المحتويات

مقدمة

أولًا: موقف الجامعة العربية

ثانيًا: مواقف عربية منفردة

ثالثًا: المواجهة الخليجية – الإيرانية في سورية

رابعًا: الانكفاء العربي

خامسًا: عودة الدور العربي من البوابة الأميركية

خاتمة

 

مقدمة

كان اندلاع ثورات الربيع العربي من أهم مؤشرات الحالة السيئة التي وصل إليها واقع البلدان العربية، إلى درجة بدا فيها العرب وكأنهم يجدِّفون ضد حركة التاريخ، وفي المجالات كافة. حدث ذلك بعد فشل محاولات التنوير، المدنية والدينية، في النصف الأول من القرن العشرين، اقتداءً بما حدث في أوروبا. كما تراجعت التجارب الحزبية، القومية واليسارية، وتحولت في النصف الثاني من القرن ذاته إلى بيئات أيديولوجية متعالية على الواقع، وشكل بعضها حاضنة لصعود أنظمة مستبدة أوغلت في قمع شعوبها إلى درجة الإجرام، كما في سورية والعراق وليبيا.

في الوقت ذاته، ساعدت الوفرة الاقتصادية الناجمة عن اكتشاف النفط في بلدان الخليج العربي بعض الأنظمة “الرجعية” ما قبل الجمهورية في تحقيق ضربٍ من الاستقرار والتنمية المشوهة، التي احتكرت الثروة والسلطة، وغطت على فسادها بمزيدٍ من الاستبداد السياسي والشعارات الخادعة.

وفي الوقت الذي شهد فيه العالم تطورات مذهلة على صعيد التقدم التكنولوجي وثورة الاتصالات، ونقلتها العولمة إلى كل مكان، فشلت البلدان العربية في توطين هذه الإنجازات البشرية، كما لم تستطع تلك الدول، منفردة أو مجتمعة، مجاراة دولة “إسرائيل”، حديثة النشأة ومحدودة الموارد والسكان، في مختلف أنواع التقنيات وأوجه الحداثة.

 

أولًا: موقف الجامعة العربية

عكست سياسات الجامعة العربية مواقف الدول المنضوية في إطارها بصورة مكثفة، وعبرت عن حالة الانقسام والتآمر بين الأنظمة الحاكمة، وغياب التنسيق من أجل مصالح الشعوب المفترض أن تمثلها، باستثناء ما يتعلق بحماية سلطاتها السرمدية ومواجهة شعوبها المأسورة في سلطنات وإمارات وممالك ودويلات وديكتاتوريات عفا عليها الزمن. لقد شاخت الجامعة كنتيجة لهرم الأنظمة، وحتى العلاقات الاقتصادية البينية كانت وما تزال في حدها الأدنى، مقارنةً بما هي عليه بين الدول العربية وباقي الدول.

في غمرة الاضطراب الذي اجتاح المنطقة بعد ثورات الربيع العربي، تأخرت الجامعة العربية حتى خريف 2011 لتقديم مبادرتها للحل في سورية، إذ أن سرعة انتشار الثورات، بدءًا من تونس وصولًا إلى سورية، أخاف ما تبقى من الأنظمة العربية، التي بدت وكأنها تقف بالدور على درب هذا الاستحقاق التاريخي المؤجَّل، فسارعت لدعم شقيقاتها “المبتلية” بالثورات، أو حثها على القيام ببعض الإصلاحات، أو ادعاء دعم الثورات، لكن من خلال حرفها عن شعارات الحرية وإغراقها في الوحول المذهبية والعصبيات ما قبل الوطنية، في محاولة لتأجيل وصول النار إلى عروشها، وكان من العبث التفكير بأن تقوم أنظمة مستبدة بدعم التطلع نحو الحرية، لتناقضه مع وجودها ذاته، ولا سيّما أن وعي الحرية كان قد تجاوز الاحتجاجات السابقة في بعض البلدان العربية، والتي تمحورت حول تلبية الحاجات الأساسية، كما في انتفاضات الخبز.

في 16 تشرين الثاني/ نوفمبر 2011، اتخذت الجامعة العربية قرارًا بأغلبية ساحقة يقضي بتجميد عضوية سورية في الجامعة العربية بسبب مماطلة النظام السوري في التزام مبادرتها التي كان قد وافق عليها في الثاني من الشهر ذاته، والقاضية بسحب الجيش والإفراج عن السجناء والحوار مع المعارضة وتوقيع بروتوكول لإرسال بعثة مراقبين إلى سورية، وبعد ثلاثة أيام، وافق النظام على مجيء البعثة، ووصل المراقبون إلى دمشق في الثاني والعشرين من الشهر ذاته.

