الملائمة والصحة العامة ([37]).

وبفضل الأدلة الواردة في صور “القيصر” والشهادات، كانت هيومان رايتس ووتش قادرة على إثبات أسلوب شائع وممنهج، ومعرفة برتب الضباط المسؤولين عن الممارسات اللاإنسانية والموت في سجون النظام، من ثم نخلص إلى أنّ السلطات السورية مسؤولة عن ارتكاب جرائم ضدّ الإنسانية.

 

الجهات غير الحكومية

الاحتجاز التعسفي في أوضاع سيئة هو أيضًا تكتيك تستخدمه الفصائل العسكرية غير الحكومية. وقد احتجزت داعش بصورة غير قانونية أفرادًا على أساس عدم احترامهم لقوانين الشريعة غير الرسمية وسلوكهم الذي عدّوه غير أخلاقي. إنّ الأوضاع في مراكز الاحتجاز التابعة للفصائل المسلحة غير إنسانية، وكان المحتجزون هدفًا للضرب المبرّح. في عام 2014، أوضح محتجز سابق عند “داعش”، أنّه رأى رجلًا شابًا تعّرض للضرب حتى الموت بكابل معدني. في كانون الثاني/ يناير 2014، حينما أُجبرت “داعش” على الخروج من قاضي عسكر، حي في مدينة حلب، أطلقوا النار وقتلوا ما بين 40 إلى 50 مسجونًا قبل مغادرتهم ([38]).

 

التعذيب

الجهات الحكومية

أجرت هيومان رايتس ووتش مقابلات مع معتقلين سابقين في مراكز احتجاز خاضعة لسيطرة النظام، وكان معظمهم تقريبًا قد تعرض للتعذيب في أثناء مدّة الاحتجاز، ما يسلّط الضوء على الطابع المنهجي وواسع الانتشار لمثل هذه الانتهاكات. وفقًا لتقارير، إنّ التعذيب الأكثر وحشيةً كان يحدث في أثناء جلسات الاستجواب، إذ يضطر المعتقل إلى الاعتراف بجرائم لم يرتكبها، مثل استخدامهم الأسلحة في أثناء التظاهرات المناهضة للنظام، أو عليهم تقديم معلومات عن منظمي تلك التظاهرات. إلّا أنّ المسجونين السابقين يرون أنّ السبب الرئيس في استخدام التعذيب هو معاقبة المسجونين وترهيبهم أكثر من الحصول على المعلومات.

تشمل أسليب التعذيب ” الشبح”، وهو تعليق الفرد من معصميه مددًا طويلة جدًا، والجلد بالكابلات، والضرب بالأنابيب البلاستيكية. أساليب أخرى مثل “الكرسي الألماني”، إذ يجلس المعتقل على الكرسي من دون سند ظهر له ويرجع المعتقل إلى الخلف بظهره والعودة إلى الوراء إلى أن يشعر بأنّ ظهره سوف ينكسر، وأيضًا “بساط الريح”، يشل عن الحركة على لوح مسطح خلال عملية الضرب (بعض الأحيان يجري طي اللوح ويفتح بصورة مفاجئة على أطرافه). يستخدم حراس السجن أيضًا الصدمات الكهربائية، المشابك التناسلية، الاختناق، الضرب المبرح، والدولاب”، وهو وضع شخص في إطار السيارة وضربه بشدة. كشف معتقلون سابقون أنّ المحتجزين غالبًا ما يموتون في الحال أو بعد مدد وجيزة من جلسات التعذيب، بسبب إصابات خطرة. أوضح الدكتور مأمون، وهو معتقل سابق، أنّ ابن أخيه توفي في أثناء احتجازه بسبب التعذيب الشديد والمكثف، إذ أشعل السجانون النار في يديه ([39]). بالنظر إلى هذه الأدلة، فمن الواضح أنّ النظام السوري مسؤول عن ارتكاب جرائم ضد الإنسانية ([40]).

