عقَد (صالون الجولان) التابع لـ (مركز حرمون للدراسات المعاصرة) لقاءً سياسيًا مفتوحًا ضم محورين: الأول حول (المشهد السياسي السوري، الآفاق والتحديات والتداخلات الدولية والإقليمية) بمشاركة الكاتب السوري الفلسطيني ماجد الكيالي، والثاني حول (الهوية الوطنية السورية… تحديات الخطاب والممارسة) بمشاركة د. يوسف سلامة، عضو مجلس أمناء مركز حرمون للدراسات المعاصرة، رئيس تحرير مجلة قلمون للدراسات والأبحاث، المدير الأكاديمي لمعهد الجمهورية.

استهل اللقاء مدير صالون الجولان فوزي أبو صالح، بكلمة ترحيبية بالضيوف المشاركين والحضور، ثم تحدث الكيالي عن الجديد في المشهد السوري، وقال إن جميع القوى الإقليمية والدولية عملت بشكل منهجي على منع الشعب السوري من تحقيق مطالبه بالحرية والديمقراطية وإقامة الدولة المدنية؛ فالولايات المتحدة “تعاملت مع القضية السورية بتصريحات شكلية، من خلال تصريحات فارغة من أي مضامين جدية وعملية، ونجحت عبر الاستراتيجية التي انتهجتها في تحقيق مكاسب كبيرة دون أي خسارة لها، واستطاعت توريط القوى الإقليمية: (إيران وروسيا وتركيا) في الملف السوري، عبر استنزاف قواها، فيما المعارضة والنظام خسرا الصراع بينهما لصالح التوظيفات الخارجية”.

وفي إطلالة على المشهد السوري، رأى أن “أميركا التي كانت تنفي تواجدها العسكري الفعلي في سورية، هي في الحقيقة تُسيطر على نحو 40 بالمئة من الأرض السورية، وأقامت 12 قاعدة عسكرية شرق الفرات، إضافة إلى وجود قواعد عسكرية فرنسية وبريطانية، وهناك سيطرة عسكرية تركية كاملة في الشمال السوري، فيما تخضع المنطقة الجنوبية إلى تفاهمات خفض التصعيد التي نشأت نتيجة تفاهم روسي أميركي أردني، تُشكّل فيه إسرائيل -ولا تزال- القطب الرئيس بين الأقطاب الثلاثة، وهذا كله يحدث في ظل ارتفاع منسوب التفاهمات الإسرائيلية – الروسية التي ما تزال تجري على قدم وساق.

وأضاف: “في خضم كل ذلك؛ تبدو إسرائيل بمثابة الفائز الأكبر من استمرار الصراع المسلح والمدمِّر سورية، كما تبدو في غاية الارتياح، سواء في الاستراتيجية القديمة أو الجديدة للولايات المتحدة من تحجيم النفوذ الإيراني الذي أصبح اليوم مطلبًا دوليًا وإقليميًا، خاصة أن روسيا تعدّ نفسها اللاعب المركزي والرئيس في الشأن السوري”.

من جهته تناول د. سلامة، في مداخلته حول الهوية الوطنية السورية، الصراعَ في المنطقة، عبر استعراض أبرز محطاته خلال القرن الماضي، مُعتبرًا أن اتفاقية (سايكس-بيكو) قسمت المنطقة إلى دويلات كانت ضمن أملاك الرجل المريض “الإمبراطورية العثمانية” التي جرت محاولات لتفكيكها وإسقاطها سابقًا من قبل الدول الاستعمارية الغربية، وتم تأسيس مجموعة الدول التي كان يتم إعدادها للاستقلال تحت مسؤولية عصبة الأمم المتحدة ولاحقًا الأمم المتحدة، وتأسست كل من الدولة السورية واللبنانية والعراقية.

اعتبر سلامة أن العرب لم يؤسسوا دولًا، وإنما تمّ تأسيس هذه الدول لهم، وهم راضون بها، ولفت النظر إلى أنه “تمّ تأسيس دولة إسرائيل، من قبلُ، من خلال وعد بلفور الذي وضع الأساس السياسي والاستراتيجي لدولة إسرائيل”، وكنا نحن العرب واليهود متشابهون من حيث تأسيس دول لنا، لم تعبّر هذه الدول بالضرورة عن كيانات بشرية متجانسة ومتوافقة.