في 21 كانون الثاني/ يناير، سلّم رئيس بعثة المراقبين، محمد مصطفى الدابي، تقريره حول عمل البعثة. في اليوم التالي، وخلال اجتماع لوزراء الخارجية العرب، طرحت الجامعة العربية رؤيتها للحل السياسي على المدى الأبعد، والمتمثل بتشكيل حكومة وحدة وطنية، تمهيدًا لإجراء انتخابات برلمانية ورئاسية ديمقراطية، ودعت رئيس النظام السوري، بشار الأسد، لنقل صلاحياته إلى نائبه فاروق الشرع، كما طالبت بسحب الجيش من المدن والبلدات وضمان حرية التظاهر السلمي والإفراج عن المعتقلين والحوار بين النظام ومختلف أطياف المعارضة. وافق المجلس الوطني السوري المعارض على المبادرة، بينما رفضتها روسيا ورفضت إحالتها على مجلس الأمن، وعَدّها النظام “تدخلًا سافرًا” في شؤونه الداخلية.

شكّلت مبادرة الجامعة العربية هذه الأساس في تدويل القضية السورية، وتحولت إلى مبادرة عربية – دولية في شهر شباط/ فبراير 2012، حين طرح المبعوث الأممي كوفي عنان خطته ذات النقاط الست، إلى جانب تحديد تاريخ العاشر من نيسان/ أبريل 2012 موعدًا نهائيًا لوقف إطلاق النار، وانتهى دور الجامعة العربية بعد ذلك، لتتصرف كل من دولها بصورة منفردة، بحسب ما تقتضي مصالحها وارتباطاتها.

 

ثانيًا: مواقف عربية منفردة

تعتمد بعض الأنظمة العربية، أساسًا، على الخارج في حمايتها، ويحظى بعضها الآخر بمباركة دولية لقاء القيام بأدوار وظيفية لاسترضاء القوى الفاعلة في الغرب، وضمان صمتها على الانتهاكات التي ترتكبها ضد شعوبها بدعوى الحفاظ على الاستقرار، الذي لم يكن أكثر من ركود تختمر فيه كل التناقضات المجتمعية المنذرة بالانفجار.

في هكذا واقع، لا يمكن أن نتوقع من الأنظمة العربية الحاكمة التصرف بصورة جماعية وتشكيل كتل ضاغطة، سياسية وعسكرية، للتدخل عند حدوث الأزمات، أو أن تتضامن الشعوب المسجونة في “أقفاص” الأنظمة مع جيرانها، ما يعني أن التضامن يبقى محصورًا، إن وُجد، في نطاق نخبوي ضيّق أو “هبّات” عاطفية حماسية لم يخرج العرب من أجوائها منذ زمن بعيد.

تفاوتت الأدوار التي لعبتها الدول العربية في الحدث السوري إلى حد كبير؛ منها ما دعم النظام، ولو بخجل، كالجزائر والعراق، أو أعلن عن سياسة النأي بالنفس، كلبنان الرسمي، أو دعم الثورة السورية في أكثر من مسار، ومنها ما لا يخدم تجاوز النظام الاستبدادي الذي واجهته بصرخات الحرية والكرامة، كما فعلت بعض الأنظمة الخليجية.

 

الدور القطري

ارتبطت قطر، قبل الثورة السورية، بمصالح اقتصادية مع أوساط مقربة من النظام السوري، تمثلت باستثمارات لشركة الديار القطرية في مشاريع سياحية بضواحي دمشق واللاذقية، وبقيمة 6 مليارات دولار، فضلًا عن مشروعها الطموح لنقل الغاز إلى أوروبا عبر سورية وتركيا، وما يجره ذلك من تنافس مع روسيا وإيران، وتأزم العلاقات مع هاتين الدولتين.

مع ذلك، عملت قطر، منذ بداية الثورة السورية، على تقديم النصائح للنظام، وزار وزير الخارجية القطري، حمد بن جاسم، دمشق في الثاني من نيسان/ أبريل 2011، ثم ترأس اللجنة الوزارية العربية التي زارت دمشق في 26 تشرين الأول/ أكتوبر 2011 للوساطة بين النظام والمعارضة، وكان الدور القطري في الجامعة العربية الأكثر فاعلية في ما يتعلق بالشأن السوري.

