المحتويات

أولًا: مقدمة

ثانيًا: في العملية الانتخابية العراقية

ثالثًا: قراءة في المشهد العراقي إبان الانتخابات وبعدها

رابعًا: التدخلات الخارجية في الانتخابات العراقية

خامسًا: الانتخابات اللبنانية، نتائجها وآثارها المتوقعة

سادسًا: خاتمة

 

أولًا: مقدمة

ما يجمع الانتخابات التي جرت في الأسبوعين الأولين من شهر أيار/ مايو الجاري في كل من لبنان والعراق، هو الإصبع الإيراني، حيث تدخّلت إيران بشكل صارخ، وبكل ما تستطيعه سياسيًا وإعلاميًا وماليًا لضمان فوز حلفائها المحليين في كلتا الدولتين، وإذا كان (حزب الله) وحلفاؤه قد حققوا نجاحًا واضحًا، فإن النتائج في العراق لم تأت بما يلائم الأهداف الإيرانية، وتراجعت نسب المقاعد التي كان أتباعها يحصلون عليها سابقًا، وضمنت لإيران التحكم في الحكومة العراقية على مدى الانتخابات الثلاثة الماضية من خلال حزب الدعوة.

من جانب إيران تأتي هذه الانتخابات في أسوأ مرحلة تمر بها بعد حالة الاسترخاء المديدة، التي طبعت مرحلة أوباما وقبله -إلى حدٍ ما- مرحلة جورج بوش الابن، فتمدّدت في محيطها بما يفوق قدرتها وإمكاناتها، وركبها الصلف ونشوة التوسع الإمبراطوري، فقتلت ودمرت وطيَّفت المجتمعات التي دخلتها اعتمادًا على المكون الشيعي في هذه الدول، مرحلة قلبت فيها إدارة ترامب أسس التفاهمات التي كانت قائمة عندما انسحب من الاتفاق النووي، وأعاد العمل بنهج العقوبات مع تشديدها، بل المطالبة تحت التهديد بالحرب بخروج قوات الحرس الثوري الإيراني وتوابعه من سورية، ووقف برنامجها الصاروخي، وتشارك “إسرائيل” ترامب توجهاته تجاه إيران وحزب الله، بل تستعجل الحرب، وهي ما برحت تسدِّد الضربات إلى مواقع وجود الميليشيات التابعة ومراكز القيادة والسيطرة ومخازن الأسلحة.

من جانب آخر، أرادت القوى العراقية، أو بعضها على الأقل، أن تكون الانتخابات فرصةً لتطويق أو الحدّ من النفوذ الإيراني الثقيل على صدور العراقيين، والتخلص من فساد الطبقة السياسية العراقية التي أرهقت الشعب العراقي، ونهبت مقدرات العراق، وتاجرت بقضية الحرب على الإرهاب.

على كلا الجانبين، فإن إيران وفي ظل الأوضاع المستجدة، حاولت بكل ما تستطيع تعزيز نفوذها في العراق خصوصًا، وفي لبنان، ومن المؤكد أنها ستحاول وضع العراقيل في وجه القوى الفائزة في الانتخابات العراقية، نظرًا إلى أهمية العراق في استراتيجيتها التوسعية، ولن تسلم بهذا التطور العراقي ببساطة خصوصًا أنها قادرة على الأذى، وقد تكون المرحلة العراقية المقبلة حبلى بالمفاجآت، الأمر الذي يتطلب من الشعب العراقي اليقظة والاستعداد للمواجهة وجعلها مناسبة للتخلص من السطوة الإيرانية. فالوضع الدولي ليس في مصلحة إيران، فهل سيفعلها العراقيون ويقلبون الطاولة في وجه سليماني؟

 

