المحتويات

1- التدرجية

2- التحولات المتسارعة

3- ثنائية سوسيولوجية

4- إستراتيجية مختلطة: المثال الأميركي

5- التطورات في الشرق الأوسط والاستثناء اللبناني

6- الإشارة والحدث الحاسم


 

عنوان المادة الأصلي Théories et pratiques de la réforme dans le monde arabe – Réformisme graduel ou transition accélérée ?
اسم الكاتب جان نويل فيريه
مصدر المادة الأصلي مجلة Transcontinentales “عبر القارات”
رابط المادة http://journals.openedition.org/transcontinentales/259
تاريخ النشر 2005
المترجم خلود الزغيّر

 

إذا كان الإصلاح السياسي في العالم العربي موضوعًا مطروحًا بحماس خاص منذ 11 أيلول/ سبتمبر 2001، فإن الاهتمام بإضفاء الطابع الديمقراطي على الأنظمة الاستبدادية في المنطقة كان أقدم من ذلك. ففي الثمانينيات، بل حتى أكثر في التسعينيات، كانت هذه الأنظمة قد تعرضت بالفعل لضغوط من أجل احترام حقوق الإنسان. وهو ما شكّل بذرة لروح اتفاق هلسنكي ([1]) في منطقة الشرق التي تمثلت في النظر إلى بعض الجوانب من الحياة الداخلية للدول بوصفها مسائل ترتبط بالعلاقات الدولية. وفي عام 1995، أضافت “عملية” برشلونة ([2]) معيار الحكم الرشيد وتعزيز المجتمع المدني إلى معايير تقويم العلاقات بين الدول في شمال البحر الأبيض المتوسط وجنوبه. كذلك اتبعت سياسات البنك الدولي وصندوق النقد الدولي المسار نفسه. غير أن هذه المعايير كانت حتى هذه اللحظة طارئة: فهي تدخل شرطًا لإبرام اتفاقات لها أغراض أخرى، وتخضع للشروط السياسية التي تؤثر في برامج المعونة أو التعاون الاقتصادي ([3]). ومع ذلك، فالمشروطية السياسية لم تكن الوحيدة، لم تكن المعيار الأساس، لأن المعونات كانت مرتبطة في المقام الأول بالتحرير الاقتصادي (اللبرلة الاقتصادية) بوصفه خطوة نحو التحرير السياسي (اللبرلة السياسية) ([4]). بهذا المعنى، يمكن عدّ تبني سياسات التحرير التي هي في الحقيقة جزئية ([5])، شكلًا من أشكال المشاركة في عملية إرساء الديمقراطية. بلدان عدّة كانت قد استخدمت هذه الحيلة ولا سيما مصر وتونس ([6]). ومع ذلك، فالمطلوب اليوم شيئًا آخرًا، إذ يتعلق الأمر بإجراء إصلاح سياسي جوهري وليس عرضي.

يعود السبب في هذه المطالبة إلى التحول الجذري في التصور الأميركي. فقد اعتمدت الولايات المتحدة -منذ الحرب الباردة- وجهة نظر مترنيشية (نسبة إلى مترنيش ([7]))، إذ كان أكثر ما يهمها هو استقرار الحكومات، ومن ثم إقامة علاقات إستراتيجية مع الحكام بصورة مستقلة عن العلاقات التي يتبعونها مع شعوبهم. أما الآن فواشنطن ترى أن استقرار الحكومات وصدقيتها يعتمدان اعتمادًا وثيقًا على رضا المحكومين. لكن وعلى نطاق أوسع استقرار الحُكّام لا يفترض ثقة الشعوب بهم. بهذا المعنى، ربما يكون حليف مخلص للولايات المتحدة هو الناقل السليم -إذا جاز التعبير- للـ “الأمراض” التي تسببت في هجمات 11 أيلول/ سبتمبر 2001. إن جزءًا من المحافظين الأميركيين مقتنعون بأن الشر موجود في العمق، وبصورة مستقلة عن حسن نيات الحكام أو ولائهم ([8]). هذه الفكرة تعرقل الآلية المُحكمة التي سمحت للنظم المتحالفة مع الولايات المتحدة الأميركية، منذ الحرب الباردة، بمبادلة رضا الأميركيين عن ممارساتهم الاستبدادية مقابل التماشي مع مواقف واشنطن الدبلوماسية. بيد أنّ هذا التحول في المذهب الأميركي لم يسفر عن تغير جذري في الممارسات. إذ حتى حرب العراق التي رُوّج لها بشعار إضفاء طابع ديمقراطي على أنظمة استبدادية يصعب استخلاص مثل هذه النتيجة منها.  فسياسة الولايات المتحدة الأميركية ما تزال تستند استنادًا رئيسًا إلى منهج التدرج، أي على لزوم أسبقية التعديلات البنيوية والإصلاحات “خطوة بخطوة” على التحولات السياسية الحاسمة. في الواقع، يبدو أننا هنا أمام إستراتيجية مختلطة، تخلط التدرج الثابت في المستوى الإقليمي، مع محاولات ناجحة بدرجات متفاوتة تهدف إلى تحقيق تحولات سياسية سريعة.

من وجهة نظر النظرية الاجتماعية، فإن النهج التدرجي لا علاقة له بالنهج الذي يدعو إلى التحولات وينادي بها في المدى القصير. فالأول يقوم على تصوّر بنيوي للديمقراطية، يعدّ التغيير الاجتماعي نتيجة لتغيرات عميقة تؤثر بدورها في الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وفي الثقافة. أما الثاني فبعكس ذلك، يفترض أن التغييرات ترتبط بالفعل الانعكاسي للناس ([9]). لدينا إذًا من ناحية تصور يقوم على الكلية الاجتماعية، ومن ناحية أخرى، تصور يقوم على الفردانية المنهجية. إذا كانت هاتان النظريتان الاجتماعيتان منقسمتين في أساسهما، فإنهما مع ذلك تظهران مختلطين في سلك التحليلات: يمكننا أن نعزو بسهولة ضعف المشاركة السياسية – “ومن ثم” ضعف الديمقراطية – في العالم العربي إلى أوجه القصور في النظام التعليمي، على أن نفسر كذلك غياب التظاهرات بسبب الخوف من القمع. في الوقت نفسه، فإننا نتجاهل حقيقة أن التفسيرين كليهما ليسا مترابطين، فالخوف من القمع الذي يعرقل المتظاهرين يمكن أن يترافق بمستوى جيد من التعليم، من ثم الاعتماد على تفسير واحد منهما يعني، وفقًا للمنطق السليم، استبعادًا لجدوى الآخر. كذلك تخلط ممارسات الإصلاح بالنزعة الإرادية في حالة العراق مع التدرجية في حالة مصر، وتقود لإستراتيجيات إقليمية مختلطة قد تبدو متماسكة، بحيث نعود إلى استخدام التفسيرات الكلية والتفسيرات الفردانية في وقتٍ واحد لمصلحة التدرجية بوصفها نظرية وممارسة. خلافًا لهذا الاتجاه، أود أن أؤكد في هذه الدراسة أن التدرج هو عقيدة سوسيولوجية خاطئة وممارسة غير مثمرة، وأنه من الضروري الاستعاضة عنها بمقاربة تحليلية مستمدة من نظرية التحولات الديمقراطية، كذلك الاهتمام بالحوادث التي يمكن من خلالها خلخلة الأنظمة الاستبدادية، ما يؤدي أو قد لا يؤدي بالاضطرابات إلى أن تقود حراكًا اجتماعيًا.