حين لم تنفع السياسة القطرية في دفع النظام للابتعاد عن الحل الأمني المدمِّر، تحولت قطر إلى دعم شخصيات معارضة من أطياف مختلفة، بعد التعثر في تشكيل كيان سياسي قوي ومتماسك في الداخل، وجرت محاولة في الدوحة، في منتصف شهر أيلول/ سبتمبر 2011، لتقريب وجهات النظر بين جماعات معارضة داخل سورية وخارجها، على هامش ندوة سياسية حول الثورة السورية، لكنّ تركيا -على ما يبدو-  نافست قطر على هذا الدور من خلال (لجنة العمل الوطني من أجل سورية)، إسلامية الهوى، فسرقت منها الأضواء، وليُعلن عن تشكيل (المجلس الوطني) في اسطنبول في الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر 2011، وبالطبع انضم (الإخوان المسلمون) و(إعلان دمشق) إلى المجلس الوليد.

منذ ذلك الوقت، سيطرت هاتان الدولتان، تركيا وقطر، على أول تشكيل سياسي ينسب نفسه إلى الثورة، وسوَّقتاه دوليًا من خلال توجيه الدعوة المشتركة إلى حضور المؤتمر الثاني (الأول في تونس) لأصدقاء الشعب السوري في اسطنبول في بداية عام 2012.

 

الدور السعودي

بقي الموقف السعودي غائمًا في المراحل الأولى من الثورة السورية، وكان أول احتجاج رسمي على قمع التظاهرات السلمية في الثامن من آب/ أغسطس 2011، حيث استدعت السعودية سفيرها في دمشق للتشاور، وانسحب الوفد السعودي من مؤتمر أصدقاء سورية في تونس، 24 شباط/ فبراير 2012 احتجاجًا على “ضعف مواقف بعض الدول تجاه ما يحدث في سورية”. وفي مؤتمر أصدقاء الشعب السوري الذي عُقد في اسطنبول في الأول من شهر نيسان/ أبريل 2012، لخّص وزير الخارجية سعود الفيصل الموقف السعودي بـ “السعي لتخفيف معاناة الشعب السوري وتوفير الحد الأدنى من وسائل الدفاع عن النفس للوقوف في وجه آلة القمع”. وتجدر الإشارة إلى أن السعودية رفضت مقعدًا في مجلس الأمن خريف عام 2013، كاحتجاج آخر على استمرار الأزمة السورية.

حصل أول تدخل سعودي فاعل في الشأن السياسي السوري عام 2012، عند تشكيل (الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة)، وذلك من خلال كتلة (الجربا – كيلو) “الديمقراطية”، فدخلت السعودية طرفًا جديدًا في التأثير في المعارضة السورية، إلى جانب تركيا وقطر، ودعمت الجيش الحر عسكريًا منذ عام 2012، بخاصة في الجبهة الجنوبية.

تفعّلت السياسة السعودية بعد وفاة الملك عبد الله وتسلم وليّ العهد سلمان بن عبد العزيز مقاليد الحكم في 23 كانون الثاني/ يناير 2015، فانطلقت (عاصفة الحزم) في اليمن، وتلاحقت تهديدات وزير الخارجية السعودي عادل الجبير ضد بشار الأسد، وبأنه “سيسقط سلمًا أو حربًا”، وتصاعدت اللهجة تجاه إيران.

لاحقًا، وفي غمرة انشغالها بالملف اليمني، أبدت السعودية بعض الليونة في موقفها، ونقلت وكالة (أسوشيتد برس) في الرابع والعشرين من آب/ أغسطس 2017 أن وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير، دعا (الهيئة العليا للمفاوضات) لوضع رؤية جديدة حول تسوية الأزمة في سورية ومستقبل بشار الأسد، كما تناغمت الرؤيتان السعودية والروسية بخصوص الحل في سورية، استنادًا إلى نتائج زيارة العاهل السعودي، الملك سلمان بن عبد العزيز، إلى موسكو في 8 تشرين الأول/ أكتوبر 2017.

 

مواقف عربية أخرى

لم يُجارِ موقف الإمارات العربية المتحدة الموقفين القطري والسعودي تجاه الثورة السورية، وبعد أن نحت الأمور باتجاه صراع إقليمي – دولي في سورية، طالبت الإمارات بتاريخ 29 آب/ أغسطس 2017، على لسان وزير خارجيتها عبد الله بن زايد آل نهيان، بخروج كل من إيران وتركيا، اللتين، بحسب رأيه، تتصرفان كدولتين استعماريتين كما كانتا في مراحل تاريخية سابقة، وأيدت الإمارات بوضوح التدخل الروسي في سورية خريف 2015، واعتبره وزير الدولة، أنور قرقاش “تدخلًا ضد عدو مشترك”.