ثانيًا: في العملية الانتخابية العراقية

يحسب للعراق الذي تتحكم فيه إيران والولايات المتحدة ركونه إلى العملية الانتخابية وسيلة لتداول السلطة منذ الغزو الأميركي وأول انتخابات في عام 2005، ولم تخرق إلا في انتخابات العام 2010 عندما منع الفائز فيها إياد علاوي من الحكم بتفاهم أميركي – إيراني جاء بالمالكي، لكن من غير المعروف ما إذا كانت هذه الحالة ستستمر في ضوء المستجدات الطارئة، فعادة تحرص القوى المهيمنة على العملية الانتخابية ونزاهتها، مادامت مطمئنة لسطوتها، وما أن تهتز هيمنتها أو تواجه تهديدًا حتى تسارع إلى التلاعب والإفساد، أو حتى إلى نسف العملية من أساسها.

تجري هذه الانتخابات في بيئة دولية وإقليمية مشحونة بالتوتر، عنوانها الأساس تقليم النفوذ الإيراني في المنطقة وتصعيد أميركي لمواجهة إيران؛ فقد أعلن وزير الخارجية الأميركي في 22 أيار/ مايو الجاري استراتيجية جديدة تجاهها تقوم على تشكيل تحالف دولي لتسلّم هذه المهمة، وتضمنت اثني عشر شرطًا لتطبيع العلاقات مع طهران، وهي تأتي بعد إلحاق الهزيمة بتنظيم (داعش)، ووسط سخط عام وضعف ثقة الناخب العراقي بالطبقة السياسية الفاسدة والمناخ الطائفي السائد، ما اضطُّر أغلب القوى إلى التغيير في خططها، وظهرت التكتلات والتحالفات العابرة للطوائف بشكل واسع. من هنا ارتفعت أعداد الأحزاب والتكتلات المشاركة، وكذلك أعداد المرشحين، حيث سجل أكثر من سبعة آلاف مرشح موزّعين على 78 حزبًا وتحالفًا سياسيًا، كما لوحظ انقسام واضح، على عكس الانتخابات السابقة، في الكتلة الشيعية المهيمنة، فقد انتظمت في خمس كتل انتخابية يجمع أغلبيتها الموقف المشترك الرافض لهيمنة حزب الدعوة الذي انقسم بدوره إلى كتلتين هما كتلة دولة القانون يرأسها نوري المالكي، وكتلة النصر برئاسة رئيس الوزراء حيدر العبادي، وفي حين مثلت كتلة الفتح التي يرأسها هادي العامري ميليشيا الحشد الشعبي، وهي أقرب الكتل إلى إيران، أما كتلة “سائرون نحو الإصلاح” التي يرأسها مقتدى الصدر فقد ضمت إلى التيار الصدري الحزب الشيوعي العراقي وأغلبية التيارات المدنية التي شاركته تظاهراته الأسبوعية ضد الفساد على مدار السنتين الماضيتين، ولعل ما يميز كتلة “سائرون” برنامجها الإصلاحي الواضح الذي يقوم على (1- محاربة الفساد 2- حكومة تكنوقراط. 3- عبور الطوائف والانفتاح على الجوار العربي). أما المجلس الإسلامي (تيار الحكمة) الأعلى فيرأسه عمار الحكيم، ولوحظ ابتعاده النسبي عن إيران مؤخرًا.

انقسمت القوى الكردية إلى سبعة تحالفات، وضعف أداؤها بفعل تداعيات الاستفتاء على الاستقلال الذي أجري في أيلول/ سبتمبر 2017، في حين انتظمت القوى السنية في تحالفين انتخابيين، وساد أجواءها الانقسام والتنافس الفردي، وقد فشلت مساعيها لتأجيل الانتخابات بحجة عدم عودة المهجرين إلى ديارهم المدمرة بحكم أن المحافظات السنية الثلاث في غرب العراق، كانت مسرحًا للحرب العنيفة على (داعش).

جرت الانتخابات في أجواء هادئة عمومًا، ولم يسجل سوى حادث واحد في السليمانية عندما حاصرت قوى مسلحة تابعة للاتحاد الوطني الكردستاني أحد المراكز الانتخابية واضطرت المفوضية إلى وقف التصويت فيه قبل ساعتين من موعد انتهائها، أما تهديدات (داعش) بمهاجمة المراكز الانتخابية واستهداف المرشحين فقد تبين أنها مجرد تهديدات خلبية.