 

الجهات غير الحكومية

على الرغم من الأدلة تشير إلى أنّ التعذيب في مراكز الاحتجاز التابعة للنظام السوري أكثر، كذلك استخدمت الجماعات المسلحة الأخرى التعذيب سلاحًا في الحرب. وعلى الرغم من أنّ التعذيب يجري على نطاق ضيق من الجماعات المسلحة غير الحكومية، إلّا أنّه لا يمكن تجاهله. في مقابلة مع منظمة العفو الدولية، كشف إبراهيم أنه ظن أنه سيكون بأمان عندما تسيطر المعارضة على المنطقة، منذ سماعه عن أساليب التعذيب عند النظام. أضاف، “كنت مخطئًا، لقد تعرضت لأساليب التعذيب نفسها ولكن على يد “جبهة النصرة”. وفقًا لمنظمة العفو الدولية، في حالة خمس عمليات خطف في حلب قامت بها الجماعات المسلحة، كانت أربع من هذه الحالات تعرضت لتعذيب ومعاملة لاإنسانية في مراكز اعتقال تابعة لحركة نور الدين الزنكي أو جبهة النصرة. علاوة على ذلك، في حلب وإدلب، الفصائل المسلحة، مثل جبهة النصرة وحركة أحرار الشام الإسلامية أقامت محاكم شرعية صارمة تضع نظمها القضائية داخل المناطق الخارجة على سيطرة النظام. ويمكن أن تؤدي مخالفة قواعد الشريعة إلى العقاب أو حتى إلى الإعدام بإجراءات موجزة من دون محاكمة وفقًا لشهادات ضد الجماعات المسلحة؛ جبهة النصرة والفرقة 16 والجبهة الشامية ([41]).

عمومًا، يجري التعذيب ضد أفراد من النظام السوري، والميليشيات الموالية للحكومة، داعش وغيرها من الجماعات المسلحة المنافسة والجواسيس المشتبه بهم. مع ذلك أُفيد بأنه ما لا يقل عن عشرة صحافيين وناشطين تعرضوا للتعذيب من الجماعات المسلحة غير الحكومية بين عامي 2014 و2015 في محافظتي إدلب وحلب. تشمل أساليب التعذيب الضرب بأدوات، تعليق الأفراد من المعصمين ساعات، إجبار وضع الأشخاص في إطارات وضربهم ([42]). تشير التحاليل إلى أن الجماعات المسلحة تستخدم التعذيب لمعاقبة السجناء بدلا من الحصول على المعلومات منهم.

التعذيب هو أيضًا سلاح حرب متكرر جدًا تستخدمه داعش. شرح معتقلون سابقون أنهم تعرضوا للتعذيب والضرب في أثناء الاستجواب خلال مدّة احتجازهم عند داعش ([43]). تشتمل أساليب التعذيب، على الصدمات الكهربائية، الضرب بالكابلات، بالعصي أو بالأسلاك الكهربائية. وهناك أساليب أخرى استخدمت مثل البقاء في وضع إجهاد ساعات طويلة ما يؤدي إلى ألم شديد وأضرار على العضلات ([44]).  وفقًا للشهادات، الأطفال أيضًا تعرضوا للجلد والتعذيب في مراكز اعتقال داعش. طفل في عمر حوالى ال 13 أو 14 عامًا تعرض إلى 30 أو 40 جلدة يوميًّا لاتهامه بالسرقة ([45]). تشير الدلائل إلى أن التعذيب منتشر بشكل واسع وممنهج من داعش لمعاقبة ” الكفار”. واتهمت داعش من مجلس حقوق الإنسان في الأمم المتحدة (HRC) بجرائم إبادة وجرائم أخرى ضد الإنسانية وجرائم حرب بحق السكان الأيزيدين الذين نُقلوا من العراق إلى سورية ([46]). تهدف داعش إلى القضاء على السكان الأيزيدين من خلال القتل، التعذيب، الرق الجنسي، الاسترقاق، المعاملة اللاإنسانية والنقل القسري.

 