ربما ساهم عداء الإمارات لدولة قطر والإسلام السياسي، بخاصة (الإخوان المسلمون)، في عدم اتخاذها موقفًا واضحًا من مجريات الحدث السوري، علاوة على ارتباطات المصالح الأخرى مع الأوساط المتنفذة ماليًا في قمة هرم النظام السوري.

دعت دولة الكويت إلى وقف سفك الدماء وحل المسألة السورية سياسيًا، بالاستناد إلى مقررات جنيف1 لعام 2012 والقرار الأممي 2254، وذلك انسجامًا مع معظم المواقف الدولية. كما استضافت الكويت مؤتمرين للدول المانحة، وتبرعت بسخاء للمنظمات الدولية التي تقدم المساعدة للشعب السوري.

لم يختلف موقف عُمان في النظر إلى المسألة السورية عنه في ما يتعلق بسياستها على العموم، وقد اتصفت مواقف السلطنة بالوسطية والاعتدال. وشهد العام 2015 حراكًا سياسيًا عمانيًا في محاولة لتقريب وجهات النظر، حين زار وزير خارجية النظام، وليد المعلم، مسقط في شهر آب/ أغسطس، تلتها، بعد شهرين، زيارة رئيس الائتلاف الوطني السوري، خالد خوجة، إلى العاصمة العمانية، وبعدها بأيام، زار وزير الشؤون الخارجية العمانية، يوسف بن علوي، العاصمة السورية دمشق، ويبدو أن هذه المبادرة العمانية لم تتمكن من النفاذ عبر شبكة المصالح الدولية والإقليمية المتحكمة بالشأن السوري.

في البحرين، أصدر مجلس النواب في 10 أيار/ مايو 2011 بيانًا للتضامن مع الشعب السوري والتنديد بالقمع، ودعا المجلس ذاته في 6 آذار/ مارس 2012 إلى الاعتراف بالمجلس الوطني السوري ممثلًا شرعيًا للشعب السوري. وأعلن وزير خارجية البحرين، خالد بن أحمد آل خليفة، في مؤتمر أصدقاء سورية في إسطنبول في الأول من نيسان/ أبريل 2012 عن دعم البحرين لجهد الجامعة العربية من أجل إعادة الأمن والاستقرار إلى سورية. وفي عام 2016 قال الوزير ذاته إن البحرين تقدر دور روسيا في مساعدة سورية للخروج من المحنة الصعبة.

حاول الأردن النأي بنفسه عن الأزمة السورية المعقدة، واكتفى بتوجيه النصح والدعوة إلى الحل السلمي، واستنجد بحليفته أميركا للعمل على ضبط الوضع على حدوده الجنوبية والحدّ من خطر انتقال النار السورية إلى أراضيه، حيث عملت غرفة (الموك) على تنظيم عمل الجماعات المسلحة المنضوية في إطار الجبهة الجنوبية والتنسيق معها من داخل الأردن. يرتبط سكان شمال الأردن بعلاقات قربى مع سكان جنوب سورية، وقد لجأ الكثير من أبناء محافظة درعا إلى مخيمات في الأردن.

في مصر، انتقد المجلس العسكري الحل الأمني للنظام، ودعا إلى مخرج سياسي عن طريق حوار وطني تشارك فيه كل القوى السياسية. وأعلن الرئيس المصري المنتخب، محمد مرسي، في 26 تموز/ يوليو2012 عن دعمه لتطلعات الشعب السوري في نيل حريته وفق اختياراته ورفض أي تدخل عسكري خارجي، لكن، وبتأثير الضغوط الداخلية، قبل 15 يومًا من تظاهرات 30 حزيران/ يونيو 2013 التي أطاحته، صعّد مرسي من لهجته بصورة حادة خلال اجتماع نظمته الهيئة الشرعية وائتلاف القوى الإسلامية، فقال: “هذا يوم النصرة، لن يهنأ لنا بال حتى نرى السوريين الأحرار يقيمون دولتهم الموحدة على كامل ترابهم”، فيما دعا بعض الشيوخ الحاضرين إلى الجهاد في سورية، اتساقًا مع دعوات الشيخ القرضاوي على ما يبدو.