سوف أعرض بدايةً نظرية التدرجية، ثم نظرية التحولات، مشددًا لاحقًا على الاختلافات القوية التي تفصل هاتين المقاربتين وعلى الطابع الخاطئ للمقاربة الأولى. وفي خطوة رابعة، سأشير في ما يتعلق بالمثال الأميركي لقصور الإستراتيجيات المختلطة المهيمن عليها من قبل مقاربة التدرج، وذلك بهدف تحليل كيف أن التطور الحالي للبنان يسمح بالنظر في آليات مختلفة للعمل. من هذا المنظور، سأبرز أخيرًا أهمية التحليل المستمد من نظرية التحولات، مع تأكيد ضرورة الاهتمام بديناميات اندلاع هذه التحولات.

 

1- التدرجية

يمكننا أن نصف التدرجية سريعًا بالقول إنها تتضمن الوقوف على الحياد، واحترام سلطة الحكام في أثناء دمقرطتها وأيضًا إضفاء الطابع الديمقراطي لكن مع تفادي دعم الإسلاميين ([10]). من دون شك تظهر هنا الفكرة القائلة إن تطور المجتمع المدني يمكن أن يساعد في ظهور رأي عام معني وفاعل وسلمي، يدفع الحكام باتجاه التحرير من دون التحالف مع الإسلاميين. وفقًا للاعتقاد المتأصل بعمق في فلسفة التنوير فإن أفضل طريقة لمحاربة الظلام الديني (الذي يشمل ضمنًا أو صراحة الإسلاموية) هي مخاطبة وعي الناس ومشاعرهم الاجتماعية، الخ. بالمقابل، يطرح توكفيل آلية التشارك بقراءة متحيّزة نوعًا ما. فقد لاحظ -كما نعلم- أن “الجمعيات السياسية” و “الجمعيات المدنية” متلازمتان. ومع ذلك، فهو يصر على أن الجمعيات المدنية تنبع من وجود الجمعيات السياسية (والحريات) ([11]). لكن هل يمكننا المراهنة على أن هذه الآلية يمكن عكسها أي إن الجمعيات المدنية يمكن أن تخلق شكلًا من أشكال الجمعيات السياسية؟ لا نظن، فنظرًا إلى كون الحرية السياسية تسمح للجمعيات المدنية بتطوير نفسها وممارسة الضبط على الجمعيات السياسية، فإن غياب الحرية السياسية يعوق تنميتها الذاتية، ولا يسمح لها بممارسة التأثير في المجال السياسي. علاوة على ذلك، فإن هذه الجمعيات المدنية تخضع للسلطات القائمة في مناطق وجودها. ومن ثم لا يمكننا أن نأمل في تغيير الأنظمة الاستبدادية بدعم المجتمعات المدنية وذلك: أولًا، لأن جمعيات التنمية أو المنظمات الخيرية معظمها، التي تمثل الأغلبية العظمى من الجمعيات، تعتمد من أجل سير عملها اعتمادًا وثيقًا على الأنظمة القائمة، فلا تسعى لتحقيق أهداف سياسية. وثانيًا، لأن جمعيات الدفاع -خصوصًا جمعيات الدفاع عن حقوق الإنسان- تجمع النخب المفتقرة إلى قاعدة اجتماعية التي تكون اهتماماتها غير مهيمنة في المجتمع ([12]).

يشمل الحل التدرجي بطبيعة الحال حوافز مالية من المنظمات الحكومية ومن مؤسسات التعاون الحكومية في البلدان المتقدمة والاتحاد الأوروبي. تراوح هذه الحوافز بين الدعم المقدم إلى مؤسسات المجتمع المدني، أي المساعدة الإنمائية المقدمة للمنظمات غير الحكومية (عبرها أو من خلال إشراكها) وبين عقوبات مالية إيجابية أو ما يسمى بـ “المشروطية السياسية” التي تتضمن وضع شروط على الدعم لأجل احترام مبادئ ديمقراطية معينة (بما في ذلك حقوق الإنسان) ([13]). غير أن هذه الحوافز تستفيد منها الحكومات والجمعيات المدنية على حد سواء، وذلك بهدف التغلب على أوجه القصور في الميزانيات العامة داخل المناطق التي تهملها الدولة. لقد وجدنا في مدى العقدين الماضيين أن الجمعيات تستثمر في القطاعات الاجتماعية التي لم تعد الدولة قادرة على إدارتها، ويُخشى أن يُستولى عليها من المؤسسات الخيرية الإسلامية. ومع ذلك، فقد أهملنا الإشارة إلى أن عددًا من الجمعيات الخيرية والجمعيات الإنمائية ترتبط بطريقة أو بأخرى بالدولة. ثم إن ميزانيات المعونة والتنمية التي تقدمها وكالات التعاون الغربية هي نوع مكمل لميزانية الدولة وتوافر الخدمات التي تلبي توقعات السكان. بهذا المعنى، يمكن للمرء أن يتصور أن نظام “الجمعيات + المساعدة الدولية” يعمل لمصلحة الحكام، وذلك بالحد من ضغط الطلب الاجتماعي بدلًا من تعزيز استقلاله. ومما لا شك فيه أن تلك هي معضلة منهج التدرج الذي يسعى للمساعدة في التنمية وفي الوقت نفسه يدفع نحو إجراء إصلاحات جوهرية تصب في خدمته.

بالتأكيد، يمكننا أيضًا النظر إلى فاعلية المعونة بوصفها وسيلة ضغط، إذ لا يمكن إنكار فائدتها للحكام. ولكن علينا أيضًا أن ننظر في الحدود التي يسمح بها هذا الضغط. فبقدر ما يستخدمها الحكام لتعزيز سلطتهم، بالمقابل، يبدو من الصعب أن نفهم لماذا يوافقون على إضعاف هذه السلطة من خلال القبول بإصلاحات سياسية رئيسة. إذا استخدمت المعونة لتحقيق الاستقرار داخل الأنظمة، فلا يمكن استخدامها لإصلاح هذه الأنظمة، على الأرجح يمكن أن تساعد في تحريرها. لكن تحريرها لن يعني دمقرطتها([14]). التحرير سوف يعني هنا اعتماد “إستراتيجية للبقاء”([15])، أو بتحديد أكثر، وبكون مصطلح “البقاء” يدل على ضعف لا تعكسه الحقائق، إذًا سوف يعني اعتماد إستراتيجية “توطيد الاستبداد”([16]). يشتمل هذا التوطيد على تقليص كبير ومتفاوت للقيود المفروضة على المجال العام وعلى نشاط المعارضين، في مقابل موافقة هؤلاء على تقييد معارضتهم بالإطار القانوني المحدد الذي أنشأه النظام.

 

2- التحولات المتسارعة

بعكس مقاربة التدرج، تدعم مقاربة “التحولات السريعة” القول بأن التغيير السياسي يجب أن يتبع وتيرة سريعة، تستند في المقام الأول إلى اتفاق سياسي يشترط تسويات بين أطراف معتدلة. كما في حالة الانتقال الإسباني الذي استمر من تشرين الثاني/ نوفمبر 1975 إلى كانون الأول/ ديسمبر 1978. بهذا المعنى، فإن ما يهم وفقًا لمقاربة التحولات السريعة ليس البنية بل الفاعلين. وهو ما يطلق عليه منظرو التحولات الديمقراطية بتعجل “الاستثنائية المنهجية”([17]). لقد انتقد ميشال دوبري([18]) بحق هذا التركيز على التأثيرات الوضعية للإجراءات المتسارعة بوصفها محركًا فاعلًا في الانتقال إلى الديمقراطية الذي ينبع من الشعور بأن الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية يحدث في وقت قصير. أي ليس من خلال تعديل البنى ولكن من خلال النشاط التحويلي للفاعلين الذين يشغلون مناصب إستراتيجية. من ثم سوف تركز نظرية التحولات على الديناميات قصيرة الأجل، في حين إن نظرية التدرج سوف تعنى بتغيّر البنى.