الإعدام من دون محاكمة

الجهات الحكومية

منذ اندلاع الصراع في سورية عام 2011، أُعدم آلاف المحتجزين في سجون النظام بصورة غير قانونية. ومثال للمنشآت التي ظهرت فيها جرائم كهذه، سجن صيدنايا العسكري في دمشق. وفقًا لمنظمة العفو الدولية، جرى احتجاز ما بين 10 آلاف إلى 20 ألف سجين في هذه المنشأة دائمًا، إذ كانت تتناوب بين الأشخاص الذين أعدموا والمعتقلين الواصلين الجدد. بين أيلول/ سبتمبر 2011 وكانون الأول/ ديسمبر 2015، أعدم ما بين 5000 إلى 13000 شخص في صيدنايا من دون محاكمة. وما زال يُنقل المحتجزون إلى سجن صيدنايا، بحيث تقودنا الدلائل إلى أن الإعدامات ما زالت تحدث. يتعرض المحتجزون في صيدنايا إلى معاملة لاإنسانية ويتعرضون للتعذيب، العنف الجنسي والضرب المبرح. مرة أو مرتين أسبوعيًا، يجري نقل ما بين 20 إلى 50 معتقل إلى قبو يتعرضون للضرب مدة ساعتين أو ثلاث ساعات ثم يجري شنقهم جماعيًا. تدفن الجثث في ما بعد في مقابر جماعية ضمن مناطق عسكرية في منطقة دمشق.

قبل الشنق، يدان المحتجزون بمن فيهم المدنيون في “محاكمات” تستمر بين دقيقتين وثلاث دقائق في محكمة عسكرية. إلا أن الضحايا لا يدركون أنه قد حكم عليهم بالإعدام في “المحكمة”، إذ يخبرون بأنهم سيعدمون قبل دقائق من شنقهم. ووفقًا لمنظمة العفو الدولية، فإن الشنق مفوض من كبار المسؤولين في النظام السوري الذين يتصرفون باسم الأسد.

تنتشر عمليات الإعدام بشكل واسع وممنهج نظرًا إلى آلاف السوريين الذين خضعوا للإعدام خارج نطاق القانون، وتشير الأدلة إلى حدوثها مرة أو مرتين أسبوعيا. إضافة إلى ذلك، فإن كبار المسؤولين يتصرفون نيابة عن الأسد في إصدار الأوامر في القتل غير القانوني ما يشير إلى أن الأسد نفسه لديه علم بحدوث هذه الحوادث. لذلك، فإن موجز عمليات القتل تعدّ جرائم حرب ضد الإنسانية وفقًا لمعايير القانون الدولي.

 

الجهات غير الحكومية

الإعدامات من غير محاكمة جريمة اُتهمت به جماعات مسلحة غير حكومية. في عام 2015 في حريتان، بلدة في ضواحي حلب، أُعدم ثلاثة رجال وشاب في الـ 17 من العمر علنًا، من جبهة النصرة بتهمة اللواطة. تظهر شهادات وأشرطة فيديو أن النساء المتهمات بالزنا احتجزن، وأحيانًا حكم عليهن بالإعدام العلني من النصرة في محافظة إدلب ([47]). أيضًا، في أيلول/ سبتمبر 2015، النصرة اختطفت وأعدمت بإطلاق النار 70 من أفراد جيش النظام في محافظة إدلب ([48]). من الواضح أن القتل الموجز هو ممارسة شائعة داخل الجماعات المسلحة غير الحكومية، وبخاصة جبهة النصرة.

وقد استخدمت داعش الأساليب نفسها. المحتجزون ومن ضمنهم الأطفال المتهمون بسلوك غير أخلاقي، أو كانوا جزءًا من المجموعات المعادية أعدموا بعد محاكمة قصيرة وغير قانونية من قاضٍ من داعش لابسًا حزامًا من الرصاصات ([49]). على سبيل المثال، عام 2013، أعدم أربعة اشخاص متهمين بأنهم أعضاء في فصيل مسلح معادٍ بعد محاكمة قصيرة استمرت أقل من دقيقة. أغلب عمليات الإعدام حصلت في ساحات عامة في محافظة الرقة ([50]). وأيضًا، في كانون الثاني/ يناير 2017، استهدفت داعش وأعدمت 84 مدنيًا و50 جنديًا تابعًا للنظام السوري في دير الزور ([51]). كانت عمليات الإعدام تجري بوحشية، إذ غالبًا ما كانت تقطع رؤوس الضحايا أو يرمون من مبنى عال.

في عام 2014، أطلقت داعش النار على 200 جندي من النظام في الصحراء. وأفاد المرصد السوري لحقوق الإنسان أن داعش أعدمت ما لا يقل عن 25 رجلًا بتهمة المثلية الجنسية. في كانون الثاني/ يناير 2017، رُجم طفل في الـ 15 من العمر حتى الموت في دير الزور لهذا السبب. غالبًا ما نفذت داعش عمليات الإعدام في الأماكن العامة أو صورت عملية القتل ونشرتها في شبكة الإنترنت لنشر الرعب ([52]).