وتلخص الموقف المصري في عهد الرئيس السيسي بالدعوة إلى البحث عن حل سياسي والحفاظ على وحدة الأراضي السورية. كما ضمنت مصر اتفاق خفض التصعيد في الغوطة الشرقية في 22 تموز/ يوليو 2017 بالتعاون مع روسيا، ويدور الحديث الآن عن إمكانية نقل قوات مصرية إلى شرق سورية لتحل محلّ القوات الأميركية البرية المزمع انسحابها.

استضافت تونس مؤتمر (أصدقاء سورية) في 24 شباط/ فبراير 2012، وفي خطابه أمام المؤتمرين رفض الرئيس المنصف المرزوقي “المعالجة العسكرية للأزمة السورية، سواء بتسليح المعارضة أو التدخل العسكري الأجنبي من أي طرف كان، وذلك لتجنيب الشعب السوري ويلات المواجهة المذهبية والطائفية والعرقية ومخاطر الانزلاق في الفوضى والدمار والتفتيت”، وقال إن “سورية غير ليبيا”. وبعد نحو شهر، في مقابلة مع جريدة الحياة، قال الرئيس المرزوقي إن “نظام دمشق قد انتهى”. في عام 2017 تقدمت أربع كتل برلمانية تونسية بطلب من أجل إعادة العلاقات الدبلوماسية مع سورية، المقطوعة منذ عام 2012، لكن الرئيس المنتخب، الباجي قائد السبسي، قال إن إعادة العلاقات بين البلدين مرتبطة بالموقف العربي العام.

في صيف عام 2012 طرد المغرب السفير السوري من الرباط، وأرسل مستشفىً ميدانيًا إلى مخيم الزعتري في الأردن، لكن النظام المغربي لم يسمح بالتجمعات الجماهيرية المناصرة للثورة السورية. وعلى هامش القمة العربية التاسعة والعشرين التي عُقدت في الظهران 15 نيسان/ أبريل 2018، قال وزير الخارجية المغربي، ناصر بو ريطة، إن “الدول العربية لا صوت لها في التعامل مع الأزمة السورية التي تُدار من الخارج، ودعا إلى تغيير هذا الوضع”.

رفض السودان في صيف 2012، على لسان وزير خارجيته أحمد كرتي، التدخل الخارجي في شؤون سورية، ودعا إلى الحوار لحل الأزمة. كما استقبل هذا البلد أكثر من 100 ألف لاجئ سوري من دون الحاجة إلى الحصول على تأشيرات قنصلية.

تحفظ العراق على قرارات الجامعة العربية التي دانت النظام السوري، وأعلن عن موقف مساند للشرعية السورية، لكن عراق المالكي، في الواقع، حذا حذو الموقف الإيراني الداعم بشدة لنظام الأسد. شكل العراق وسورية الساحة التي تحرك فيها تنظيم (داعش) الإرهابي، وكذلك التحالف الدولي ضده. وقال رئيس الوزراء العراقي العبادي إن “الحكومة العراقية ستتخذ سياسة النأي بالنفس في هذه الأزمة، وهي تدعم الحل السلمي، وتركز على نهاية تنظيم داعش”.

اختار لبنان، رسميًا، سياسة النأي بالنفس، لكن تدخل دويلة (حزب الله) إلى جانب النظام أفقد هذه المقولة معناها؛ فالعلاقات السورية – اللبنانية علاقات وثيقة اجتماعيًا وجغرافيًا، وكان لبنان دومًا أهم وُجُهات فائض الأيدي العاملة السورية. استقبل لبنان أكثر من مليون لاجئ سوري، ومع أنّ ذلك شكّل عبئًا على التوازنات الداخلية الهشة في هذا البلد، فقد وفّر يدًا عاملة رخيصة لتغطية الأعمال والخدمات المختلفة.

يمكن تفسير موقف الجزائر الرسمي المساند للنظام السوري بالصراع المرير مع الجماعات الإسلامية فيما يسمى بسنوات التسعينيات العشر السوداء، وخوفه من اندلاع انتفاضة مماثلة لما حدث في بلدان الربيع العربي، فضلًا عن التضامن بين النظامين الأمنيين في البلدين، وموقف الجزائر المعادي لدول الخليج الداعمة لجارته المغرب في ادعاء أحقيتها بالصحراء الغربية. وكانت الجزائر قد عارضت طرد ممثل النظام السوري من الجامعة العربية ومنح المقعد السوري للمعارضة في خريف 2011.

