تحليل سياسي

محددات العلاقات الروسية – الصينية وتجلياتها في الشرق الأوسط

 

المحتويات

أولًا: مقدمة

ثانيًا: أهم المصالح التي تحكم العلاقات

ثالثًا: التحديات التي تواجه العلاقات

رابعًا: مكانة السياسات الأميركية في تطور العلاقات الروسية – الصينية

خامسًا: تجليات العلاقات الروسية – الصينية في الشرق الأوسط

سادسًا: تجليات العلاقات في سورية

سابعًا: السيناريوهات المتوقعة لمستقبل العلاقات الروسية – الصينية

ثامنًا: خاتمة

 

 

 

أولًا: مقدمة

شهدت العلاقات الروسية – الصينية تقدمًا ملحوظًا في العقدين الماضيين، وباتت مواقف الدولتين أكثر تقاربًا في ملفات عديدة، وقد ازداد التعاون الاقتصادي بينهما، سواء أكان على المستوى الثنائي أو في الأطر الإقليمية والدولية التي ينتميان إليها، إضافة إلى المناورات العسكرية المشتركة بين جيشيهما، والزيارات المتبادلة بين قادة البلدين، ومشروعات الصناعات العسكرية بينهما، وعقد الغاز (400 مليار دولار) الذي وقعه زعيما البلدين في بكين عام 2015.

لكن للدولتين أولويات استراتيجية مختلفة: روسيا تواجه ضغطًا غربيًا/ أطلسيًا على جبهتها الغربية وفي الشرق الأوسط، في حين تواجه الصين تحديًا أميركيًا في بحر الصين الجنوبي. وعليه، فإنهما لا تشعران أنهما مُلزمتان بالتنسيق الكامل حول القضايا الدولية الرئيسة، ولكنّ كلًا منهما تتجنب أي مبادرة تُعيق استراتيجية الدولة الأخرى.

 

ثانيًا: أهم المصالح التي تحكم العلاقات

يتشارك البلدان في كثير من القضايا والمصالح، ولا سيما دعوتهما إلى إنهاء الأحادية القطبية في النظام الدولي، ورفضهما التدخل في شؤون أي دولة باسم “التدخل الإنساني”، كونهما نظامين مستبدين يتخوفان من تدخل الديمقراطيات حولهما، بما يُهدد نظاميهما، وتشاركهما في منظمتين اقتصاديتين مهمتين: (البريكس) و(شانغهاي)، إضافة إلى التعاون الاقتصادي الثنائي، خاصة في مجالي موارد الطاقة والسلاح، حيث تستحوذ الصين على 45 في المئة من صادرات السلاح الروسي.

وباعتبار منطقة آسيا الوسطى تنطوي على مخاطر تهدد البلدين: أمن واستقرار منطقة غرب الصين (أزمة الإيغور في مقاطعة سيكيانغ)، ومنطقة جنوب روسيا، فإنهما تركزان على ضبط الأمن والاستقرار في المنطقة، كما أن منطقة شمال غرب الباسيفيك (تضم اليابان وكوريا الجنوبية وكوريا الشمالية) تؤثر في أمن مناطق شرق روسيا، ومناطق شرق الصين، ما يفرض عليهما التنسيق بينهما.

بعد ضم القرم عام 2014، وما تبعه من عقوبات غربية، وسّعت روسيا علاقاتها مع الصين، في مجالي الطاقة والسلاح، حيث وافقت -بعد تردد لسنوات خلت- على بيع أنظمة الصواريخ المضادة للطائرات من طراز (إس 400) وطائرات من طراز (سوخوي 35) للجيش الصيني. أما في مجال الطاقة، فقد جرى توقيع اتفاقية تقضي بتوريد 38 مليار طن سنويًا من الغاز الروسي لمدة 30 عامًا، حيث من المقرر تشغيل خط نقل الغاز الروسي للصين “قوة سيبيريا” ابتداءً من أيار/ مايو 2019.

