استضاف (صالون الجولان) في مركز حرمون للدراسات المعاصرة، لقاءً شارك فيه كل من المحامي والناشط الحقوقي مازن درويش، رئيس المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، عبر (سكايب)، ومدير وحدة المقاربات القانونية في مركز حرمون للدراسات المعاصرة نزار أيوب، من الجولان المحتل. وتمحور النقاش مع الضيفين حول ملف المعتقلين والمفقودين السوريين، وعمليات الاختطاف وإعدام المعتقلين من قبل النظام السوري وبعض الجماعات المسلحة في سورية.

استهل اللقاء فوزي أبو صالح، مدير الصالون، بكلمة رحّب فيها بالحضور، ونبّه إلى خصوصية هذا الملف، بالنسبة إلى آلاف السوريين الذين عايشوا تجربة الاعتقال والخطف والتغييب القسري، حيث تعرضت كثير من الأسر في سورية لفجيعة الاعتقال والملاحقة الأمنية، لأحد أفرادها أو أكثر، أو لقتل أحد أفرادها تحت التعذيب.

شدّد مازن درويش في بداية مداخلته على أهمية مثل هذه اللقاءات التي تُساهم، بشكل أو بآخر، في دعم الجهود القانونية والإعلامية لملاحقة المجرمين أمام المحاكم الوطنية والدولية، وإبقاء هذا الملف ضمن الأولويات الوطنية.

وتحدث عن تجربته في المعتقلات السورية التي هي جزء من التجربة العامة لمئات الآلاف من السوريين الذين اعتقلهم النظام الحاكم في سورية، وتناول تجربة الاعتقال السياسي كأسلوبٍ ثابت في نهج السلطة، لتمسّكها بالحكم وفرض هيبتها على الناس بالحديد والنار، واستهداف الشرائح التقدمية والمنادية بالحرية والعدالة والديمقراطية من الشعب، كما تطرق إلى أساليب التعذيب في أقبية السجون السورية، قبل الثورة وبعدها، حيث تحول التعذيب إلى هدف بحد ذاته للتصفية الجسدية، وما صور قيصر (50 ألف صورة لـ 11 ألف جثة ممن قتلهم نظام الأسد تحت التعذيب) إلا “مثال لهذه الفظاعة والبشاعة والبربرية والهمجية التي تعامل بها النظام السوري مع شعبه”.

أضاف درويش: “لا يوجد لدينا إحصاءات دقيقة حول أعداد المعتقلين والمخطوفين والمفقودين في سورية، وستبقى هذه الكارثة ترافقنا في السنوات القادمة، إلا أننا استطعنا جمع أدلة وبراهين تُخوّلنا المطالبة بتقديم بعض أركان النظام السوري، وأمراء الحرب من النظام والجماعات المسلحة المعارضة، إلى العدالة والقضاء في المحافل الدولية، وتعرية الدور البشع الذي قاموا وساهموا به في تغييب واختفاء الآلاف من السوريين، في هذا الصراع الدموي التي تشهده سورية، ولدينا كذلك أدلة واضحة حول عمليات الإخفاء القسري في المناطق التي سيطرت عليها (داعش) وأماكن المقابر الجماعية.

يعدّ ملف المعتقلين جرحًا نازفًا في الوعي السوري، يجب معالجته، لأنه يُشكل فتيلًا لإشعال حرب جديدة مستقبلًا، كما يجب معالجة جرائم الحرب وعمليات التنكيل والإرهاب والتغييب القسري، وكل أشكال التعذيب، وإن تقاعَس السوريون عن ذلك؛ فإنهم -برأي درويش- “يُساهمون بشكل غير مباشر في التمهيد لحرب أهلية داخلية جديدة قائمة على أساس الانتقام، فكارثة المعتقلين والمفقودين والمخطوفين كارثة وطنية بكل معنى الكلمة، تمس كل بيت سوري وكل عائلة وكل منطقة سورية، وعلى الرغم من أن التعذيب والاختفاء القسري ليسا جديدين، فإن استخدامها بعد عام 2011، كأسلوب للتصفية الجسدية والعقاب، يجعلنا نحمل هذا الملف ليبقى ضمن الأولويات الوطنية، هذا ليس واجبًا وطنيًا وسياسيًا فحسب، بل واجب أخلاقي أيضًا، ولو امتلك النظام ذرة من الشعور بالمصلحة الوطنية السورية؛ ما كنا لنصل إلى هذه المرحلة الكارثية، وما ينطبق على النظام ينطبق على بعض الجماعات المسلحة وعلى القوى الإسلامية المتطرفة”.