من وجهة النظر هذه، فإن مسألة أولوية الإصلاحات الاقتصادية على الإصلاحات السياسية -أو العكس- تفهم، أولًا وقبل كل شيء، بوصفها مشكلة ظرفية. مبدئيًا، تعني هذه الفكرة أن تحرير الاقتصاد شرط أساس مسبق للتحرير السياسي. نجد الفكرة نفسها في النهج التدرجي للانتقال الديمقراطي الذي سيتوافق لاحقًا مع نظرية “الشروط المسبقة”، التي بدأها سيمور مارتن ليبسيت في أواخر الخمسينيات ([19]). ومع ذلك، فإن تحرير الاقتصاد لا يفهم تمامًا بالطريقة نفسها: ففي ما يتعلق بالتحول على وجه التحديد، فإن السؤال الذي يطرح نفسه ليس مسألة وجود شرط مسبق لازم، بل العقبات التي يمكن أن يخلقها الإصلاح السياسي للإصلاح الاقتصادي والعكس بالعكس. في بعض الحالات، ينظر إلى الإصلاحات الاقتصادية على أنها تعوق الإصلاحات السياسية أو تبطئها، وفي حالات أخرى تحقق الإصلاحات الاقتصادية الاستقرار في الإصلاحات السياسية. كذلك كان الحال بالنسبة إلى الإصلاحات الاقتصادية في بلدان أوروبا الشرقية التي حَرمت بعد الانفتاح الديمقراطي مباشرة، الزعماء الشيوعيين السابقين من قوتهم الاقتصادية ([20]). علاوة على ذلك، سوف نلاحظ أنه في حالة التحول يكون الانفتاح دائمًا سياسيًا، وأنه بناءً على نجاح هذا الانفتاح وتوطيده فإن المتغير الاقتصادي يتدخل بشكل ثانوي ووفقًا للأوضاع.

 

3- ثنائية سوسيولوجية

النظرية التدرجية ونظرية التحولات المتسارعة تعودان بلا شك إلى تيارين مختلفين جدًا في علم الاجتماع. في حين يؤكد الأول (بقدر متفاوت من الصرامة) بأن تحولات البنى ما بعد السياسية -كما الاقتصاد والثقافة أو ما يسمي “رأس المال الاجتماعي”- تفضي إلى تحول في البنى السياسية. يسعى الثاني لمعرفة ما الذي سوف يعزز نجاح الديمقراطية حال بدء مسارها. في الواقع، لا أحد منهم يقول بالضبط كيف سيجري العبور من حالة إلى أخرى: فمع نظرية التدرج نحن لا نعرف في أي وضع محدد تحدث الديمقراطية، ومع نظرية التحولات نحن لا نعرف بالضبط ما الذي يؤدي إلى الانتقال.

من وجهة النظر هذه، لا يبدو منطقيًا لأول وهلة أن نثق في نظرية التدرج لشرح كيفية الخروج من الدكتاتورية، لأنها لا تخبرنا كيف ستحدث ولا تتنبأ بها. في الواقع، ومن وجهة نظر المذهب الليبرالي، يمكن للاقتصاد أن يتطور من أفضل إلى أفضل بينما يبقى الاستبداد بأحسن حال. تقدم الصين هنا مثالًا والهند مثالًا مضادًا، لأن نقاط الضعف في التنمية لم تحُل دون إقامة دولة ديمقراطية. ومع ذلك، يمكننا أن نفعل الشيء نفسه في ما يتعلق بنظرية التحولات: التي لا تقول كيف سنصل إلى تحقيقها. بل تنطلق من حالة أزمة للنظام ([21]) لتخبرنا كيف يمكننا -بدرجات متفاوتة من النجاح- أن نشق طريقنا من خلال العقبات الطارئة لإنجاح عملية التحول، لكن تبقى مسألة بداية الأزمة من دون حل.

تقرر بعض الأنظمة الاستبدادية في ظل أوضاع مواتية أن تتغير، المثال (البارادايم) على ذلك هو الانتقال الإسباني ([22]). بينما تنهار أنظمة استبدادية أخرى، هذه الانهيارات كانت نتيجة للتطورات الداخلية التي واجهت حوادث طارئة، مثل إعلان انسحاب القوات السوفياتية من بلدان أوروبا الشرقية عام 1988 ([23]). لذلك يجب علينا ألا نتجاهل “البنى”، حتى لو اضطررنا إلى إعادة تعريفها، كما يشير ميشيل دوبري([24])، فمن طبيعتها وتنظيمها تنبع قوة الحوادث العرضية. لنأخذ مثالًا: إذا كان انهيار بلدان أوروبا الشرقية معظمها مفاجئًا، في حين يبدو أن الأنظمة القائمة كان لديها القدرة على تحمل كثير من الاضطرابات، فذلك لأن القبول الضمني للمحكومين وولاء جزء من النخب كان ضعيفًا نسبيًا، ثم إن الاستقرار الظاهري كان سببه الولاء المزعوم من فئة تخلت عن الأنظمة. وهو ما ينطبق على ما يسميه كوران “تزييف التفضيلات”([25]).

في هذا النوع من الحالات، تقوم بنية الحياة الاجتماعية على أساس الخضوع المشترك الذي لا ينطوي على رؤية موحدة حول ما يجب القيام به في وضع مختلف. ومن ثم فإن الحالة المستقرة للبنية ترتبط جزئيًا بإدراك الفاعلين أنهم يستفيدون من حرية العمل التي تمنحهم إياها الأوضاع، على الأقل التي يستطيعون تصورها استنادًا إلى مواقف كل منهم. في هذا النوع من الحالات، يمكن لانقطاع آني فحسب في النظام المزعوم أن يكون له عواقب بنيوية.

لنتخيل نظامًا استبداديًا معروفًا بسرعة ردات فعله القمعية. يسمح هذا النظام في سياق الضغوط الدولية النسبية بمظاهرة للمعارضين. بالنسبة إلى النظام، ومن حيث المبدأ فهو تنازل من دون مخاطر. ومع ذلك، فإن سمعته في الصرامة هي من الفاعلية لدرجة يفسر فيها المعارضون هذا التنازل تعبيرًا عن الضعف. ومن ثم فإنهم ينخرطون في نزاع متزايد، بحيث لا يمكنهم أن يتبعوا سوى خطين من الفعل: إما تعزيز القمع أو انهيار النظام، ما يعني شكلين من أشكال إعادة هيكلة النظام السياسي. ومن خلال آليات مماثلة يمكننا أن نشرح الانهيار السريع لنظام ألمانيا الشرقية.

يبدو مفهوم “البنى” هنا مختلفًا جدًا عن ذلك الذي يظهر في نظرية التدرجية. في الواقع، ليست المسألة هنا توزيع الموارد الاقتصادية والاجتماعية من خلال طبقات السكان التي تقوم على مراحل بتعديل النظام الاجتماعي. ولكنها مفرزات السياقات الوضعية للهيكلية الاجتماعية، أي الھیکلية الناتجة عن تفاعل جهد الفاعلين الذين يعملون بصورة جماعية في (ووفقًا لـ) سیاق معین. في ما يتعلق بالتدرجية، يمكننا أن نقدم الملاحظة نفسها التي أدلى بها منظرو “تعبئة الموارد” حول تحليل الحركات الاجتماعية: إذ أسباب المسألة أقل أهمية من كيفية حصولها ([26]). لكن نظرية التدرج تناقش سؤال لماذا، وتشرحه بالتطور من دون تبيان كيف يغير التطور الأشياء.