وأضاف: “إن الشروط الضرورية لإنتاج هوية لم يتم تحديدها للممالك والإمارات والدول الناشئة، عدا الدولة الإسرائيلية، حيث اعتبرت هويتها كوطن قومي لليهود، بخلاف الدول الجديدة في الشرق وشمال أفريقيا. وقد كان أمام المفكرين العرب خياران بين أيديولوجيتين لمفهوم الهوية: الأول الجامعة الإسلامية، والثاني القومية العربية”.

وعن الخيار الأول، قال “لقد أطلقه المفكر جمال الدين الأفغاني كفكرة جامعة بين مختلف الشعوب الإسلامية العربية والهندية، لمواجهة المشروع الاستعماري الإنكليزي، والهيمنة العثمانية التي رآها قسم من المفكرين كجامعة للإسلام السني، لكنها لم تكن قادرة على حماية نفسها، ومع ذلك حاول السلطان عبد الحميد اعتبار نفسه والدولة التركية صاحبة الحق في أن تقود الجامعة الإسلامية، لكنه فشل في ذلك لاعتراض المفكرين الذي أيّدوا الإنكليز في حربهم ضد العثمنة والتتريك، وحاول آخرون لاحقًا استنهاض فكرة الجامعة الإسلامية كهوية لشعوب المنطقة، مثل الملك فؤاد ورشيد رضا وحسن البنا، إلا أنهم فشلوا في ذلك وضاعت الفكرة التي لم تثمر في شيء؛ فلجأ المفكرون الآخرون في سورية والعراق إلى اتخاذ القومية العربية هوية لشعوب المنطقة، واعتبارها هوية جديدة تمكّن للانفصال عن العثمانيين، وبرز خلالها المفكرون المسيحيون العرب الذين تميزوا بوعي قومي جديد، يهدف إلى تحشيد وتجميع العرب ضمن قومية عربية، ولم يستطيعوا بناءها؛ لأنها تتعامل مع الماضي أكثر من الحاضر، وقد تخيل فلاسفة القومية العربية أنها مصدر للهوية لكنها بقيت ماضوية، وظهرت أزمات لم نستطع التخلص منها حتى الآن، تجسدت في خطابات أولئك المفكرين الذين أسسوا أحزابًا وتيارات ادّعت جميعها أنها قومية، باستثناء الأحزاب الشيوعية، وتبلورت لاحقًا بحزب البعث العربي الاشتراكي الذي عدّ نفسه وريثًا للقومية، وأصبحت هذه الفكرة سورية بامتياز بعد الوحدة مع مصر، وبروز الناصرية التي أدت إلى إلغاء هامش الديمقراطية والتعددية الحزبية السورية، وفشلت في تطوير فكرة القومية مع فكرة الديمقراطية، وتحولت لاحقًا إلى بعثية قومية سيطرت حتى العام 2011، ووصلت سورية إلى مرحلة الأسدية بدل القومية العربية، حيث اعتبر منظّروها أن كتب النحو تستمد براهينها على الصدق اللغوي من خطب حافظ الأسد ولاحقًا من وريثه، وأصبحت فكرة القومية أسدية بغطاء قومي، حيث حطم شعار “الأسد أو نحرق البلد” كلَّ أملٍ لجمع السوريين كهوية وطنية، وقضى على الآمال التي تجمع السوريين للعيش المشترك، وفي الوقت ذاته أنهت الأسدية حقبة القومية العربية واضمحلالها؛ الأمر الذي يتطلب منا أن نفكر في مفهوم جديد أو فكرة جديدة، تكون مدخلًا فلسفيًا ونظريًا وسياسيًا يسمح بالتعامل مع الأوضاع القائمة”.