كذلك، رأى الناشط الحقوقي السوري أن من يُدير عملية التفاوض اليوم هم أمراء هذه الحرب التابعين لأجندات إقليمية ودولية، وجمعيهم غير معنيين في إثارة ومعالجة هذا الملف، لأن يد العقاب والعدالة ستطالهم، وقال إن الحلول التي تُطرح الآن تُعبّر عن مصالح الأطراف المتصارعة وأمراء الحرب في سورية، ولا تُعبّر عن مصالح المواطن السوري أو المجتمع المدني عمومًا، وهذا هو السبب الأهم الذي يقف وراء عدم معالجة القضايا الإنسانية التي تمس قضايا المواطن السوري العادي، ومن غير الممكن التوصل إلى حل سياسي سوري قابل للاستمرار وللحياة، أو الوصول إلى سلام مجتمعي، من دون محاسبة من ارتكب جرائم حرب، ودون انتقال ديمقراطي حقيقي، والتقدم في مسار العدالة للوصول إلى المصالحة الوطنية.

من جهته، استهل نزار ايوب مداخلته بتسليط الضوء على دور الجماعات المسلحة في اعتقال واختطاف وإخفاء الناشطين السلميين، فكل أولئك، الذين لم يصل إليهم النظام الأمني في سورية، كان مصيرهم الاعتقال والتغييب، كما حدث مع رزان زيتونة وفريق عملها (وائل حمادة، سميرة خليل، وناظم حمادي)، وتمت ممارسة الاختطاف والتعذيب وعمليات الإعدام بإجراءات موجزة، من خلال “محاكم شرعية” تم إنشائها على عجل، استهدفت الصحفيين والناشطين الإعلاميين والمحامين والناشطين السياسيين.

وأضاف: “كان للنزاع الدائر في سورية تبعاته المدمرة على المدنيين، وكانت قوات أمن النظام مسؤولة عن ارتكاب غالبية الانتهاكات ومن ضمن ذلك جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وعرّضت عشرات الآلاف للاحتجاز التعسفي والتعذيب وغير ذلك، من ضروب المعاملة السيئة والإخفاء القسري، وساهمت الانتهاكات التي ترتكبها الجماعات المسلحة من غير الدولة في تفاقم معاناة المدنيين، حيث ارتكبت الجماعات المسلحة المعارضة انتهاكات خطيرة للقانون الإنساني الدولي، ومن ذلك ارتكاب الاختطاف والتعذيب والقتل بإجراءات موجزة، وما زالت العدالة بعيدة المنال حتى الساعة بالنسبة إلى مئات آلاف الضحايا، لا سيما مع عدم محاسبة الحكومة السورية أو الجماعات المسلحة على ما ترتكبه من جرائم”.

وتابع: “لقد احتفى سكان المناطق التي سيطرت عليها الجماعات المسلحة بادئ الأمر، بانتهاء حكم النظام في تلك المناطق، وحداهم الأمل بأن تفرض الجماعات المسلحة سيادة القانون فيها، ولكن سرعان ما تبددت تلك الآمال مع قيام الجماعات المنظمة ببسط سيطرتها عن طريق السلاح وفرض النظام على طريقتها الخاصة. إلا أن تلك الجماعات متورطة جنائيًا في عمليات القتل والتعذيب، وكان واضحًا ان النظام الفاشي في سورية كان يعتقل التقدميين والناشطين السلميين ويعذبهم ويعتقلهم، وفي الوقت ذاته يفرج عن القادة الإرهابين من القوى المتطرفة من سجونه، في فرع فلسطين وسجن عدرا”.

أضاف أيوب: “كان هناك نوع من رفض الاعتراف، من قبل المعارضة السياسية الرسمية، بالجرائم التي ارتكبتها الجماعات المسلحة في مناطق سيطرتها، تحديدًا تلك التي استأثرت بالثورة وقيمها الديمقراطية، واحتكرت المساعدات والدعم الإنساني”. وخلص إلى القول: “بحكم التشوهات العميقة في بنية القضاء الرسمي السوري التابع للنظام، ولكونه تابعًا وغير نزيه، فضلًا عن عدم أهلية القضاة للنظر في الجرائم الخطرة والبت فيها؛ فإنه يتعين على الدول جميعها إعمال مبدأ الولاية القضائية العالمية، والبدء في البحث عن المتهمين في ارتكاب هذه الجرائم في سورية، أيًا تكن جنسيتهم، وملاحقتهم والقبض عليهم، ومحاكمتهم أمام محاكمها الوطنية.