 

ثالثًا: المواجهة الخليجية – الإيرانية في سورية

الأطماع الفارسية قديمة في منطقة الخليج العربي، وبعد أن ضم الشاه إقليم الأحواز العراقي في عام 1925، بعد اكتشاف النفط فيه، عادت إيران لتحتل الجزر الإماراتية الثلاث، أبو موسى وطنب الكبرى وطنب الصغرى، في مضيق هرمز عام 1971.

لكن التوسع الأكثر نطاقًا وخطرًا هو ما أقدمت عليه إيران بعد انتصار التيار الديني في الثورة الشعبية الإيرانية في عام 1979، حيث شرع نظام الولي الفقيه بتصدير الثورة، كغطاء أيديولوجي ديني يخفي المطامع القومية الإيرانية، مستغلًا وجود أقليات شيعية متعايشة منذ زمن طويل في بعض البلدان العربية، ومقدمًا نفسهمدافعًا عن القضية العربية الأولى، قضية فلسطين، بهدف استغلال العواطف الشعبية المعادية لإسرائيل، فعمل على تمكين منظمتي (حماس) و(الجهاد الإسلامي) وتسهيل استيلائهما على قطاع غزة. لكنّ ما فعلته إيران، في الحصيلة، هو دق إسفين في جسد الثورة الفلسطينية، وعلى صعيد المنطقة، أي الإسهام الفاعل في استحضار صراع بائد سني- شيعي، وتمييع أو صرف النظر عن الصراع العربي الإسرائيلي.

بعد قيام الثورة السورية، ولأن إيران تعتبر سورية من مناطق نفوذها والممر المفتوح إلى قاعدتها الرئيسة، (حزب الله) في لبنان، فقد وقفت إلى جانب الحل الأمني الذي اعتمده النظام ضد المتظاهرين. ما كان ذلك ليمر من دون استحضار ردة فعل من دول الخليج، بخاصة السعودية التي تعتبر نفسها الوصية على باقي الدول الخليجية والمعنية بالدفاع عنها في وجه التوسع الإيراني، فضلًا عن مصلحتها في التخلص من المتشددين المحليين الذين يهدِّدون أمنها من وقت إلى آخر بتسهيل سفرهم إلى سورية.

عمل الطرفان، الخليجي والإيراني، على زجّ المتشدِّدين الشيعة والسنة في الحرب السورية، وتحريض التوجهات المذهبية للصراع بما يلائم سياساتهما، لكن، وفي الوقت الذي كانت فيه إيران تعمل بصورة منظمة، اتّسم الجهد الخليجي في سورية بالفوضى والتنافس. بالنتيجة، تعرضت قوى الثورة للحصار، ووقعت بين فكي كماشة القوى المتطرفة الأكثر تسليحًا وتمويلًا وعنفًا أيديولوجيًا من جهة، وقوى النظام وحلفائه من جهة أخرى.

ساهمت في ذلك سياسات النظام التمييزية التي حاول من خلالها حشد الخائفين من التطرف الإسلامي، وهو الذي تحالف مع المتطرفين وأرسلهم إلى العراق، ثم عاد ووضعهم في سجونه، ليطلقهم في الأسابيع الأولى للثورة، ولن يعتقد عاقل أن أمثال هؤلاء سيفعلون شيئًا غير حمل السلاح في ساحات انسحب النظام منها وعمّتها الفوضى.

حين أُشبعت سورية بالمجاهدين، تحرك الغرب وظهر التحالف الدولي ضد (داعش) عام 2014، ثم جاء التدخل الروسي في خريف 2015. قطع التدخل الدولي الطريق على احتدام الصراع الإقليمي ذي الغطاء المذهبي، وأخذت أميركا وروسيا على عاتقهما توزيع الحصص على الحلفاء أو التنافس عليها، حتى وصلنا إلى هذه المرحلة، حيث بدأ الدور الأميركي بالتصاعد ليحدّ من محاولة الاستفراد الروسية بالحل السياسي، والوقوف في وجه النفوذ الإيراني في سورية، والذي توِّج مؤخرًا بإلغاء الاتفاق النووي مع إيران، ودعوتها إلى التفاوض حول هذا الملف من جديد.

