شراء الكتاب

 

 

لا تضع دار ميسلون بين يدي القارئة العزيزة، والقارئ العزيز، مجموعة قصصية، بالمعنى الأدبي لتصنيف أجناس الأدب فحسب، وإنما تقدم الدار عبد الحفيظ الحافظ في مجموعة قصصية. تقدم منه الكاتب الذي يزاول قلبه، والسياسي المناضل الذي جعل من حياته الغنية بالمعنى، لجيل واكبه، ولأجيال لحقت به، مثالًا لكيف تكون الوطنية، وكيف يتشبث المحاصَر بأثداء الأرض، وكيف يقارَع طغيان الظلم والاستبداد بصوت لا يخفت، وبكلمة لا يهزمها جبروت سيف.

إنه عبد الحفيظ القاص، يسرد -بصدق لا يدانيه صدق- ما يتوارى عن عيوننا، وما يلوذ بالعمق من معادلات الحياة ومفارقاتها، في قصص قصيرة لا تقيم وزنًا لغير ما يعنينا من حقائقها، وما يمس أغلبنا من أوجاعها التي لا تني تحفر في الأعماق أخاديدها، فيحبكها الحافظ في مخيلته السادّة لفجواتها؛ لتتنهّر لغةً حيةً، لا ضفاف لها، لغة تأنف التأطير، وتمهَر في تكعيب الأمل، وفي تسطيح اليأس، ثم محوه.

يكتب عبدُ الحفيظِ عبدَ الحفيظ في الوعر المحاصر، من حمص التي تنشد أهلًا غادروها مكرهين، من الثورة التي ما زالت على قدميها تهتف: الشعب يريد إسقاط النظام، ويبثّ إلينا صوره الملونة، وأحيانًا أبيضها وأسودها من تلبيسة، إذ لم تنسه السنون ثدي أمّ فارقته وهو بحجم وردة، ولم تبدد رياح عبرت عطرها الذي لا ينفد.

في هذه المجموعة يلاحق عبدُ الحفيظ عبدَ الحفيظ أنى تحرّك؛ في كل زاوية اتخذها مقرًا لاجتماع يحرق فيه صورة دكتاتور، أو تكية للتنسك في محراب الوطنية، فيلتقط له صورة مع بصلة، أو مع بقايا جدار، أو متقاسمًا الألم والأمل وكسرة الخبز مع (حياة)، وحيدين يمطرهما القاتل بالحمم، معلنَين من قلب الحصار البقاء: نحن هنا، هنا الوعر، هنا عبد الحفيظ وحياة، بعد أن آثر الجميع الرحيل.