من جهة أخرى، أجرى البلدان مناورات بحرية عسكرية عديدة: عام 2015 في شرق البحر الأبيض المتوسط على مقربة من سورية، وفي عام 2016 في بحر الصين الجنوبي، وفي عام 2017 في بحر البلطيق، المسرح الرئيس للمواجهة العسكرية بين روسيا والحلف الأطلسي. وهكذا، يمكن القول إن العلاقات الروسية – الصينية ستستمر في توجهاتها القائمة، طالما استمرت المصالح المشتركة والإرادة السياسية لدى قيادة البلدين، بما يمكّنهما من احتواء خلافاتهما والتحديات التي ستواجههما.

 

ثالثًا: التحديات التي تواجه العلاقات

ثمة هوة بين التوقعات والوقائع في العلاقات الروسية – الصينية، إذ إن التعاون بينهما، المعتمد على تصدير روسيا للنفط والغاز والسلاح للصين واستيراد السلع الصينية المصنّعة، يواجه بعض التخوفات الروسية، تحسبًا لظهور مشكلات مستقبلية بين البلدين، حيث التنافس بينهما شديد في آسيا الوسطى ومنطقة الشرق الأقصى الروسي. إضافة إلى التخوف من تحوّل روسيا إلى بلد مصدر للموارد الطبيعية، في حين أن الاستثمارات الصينية في الاقتصاد الروسي لا تتجاوز 3 في المئة من إجمالي الاستثمارات الأجنبية في روسيا.

في آسيا الوسطى لا ينظر الروس بعين الرضى إلى الهيمنة الاقتصادية الصينية، من خلال مشروعهم “طريق الحرير/ الحزام الاقتصادي” الأرو–آسيوي، وهو مشروع ضخم لشق طرق ومدّ سكك حديد وخطوط نفط وغاز، وغيرها من البنى التحتية في آسيا الوسطى. وفي سيبيريا، ثمة مشكلة ديموغرافية (13.1 مليون كلم2، يقطنها 39 مليون روسي مقابل 100 مليون صيني)، حيث تطمع الصين بالمواد الأولية الموجودة هناك، وتشجع ملايين الأيدي العاملة الصينية على الهجرة إليها. لدرجة أنه يصحُّ القول إن سيبيريا هي “الأرض الصينية الجديدة”، خاصة أن اليد العاملة الصينية رخيصة ووفيرة، وتمتلك تكنولوجيا وخبرات. وفي المنطقة القطبية الشمالية يصف الباحثون الصينيون بلدهم بأنه “دولة مجاورة للمنطقة القطبية الشمالية”، ومن ثمّ، فإن للصين مطالب هناك، على الرغم من عدم ملامسة حدودها لهذه المنطقة (روسيا، أميركا، كندا، الدانمارك، فنلندا، أيسلندا، النرويج، السويد). وفي العام 2013 حصلت كل من الصين والهند على وضعية مراقب دائم في المجلس القطبي الشمالي، حيث تطالب الصين بخمس الثروات الطبيعية الموجودة هناك بما يتناسب مع نسبة ديموغرافيتها في العالم.

في ما يتعلق بكوريا الشمالية، تتبنى الصين موقفًا قائمًا على جعل شبه الجزيرة الكورية خالية من أسلحة الدمار الشامل، بما ينطوي عليه ذلك من رفض امتلاك كوريا الشمالية أسلحة نووية، وتدعو إلى استئناف اجتماعات اللجنة السداسية (اليابان، أميركا، الصين، روسيا، الكوريتان). وقد ورد في بيان أصدرته وزارة الخارجية الصينية، في 7 كانون الأول/ ديسمبر 2018 “لا يزال الوضع الدولي والإقليمي، والوضع في شبه الجزيرة الكورية، في حالة تغيّر مستمر، لذلك يعتبر التواصل -في الوقت المناسب- وتنسيق المواقف بين الصين وكوريا الشمالية، مهمًا جدًا”. أما روسيا، فإنها تكتفي بموقف الدفع نحو إجراء مفاوضات ضمن اللجنة السداسية، أو مفاوضات مباشرة مع واشنطن.