ما يؤخذ على هذه العملية ضعف إقبال الناخبين، إذ سجلت نسبة مشاركة أقل من 45 في المئة، في حين سجلت انتخابات الـ 2014 نسبة 60 في المئة، وانتخابات الـ 2010 نسبة 62 في المئة، وأكثرها إقبالًا كانت انتخابات الـ 2005 بنسبة 80 في المئة، وهذا قد يجد تفسيره في ضعف ثقة الناخب العراقي بالطبقة السياسية، وتعثر عملية إعادة المهجرين إلى ديارهم.

في النتائج حازت (كتلة سائرون) على أعلى نسبة كما كان متوقعًا، وحصدت 54 مقعدًا من أصل 329 عدد مقاعد البرلمان العراقي، وجاءت كتلة الفتح في المرتبة الثانية وحصلت على 47 مقعدًا، أما (كتلة النصر) فقد حصلت على 42 مقعدًا وكتلة دولة القانون 26 مقعدًا والوطنية 21 مقعدًا وتيار الحكمة 19 مقعدًا، أما التيارات الكردية فقد حصلت مجتمعة على 38 مقعدًا، منها 25 مقعدًا للحزب الديمقراطي الكردستاني، وهذه النتائج التي تشير إلى تشتت الأصوات وعدم بروز كتلة يمكنها وحدها تأليف حكومة، فالحكومة المقبلة ستحدِّدها طبيعة التحالفات التي ستنشأ في عقب الانتخابات.

لم يعترض أحد على سير الانتخابات في أثناء العملية الانتخابية، لكن بعد صدور النتائج النهائية بدأت تتردّد أصوات المعترضين؛ فقد طالب إياد علاوي رئيس قائمة الوطنية بإلغاء نتائج الانتخابات والدعوة إلى انتخابات جديدة، أما حركة التغيير الكردية التي جاءت نتائجها متدنية جدًا فقد وجهت انتقادات حادة للعملية الانتخابية، حيث اعتبرتها أسوأ انتخابات منذ العام 2005، وإذا كان مفهومًا عدم رضى بعض الكتل عن النتائج، فإنه من غير المفهوم اعتراض رئيس البرلمان سليم الجبوري على الانتخابات ودعوته البرلمان إلى جلسة طارئة لمناقشة العملية الانتخابية ونتائجها، وعندما لم يكتمل نصاب جلسته، طالب مفوضية الانتخابات بإعادة الفرز بالعد اليدوي، علمًا أنه ليس للبرلمان ولاية قانونية على مفوضية الانتخابات.

من جانبها، أعلنت المفوضية أنها شكلت لجنة للنظر في الطعون المقدمة والتي بلغت 1416 طعنًا تشمل التصويت العام والخاص وتصويت الخارج، وألغت النتائج في 100 مركز انتخابي موزعة على خمس محافظات، إلا أنه من غير المتوقع أن تؤثر هذه الطعون في النتائج المعلنة، خاصة أن مفوضية الانتخابات، قد رفعت لوائح الفائزين إلى المحكمة الدستورية العليا للموافقة عليها.

 