في الواقع، يكمن الفرق الأساس بين النهجين، التدرجية ونظرية التحولات المتسارعة، في حقيقة أن الأول لا يترك أي جزء للفاعلين وللعمليات المعرفية المشاركة في البنى الاجتماعية. في حين يعطي الثاني جزءًا مهمًا، بل حاسمًا، للفاعلين وللعمليات المعرفية – الانعكاسية ([27]). ما يبدو أكثر حسما بالنسبة إلي هو أن النهج التدرجي يستلزم مدى متوسطًا مسبقًا، في حين إن النهج الثاني يستلزم مدى قصيرًا لاحقًا: باختصار يأتي بعد حدوث شيء أثّر في بنية المجتمع. ومن ثم فإن النهجين كليهما يفتقد إلى التحول بالمعنى الدقيق للكلمة. بالتأكيد، قد يكون هذا التحول ذا صلة بما هو لاحق، ولكن هل يمكن التنبؤ به مسبقًا، هل يمكن إنتاجه، وبأي طريقة؟ وهكذا ننتقل من مسألة الازدواجية السوسيولوجية إلى اعتماد إستراتيجية مختلطة، أي إننا نترك وجهة نظر المحلل لمصلحة وجهة نظر الفاعل.

 

4- إستراتيجية مختلطة: المثال الأميركي

من وجهة نظر الفاعل الملتزم بالتحولات السياسية، فإن نهج التدرج ليس مُرضيًا، وخصوصًا في المقام الأول من الناحية الزمانية التي يتطلبها. يمكن للمرء أن يتصور بسهولة أن الناحية الزمانية في التحولات المتسارعة سوف تلائمه بصورة فضلى، لكنها تتطلب لبدء الآلية حصول تغيّر في العملية السلطوية، وهذا يعني أننا -لأسباب غير محددة مسبقًا- دخلنا في وضعية سلسة ([28]).  إذا وضعنا أنفسنا داخل منظور الفاعلين الداخليين الملتزمين بالتحولات السياسية ومن وجهة نظر الفاعلين الخارجين المؤيدين أيضًا لهم، فإننا نتساءل عن الحالات التي تجعل إعادة هيكلية النظام السياسي ممكنة. قدّم مؤيدو التحولات المتسارعة عاملين: 1- انهيار النظام القائم بسبب الصعوبة التي يواجهها في المحافظة على تنظيمه القمعي، لأسباب داخلية وخارجية على السواء؛ 2- انهيار النظام بسبب اختلال وظيفي كبير في تخصيص (تفاضلية) الموارد، لكل من أنصاره وبقية السكان ([29]).

في ما يتعلق بالعالم العربي، فإن مسألة اختلال توزيع الموارد لها دور ضعيف نسبيًا، إلى الحد الذي لم يحدث فيه تغيير جذري لتقويض التوازن القائم ([30]). يبقى إذًا، انهيار القدرة القمعية للنظام. وهو الاحتمال الذي يعمل عليه عادةً وبدرجات متفاوتة مؤيدو الإصلاح. إن الأمل في هذا الانهيار مبني على فكرة أن التنظيم البنيوي للدكتاتورية (مظهرها الشامل، إذا أردتم) يعتمد في الواقع على الديناميات الوضعية، وبتعبير آخر أن الاستقرار ليس حالة، ولكنه التجديد غير المحدود للحوادث الوضعية (الأوضاع) المواتية، وهي مواربة قابلة للاستمرار اعتمادًا على تزوير التفضيلات. من الناحية العملية، يطرح السؤال عن طرائق لإضعاف القدرات القمعية للأنظمة القائمة، ويبدو أنها الإستراتيجية الوحيدة التي يمكن أن توصل إلى مرحلة الانتقال. تشير الحالة الراهنة والتجربة أنه كان هناك توقع ضعيف لمحفّز داخلي، يُستجلب بطريقة تدرجية ([31])، بينما تبدو فكرة المحفز الخارجي مغرية بالإشارة إلى عواقب إعلان غورباتشوف الصادر في كانون الأول/ ديسمبر 1988، معلنًا انسحاب القوات السوفياتية من بلدان أوروبا الشرقية ([32]). يشير هذا الانسحاب إلى أنه في حالة الفوضى أو زعزعة الاستقرار، فإن حُكّام “البلدان الشقيقة” سابقًا لا يمكنهم إلاّ الاعتماد على أنفسهم، وهو ما أدى إلى تحول في توقعات مختلف الفاعلين. ويمكن للحُكّام، بعضهم على الأقل، أن يخشوا من استخدام القمع من دون ضمان، لأنه سيكون من الضروري مواجهته من الشعب والبيئة الدولية المعادية. بعبارة أخرى، يبدو أن القمع قد يكون أكثر تكلفة وأكثر خطرًا من المصالحة. يتصرف المعارضون أيضًا وفقًا للمعايير ذاتها: فقد استمدوا مزيدًا من الثقة بأنفسهم في غياب الضمان للحكام ([33]).

يصر جوزيب كولومر على أهمية المحاكاة في التحولات الديمقراطية. أي إن الإطار العالمي للمواقف العقلانية (بمعنى العقلانية المحدودة ([34])) والقيود التنظيمية تجعل من الممكن لدول في مكان وزمان معين أن تستنسخ النظم السببية الناتجة عن التوقعات الانعكاسية للفاعلين التي كانت قد أدت في مكان أو زمان سابق إلى انتصار الديمقراطية ([35]). من ثم يمكننا أن نتخيل أن التتابع الديمقراطي الذي أعقب الانسحاب السوفياتي من دول أوروبا الشرقية كان ببساطة مصدر إلهام للأميركيين بإستراتيجية لتطبيق سلسلة مماثلة من إضفاء الطابع الديمقراطي (المأمول) على العراق ([36]). ومع ذلك، فإن الفارق الملحوظ بين العالم العربي وأوروبا الشرقية هو أن الأنظمة الاستبدادية العربية تتمحور حول ذاتها، ولكل منها هيكل سياسي معين له معاييره التنظيمية الخاصة ([37])، وهذه الأنظمة لا تعتمد في بقائها على الأنظمة المجاورة. لذلك فهذا التجزؤ في التنظيمات السياسية العربية يجعل من تأثير العدوى أمرًا صعبًا.

يمكننا بالتأكيد تصور دينامية للمحاكاة بالمعنى الذي طرحه كولومر، ولكن لا يمكن أن نتجاهل أن هذه الدينامية التي أطلقت في بلدان أوروبا الشرقية من خلال الانسحاب خاضعة للاعب محوري ([38]) هو الاتحاد السوفياتي. هذا الانسحاب كان جليًّا في الوقت ذاته لجميع الفاعلين في كل عملية انتقال ديمقراطي، وسيغير توقعاتهم إلى حدّ كبير، بمنحهم شعورًا غير مسبوق بالخطر (بالنسبة إلى الحكام) وفرصة سياسية سانحة ([39]) (بالنسبة إلى المعارضين). ومع ذلك، فإن مثل هذا التغيير في توقعات الجميع وتكهناتهم كان مثمرًا جدًا لأن مختلف الأنظمة الاستبدادية القائمة كانت على نحو ما منفتحة، بمعنى مستندة على ضمان خارجي -الوجود السوفياتي- الذي اختفى فجأة كليًّا. من دون شك لم يكن عراق صدام حسين بأي حال من الأحوال لاعبًا محوريًا في الشرق الأوسط، لكن التدخل الأميركي كان قادرًا على تغيير التوقعات وطمأنة الفاعلين الإقليمين. ومع ذلك، سوف نميز ما يدعوه دانيال برومبيرغ “إستراتيجيات البقاء” للأنظمة الاستبدادية، عن التغيرات التي تمليها تعديلات الاستبداد بهدف إنشاء أنظمة “شبه استبدادية”. وبالطريقة نفسها، فإن “الحوادث الحاسمة”([40]) التي يبدأ من خلالها التحول الديمقراطي ينبغي أن تميز عن إستراتيجيات البقاء والتعديلات الاستبدادية التي تعكس من جانبهم محض تحرير سياسي بسيط وليس عملية تحول.