عليه، فإن الأدلة تثبت مسؤولية جبهة النصرة وغيرها من الفصائل المسلحة عن جرائم حرب وعمليات إعدام خارج نطاق القضاء ومن دون محاكمة عادلة. وقد ارتكبت الجماعات المسلحة الحكومية، اتهمت داعش كذلك وبشكل واسع النطاق وممنهج، وبذلك تكون مسؤولة عن جرائم ضد الإنسانية من القتل.

 

المسؤولية الجنائية الفردية داخل النظام السوري

وفقًا للروايات معظمها، فإن أكثر مرتكبي الجرائم المنتشرة في سورية هو النظام نفسه. عند النظر في المسؤولية الجنائية الفردية، من المهم تحليل الطريقة الهرمية التي تصدر بها الأوامر داخل النظام لبناء صورة لمن كانوا في الحكومة ومن هم على معرفة بارتكاب هذه الجرائم.

وفقًا لقانون روما، يكون الشخص مسؤولًا جنائيًا إذا كان ارتكبها بنفسه أو أصدر الأوامر أو حرض على الجريمة ([53]). وقانون روما وعرف القانون الإنساني الدولي ينص أيضًا على ما يسمى “عقيدة مسؤولية القيادة” الذي يحمل المسؤولين المسؤولية بغض النظر عن رتبهم وعن إذا ما كانوا على علم، أو ينبغي أن يكونوا على علم بهذه الجرائم وفشلوا في منع حدوثها أو تقديم القضية إلى التحقيق ([54]). لذا ووفقًا لنظام روما الأساسي، يمكن أن يكون المسؤولون عن مراكز الاحتجاز ورؤساء أجهزة الاستخبارات وأعضاء السلطات وكذلك رئيس الدولة نفسه مسؤولين عن الجرائم المرتكبة في مراكز الاحتجاز في سورية. ([55])

في داخل النظام السوري، الأجهزة الأمنية تقدم تقارير فورية إلى المسؤولين الكبار وبدورهم مباشرة يرسلونها إلى الأسد. منذ عام 2011، تجتمع خلية الأزمة السورية -وهي هيئة أنشأها الأسد ويرأسها، تضم رؤساء الأجهزة الأمنية كلهم- بانتظام لمناقشة القضايا المتعلقة بالاحتجاز والاعتقال على سبيل المثال ([56]). إضافة إلى ذلك، تجتمع لجنة التحقيق المشتركة التي تشكلت من النظام لتنسيق التحقيقات وتدير نقل المحتجزين في جميع أنحاء البلد. تشمل هذه اللجان خدمات الأمن والشرطة الجنائية والشرطة العسكرية ([57]). يبين هذا التنظيم أن الجهد المتعلق بالاعتقال والاحتجاز قد تمركز منذ عام 2011، وأن المسؤولين الكبار على علم ويتحكمون بما يجري في البلد.

فضلا عن ذلك، فإنه على الحكومات الالتزام بمحاسبة الأفراد المقتادين إلى السجن. وفقًا للجنة حقوق الانسان (HRC)، “الفشل في القيام بذلك (القيام بالمحاسبة)، حيث توجد هناك أدلة بأن الدولة كانت مسؤولة عن الاحتجاز، يخلق الافتراض عن المسؤولية”([58]). بناء عليه، حتى عندما لا يمكن إثبات الموت في الحجز، ما يزال الاختفاء هو الفشل في حماية حق هذا الشخص في الحياة. وهذا يكون أكثر أهمية، عندما يكون الاختفاء ضمن سياسية منهجية في الدولة المعنية ولم تتخذ السلطات خطوات للحد منها ([59]). لذلك، من الواضح أن النظام يمكن أن يكون المسؤول عن الاختفاء والموت في مراكز الاحتجاز التابعة له.