يبدو أنه مهما تقاربت المواقف السياسية للبلدين ضد السياسات الغربية، فإنهما يحرصان على علاقاتهما التقليدية مع الغرب؛ فروسيا لا تستطيع الاستغناء عن السوق الأوروبية، والصين لا يمكنها التخلّي عن علاقاتها التجارية مع أميركا. حيث تبدو شبكة المصالح الصينية في أميركا واضحة، على الرغم من توتر العلاقات حاليًا، فيما تهتز علاقات موسكو بواشنطن لاعتبارات عديدة.

 

رابعًا: مكانة السياسات الأميركية في تطور العلاقات الروسية – الصينية

يُشكّل التقارب الروسي-الصيني قلقًا لدى أوساط غربية عديدة، وفي مقدّمها الولايات المتحدة الأميركية، خاصة أن العلاقات بين البلدين تجاوزت حدّ التفاهم السياسي والتعاون الاقتصادي، ووصلت إلى مستوى التعاون العسكري، الذي يشبهه بعض الغربيين بأنه “تحالف خفي”، بل إنهما يسعيان لإنشاء مناطق نفوذ خاصة بهما في مناطق عديدة: جورجيا وأوكرانيا وسورية بالنسبة إلى روسيا، والبحر الجنوبي بالنسبة إلى الصين، كما أنهما أعلنتا عن مشاريع مشتركة لإدماج الكتلة الأورو–آسيوية الروسية مع مبادرة طريق الحرير الصينية، ما يثير حفيظة القوى الغربية؛ فقد تابع الخبراء الأميركيون المناورات العسكرية لهما في البحر المتوسط واقترابهما من منطقة الخليج العربي، واتجاه مصر للسماح لروسيا باستعمال أجوائها، واحتمال منح السودان قاعدة عسكرية لموسكو، إضافة إلى الوجود الصيني في المنطقة القريبة من البحر الأحمر عبر قاعدة جيبوتي، التي أقامتها في عام 2016.

في الواقع، تمثل السياسات الأميركية تهديدًا للبلدين منذ نهاية الحرب الباردة، حيث فرضت النظام الدولي أحادي القطبية، ما دفعهما باتجاه التنسيق الأمني، أو ما يمكن أن نسميه “زواج المصلحة”، خاصة مع تصعيد إدارة الرئيس ترامب للسياسات العدائية تجاههما على المستويات السياسية والاقتصادية والأمنية، وفق استراتيجية الدفاع الوطني لعام 2018، حيث قال وزير الدفاع جيمس ماتيس خلال إطلاق هذه الوثيقة “إن تنافس القوى العظمى هو محل التركيز الرئيس للأمن الوطني الأميركي وليس الإرهاب”. وكان فشل اللقاءات بين ترامب وبوتين سببًا مباشرًا في قرار موسكو بدعم تحالفها مع بكين، الذي وصل إلى مرحلة “التفاهم الجدي”، الذي يعني تنسيقًا عالي المستوى على الصعد السياسية والاقتصادية والأمنية.

 

خامسًا: تجليات العلاقات الروسية – الصينية في الشرق الأوسط

قبيل التدخل الروسي المعلن في سورية، في أيلول/ سبتمبر 2015، أجرت البحريتان الروسية والصينية أول مناورات مشتركة في البحر الأبيض المتوسط، في 11 أيار/ مايو 2015، شكلت مؤشرًا على تنامي الروابط الدفاعية بين البلدين، ومحاولتهما مد نفوذهما إلى منطقة الشرق الأوسط. وإذا كان للروس نفوذ سابق، فإن الصينيين حديثو العهد في المجال الأوسطي والمتوسطي، بعد أن تعاظمت مصالحهم الاقتصادية في المنطقة، خاصة ضمان أمن خطوط الملاحة لتجارتهم.

