بمناسبة الذكرى السابعة والسبعين لجلاء قوات المستعمر الفرنسي عن التراب الوطني السوري، قام “صالون الجولان” التابع لمركز حرمون للدراسات المعاصرة، بإحياء المناسبة عبر جولة شملت القرى السورية المُدمّرة، ومن بينها الجوبة الكبيرة، وخربة رعبنا التاريخية، وكريز الواوي، ومنطقة قرية سكيك.

تأتي الجولة في ظل محاولات إسرائيلية للسيطرة على مساحات واسعة لصالح المحمية الطبيعية لمستوطنة اودم الإسرائيلية في الجولان المحتل، للتضييق على التوسع العمراني والزراعي والصناعي لأبناء قرية مسعدة وبقعاثا في شمال الجولان.

ورعبنا التاريخية هي منطقة حية في الذاكرة الشعبية، وهي ذاتها “غابة اودم” في الإعلام والخطاب الإسرائيلي، ولها نصيبها من حكايات التاريخ وقصصه وذكرياته التي لا تزال محفوظة وتتوارثها الأجيال، ولا تزال حكاية ألم لدى بعض كبار السن من فلاحي ومزارعي الجولان المحتل الذين بذلوا الغالي والنفيس من أجل بقاء هذه الأرض عربية، وبقاء حكايتها حيّة في كتب الأبحاث والأرشيف الوطني لشعبنا.

أصر المحتل على كتابة التاريخ من منظوره وحده، وصياغته بأسس تتلاءم وخطابه الذي يستند إلى تزييف التاريخ وتشويه الذاكرة، حيث اعتبرت إسرائيل رعبنا جزءًا من محمية طبيعية تتبع لمستوطنة “اودم” بقرار من الحاكم العسكري الإسرائيلي عام 1972 على مساحة تبلغ حوالي 19 ألف دونم، وأقامت داخلها منتزهًا سياحيًا طبيعياً، يشمل جوبة رعبنا داخل الغابة التي تُعرف بحرش مسعدة الذي تُغطيه أشجار السنديان والصنوبر والسرو.

والجوبة هي ظاهرة طبيعية جيولوجية قطرها 250 مترًا وعمقها 60 مترًا، نتجت من آثار استقرار الأرض في الشق السوري – الإفريقي، وهي كما يقول الجيولوجيون “ظاهرة خلع في الطبيعة”، أدت إلى تكون 23 جوبة، وهي حفر بركانية يُطلق عليها اسم الجوبة وأهمهما وأكبرها “جوبة رعبنا” و”الجوبة الكبيرة” قرب تل الأحمر جنوب غرب مسعدة، و”جوبة سكيك” قبل أكثر من 4000 عام.

رعبنا… قرية سورية في عبق التاريخ الجولاني

رعبنا هي بقايا قرية أسسها وأقامها الايطوريون، وهم جماعة عربية سكنت البقاع اللبناني والتلال والجبال الواقعة إلى الجنوب حول الحوض الأعلى لنهر الأردن ومناطق شمالي الجليل والجولان وحوران، والايطوريون هم أبناء يطور ابن إسماعيل بن إبراهيم الخليلي، وهم شعب عنيد، بنوا مملكة “ايطوريا”، وورد ذكرهم في حصار الاسكندر المقدوني لمدينة صور، وكانوا رماة مهرة، وقد اعترف السلوقيين بسلطتهم في العام 115 ق. م. ومن ملوكهم منايوس الذي بسط سيطرته على الجولان وحوران ويبرود، وهدد مدينة دمشق التي كانت تحت حماية الأنباط.

وحين دخل الرومان سورية كانت سورية الجنوبية مقسمة بين الأنباط والإيطوريين، وكانت بينهم صدامات ونزاعات من أجل السيطرة والسيادة، وانتهت بخسارة الايطوريين بعض ممتلكاتهم في الجولان، وقد حاول المكابيون فرض اليهودية عليهم إلا أنهم امتنعوا عن ذلك وفضّلوا الاكتفاء بمناطقهم السابقة، وتلا الايطوروين في الجولان وحوران العرب الانباط والآشوريون فالرومان في القرن الأول قبل الميلاد.

رعبنا في المحاكم الإسرائيلية

تقع رعبنا في أراضي ناحية مسعدة، وكان عدد المزارعين الذين يعملون فيها حوالي 300 مزارع وفلاح من البدو والفلاحين، وكانت تخضع منذ الحكم العثماني لعشيرة عرب الفضل وبيت الفاعور، المؤلفة من ألف بيت في مختلف قرى الجولان، وتمتلك ماشية قُدر عددها بحوالي 30 ألف رأس، وقد تحضّر أكثر من نصف أفرادها من البداوة فبدأوا بحراثة الأرض وزراعتها وبناء بيوت الحجر، وبحكم أن الريفيين والبدو كانوا قليلو الثقة بالقانون لتنظيم إعمالهم ويفضلون تسييرها وفق ما تقتضيه العادات والعرف، فقد أقاموا علاقات مع تجار القنيطرة وحوران وصفد والبقاع اللبناني، فعلى منحدرات الحرمون، اعتمد القرويون بالدرجة الأساسية من المزارعين سكان مجدل شمس وبقعاثا وعين قينة على الكرمة والأشجار المثمرة والخضروات، فيما الفلاحون إلى الجنوب من مجدل شمس مسعدة زرعوا الأراضي التي حصلوا عليها بحق الانتفاع بالحبوب في منطقة رعبنا والكريز وتل الأحمر وسكيك وجيب الماس.