 

5- التطورات في الشرق الأوسط والاستثناء اللبناني

المنطق القائل بإمكان حدوث تغيير بعد تدخل للولايات المتحدة لا يبدو ظاهرًا في الوقت الحالي سوى في المثال اللبناني. في الواقع، الوجود الأميركي القريب وعدائيته المعلنة للحكومة السورية قد غير إلى حد كبير الطريقة التي استطاع بها المعارضون اللبنانيون الذين يتمتعون بسيادة محدودة في لبنان بمواجهة السوريين وشركائهم تقويم الخطر والفرص السانحة لعمل احتجاجي. في عقب اغتيال رفيق الحريري، تعرض الوضع في سورية للخطر بطريقة جليّة، بحيث تمكن المعارضون من إظهار مشاعرهم وتنظيم أنفسهم. وأصبح النشاط الجماعي الكبير ممكنًا، وكان على الحُكام القبول أخيرًا بإنشاء حكومة انتقالية يقودها نجيب ميقاتي، وهو شخصية معتدلة (من جانبهم). نحن هنا في وضع حيث تحييد لاعب محوري -الذي هو سورية- يشكل حدثًا حاسمًا للنظام ويعلن بدء المرحلة الأولى من الانتقال ([41]). لم يكن هكذا هو الحال مع الإصلاح الدستوري المصري. إن انتخاب رئيس الجمهورية بالاقتراع العام المباشر هو في حد ذاته إستراتيجية للتحرير، بمعنى تنازل لا يُشكك (حتى هامشيًا) في توزيع السلطة. لأنه في حالة الفوضى الراهنة، لا يمكن لأي مرشح أن يظهر بصورة جيدة في حملة رئاسية، ولا يمكنه أن يأمل جدّيًا بتسبيب المتاعب لرئيس الدولة المصرية. يمكن قول الشيء نفسه عن الانتخابات البلدية في المملكة العربية السعودية، ومنح حق التصويت للمرأة في الكويت. في الواقع، يبدو أن هذه التغيرات المختلفة تشكل جزءا من المنطق التدرجي للإصلاح والتنمية الشاملة -الذي تصدر مشروع الشرق الأوسط الكبير ([42])– أكثر من منطق التحول. مع العلم أن هذه التغيرات لا تنزع شيئًا من سيادة الحكام.

في حين إن تدخل الولايات المتحدة في العراق قد سبب بصورة غير مباشرة تحييدًا نسبيًا لسورية بوصفها لاعبًا رئيسًا في الحياة السياسية اللبنانية ([43]). من حيث المبدأ، لا يمكننا افتراض أن الولايات المتحدة كانت تضع في حسبانها تحييد سورية من أجل تعزيز التحرر السياسي في لبنان. فكما لاحظ جون إلستر، فإن الهدف المواتي لفاعل ما، ليس بالضرورة نتيجة لإستراتيجية مصممة لتحقيقه، حتى مع العلم بالسبب لهذه النتيجة ([44]). بل يمكن أن يكون نتيجة لإجراءات اتخذت لأغراض أخرى. يبدو لنا التسلسل الآتي هو الأكثر رجحانًا: 1-تقرر الولايات المتحدة إثارة “حدث حاسم” من خلال التدخل عسكريًا في العراق، أي تعديل آلية التوقعات والتنبؤ لدى الحكام الاستبداديين وكذلك لدى المحكومين؛ أي إنها تعتمد صراحة على تأثير المحاكاة، من خلال إنشاء حكومة ديمقراطية في منطقة مكرسة تمامًا للسلطوية. 2- هذا الأمل (في أحسن الأحوال) لا أساس له بشكل جزئي، إن إنشاء دولة ديمقراطية عراقية هو أمر غير مستقر وفي أقل تقدير ليس مثاليًا. 3- بالمقابل، القرب الأميركي يحيد سورية ويجعل تطوير حركة اجتماعية واسعة في لبنان ممكنًا. هذا التكوين المميّز للمرحلة الأولية من التحولات (التدخل الأميركي المباشر في العراق)، لم يعد إنتاجه في مكان آخر، وعلاوة على ذلك، ربما لا يمكن إعادة إنتاجه. وتفسر خصوصيته بسهولة في الآتي: إنّه التكوين الوحيد الذي يؤثر عبره التدخل الأميركي مباشرة في النظام، من خلال تثبيط قدرته القمعية، لأن هذا النظام (العراقي) هو الوحيد الذي يشكل ضغط كهذا تهديدًا حقيقيًا له. وهو ما كان فرصة للبنان. 4- في الوقت نفسه، فإن قوة التزام الولايات المتحدة تشكل تهديدًا معلنًا لحلفائها الاستبداديين، وهو تهديد غير كاف إلى الحد الذي يقودهم إلى إجراء تنازلات كبيرة، ولكنه يكفي بصورة ملحوظة لأن يقودهم إلى تبني سياسات تحريرية جديدة. هذه السياسات من التحرر تندرج في الإطار التدرجي. إنها لا تحدث نتيجة لحدث حاسم، ولكنها بعكس ذلك تسعى لحماية نفسها من مجيئه. ومن ثم فإن الإستراتيجية الأميركية المسؤولة عن هذا التسلسل هي إذًا إستراتيجية مختلطة، من حيث إنها تهدف إلى إنتاج ردات فعل غير محددة، سواء لدى حلفاء أميركا الذين يصعب تصور الصراع معهم أم لدى “خصومها” الذين يمكن تصور الصراع معهم. تندرج هذه التفاعلات بحكم الواقع، على التوالي، في منطق التدرج وفي منطق التحول.

 

6- الإشارة والحدث الحاسم

يبدو واضحًا الآن أن أي تحليل يجرى وفقًا للانتقال المتسارع فقط، لا يمكن أن يمثّل الإستراتيجية المختلطة للأميركيين. لأنه يعتمد فقط على الفاعلية المفترضة لإشارة ما، ومن دون الدخول في تفاصيل السياقات. ومن ناحية أخرى، يمكنه تفسير عدم فاعلية هذه الإستراتيجية في ما يتعلق بالحكام الحلفاء. في الواقع، ما يشكل نقطة الاختلاف بين إشارة تؤدي إلى حدث حاسم وإشارة تؤدي إلى سياسة تحرر بسيطة يكمن في ثلاث نقاط: أولًا، سياق توقع عواقب هذه الإشارة، ثم الظهور والاتساع المتزايد للشرخ بين أداء الحكام وتوقعات الشعب ([45])، وأخيرًا الضعف اللاحق لصدقية الوضع الراهن للنظام، بحيث تكون إشارة ما كافية كي تُعبّر التفضيلات المتكونة سابقًا عن نفسها. فمثلًا إذا اقتنع المحكومون المعارضون فعلًا -أي الساخطون- وأقنعوا بعضهم باحتمال انخفاض القمع، ستبدو لهم المخاطر الناشئة عن ظهور تفضيلاتهم الحقيقية ضعيفة نسبيًا، لأنهم سيكونون على يقين من وجود حشد معهم.