ثمة مؤشرات عديدة تؤكد أن روسيا تعود بقوة إلى منطقة الشرق الأوسط، لتصبح منافسًا للولايات المتحدة الأميركية. حيث أنشأت علاقة صداقة قوية مع “إسرائيل” (زار بنيامين نيتانياهو موسكو 4 مرات وتحدث إلى بوتين 11 مرة هذا العام)، إضافة إلى علاقة الشراكة الاستراتيجية مع مصر (زار الرئيس المصري موسكو 4 مرات). كما ترتبط بعلاقات وثيقة مع معظم القوى الإقليمية في الشرق الأوسط، بما في ذلك تركيا وإيران.

وإذا كانت روسيا تعود إلى الشرق الأوسط بنية مناكفة الأميركيين، توهمًا منها في انحدار نفوذ وقوة أميركا، فإنها -في الوقت نفسه– تُحاول استباق وصول الصينيين عن “طريق الحرير” و”طريق الحزام”، لمساومتهم على المصالح والنفوذ؛ ففي إطار خطة الطريقين الطموحة لربط آسيا وأفريقيا وأوروبا، بشبكة طرق برية وبحرية من أجل توسيع تجارتها، إضافة إلى حاجتها إلى حماية أمن الطاقة، خاصة بعد “الاضطرابات” التي آلت إليها ثورات الربيع العربي والخلافات بين محاور المنطقة، تسعى الصين لتوثيق روابطها في الشرق الأوسط، بعدما أثير قلقها على مصالحها، بحسب تعبير مستشار منطقة غرب آسيا وشمال أفريقيا في وزارة الخارجية الصينية شياو جيونتشنغ.

تطمح الصين، ذلك العملاق الاقتصادي وصاحبة القوة العسكرية الضخمة المتنامية بسرعة كبيرة في الشرق الأوسط، إلى تحقيق هدفين رئيسين: ضمان واردات الطاقة، والأسواق للسلع والاستثمارات الصينية، لكنها لا تزال تخطو بحذر في ترجمة قدراتها الاقتصادية والعسكرية إلى دور استراتيجي، يتناسب مع هذه القوة على الساحة الدولية. ولكن قدرتها المحدودة على التأثير في سياسات الشرق الأوسط، بما فيها تحولات المسألة السورية، ترتبط بدوافع ومحددات سياستها الخارجية تجاه المنطقة من جهة، وعلى المستوى الدولي من جهة أخرى، حيث لا تزال تركز طاقاتها على المضي قدمًا في تعزيز قدراتها، خاصة التوسع الاقتصادي في الأسواق العالمية، وتركيز وجودها الاستراتيجي الفاعل في منطقة شرق وجنوب شرق آسيا، وحدودها المباشرة مع الهند، المنافس الصاعد، إضافة إلى حدودها الغربية مع آسيا الوسطى “كازاخستان، وقيرغيزستان، وطاجيكسان”.

 

سادسًا: تجليات العلاقات في سورية

تدرك روسيا والصين أهمية الموقع الجيو-استراتيجي لسورية كبوابة للشرق الأوسط، ومفتاح “بيت روسيا” (بحسب كاترين الثانية)، وأول “طريق الحرير” (بحسب استراتيجية الصين). ومع الدخول العسكري الروسي المباشر على خط المسألة السورية في أيلول/ سبتمبر 2015، بعد الدخول السياسي والديبلوماسي منذ بداية الثورة السورية في آذار/ مارس 2011، ومع محاولة روسيا مصادرة الحل لمصلحة رؤيتها في إعادة تأهيل نظام بشار الأسد، ما موقف الصين من تطورات المسألة؟ وهل تبقى على الحياد السلبي؟

رفضت الصين، منذ بداية الثورة السورية، التدخل الخارجي في الشؤون الداخلية السورية، ورأت أن لا حل عسكريًا للأزمة، ورأت أن الحل سياسي، بحسب ما قاله السفير الصيني في دمشق “الصين ستستمر في أداء دور إيجابي لدعم العملية السياسية في سورية”. وبعد التدخل العسكري الروسي المباشر، طورت الصين موقفها، حيث جاء في خطاب الرئيس الصيني في جامعة الدول العربية، خلال زيارته لمصر في نيسان/ أبريل 2016 “إن الوضع في سورية غير قابل للاستمرار، فلا رابح في الصراع، والشعب هو المتضرر الأول والأخير، وإن الأولوية الملحة هي وقف إطلاق النار، والطريق الأساسي لها هو الحوار السياسي، تزامنًا مع إطلاق أعمال الإغاثة الإنسانية”.