نهاية، نظرًا إلى الأعداد الكبيرة جدًا من الوفيات في مراكز الاحتجاز التابعة للنظام بسبب أوضاع السجن اللاإنسانية، يجب معرفة أسباب الوفاة من الأشخاص المسؤولين عن مراكز الاحتجاز نظرًا إلى أنهم مسؤولون أيضًا عن التخلص من الجثث. إضافة إلى ذلك، هناك نظام مركزي يجمع الوفيات من المحتجزين، إذ تقدم تقارير إلى الشرطة العسكرية، ما يدل أيضًا على أن عدد الوفيات معروف من دوائر النظام. وقد أبلغت بعض العائلات عن وفاة أقارب لهم في الحجز، هذا يدل على أن افراد النظام السوري يجب أن يكونوا على علم بالجرائم أو أنهم قرروا تجاهل هذه المعلومات. في الحالتين كلتيهما، هؤلاء المسؤولون والأسد نفسه يمكن أن يكونوا مسؤولين جنائيًّا عن الجرائم الفردية.

 

الخاتمة

حاولت الورقة إثبات جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية المرتكبة من طرف عملاء النظام والجماعات المسلحة غير الحكومية في سورية وأن الأدلة المتاحة كافية لإثبات هذه الجرائم في محاكمات مستقبلية.

نتيجة لهذا التحليل، يمكن الاستنتاج أن النظام السوري قد ارتكب عددًا من الجرائم التي تنتهك القانون الدولي والقانون الوطني السوري. بتعبير القانون الدولي لحقوق الانسان، فإن النظام السوري ينتهك باستمرار أساسيات مفهوم القانون الدولي لحقوق الإنسان مثل حق الحياة من خلال إصدار أوامر أو منع عمليات القتل والإعدام غير القانوني وتنفيذ عقوبة الإعدام من دون محاكمة عادلة وعدم إجراء تحقيقات بشأن الوفيات في مراكز الاحتجاز. كذلك السلطات السورية مسؤولة عن جرائم أخرى محظورة بموجب القانون الدولي لحقوق الإنسان مثل التعذيب والمعاملة غير الإنسانية. من ناحية أخرى، باستخدام هكذا ممارسات، فإن النظام السوري ينتهك أيضًا القانون الدولي الإنساني من خلال انتهاكه للمادة 3 المشتركة لمحادثات جنيف. أخيرًا، تثبت الورقة أن عمليات الإعدام والقتل التي ترتكبها قوات النظام تحدث على نطاق واسع للغاية منذ عام 2011. إن عمليات القتل والوفاة تحدث على نطاق واسع بحيث تنطوي على تورط عدد كبير من قوات النظام ومصادر عسكرية كبيرة، من ثم يدل على معرفة الناظم، بما في ذلك القيادات العليا. لذلك، عند النظر في الأدلة كلها معًا، يمكن أن نستنتج أن النظام السوري من أعلى المستويات وحتى رأس الدولة، مسؤولون عن جرائم إبادة وهي أخطر جرائم ضد الإنسانية. إن هذه الجرائم المرتكبة كلها التي ترقى إلى مستوى جرائم ضد الإنسانية هي أيضًا جرائم حرب ويتحمل النظام السوري مسؤوليتها ([60]).

برهنت الورقة أن الجماعات المسلحة غير الحكومية مسؤولة أيضًا عن عدد كبير من الجرائم. في وقت هناك عدد من فصائل المعارضة ارتكبت مثل هذه الجرائم فإن جبهة النصرة وغيرها من الجماعات مسؤولة بشكل خاص عن جرائم حرب متعلقة بالتعذيب والمعاملة اللاإنسانية والقتل. كذلك، أثبت البحث أن داعش ارتكبت جرائم حرب وبشكل أكثر منهجية وواسع النطاق منذ بداية الصراع في سورية ومن ثم هي مسؤولة عن جرائم حرب وأيضًا جرائم ضد الإنسانية والتعذيب والقتل ([61]). وأيضًا مسؤولة عن جرائم حرب من اختطاف وسجن ظالم. علاوة على ذلك فقد اتهمت لجنة حقوق الإنسان داعش بأنها مسؤولة عن جريمة الإبادة الجماعية ضد السكان الأيزيديين وضد الإنسانية.

لذلك، بعد أن فقدت داعش السيطرة على “الخلافة” الفاشلة، والمقاتلين الأجانب والمحليين الذين ارتكبوا مثل هذه الأعمال الوحشية جرى دفعهم نحو الصحراء حيث حان الوقت لتحقيق العدالة.