ثالثًا: قراءة في المشهد العراقي إبان الانتخابات وبعدها

انتخابات العراق هذا العام مفصلية في تاريخه المعاصر في ظل الصراع الذي يدور على أرضه وعليه منذ الغزو الأميركي، وجعل منه ساحة تصفية حسابات إقليمية ومحلية، وخلقت من التعقيدات، ما يجعل تأليف الحكومة المقبلة أمرًا صعبًا جدًّا، وقد تعيد العراق إلى أجواء الحرب الأهلية، إذا أصرت إيران وأتباعها في الداخل على استمرار إحكام قبضتها على العراق. صحيح أن “تنظيم الدولة الإسلامية” قد هُزم وتُطارد فلوله في العراق وسورية، إلّا أن هناك خطر تمثله ميليشيات (الحشد الشعبي) المدعوم من المرجع الشيعي علي السيستاني، والذي شكل أحزابًا ودخل البرلمان، وهو يمثل قوة مسلحة موازية لقوة الدولة، وقرار أغلب فصائلة في طهران، كما أن القوى الكردية هي الأخرى قوى مسلحة تحت اسم (البيشمركة)، في حين أن القوى السنية هي الوحيدة المنزوعة السلاح بقرار من الحكم العراقي وبموافقة أميركية، هذه التركيبة تجعل احتمال اللجوء إلى السلاح لفرض إرادات معينة واردًا.

كانت مرحلة حكم حزب الدعوة الجعفري والمالكي صفحة سوداء في تاريخ العراق، نتيجة إصرار هذا الحزب والقوى الشيعية التي تحالفت معه بدفع إيراني على ترسيخ حكم الشيعة في العراق، وعزل وتهميش الأطراف الأخرى، لكن تعميم الفساد ونهب المال العام بطريقة همجية وانعدام الخدمات، جعلت شرائح واسعة من شيعة العراق يتململون من هذا الوضع، وفتح التيار الصدري وتحالفاته العابرة للطائفية الطريق نحو تغيير في قواعد اللعبة السياسية السائدة، من خلال تركيزه على محاربة الفساد، واسترداد القرار الوطني العراقي، ما أجبر بعض القوى الشيعية الوازنة والمتحكمة في الساحة السياسية والعسكرية على التكيف وتغيير في خطابها والتخفيف من النبرة الطائفية، وهذا الوضع الذي أفرز مزيدًا من الأحزاب والتكتلات عقَّد خريطة التحالفات التي تسمح بتأليف حكومة قادرة على الحكم وتحظى بأغلبية وازنة في البرلمان تسمح لها بتجاوز العراقيل وتحقيق إنجازات ملموسة يمكن البناء عليها. فما هي السيناريوهات المتوقعة لإمكانية تشكيل مثل هذا التحالف؟.

صرح عمار الحكيم أن الأيام المقبلة ستشهد ولادة تحالف رباعي لتأليف الحكومة العراقية المقبلة، وقد بيّن أن هذا التحالف يضم كتلة (سائرون) و(الفتح) و(النصر) و(الحكمة)، ويستبعد كتلة (دولة القانون)، فما حظوظ هذا التحالف من النجاح الذي يضم 162 مقعدًا وهي أقل من الأغلبية المطلقة بقليل، وما دلالاته؟.

وسط الحراك المحموم والمشاورات الدائرة، يسعى الصدر لتشكيل أكبر تحالف لا يستثني أحدًا كما صرح، ويريد حكومة تكنوقراط. يقول حاتم خطاب رئيس المكتب السياسي لكتلة (سائرون): هذا التحالف ولد من رحم معاناة العراقيين، وفوزه لم يكن مفاجئًا، والسلطة ليست هاجسًا لدينا، بل إن هاجسنا هو أن يعود العراق إلى بر الأمان، وتأليف حكومة لها القدرة على القيادة وولاؤها للعراق، التحالف لديه القدرة على ترشيح رئيس وزراء، لكنه لن يضع ذلك شرطًا، نريد حكومة تتصدى لمشكلات العراقيين وفي مقدّمها عودة اللاجئين إلى ديارهم”.