دعونا ننظر الآن في قضية مصر ([46]) مقارنة بحالة لبنان. لا يتعين على الحكام المصريين أن يخشوا تدخلًا أميركيًا مباشرًا -سواء اتخذ شكلًا عسكريًا أم اقتصر على الحصار- يرمي إلى عرقلة إدارتهم القمعية للمعارضة. وخلافًا لسورية التي تعدّها واشنطن خصمًا معلنًا، فإن مصر تعدّ حليفًا إستراتيجيًا([47]). وهذا يبدو واضحًا بالنسبة إلى الحكام والأغلبية العظمى من المعارضين، بحيث لا يمكن لمختلف تظاهرات المعارضين أن تُحشد جديًّا في حركة أوسع تنطوي على “تدفقات إخبارية”([48]).

إضافة إلى ذلك، فإن صدقية “إشارة” معينة تؤدي إلى حركة اجتماعية، تعتمد إلى حد كبير على صدقية أولئك الذين يرسلونها. إذا كانت قد وصلت من الجماعات التي لم تعتد التعبير عن معارضتها، سيكون من الأسهل على المجموعات الأخرى أن تعدّ تصورها لعدم كفاءة النظام تصورًا مشتركًا. وإذا لم تصل إلاّ من المجموعات المعتادة بدرجات متفاوتة على التعبير عن معارضتها، فلن يكون للإشارة سوى نطاق ضيق، ولن تؤدي إلى تجميع كاف لتشكيل كتلة حاسمة تصل إلى المستوى الذي يضطر الحكام إلى المواجهة إما بالقمع أو بالخضوع ([49]). وهو ما حدث في النصف الأول من عام 2005 مع حركة “كفاية”، وهي حركة احتجاجية على الترشيح المقبل للرئيس مبارك لولاية سادسة جمعت مختلف المعارضين، من الناصريين إلى الإخوان المسلمين، مرورًا بناشطين من أحزاب المعارضة التي لم تشارك تشكيلاتها في الحركة ([50]). ولذلك لم يشهد النظام المصري “حدثًا حاسمًا” بالمعنى المقصود في النظرية الانتقالية. الأميركيون من جانبهم لم يفعلوا أكثر مما ينطوي عليه المذهب التدرجي: ممارسة الضغط المتوافق مع المحافظة على العلاقات الإستراتيجية اللازمة. من ثم حركة “كفاية” لم تنجز “الربيع العربي في القاهرة”. إن الحدث الحاسم -إذا حدث مستقبلًا- سيكون مرتبطًا بعملية التوريث الرئاسي ([51]) التي يبدو لا مفر منها بدلًا من تعديل قواعد تعيين رئيس الدولة.

بهذا المعنى، إذا كان مفتاح التحول هو حدث حاسم، فإن التحررات التي يمكن احتمالًا أن تؤدي إلى الانتقال الديمقراطي هي فقط التحررات التي تتبع حدثًا حاسمًا وليست تلك التي تحاول حماية نفسها من هذا الحدث. إذًا الإشارة الأميركية، التي يمكن في النهاية مقارنتها بإستراتيجية الإنذار الصارم، لم تكن سوى حدثًا حاسمًا لنظام الاستبداد السوري في لبنان. في مصر، حيث اتخذت الإشارة شكل زيادة الضغط بنسق بطيء هو التدرج، فرصة كهذه لم يكن ممكنًا تصورها. من وجهة النظر هذه، يبدو أن منهج التدرج مرتبط بسياسات التحرير التي تتبعها بعض الأنظمة لتفادي وقوع حوادث حرجة، وما يزال هو المنهج السائد في الإستراتيجيات المختلطة. هذه الإستراتيجية لا تعود إلى صعوبة تحقيق الديمقراطية بطريقة منظمة من دون التسبب في أضرار مباشرة للنظم الاستبدادية، ولكن ولأسباب إستراتيجية لصعوبة فرض الديمقراطية بطريقة مفاجئة معها.

لذلك يمكن عدّ التدرج إستراتيجية حقيقية نافعة ولكنها نظرية اجتماعية خاطئة. هذا ليس هو الحال مع نظرية التحولات المتسارعة، إذ يمكننا انطلاقًا من النموذج الذي يقترحه التمييز بين مسارات تحرر من دون تحولات مميزة للسياسات التدرجية ومسارات التحرر التي تتبع حدثًا حاسمًا التي هي الخطوة الأولى نحو الانتقال. ومع ذلك، فإن نظرية التحولات لا تسمح لنا أن نفهم بالضبط في أي لحظة يقع الحدث الحاسم وبتأثير أي تغيرات.

ربما كان التركيز على التفاوضات في مرحلة لاحقة، لا يصف حقا آلية التوقعات والأفضليات والقرارات التي تحدد مسبقًا احتمال حدوث حدث حاسم وبلورته. فلا يمكن تقويض نظام من الخارج إلا إذا فقد صدقيته بالنسبة إلى جزء كبير من السكان بوصفه متصرفًا بالموارد ويشكل منظمة قمعية. ومن ثم ما يجب تحليله هو قدرة النظام على المحافظة على الموارد والقمع. من وجهة النظر هذه، لا يمكننا أن نقتدي بسذاجة بالدراسات عن التحولات الديمقراطية في بلدان أوروبا الشرقية. فللمكان أهميته، ويؤكد فاليري بونس، من خلال التمييز بين التحولات في شرق أوروبا وجنوبها ([52]).

إن اتساع الفجوة بين أداء الحكام وتوقعات الشعب، الذي كان أساس “التدفقات الإخبارية” وانهيار الأنظمة في شرق أوروبا، هو ببساطة ليس مطروحًا في العالم العربي، على الرغم من أنه يبدو كذلك. يعود هذا أولًا إلى كون الأنظمة تبدي طموحًا منخفضًا جدًا، إذ الفارق بين الطموح المعروض والإنجازات من غير المحتمل أن يشكل “إشارة” تسبب خيبة أمل للمعارضين المعتدلين أو للمواطنين. ثانيًا، لأن السياسات التدرجية المدعومة، بشكل يدعو للعجب، من خصوم الدكتاتورية توفر للأنظمة الموارد التي تحتاج إليها لإدارة هذا التمايز. أي: إصلاحات سياسية بالحد الأدنى حتى لا يفقد الخصوم المعتدلون الأمل، ومساعدات في التنمية حتى لا يفقد الأمل أولئك الذين يظنون أن الوضع الراهن أفضل من المغامرة. في الأحوال كلها إدارة هذين المتغيرين تعتمد على المحافظة على الأنظمة الاستبدادية. فلا يمكن أن يُحفّز الانتقال إلى الديمقراطية إلا بحدوث اضطراب في هذه الإدارة. ولكن لا توجد أي نظرية ميكانيكية لإحداث مثل هذا الاضطراب.

 

([1])  اتفاق هلسنكي L’accord de Helsinki وثيقة صدرت عن مؤتمر هلسنكي المنعقد عام 1975 نظمت أسسًا جديدة للأمن والتعاون بين الدول الأوروبية. (المترجمة)

([2])  الشراكة الأورومتوسطية أو (عملية برشلونة) أو يوروميد “EUROMED”. بدأت عام 1995 من خلال مؤتمر برشلونة الأورومتوسطي الذي اقترحته إسبانيا ونظمه الاتحاد الأوروبي لتعزيز علاقاته مع البلدان المطلة على البحر المتوسط في شمال أفريقيا وغرب آسيا. واقترح فيه سياسات عدة من بينها الأمن والاستقرار في منطقة البحر المتوسط، تعزيز الديمقراطية والحكم الرشيد وحقوق الإنسان. تحقيق شروط تجارية متبادلة مرضية لشركاء المنطقة. وضعت تلك الشراكة الأسس لما بات يعرف بالاتحاد من أجل المتوسط وبناء مؤسساته من دون أن يحل محل الشراكة الأورومتوسطية. (المترجمة)

([3]) حول المعونة المشروطة، انظر:

  1. Santiso, « Promoting Democracy by Conditioning Aid ? Towards a More Effective EU Development Assistance », International Politik und Gesellschaft Online, n° 3, 2000 (http : //festportail.fe.de). Voir aussi, S. Carapico, « Foreign Aid for Promoting Democracy in the Arab World », Middle East Journal, vol. 56, n° 3, 2002.