من الضروري أن يفي المجتمع الدولي بالتزاماته تجاه الشعب السوري، وأن يجد مجرمي الحرب الذين ارتكبوا مثل هذا الظلم ويعتقلهم. بالنسبة إلى داعش، وقت انتصاف العدل في متناول اليد، إلا أنه بالنسبة إلى النظام السوري سيكون أصعب كثيرًا.

تشير الدلائل، على الرغم من الإنكار المتكرر من جانب النظام وحلفائه الروس، إلى أن الحياة في سورية ما زالت تشهد التهديد بالتعذيب والاختفاء وغير ذلك من الفظاعات.

وفي وقت يركز العالم على صور معاناة المدنيين في المدن السورية المدمرة، فإن رطوبة السجون مثل صيدنايا، ما تزال المعاناة اللاإنسانية المستمرة بلا هوادة. لقد بذل النظام السوري جهده لإخفاء هذه الأماكن البائسة عن أعين العدالة والمساءلة، إلا أن الأدلة موجودة ليراها الجميع. ويجب ألا تمر هذه الجرائم ضد الإنسانية من دون عقاب. وفي المستقبل القريب لن تكون العدالة صعبة فحسب، في الحقيقة، مستحيلة، فمن الحيوي أن الحكومات ومنظمات المجتمع المدني وغيرها من الجهات المعنية بالسعي لانتصاف توثيق جرائم الحرب والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية وأن تواصل دعواتها الدؤوبة للضحايا.

التاريخ له ذاكرة طويلة، وإذا كانت الحالات السابقة توفر أدلة واضحة، فإن قضية العدالة والمساءلة في سورية لن تكون سدى.

 

 

([1])I AM SYRIA. (2017). Death Tolls. [online] Available at: http://www.iamsyria.org/death-tolls.html [Accessed 11 Dec. 2017].

([2]) Human Rights Watch (2017), Country Summary: Syria, January 2017

([3]) Rome Statute (1998), Article 7

([4]) The Vienna Convention on the Law of Treaties (1969), Article 18, 23 May 1969

([5]) Common article 3 to all Geneva Conventions (1949)

([6]) International Covenant on Civil and Political Rights, adopted December 16, 1966 GA Res 2200A (XXI), articles 4 and 7

([7]) Convention against Torture and Other Cruel, Inhuman or Degrading Treatment or Punishment, G.A. res. 39/46 UN Doc A/39/51 (1984)

([8]) Carter-Ruck and Co. Solicitors of London (2014), A Report: into the credibility of certain evidence with regard to Torture and Execution of Persons Incarcerated by the current Syrian regime, London

([9]) Human Rights Watch (2015), If the Dead Could Speak: Mass Deaths and Torture in Syria’s Detention Facilities, p.1-3

([10]) Carter-Ruck and Co. Solicitors of London (2014), p.13

([11]) Human Rights Watch (2015), p.4

([12]) Carter-Ruck and Co. Solicitors of London (2014), p.14

([13]) Afshar S. and Cutcher N. (2017), Syria’s Disappeared: The Case Against Assad, A documentary about the Syrian regime’s detention centres, Afshar Films

([14])Syrian Network for Human Rights (2017), Enforced-Disappearances is a Weapon of War in Syria, no less than 85 000 are Forcibly Disappeared: Where are they?, 30 August 2017

([15]) Human Rights Watch (2017). Syria: Talks Should Address ‘Disappeared’. [online] Available at: https://www.hrw.org/news/2017/08/30/syria-talks-should-address-disappeared [Accessed 22 Nov. 2017].

([16]) Syrian Network for Human Rights (2017), Enforced-Disappearances is a Weapon of War in Syria, no less than 85 000 are Forcibly Disappeared: Where are they?, 30 August 2017

([17]) Amnesty International. (2017). 10s of 1000s – The Evidence. [online] Available at: https://tensofthousands.amnesty.org/the-evidence/ [Accessed 21 Nov. 2017].