 

رابعًا: الانكفاء العربي

الانكفاء العربي عن مختلف القضايا الجوهرية التي تمسّ العرب لم يكن وليد اللحظة، إنما ساير التراجع على الصعد كافة منذ أواسط القرن الماضي. انطلاقًا من ذلك، لم يكن من المتوقع حدوث ردات فعل عربية مؤثرة في مجريات الثورة السورية وغيرها، وحتى الاستجابات الخجولة في العام الأول للثورة، المتمثلة بمتابعة الحوادث وإدانة قمع التظاهرات، تراجعت إلى حدٍ كبير بعد أن تحوّلت الثورة إلى حرب إقليمية دولية بالوكالة على أرض سورية، مع أن السوريين ظلوا يدفعون ثمن الحرب، وما استجد فقط هو تعدّد الأطراف التي تساهم في عمليات القتل والتدمير.

دفع الانكفاء العربي بالقوى الأخرى ذات النفوذ في سورية، الإقليمية والدولية، إلى إهمال أي دور عربي تقريبًا، ومع أن لبعض الدول العربية تأثير في الكثير من الجماعات المسلحة في سورية، فلم تشارك أي منها في الإشراف على اتفاقات خفض التصعيد، التي احتكرتها روسيا وتركيا وإيران، باستثناء أدوار محدودة وشكلية للأردن والسعودية في اتفاقية خفض التصعيد في جنوب غرب سورية، ولمصر في الغوطة الشرقية. وما زالت عودة الدور العربي الخجول إلى سورية تنتظر نتائج المحادثات المتعلقة بملء الفراغ الذي قد ينجم عن احتمال انسحاب القوات الأميركية من الجزيرة السورية.

في جميع الأحوال، سيفضي وجود دور عربي ما في سورية إلى حدوث بعض التوازن، والحدّ من الاستفراد الروسي – الإيراني – التركي على الأرض، مع أن الدول الثلاث، علاوة على النظام، ستعتبر مشاركة أي طرف آخر إعاقةً لمخططاتها، وستحرص أن تبقى المشاركة العربية شكليةً ولا تتكرس كقوى فاعلة على الأرض.

 

خامسًا: عودة الدور العربي من البوابة الأميركية

منذ إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب في التاسع والعشرين من شهر آذار/ مارس 2018 عزمه على سحب قواته من سورية، لم تتوقف التكهنات حول جديته بالقيام بهذا الإجراء، وما المراد من تصريحه المفاجئ، وما هي القوى التي ستملأ الفراغ الناجم عن رحيل الأميركيين؟ وسرعان ما بدأت الخيوط تتضح؛ فالأميركيون يريدون البقاء شرط أن يدفع الآخرون، دول الخليج، تكاليف وجودهم، من دون أن يعني ذلك أنهم سيكونون رهن إشارة من يدفع، فهذا لا تفعله أميركا كدولة عظمى، ولا يمكن أن يكون التأثير في السياسة الأميركية تجاه إيران من ضمن ما تطمح إليه السعودية لقاء الثمن الذي ستدفعه من أجل بقاء “النواة” العسكرية الأميركية في سورية.

في عرض لبعض التصريحات المتعلقة بالبديل المتوقع للقوات الأميركية، أوردت صحيفة (لوس أنجلس تايم) الأميركية أواخر الشهر الماضي أن الرئيس دونالد ترامب يدرس تشكيل تحالف من قوات عربية لتحلّ مكان القوات الأميركية، وأن ذلك دونه المزيد من الصعوبات. وقد أشار وزير الخارجية المصري، سامح شكري، في الثاني من أيار/ مايو 2018 إلى أنّ احتمال إرسال قوات إلى سورية وارد، وتجري مناقشته بين عدة دول للإسهام في استقرار سورية. ومع أنّ وزارة الخارجية المصرية سارعت بعد يومين للتوضيح أن “التصريح جاء ردًا على سؤال حول صحة ما يتردد في بعض الدوائر الإعلامية الدولية والعربية بشأن طلب الولايات المتحدة إرسال قوات عربية إلى سورية، ولم يكن يتعلق من قريب أو بعيد بإمكانية إرسال قوات مصرية”، فإن ذلك يشير بوضوح إلى وجود مشاورات جدية حول الأمر، ولكن من دون تحقيق نتائج حاسمة حتى الآن.

يبدو أن الولايات المتحدة تريد أن تنسحب من سورية بالفعل مع الاستمرار في تقديم الدعم لتحالف عربي تموله السعودية والإمارات وتتشكل قوته الأساسية من مصر، مع احتمال مشاركة سعودية وإماراتية وأردنية، وربما من دول إسلامية أخرى.