يُشارك عمار الحكيم الصدر في بعض توجهاته العامة، لكنه يختلف معه في التفاصيل، أما كتلة (الفتح) التي اجتمع الصدر برئيسها هادي العامري، فمن غير المتوقع أن تُشارك الصدر والأطراف الأخرى توجهاتها، والسؤال المهم هو إذا بقي الصدر على توجهاته، خاصة ما يتعلق بحكومة التكنوقراط، فما مصير العبادي المدعوم أميركيًا، والذي صرح أنه على توافق تام مع الصدر؟ وأين سيكون موقع الحزب الديمقراطي الكردستاني في ضوء تأكيد رئيس الإقليم أن خيارات حزبه خاصة والأكراد عامة يجب أن تكون مع بغداد؟ وأي بغداد التي يعنيها ويريد أن يتفاعل معها؟ لذلك، ولكل هذه الأسباب، فإن نبوءة الحكيم وتوجهات الصدر قد لا تبصر النور، إذا كان القرار الإيراني بالوقوف في وجه التيار الصدري وحلفائه المباشرين أو المحتملين بعد زيارة سليماني إلى العراق، واجتماعه بالكتل الشيعية الرئيسة، ولن تخفف من ذلك تطمينات سليماني بأن الصدر صديق لإيران.

أما في حال نجاحه فيمكن الجزم بأن العراق قد أبصر الضوء في نهاية النفق الطائفي المشؤوم الذي أدخلته فيه إيران، كما أنه يدلل على أن شوكة إيران قد كُسرت، وتحاول التكيف مع المستجدات التي أفرزتها توجهات الإدارة الأميركية والوضع العراقي. أما الاحتمال الآخر هو ألا يندرج (الفتح) وإلى حد ما (الحكمة) في هذا التحالف، ويشكلا مع دولة القانون معارضة قوية في البرلمان تستحوذ على 92 مقعدًا على الأقل، تحاول شلّ عمل الحكومة وإفشالها، وهذا الاحتمال ليس ببعيد في ضوء السياسات الإيرانية المعتمدة في العراق حتى الآن، وفي حال حصوله فإنه سوف يدفع التيار الصدري نحو الأكراد، خصوصًا الحزب الديمقراطي الكردستاني، ذلك أن الاتحاد الوطني الكردستاني إيراني الهوى، ونحو تحالف الوطنية الذي يرأسه إياد علاوي. في هذه الحالة يمكن تأليف حكومة ضعيفة السند البرلماني 142 مقعدًا وضعيفة الأداء، لكنها ستكون أفضل من الوضع الذي كان سائدًا.

 

رابعًا: التدخلات الخارجية في الانتخابات العراقية

على الرغم من ارتفاع أصوات عراقية مؤثرة تطالب القوى الخارجية باحترام الإرادة الشعبية العراقية، وترك الآليات الاجتماعية والسياسية لتفاعلاتها الذاتية بما يؤمن نضوج التجربة الديمقراطية في هذا البلد، إلا أن التدخل الخارجي كان واضحًا والإيراني منه فجًا. هناك قوتان تتواجهان في الساحة العراقية بغية التحكم فيها، هما الولايات المتحدة الأميركية وإيران، لكن ثمة طرف ثالث دخل على الخط مذ تسلّم العبادي رئاسة الحكومة العراقية هو السعودية وبعض دول الخليج.

منذ آذار/ مارس الماضي حذر ماتيس وزير الدفاع الأميركي من تدخل إيراني في الانتخابات العراقية، وتحدث عن أدلة مثيرة للقلق على هذا التدخل من خلال استخدام إيران للأموال للتأثير في المرشحين وفي النتائج.