([4])  نعني بالتحرير السياسي هنا شيئا آخرًا وعلى وجه الخصوص التحول الديمقراطي. إذ يشير التحرير إلى تخفيف قبضة النظام على الحياة العامة. من وجهة نظر الحكام الاستبداديين، لا يعدّ هذا شرطًا مسبقًا لإضفاء الطابع الديمقراطي – أي إجراء انتخابات حرة، وتكرارها في مواعيد محددة قد لا يفوز بها الحكام دائما. انظر:

Voir, par exemple, la définition de J. A. Cheibub et A. Przeworski, « Democracy, Elections and Accountability for Economic Outcomes », in A. Przeworski, S. C. Stokes et B. Manin, Democracy, Accountability and Representation, Cambridge, Cambridge University Press, 1999, pp. 222-223.

([5]) Voir par exemple B. Dillman, « Facing the Market in North Africa », The Middle East Journal, vol. 55, n° 2, 2001, pp. 165-181 ; B. Dillman, « International Markets and Partial Economic Reform in North Africa », in R. Gillepsie et R. Young (dir.), The European Union and Democracy Promotion : the Case of North Africa, Londres, Frank Cass, 2002, pp. 234-249.

([6]) Voir par exemple, B. Hibou, « Les marges de manœuvre d’un “bon élève” économique : la Tunisie de Ben Ali », Les Études du CÉRI, n° 60, 1999.

([7])  Klemens Wenzel von Metternich (1773-1859): هو دبلوماسي نمساوي ورجل دولة، كرس حياته للمحافظة على مجتمع النظام القديم في أوروبا في مواجهة الاضطرابات التي سببتها الثورة الفرنسية، ومحاولة التوفيق بين مصالح الموقف النمساوي ومفهوم توازن القوى. (المترجمة)

([8]) Cela explique, par exemple, la mise en cause des « Middle Eastern studies » qui auraient failli à reconnaître ce mal. Voir, par exemple, M. Kramer, Ivory Towers on Sand. The Failure of Middle Eastern Studies in America, Washington, Washington Institute for Near East Policy, 2001 et la critique bienvenue de ce point de vue : S. Heydemann, « Defending the Discipline », Journal of Democracy, vol. 13, n° 3, 2002.

([9]) R. Balme et B. Cautres, « La rationalité et les fondements sociologiques de la démocratie », L’Année sociologique, vol. 47, n° 2, 1997.

([10]) من أجل تحليل نقدي لإستراتيجية التدرج انظر:

voir T. Carothers, « Is Gradualism Possible ? Choosing a Strategy for Promoting Democracy in the Middle East », Working Papers, New York, Carnegie Endowment for International Peace, 2003 (Middle East Series, n° 39).

([11])  A. de Tocqueville, De la démocratie en Amérique, II, II, VII.

([12]) Voir J.-N. Ferrié, « Les limites d’une démocratisation par la société civile en Afrique du Nord », Maghreb-Machrek, n° 175, 2003.

([13]) Voir S. Carapico, « Foreign Aid for Promoting Democracy in the Arab World », Middle East Journal, vol. 56, n° 3, 2002 et R. Youngs, « The European Union and Democracy in the Arab-Muslim World », CEPS Middle East et Euro-Med Project, Working paper n° 2, Bruxelles, Centre for European Policy Studies, 2002.

([14]) Voir D. Brumberg, « Liberalization versus Democracy: Understanding Arab Political Reform », Working Papers, New York, Carnegie Endowment for International Peace, 2003 (Middle East Series, n° 37).

([15]) Voir D. Brumberg, « Democratization in the Arab World ? The Trap of Liberalized Autocracy », Journal of Democracy, vol. 13, n° 4, 2002.

([16]) Comme le souligne M. Camau, « Remarques sur la consolidation autoritaires et ses limites », in A. Boutaleb, J.-N. Ferrié et B. Rey (coord.), L’Autoritarisme dans le monde arabe. Autour de Michel Camau et Luis Martinez, Cédéj, Le Caire (coll. « Débats »), 2005.

([17]) Voir G. Di Palma, To Craft Democraties, Berkeley University of California Press, 1990, cité et critiqué par M. Dobry, « Les voies incertaines de la transitologie. Choix stratégiques, séquences historiques, bifurcations et processus de path dependence », Revue française de science politique, vol. 50, n° 4-5, 2000, pp. 606 sqq.

([18])  Ibid.

([19]) Voir S. M. Lipset, « Some Social Requisistes of Democracy: Economic Development and Political Legitimacy », The American Political Science Review, vol. 53, n° 1, 1959.

([20]) Voir V. Bunce, « Quand le lieu compte. Spécificités des passés autoritaires et réformes économiques dans les transitions à la démocratie », Revue française de science politique, vol. 50, n° 4-5, 2000 et « Rethinking Recent Democratisation. Lesson from the Postcommunist Experience », World Politics, vol. 55, janvier 2003.

([21]) Comme le remarque Ph. Schmitter, « Se déplaçant au Moyen-Orient et en Afrique du Nord, “transitologues” et “consolidologues” sont-ils toujours assurés de voyager en toute sécurité ? », Annuaire de l’Afrique du Nord 1999, Paris, CNRS Éditions, 2002, p. 17.

([22]) Voir J. Colomer, « Transition by Agreement: Modeling the Spanish Way », American Political Science Review, vol. 85, n° 4 et Game Theory and Transition to Democracy: the Spanish Model, Aldershot, Edward Elgar, 1995.

([23]) Voir M. Dobry, « Les causalités de l’improbable et du probable : notes à propos des manifestations de 1989 en Europe centrale et orientale », Cultures et Conflits, n° 17, 1995 ; T. Kuran, « The East European Revolution of 1989 : Is it surprising that we were surprised ? » American Economic Review, vol. 81, n° 2, 1991 et « Now Out of Never: The Element of Surpise in the East European Revolution of 1989 », World Politics, vol. 44, n° 1, 1991.

([24]) Voir M. Dobry, « Les voies incertaines de la transitologie… », art. cit., p. 609.

([25]) C’est l’analyse de T. Kuran, « The East European Revolution of 1989… », art. cit. Ce mécanisme est développé dans T. Kuran, Private Truths, Public Lies. The Social Consequences of Preferences Falsification, Cambridge, Mass., Harvard University Press, 1995.

([26]) Voir J. MacCarthy et M. Zald, « Ressource Mobilization and Social Movments: a Partial Theory », American Journal of Sociology, vol. 82, n° 6, 1977.

([27]) Sur cette distinction, voir aussi J. M. Colomer, « Appendix A: Structural versusStrategic Approaches to Political Change », in J. M. Colomer, Strategic Transitions. Game Theory and Democratization, Baltimore, The Johns Hopkins University Press, 2000.

([28]) Voir M. Dobry, Sociologie des crises politiques, Paris, Presses de Sciences-Po, 1992.