([18]) United Nations Commission of Inquiry for Syria (2013), Without a trace: enforced disappearances in Syria, 19 December 2013

([19]) ICC Statute, Article 7(1)(i) (cited in Vol. II, Ch. 32, § 2372). Article 7(2)(i) (ibid., § 2374)

([20]) ICC Statute, Article 7(1)(i) (cited in Vol. II, Ch. 32, § 2372). Article 7(2)(i) (ibid., § 2374); International Convention for the Protection of All Persons from Enforced Disappearance (ICCPED), adopted December 20, 2006, G.A. Res. 61/177, U.N. Doc. A/RES/61/177 (2006), entered into force December 23, 2010, art. 2

([21]) ICRC Customary IHL, Rules 89, 98, 99 and 100

([22]) UN Security Council Resolution 2139, SC/11292, 22 February 2014, 7116th Meeting

([23]) Human Rights Watch (2017). Syria: Talks Should Address ‘Disappeared’. [online] Available at: https://www.hrw.org/news/2017/08/30/syria-talks-should-address-disappeared [Accessed 22 Nov. 2017].

([24]) The Syria Campaign. (2017). Listen to the Families For Freedom. [online] Available at: https://act.thesyriacampaign.org/sign/hero-families [Accessed 22 Nov. 2017].; They Can’ t Stop Us. (2017). They killed a champion of Syria and the Internet. [online] Available at: https://www.theycantstopus.org/en/ [Accessed 22 Nov. 2017].

([25]) Syrian Network for Human Rights (2017), Enforced-Disappearances is a Weapon of War in Syria, no less than 85 000 are Forcibly Disappeared: Where are they?, 30 August 2017

([26]) Amnesty International (2015), ‘Torture was my Punishment’: abductions, torture and summary killings under armed group rule in Aleppo and Idleb, Syria, p.15-16

([27]) Amnesty International (2015), p.22

([28]) Amnesty International (2013), Rule of Fear: ISIS Abuses in Detention in Northern Syria, Amnesty International Briefing, MDE 24/063/2013, p.2

([29]) Human Rights Council: Thirty-first session (2016), Out of Sight, Out of Mind: Deaths in Detention in the Syrian Arab Republic, A/HRC/31/CRP.1, p.2

([30]) Human Rights Watch (2015), p.21

([31]) Human Rights Watch (2015), p.1

([32]) Syrian Network for Human Rights (2015), International Day in Support of Torture Victims: Twelve Thousand Victims of Torture in Syria, 25 June 2015

([33]) Human Rights Watch (2015), p.25

([34]) Human Rights Watch (2015), p.22

([35]) Human Rights Watch (2015), p.24

([36]) Human Rights Watch (2015), p.59-60

([37]) Ibid

([38]) Human Rights Council: Thirty-first session (2016), p.14

([39]) Human Rights Watch (2015), p. 69-72

([40]) Human Rights Watch (2012), Torture Archipelago: Arbitrary Arrests, Torture, and Enforced Disappearances in Syria’s Underground Prisons since March 2011

([41]) Amnesty International (2015), p. 4-5

([42]) Amnesty International (2015), p.24

([43]) Amnesty International (2013), p.4

([44]) Amnesty International (2013), p.6

([45]) Amnesty International (2013), p.10

([46]) Human Rights Council: Thirty-Second Session (2016), “They came to destroy”: ISIS Crimes Against the Yazidis, A/HRC/32/CRP.2, 15 June 2016

([47]) Amnesty International (2015), p.28-29

([48]) Youtube (2015), Execution of soldiers from the Syrian army by Jabhat al-Nusra, Available at: https://www.youtube.com/watch?v=jEUKtjroCyw, (Accessed on 3 December 2017)

([49]) Amnesty International (2013), p.6

([50]) Amnesty International (2013), p.13-14

([51]) Human Rights Watch (2017), Country Summary: Syria, January 2017

([52]) Human Rights Council: Thirty-first session (2016), p.15

([53]) Rome Statue (1998), Article 25 (3)

([54]) Rome Statute (1998), Article 28; Customary IHL Rules 152 and 153

([55]) Rome Statute (1998), Article 27

([56]) Borger J., Smuggled Syrian documents enough to indict Bashar al-Assad, say investigators, The Guardian, 12 May 2015, Available at: http://www.theguardian.com/world/2015/may/12/smuggled-syrian-documents-indict-assad-investigators (Accessed on 2 December 2017)

([57]) Human Rights Council: Thirty-first session (2016), p.10

([58]) Human Rights Council: Thirty-first session (2016), p.9

([59]) Ibid

([60]) Human Rights Council: Thirty-First Session (2016), Out of Sight, Out of Mind: Deaths in Detention in the Syrian Arab Republic, A/HRC/31/CRP.1, 3 February 2016, p.1

([61]) Amnesty International (2013), p.18