أضاف سلامة: “الهوية هي كيان مؤقت، لا توجد هوية ناجزة، ولا تتعين الهوية مرة واحدة إلى الأبد، ولا تُخلق كاملة، وهي ليست شيئًا نقبض عليه ونتناوله، وهي ليست مكتملة داخلنا، الهوية هي ذاك الشيء الذي ينتجه الجميع، وهي موجودة بالمستقبل وليس في الماضي، وهي تلك الفعالية التي يقوم بها الجميع متضامنين لا متحاربين، وهي مرادفة للعقل والتفاعل، لهذا نجد أنفسنا -السوريين- اليوم نعيش في (فراغ هوياتي)، بعد تمزيق وتشتيت المجتمع السوري وتهجير قطاعات واسعة منه، وأصبح لدينا مجتمعات سورية في لبنان والأردن وتركيا والجولان المحتل، إضافة إلى مجتمعات سورية في المهاجر الأوروبية. نصف سكان سورية اليوم ينشؤون في مجتمعات جديدة، لهذا لا يمكن الحديث اليوم عن هوية سورية جامعة، حيث كانت في يوم من الأيام مصدرًا للقومية العربية، وانتهت مع بدء الثورة، ليُعلن عن وفاتها مع رفع شعار (الأسد أو نحرق البلد)”، وأضاف: “كما في الحالة الفلسطينية تتشابه الحالة السورية في تعريف من هو الفلسطيني، هناك فوضى هوياتية بتعريف الفلسطيني لنفسه”.

وقدّم سلامة في مداخلته مجموعة من الأفكار والتصورات، حول استعادة الهوية السورية وضمان تواصلها وتفاعلها بعيد عن النظم الاستبدادية التي تستطيع فرض هوية، لكنها غير ديمقراطية وغير إنسانية. وشدد على أن على السوري أولًا مواجهة مصيره كسوري، من خلال فكرة الجامعة السورية التي من الممكن أن تكون بديلًا لكل الأفكار السابقة، من الهوية الإسلامية السنية أو الشيعية، التي رفضها الشعب السوري ورفض فكرة الولي الفقيه، وعلى السوريين أن تجمعهم جامعة سورية ضمن شرط مقدس، كما شدد على أن الأرض السورية وحدة جغرافية متكاملة لا يمكن أن تتجزأ، وشرط وجودها هو عودة المجتمع السوري للحياة، والتجديد أساسها، ومركزيتها الإنسان السوري بكل قدسيته.

واختتم بشرح مسهب عن مفهوم (الجامعة السورية)، وقال إنه “تحول جذري صريح من الأيديولوجيات الإمبراطورية –المتمثلة في الجامعة الإسلامية والجامعة العربية والجامعة البروليتارية- إلى إنتاج (مواطنة سورية) أو (وطنية سورية) أو (جامعة سورية) نحاول من خلالها، بوصفنا سوريين، أن نبني وطنًا موحدًا قويًا وعادلًا ومنصفًا، وقادرًا على توحيد أبنائه جميعهم بإثنياتهم المختلفة ودياناتهم المتنوعة وطوائفهم المتباينة. الجامعة السورية هي إذن الوطنية السورية الجديدة التي تستهدف تنمية الوعي السوري بذاته، بوصفه وعيًا وطنيًا يجمع بين العرب والكرد والسريان والأشوريين والتركمان والأرمن والشركس وغيرهم. ولا يستهدف الوعي السوري التقريب بين الإثنيات ذوات الثقافات المختلفة، واحترامها فقط، بل التقريب أيضًا في ما بين جميع المنتسبين إلى الديانات والطوائف السورية، بما تتخذه الجامعة السورية من موقف محايد منها جميعًا، وبالوقوف على مسافة واحدة منها جميعًا، ومن دون أن تكون معنية بمناقشة أي من الجوانب العقائدية واللاهوتية التي تخص أي دين أو طائفة. كل ما تستهدفه (الجامعة السورية) هو تسهيل الحوار، وجعله ممكنًا بين المنتسبين إليها، بوصفهم مواطنين بالمعنى السياسي والمدني للمواطنة، وما من شك في أن مصلحة أي سوري اليوم -بصرف النظر عن إثنيته وديانته وطائفته- تتمثل في العثور على وسائل الحوار والتواصل التي تمكّن من بناء وطن واحد وجامع، والعيش في كنفه بسلام. فمن شأن ذلك أن يمكن الجميع من العمل على خلق أفضل الأوضاع المنتجة للتنمية البشرية المستدامة التي تتخذ من (الإنسان الفرد)، في حد ذاته، هدفًا لها. وجلي أنه لا سبيل إلى تحقيق هذا الهدف إلا بتوفير الشروط الضرورية لاحترام الشخصية الإنسانية والكرامة البشرية لكل فرد بوصفه شخصية حرة، حقها في النقد والانتقاد لا يحده حد، على اعتبار أن الحرية ذاتها لا حد لها إلا الحرية، ولا شيء غير الحرية”.