من المؤكد أن الولايات المتحدة تدخلت في الانتخابات كما في غيرها سابقًا، لكنها تتدخل من دون ضجيج، واعتمادًا على قنوات استخبارية أو ضغوط أو وعود إلى آخر ما هنالك، لكن التدخل الإيراني جاء علنيًا وواضحًا؛ فقد صرح علي أكبر ولايتي مستشار المرشد الإيراني قبل الانتخابات بأسبوع “الانتخابات العراقية ستوصل رسالة إلى أميركا وسائر دول الجوار التي تتدخل في بعض الأحيان، بأنه من الآن فصاعدًا لن يكون لها مكان في المنطقة”، كما عبر ولايتي بوضوح عن الإستراتيجية الإيرانية في العراق قبيل الانتخابات، ففي آخر زيارة له إلى العراق في 17 شباط/ فبراير الماضي، صرح بأن بلاده تسعى لتحقيق هدفين في العراق، يتمثل الهدف الأول بطرد الولايات المتحدة من العراق، وخلال لقائه بنوري المالكي من ضمن هذه الزيارة قال إنه “على جبهة المقاومة الإسلامية أن تحول دون انتشار القوات الأميركية تدريجيًا شرق الفرات” والمقصود هنا الأراضي السورية التي تسيطر عليها (قوات سورية الديمقراطية – قسد) بحماية أميركية، والهدف الثاني هو الحيلولة دون انفراط تماسك القوى الشيعية الموالية لإيران في حكم العراق، كما أعلن أن “إيران لن تسمح للشيوعيين والليبراليين بالعودة إلى حكم العراق”. وقد قامت هذه الإستراتيجية على عدة بنود:

  • رفض تأجيل الانتخابات خشية اهتزاز قدرة القوى الشيعية في الحفاظ على السيطرة الكاملة بفعل تطورات غير متوقعة.
  • الحرص على عدم انفراط وحدة تحالف القوى الشيعية كما كان قائمًا.
  • العمل على تطويق فرص تحقيق كتلة (سائرون) لنتائج مؤثرة، والعمل على إفشال محاولته تشكيل كتلة سياسية وازنة وعابرة للطوائف يمكن أن تقلب قواعد اللعبة السياسية المعمول بها منذ الغزو الأميركي بحكم الميزات التي منحتها الولايات المتحدة للقوى الشيعية التي تحالفت معها إبان الغزو، والتزمت فتوى المرجع الشيعي علي السيستاني بتحريم مقاومة القوات الأميركية.
  • دعم دخول الحشد الشعبي معترك الانتخابات دون أن يتخلى عن سلاحه، والعمل على محاولة فرض هادي العامري بديلًا لنوري المالكي ومنافسًا للعبادي، الذي حاول أخذ مسافة من إيران، وأبدى انفتاحًا على المحيط العربي، ومحاولة تصدير العامري ربما تأتي تكفيرًا عن غلطة إيران، عندما وافقت تحت الضغوط الأميركية وضغوط الشارع العراقي على عزل المالكي والإتيان بالعبادي بديلًا.

لم تثمر الإستراتيجية الإيرانية في تحقيق أهدافها، ما يعني أن تغييرًا عميقًا يجري في العراق، وأن الرياح الدولية والإقليمية لم تعد مواتية لمشاريع الهيمنة والنفوذ الإيرانية، لذلك سارعت طهران إلى إرسال قاسم سليماني إلى بغداد للاجتماع بالكتل الشيعية الموالية ومحاولة التقليل من الخسائر التي لحقت بالنفوذ الإيراني، والعمل على تشكيل تكتل معارض قوي في حال فشلت إيران في التحكم برئيس الوزراء المقبل.

لا يبدو أن سليماني أصاب نجاحًا في مهمته، فتفكك الساحة الشيعية بات ظاهرًا، وهناك عوامل مساعدة للتوجهات الإيرانية لم تعد قائمة، لكن هذا الاستنتاج يبقى معلقًا حتى ظهور اللوحة النهائية للتحالفات الجديدة، وإذا صح التهديد الذي نقل عن سليماني، وهذا غير مؤكد، بأنه “سوف يشعل العراق وخصوصًا المراقد المقدسة، إن لم يتم تسليم رئاسة الوزراء لقائمة الحشد”، فإنه يؤكد فشل مهمة سليماني، وأن الطريق نحو عراق جديد بات مفتوحًا.