([29]) Voir J. M. Colomer, Strategic Transitions… op. cit., pp. 4-5, et B. Bueno de Mesquito, J. D. Morrow, R. M. Siverson et A. Smith, « Policy Failure and Political Survival: The Contribution of Political Instituion », The Journal of Conflict Resolution, vol. 43, n° 2, 1999.

([30]) سوف نتجاهل تقارير التنمية البشرية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي: فالمسألة ليست معرفة ما إذا كان الزعماء العرب قد فشلوا موضوعيًا في ضمان رفاه سكانهم، ولكن السؤال ما إذا كان هذا الفشل يؤدي إلى مساءلة الأنظمة القائمة. ولكن هذا التوازن لا يضغط على السكان ولا يشكل جزءًا من أي حركة اجتماعية. فهو من إنتاج المثقفين والباحثين العرب، ويستهدف أساسًا المنظمات الدولية والحكومات “الغربية”. إذ يمكن استخدامه لدى هذا الجمهور لتدعيم فكرة ضرورة الإصلاحات وليس لإطلاقها.

([31]) أي من خلال تطوير اقتصاد السوق والمجتمع المدني. انظر:

Voir J.-N. Ferrié, « Les limites d’une démocratisation… », art. cit.

([32]) Voir J. M. Colomer, Strategic Transitions…, op. cit.

([33]) Voir, par exemple, l’analyse de S. Lohman, « The Dynamics of Informational Cascades: the Monday Desmonstrations in Leipzig, East Germany 1989-91 », World Politics, vol. 47, n° 1, 1994.

([34]) Dans l’acception de H. A. Simon, Models of Bounded Rationality, Cambridge, Mass, MIT Press, 1982 ; voir aussi J. Elster, Le Laboureur et ses enfants. Deux essais sur les limites de la rationalité, Paris, Éditions de Minuit, 1987.

([35]) Voir J. M. Colomer, Strategic Transitions…, op. cit. p. 5.

([36]) Voir T. Carothers et M. Ottaway, Uncharted Journey: Promoting Democracy in the Middle East, New York, Carnegie Endowment for International Peace, 2005, pp. 4 sqq.

([37]) عن مختلف الأنظمة الاستبدادية العربية والمعايير المحددة لكل منها، انظر:

Voir N. Bernard-Maugiron et J.-N. Ferrié (dir.), Architectures constitutionnelles et démocratisation dans le Monde arabe, Égypte-Monde arabe, 3e série, n° 2.

([38]) نعني بهذا لاعبًا رئيسًا في عمليات التوقع والتنسيق (أو عدم التنسيق) لمجموعة من الفاعلين، الذين يفترضون أن دعمهم أو انشقاقهم أو معارضتهم متغير مهيمن في المؤسسة تقوده إستراتيجياتهم.

([39]) Suivant l’expression de S. Tarrow, Democracy and Disorder : Protest and Politics in Italy 1965-1975, Oxford, Clarendon Press, 1989.

([40]) Voir J. M. Colomer, Strategic Transitions…op. cit., ch. 2 (notamment figure 2.2).

([41]) لا شيء يشير مسبقًا إلى أن هناك مرحلة ثانية سوف تتبع. ولكن المرحلة الثانية لن يكون بإمكانها الحدوث إلا إذا نشأت المرحلة السابقة التي من شأنها أن تؤسس ما يلزم من أولويات. ينبغي لهذه الصيغة الاسترجاعية أن تتجنب الخطأ الغائي الذي يظهر بشكل أو بآخر ضمن عدد من المقاربات التي تتناول تحولات النظم. انظر:

Voir M. Dobry, « Les voies incertaines de la transitologie… », art. cit., pp. 592-593 et M. Camau, « La transitologie à l’épreuve du Moyen-Orient et de l’Afrique du Nord », Annuaire de l’Afrique du Nord 1999, Paris, CNRS Éditions, 2002.

([42]) Voir, par exemple, « What Strategy for the Greater Middle East ? », ESF Working Paper, n° 15, Bruxelles-Londres Centre for European Policy Studies-The International Institute for Strategic Studies, 2003.

([43]) على الأقل لأن قدرة المعارضة اللبنانية على الاستجابة لهذه الفرصة لا تنبع من الفعل الأميركي. فهذه القدرة تمتلك دينامياتها الخاصة والخيارات الخاصة للفاعلين. انظر تحليل سمير قصير: “المتشائمون سيقولون إن نهاية الوصاية السورية في لبنان هي نتيجة للضغط الدولي الذي يجسده القرار 1559. متناسين أن الثورات جميعها في التاريخ كانت مدعومة من الأوضاع الإقليمية أو الدولية. وهذا يتجاهل حقيقة أن تعبئة القوى الدولية لم تتحقق إلا بتصاعد المقاومة في المجتمع اللبناني ضد تطبيع التعسف البعثي، ولا سيما ضد قرار الرئيس السوري بشار الأسد بأن يمدد البرلمان ولاية الرئيس اللبناني إميل لحود، على الرغم من عدم شعبية هذا الأخير ووفقًا للمنطق السليم البسيط.  انظر: (« Un

printemps arabe », La revue d’Égypte, n° 16, 2005).

([44]) Voir J. Elster, Le Laboureur et ses enfants… op. cit.

([45]) في ما يتعلق بفكرة التفريق بين التصورات التي يمتلكها الفاعلون حول وضعهم وحكمهم على السياسات العامة سببًا للمشاركة في حركة اجتماعية، انظر:

voir J. DeNardo, Power in Numbers, Princeton, Princeton University Press, 1985.

([46]) طُوِّرَت هذه القضية في كتاب:

J.-N. Ferrié, « L’Égypte : des réformes nécessaires et périlleuses », Questions internationales, n° 15 (à paraître).

([47]) مما لا شك فيه أنها أقل أهمية من ذي قبل ولكن ليست مهملة. انظر:

voir J.-N. Ferrié, « L’Égypte : des réformes nécessaires… », art. cit.

([48]) نطلق مصطلح “« cascade informationnelle »” الترجمة الأقرب هي “تدفقات إخبارية” على العلاقة التي يجري فيها اختيار الخيار A على أساس الخيار B و اختيار C على أساس A و B. والسبب في اختيار خيار ما بدلًا من غيره ليس نتيجة تفضيل معين ولكن نتيجة التأثير الذي تمارسه الخيارات السابقة. جرى اكتشاف هذه الظاهرة في ألمانيا الشرقية من:

  1. Lohman, « The Dynamics of Informational Cascades… », art. cit. Voir également S. Bikhchandani, D. Hirshleifer, I. Welch, « Learning from the Behavior of Others: Conformity, Fads, and Informational Cascades », Journal of Economic Perspectives, vol. 12, n° 3, 1998.

([49]) عن ضعف صدقية عمل المعارضين المتصلبين مقابل صدقية المعارضين المعتدلين انظر:

voir S. Lohmann, « The Dynamics of Informational Casacades… », art. cit., pp. 49 sqq. ainsi que S. Lohmann, « A Signaling Model of Informative and Manipulative Political Action », American Political Science Review, vol. 83, n° 2, 1993. Sur la question de la masse critique, voir J. DeNardo, The Power of Numbersop. cit.

([50]) Voir B. Rey, « Entre nouvelles formes de mobilisations et gestion étatique. L’opposition égyptienne en 2004 », in F. Kohstall (coord.), L’Égypte dans l’année. Chronique politique 2004, Le Caire, Cédéj, 2005.

([51])Voir C. Hassabo, « Gamal Moubarak au centre du pouvoir : une succession achevée ? », dans F. Kohstall, (coord.), L’Égypte dans l’année… op. cit.

([52]) V. Bunce, « Quand le lieu compte… », art. cit.