وقد بدت الرؤية الصينية للحل السياسي واضحة في أثناء زيارة وزير خارجية نظام بشار الأسد، من 24 – 26 كانون الأول/ ديسمبر 2015، حيث صرّح وزير الخارجية الصيني “الشعب السوري هو الذي يجب أن يقرر مستقبل سورية ونظامها الوطني، بما في ذلك قيادتها”. بل إنه لم يرَ في مطالب الشعب السوري إلا “الإرهاب”، حيث قال “كل جهود مكافحة الإرهاب يجب أن تلقى الاحترام والدعم”، بما يتوافق مع الرؤية المعلنة لروسيا وإيران ونظام بشار الأسد.

هذه الرؤية الصينية للمسألة السورية نابعة من الطبيعة التسلطية لنموذج الحكم الصيني، إضافة إلى أن سورية نقطة ارتكاز مهمة في المشروع الصيني المستقبلي، للتوسع في مناطق مصادر الطاقة (اكتشافات الغاز في الساحل السوري)، وبوابة مهمة لنقل البضائع الصينية، المصنّعة في سورية في الشركات الصينية في منطقة عدرا، إلى أوروبا. وهنا يلاحظ تطابق المواقف والمصالح الروسية والصينية، التي ظهرت جليّة في استخدام الفيتو في مجلس الأمن الدولي أكثر من مرة، خاصة في حربهما الصامتة ضد الولايات المتحدة الأميركية.

تُراقب الصين تطوّر الأوضاع في سورية، بكل تفاصيلها السياسية والميدانية، ولكنها لم تتموضع بعد في الحلف الروسي–الإيراني مع نظام بشار الأسد، وبالتأكيد ليس مع الحلف الغربي الذي يطرح عملية الانتقال السياسي، وهي تتريث ريثما يتكشّف غبار الصراع الإقليمي والدولي على سورية، بهدف تأكيد حضورها في منطقة مهمة استراتيجيًا لمستقبل مصالحها وخططها. وكان لافتًا للنظر ما قاله وزير الخارجية الصيني فانغ تشي، في 1 كانون الأول/ ديسمبر 2018، خلال اجتماع مجلس الأمن الدولي “لا يمكن للعالم أن يسمح لنفسه بأن يبقى متفرجًا أو مكتوف الأيدي تجاه ما يجري في سورية، ويجب عليه ألا يتصرف بطريقة غير منطقية تجاه ما يجري من أحداث تضرب الإنسانية في الصميم”، وينطوي هذا التصريح على عدة أبعاد: أولها، المخاوف الصينية المتزايدة من نشاط الجماعات الإسلامية المتطرفة، التي بدأت تظهر في المناطق الصينية المسلمة، ولها امتدادات في سورية (الجهاديون الصينيون). وثانيها، إمكانية التدخل المباشر في سورية، والاقتراب مع روسيا وإيران في مقاربتهما للمسألة السورية. وثالثها، ترك الباب مفتوحًا لاحتمالات تطور الأوضاع.

لا شك أن أكثر ما تهتم به الصين هو تأثير “الجهادية الإسلامية”، خاصة بعد تجنيد عناصر من الإيغور المنتمين إلى الحركة الانفصالية في إقليم سنكيانغ الصيني، وتدريبهم ومشاركتهم في القتال مع المجموعات المتطرفة الأخرى في سورية. ومن هنا يمكن فهم مغزى تعيين الصين تشي شياويان، السفير السابق في إيران وأثيوبيا ولدى الاتحاد الأفريقي، مبعوثًا خاصًا في سورية، ما يشير إلى انخراط صيني مباشر في المسألة السورية.