على العموم، تبقى حظوظ مصر أكبر في الحضور إلى سورية، بسبب قربها من جميع الأطراف، في حين أن السعودية غير متحمسة للعب هذا الدور، نظرًا إلى انشغالها في اليمن، على الرغم من أنها المعنية الأولى في مواجهة نفوذ إيران في سورية وقطع الطريق عليها في المنطقةكلها. يلبي الوجود المصري المحتمل رغبة تاريخية في استعادة دور ما في سورية، التي كثيرًا ما اعتبرتها مصر مهمة لأمنها القومي، وتربطها بها علاقة تاريخية وجغرافية.

مع ذلك، لن تتورط مصر في إرسال قواتها إلى سورية من دون مظلة أميركية وتمويل ملائم لقواتها، فضلًا عن الحصول على المزيد من الدعم السعودي للاقتصاد المصري. من جهة ثانية، يدفع احتمال التورط في مواجهة مع إيران في سورية المصريين للتريث، إذ أن مثل هذه المواجهة ليست في مصلحتهم.

في جميع الأحوال، سيكون تشكيل مثل هذا الحلف عسيرًا على الأميركيين، ويتطلب جهدًا كبيرًا لفرضه على الأرض، وإن نجحوا ستكون سورية ساحة لحلف جديد ضد إيران، يضم، إضافة إلى أميركا، السعودية ومصر، و”إسرائيل” من وراء الستارة، ما قد يمهد لمقاربة جديدة للعلاقات العربية- الإسرائيلية تقوم السعودية فيها بدور العراب، ولن يكون الأمر مفاجأة، إنما مجرد إخراج لهذه العلاقات من السر إلى العلن.

في هذا الصدد، لا بدّ من التساؤل إن كانت مثل هذه الإجراءات الأميركية جزءًا من استراتيجية للعمل على بناء شرق أوسط جديد يتجاوز الصراع العربي – الإسرائيلي، وينهي دور الجامعة العربية المحدود أصلًا؟ وهل أنها ستساعد في تحقيق السلام المنشود بين الإسرائيليين والفلسطينيين من خلال حلّ الدولتين اللتين عاصمتهما القدس، وقد مهّد لها ترامب بقراره نقل سفارة بلاده من تل أبيب إلى القدس، في سابقة قد تدفع المزيد من الدول لاتباع الخطوة الأميركية؟ أم أن ذلك كله مجرد استمرار لتخبُّط السياسة الأميركية في منطقتنا؟ ليس ثمة إجابات واضحة حتى الآن، على الرغم من أن نتائج هذه السياسة الأميركية ستترك أثرًا بالغًا في مستقبل المنطقة كلها.

 

خاتمة

عمليًا، طُويت صفحة الجامعة العربية والمؤسسات المنبثقة منها أو تكاد، والتضامن العربي مؤجل أو مستحيل؛ فالتحولات الجارية حاليًا في المنطقة العربية عرّت هذه الهياكل المتداعية، بانتظار إعادة تشكيل العلاقات والتحالفات في منطقة ما زالت بعيدةً عن تحقيق الاستقرار.

يبقى السؤال قائمًا إن كانت الساحة العربية ستشهد بالفعل ولادة اصطفافات جديدة قد يتحول فيها الأصدقاء إلى أعداء أو العكس؟ وما مستقبل “إسرائيل” في المنطقة ومستقبل العلاقات معها؟ وهل يمكن أن تبقى على حالها، أم أن ثمة ديناميات جديدة اقتصادية وسياسية سوف تقلب المعادلات المتعارف عليها منذ سبعة عقود؟

نحن بالفعل على مفترق طرق غير واضحة مساراتُه. مع ذلك، فسورية التي يأملها السوريون لن توجد إن لم يساهم أبناؤها في وضع مخطط بنائها السياسي على نحوٍ منفتح يأخذ كل الخيارات في الحسبان، ويلائمها مع الظروف والمتغيرات الدولية، وهذا الهدف لا ينفع معه أي تفكير نمطي مسبق ولا عقائدي، إنه خيار مصالح الشعب الملموسة، التي تُركّز على مفاهيم العمل والحرية والعدل، وللانتقال من المجتمعات الأهلية، عاطفية الاستجابات، إلى مجتمعات المؤسسات المدنية، عقلانية ردات الفعل، وهو ما يؤسس لعلاقات تعاون وتضامن منظمة بين شعوب المنطقة.