أما تدخل المملكة العربية السعودية، فقد كان حاصلًا لكن بشكل حذر ومن دون ضجيج، ولم يترك أثرًا لأسباب عديدة، منها أن السعودية قد دخلت الساحة العراقية حديثًا، ولم تسعفها الفرصة ولا الوقت حتى تؤسس تحالفات مضمونة، كما أنها غارقة في اليمن، وربما اتكأت السعودية، والخليجيون عمومًا، على الوجود الأميركي الأكثر فاعلية في هذا الشأن، لكن السبب الأهم هو أن القوى السنية التي يمكن أن تعتمد عليها السعودية تعاني تفككًا وأغلبها مخترق من إيران، كما أن مناطقها مدمرة وسكانها لاجئون في بقية مناطق العراق أو خارجه، كذلك القوى الكردية بات موقفها ضعيفًا وبعضها مرتبط بإيران، لذلك لم يظهر الأثر الخليجي في هذه الانتخابات، حتى فكرة تأجيل الانتخابات التي كانت وراءها فشلت ولم تلق صدىً.

 

خامسًا: الانتخابات اللبنانية، نتائجها وآثارها المتوقعة

يشوب الانتخابات اللبنانية، مثل العراقية، التدخل الإيراني، وإن اختلفت حدّته باختلاف أوضاع البلدين، ومدى اطمئنان إيران لنفوذها الذي تسعى لإدامته في كلا البلدين. إذ توجد في لبنان قوة وحيدة تتحكم فيه بسطوة السلاح هي (حزب الله) اللبناني، الذي بات يشكل دولة داخل الدولة، ويقرر نيابة عنها في السلم والحرب، لكن بشكل مسلم به منذ اتفاق الدوحة 2008، ومع ذلك فقد بدرت منه تصرفات لا تنم عن ثقة حقيقية توازي الثقة المدعاة، فقد مارس التهديد والاعتداء الجسدي على مرشحين، وسيَّر استعراضات لإرهاب الأطراف الأخرى، وبذل أموالًا طائلة لشراء أصوات، كما مارس “بروبوغاندا” إعلامية لتشوية صورة المرشحين المنافسين له، خاصة الشيعة منهم.

جاءت نتيجة الانتخابات لمصلحته ومصلحة حلفائه، بخاصة المرشحون المحسوبون على زمن الوصاية السورية، وتراجعت نتائج منافسه الرئيس تيار المستقبل الذي خسر ستة مقاعد قياسًا بما أحرزه في الانتخابات السابقة.

ما يهم في تناول الانتخابات اللبنانية هو المؤشرات التي تدلل عليها في هذه المرحلة، و التداعيات التي ستتركها.

أولى هذه المؤشرات انفراط عقد (14 آذار) واضمحلال (تيار المستقبل) وعجزه أمام (حزب الله) والنفوذ الإيراني عن تمثيل اللبنانيين السنة الذين تصدت الحريرية لتمثيلهم، وفي المقدمة منها ضعف أداء رئيس التيار ورئيس الحكومة الحالية سعد الحريري، وخضوعه لإملاءات (حزب الله) وجملة التفاهمات والصفقات التي أبرمها في السنتين الأخيرتين، ومنها القبول برئاسة عون بعد شغور منصب الرئاسة لثلاث سنوات بفضل تعطيل حزب الله، ما يؤشر إلى أفول مرحلة الحريرية.

وثانيها: أن القوى المدنية التي ترفض (المحاصصة الطائفية) عجزت هي الأخرى عن إيصال أكثر من مرشح واحد إلى قبة البرلمان في حين كان متوقعًا لها أن توصل ثمانية مرشحين، فقد ظهرت مفككة لا يجمعها برنامج أو هدف محدّد اللهم سوى رفضها بشكل عام وعدم رضاها عن الوضع القائم.

وثالثها: أنه في ظل التوجه الأميركي والدولي لمحاصرة (حزب الله) وملاحقة نشاطه وحساباته ومصادر تمويله في كثير من دول العالم، وآخرها القرار المشترك للولايات المتحدة ومنظومة دول الخليج بتصنيفة حزبًا إرهابيًا، وفرض عقوبات على العديد من قيادييه، فإن إصرار (حزب الله) على فرض إرادته في تشكيلة الحكومة المقبلة سيجعل من التوجه الدولي بالحفاظ على استقرار لبنان والمساعدات الدولية والأوربية على وجه الخصوص لمساعدة لبنان في مواجهة أزماته الاقتصادية موضع شكٍّ، وهذا سيدخل لبنان في دوامة جديدة من الأزمات التي قد لا يمكن التحكم فيها.