في العام 1958 أصدر قائد الجبهة السورية والحاكم العسكري في الجولان أمرأ عن طريق الملازم محمود الجزائري بموجب قانون الإصلاح الزراعي تم فيه توزيع الأراضي على الفلاحين، وقد سجّلت أسماء الفلاحين في سجل حق الانتفاع في المكتب الخاص في مدينة القنيطرة بعيد صدور قانون الإصلاح الزراعي. وعليه فقد أصبحت أراضي رعبنا مُلكاً لفلاحين من قرية سحيتا ومسعدة ومجدل شمس، عملوا في هذه الأراضي منذ العام 1937 وكانوا يزرعونها بعناية ومواظبة، وكان الحفاظ عليها منعًا من مصادرتها بعد الاحتلال الإسرائيلي للجولان قضية وطنية وأخلاقية من الدرجة الأولى.

في ربيع عام 1972 أصدر الحاكم العسكري الإسرائيلي قراراً عسكرياً بمنع فلاحي منطقة رعبنا من دخول أراضيهم لحصاد محصولهم الزراعي الذي كان في ذاك الموسم عدساً، واعتبر “اوري زعيرا” مدير دائرة أملاك الغائبين أن أراضي منطقة رعبنا أراضي ملك غائبين وأحراش يحظر الدخول إليها، ولهذا فهي مستملكة لدائرة أملاك الغائبين الإسرائيلية، وبناءً على ذلك تم إصدار المرسوم العسكرية الإسرائيلي الجائر رقم 267، الذي يُصادر أراضيهم، ورفع 25 مزارعًا من أبناء الجولان المحتل التماسًا عن طريق المحامي الفلسطيني سليم غريب من مدينة الناصرة والمرحوم حنا نقارة من مدينة حيفا إلى محكمة البداية في مدينة القنيطرة طلب خلال الالتماس الإعلان عن كل أراضي رعبنا ملك لفلاحين سورين، ومنع مدير أملاك الغائبين ودائرته من التعرض لهم أو منعهم من دخول أراضيهم وفلاحتها وجني المحاصيل الزراعية.

تم رفع شكوى إلى المحكمة الإسرائيلية العليا وقائد القوات الإسرائيلية في الجولان ومدير دائرة الأحراش الإسرائيلية لإلغاء إعلان أراضي رعبنا منطقة محميات طبيعية، وبعد صراع قانوني وقضائي طويل وشاق وافق الفلاحون على تسوية أولية باستلام مساحة تبلغ حوالي 1400 دونم في الجزء الشمالي من أراضي خربة رعبنا تقع في منطقة قليلة الأشجار الحرجية وتشمل أراضي (منقع الزيات – خلة غزالة – الخربة – الجزء الغربي من المقام الأبيض)، وأضيف 50 دونمًا كشوارع لكل فلاح، وذلك بدل إيجار رمزي لمدة خمس سنوات دون تنازل الفلاحين عن ادعاءاتهم بالملكية المطلقة لكامل الأراضي في جميع المواقع، حيث قرر القاضي انهم يستطيعون تقديم ادعاءات عندما تبدأ أعمال تسوية العقارات لاحقًا.

في العام 1989 أُحيلت قضية فلاحي رعبنا إلى محكمة الناصرة المركزية، وتم التوصل إلى اتفاق بإخراج منطقة خربة رعبنا من الاتفاق لإصرار سلطة الآثار بشملها ضمن مسؤولياتها وسلطتها لأنها بحسب زعمها تضم أثارًا وبقايا يهودية توراتية قديمة، واستجاب القاضي “ابراهام أسا” إلى سلطة الآثار الإسرائيلية، ومنحها حق المسؤولية عن خربة رعبنا، ولا تزال 2650 دونمًا من أراضي رعبنا تحت مسؤولية وتصرف 25 مزارعًا سوريًا من قرى الجولان المحتل يزرعونها بالأشجار المثمرة.

قرية سكيك

لا تزال آبار المياه قرية سكيك تُشكّل شبكة مياه متصلة ببعضها البعض داخل الأرض، تحكي قصص من كانوا هنا، قصص المقاتلين الشرفاء من الرعاة والفلاحين أبناء القرية، الذين هبوا للدفاع عن فلسطين عام 1948، وتحكي مأساة أولئك الذين طردتهم القوات الإسرائيلية من منازلهم في فلسطين وأصبحوا قضية تتقاذفها تصريحات الحكام العرب وغطرسة حكام الدولة العبرية.

حال قرية سكيك كحال كل قرى الجولان، لم تستطع أن تصمد أكثر أمام زحف الجرافات الإسرائيلية التي سوت البيوت بالأرض، لكن صخورها البازلتية استطاعت حماية أشجار البلوط والسنديان والزعرور، حيث كان سكانها يعتمدون في حياتهم على الصيد وتربية الأغنام والماعز وزراعة الحبوب والخضراوات، وتميزت القرية منذ القرن التاسع عشر بعد وصول بعض العائلات اللبنانية ببناء منازل من الطين والحجارة والسقوف الخشبية، وبعد عام 1960 بُنيت فيها عدة منازل من الإسمنت، ومجمع ماء للقرية كان يُغذي آبار عديدة متصلة بالبيوت والمنازل في القرية، وتُغذي شبكة مياه بيت جن القرية بالمياه، وبلغ عدد سكانها قبل حزيران 1967 حوالي 450 نسمة، بينهم عائلات من فلسطين المحتلة قدموا عام 1948 بعد النكبة.