بناءً على اللوحة التي رسمتها الانتخابات اللبنانية، هناك متغيران طارئان في لبنان يشكل كلاهما خطرًا داهمًا على استقراره.

الأول: ما صرح به حسن نصر الله أمين عام (حزب الله) حول إمكانية ترؤّس الحريري للحكومة الجديدة بقوله “إذا قرر سعد الحريري الخضوع للإملاءات الأميركية، فلن تكون هناك حكومة جديدة في لبنان”، هذا إذا حافظ ميشيل عون على تعهده بتكليف سعد الحريري لتأليف حكومة، سيكون مسار تشكيلها شاقًا، وعندها سيعيش لبنان في ظل حكومة تصريف أعمال وهذا هو الأرجح، ثم إن أي حكومة تضم وزراء من حزب الله مشمولين أو يمكن أن يشمَلوا بالعقوبات الأميركية، لن يتعامل معها العالم، وسيكون لبنان أمام تكرار ممسوخ لتجربة حكومة حماس عام 2006 عندما فازت بالانتخابات البرلمانية الفلسطينية.

والثاني ما صرح به وزير العمل الإسرائيلي، وهو من صقور الحكومة الإسرائيلية، بأنه “بعد فوز حزب الله بالانتخابات اللبنانية، فإن “إسرائيل” لم تعد تفرق بين لبنان وحزب الله”، وهذا يعني أنه في حال نشوب حرب بين “إسرائيل” و(حزب الله) فإن دمارًا هائلًا سيلحق بكل لبنان، علمًا أنه في ظل تصعيد المواجهة الإيرانية الأميركية والمواجهة الإسرائيلية الإيرانية، فإن احتمال الحرب هو احتمال مرجح حتى لو لم يسع لها حزب الله.

 

سادسًا: خاتمة

لعل المهم من تناول الانتخابات في كل من العراق ولبنان، هو التداعيات التي تؤشر إليها، كون البلدين يعانيان من التدخل والهيمنة الإيرانية، وإذا كانت التركيبة اللبنانية تحدّ بطبيعتها من تغوّل حزب الله أداة تلك الهيمنة، فإن التحولات التي تنبئ بها الانتخابات العراقية ذات دلالات أكثر عمقًا وتأثيرًا في مستقبل العراق، بحكم أهمية العراق الجيواستراتيجية وإمكاناته الهائلة، وبحكم أن السطوة الإيرانية فيه أشد حضورًا، وهي مهمة ليس للعراق فحسب بل لجوار العراق ومحيطة العربي، بخاصة الدول التي عانت من التمدّد الإيراني كسورية واليمن.

لقد استغلت إيران فراغ السلطة في العراق بفعل إجراءات المحافظين الجدد إبان الغزو الأميركي، وغضّ الطرف الأميركي عن تدخلها، لكنها بثت في العراق والمنطقة نفسًا طائفيًا بغيضًا، وسعّرت الصراع السني الشيعي كغطاء لمشروعها التوسعي، فتسببت بقتل الملايين في كل من العراق وسورية واليمن، عدا عن الدمار والتهجير، وتؤشر الانتخابات العراقية إلى صحوة لدى شيعة العراق بأن هذا المسار التدميري الذي روجته ورعته إيران يجب أن يوقف. قد تكون مجرد بداية، لكنها ستكون مشجعة، وقد تولج العراق في مسار وطني ديمقراطي يساهم في تنمية العراق بدلًا من قتل أبنائه، وهذا التحول الذي يتوقع أن يكون بطيئًا بحكم ممانعة القوى المستفيدة، سيكون فاتحة تحولات إيجابية أيضًا في بقية المنطقة، لطي صفحة سوداء من تاريخها.