يبدو واضحًا أن الصين لا ترى مصلحة في ترك سورية للقوى الإقليمية والدولية الأخرى، وإنما الانخراط لضمان مصالحها على طاولة التفاوض، بعد أن شعرت باقتراب الحل. ولكن سبقتها روسيا، التي انخرطت بشكل مباشر في سورية، بفضل دعمها العسكري والاقتصادي والسياسي لنظام بشار الأسد، والضغط على المعارضة السورية وتشتيت قواها، من خلال أستانا وسوتشي وتعدد منصاتها، بما مكّنها من انتزاع زمام المبادرة الاستراتيجية، وضمنت لنفسها دورًا مؤثرًا في مستقبل سورية.

لا تملك الصين أوراقًا تُمكّنها من أداء دور بارز في المسألة السورية، لكنّ دورها في التسوية السياسية سيبقى خلف الدور الروسي كداعم له. ويبدو أن كليهما يحرصان على إعادة تأهيل نظام بشار الأسد، ما يضعهما في موقع العداء لطموحات الشعب السوري المتمثلة في الانتقال من الاستبداد إلى الديمقراطية.

 

سابعًا: السيناريوهات المتوقعة لمستقبل العلاقات الروسية – الصينية

يقول المبدأ الاستراتيجي لوزير الخارجية الأميركي الأسبق هنري كيسنجر إنه يجب على واشنطن أن تنظم علاقاتها بالخصمين، الصيني والروسي، على أساس أن تكون خياراتها تجاههما أعظم دائمًا من خياراتهما تجاه بعضهما بعضًا. وبحسب هذا المبدأ، إضافة إلى حاجات روسيا والصين إلى التكنولوجيا الغربية، يمكن أن نستشرف:

السيناريو الأول: إذا استمرت إدارة ترامب في تجاوز مبدأ كيسنجر، فإن البلدين يتجهان نحو تعميق تحالفهما، بشكل حذر ومشروط، يعتمد أساسًا على المصالح الاقتصادية، مع الأخذ في الحسبان استقلالية القرار السياسي لكلا الدولتين، والإبقاء على الأبواب مفتوحة للولايات المتحدة الأميركية والاتحاد الأوروبي.

السيناريو الثاني: يبدو أن الماضي، المفعم بالصراعات بين روسيا والصين، يقف أمام إمكانية حدوث تحالف استراتيجي قوي بين الدولتين، بعد وضوح التنافس بينهما في آسيا الوسطى وسيبيريا، على نحو يلغّم أي تحالف مستقبلي بينهما. وربما يعود الأمر إلى الصين، التي لا تريد أن تدخل مع أي طرف في تحالف يكبّلها بالتزامات، لأنها تبحث عن شراكات استراتيجية، اقتصادية خاصة.

على الرغم من التقارب الكبير بين روسيا والصين، فإنه يمكن الحديث عن “شراكة موقّتة”، وليس عن تحالف استراتيجي حقيقي بينهما، لاعتبارات عديدة منها أن جفاء روسيا مع جيرانها الأوروبيين سيكون موقّتًا، من منطلق أن ما يربط بينهما أكثر مما يُفرّق، ويبدو ذلك واضحًا من خلال عودة الدفء الروسي–الألماني، من أجل مواجهة الابتزاز الأميركي لأوروبا وروسيا في آن واحد، وفي المقابل، فإن للصين حساباتها، فهي لن تعمل على كسب ودّ روسيا وخسارة الغرب، بل تعمل على الكسب من الطرفين.

 

ثامنًا: خاتمة

يمكن توصيف العلاقات الروسية – الصينية بأنها علاقات بين نظامي حكم براغماتيين، يُحاولان استخدام تحالفهما ورقة لإرغام الغرب على الاستماع إليهما باهتمام، أي نحن إزاء مصائر مشتركة، أكثر مما نحن إزاء تحالف استراتيجي، ما يُشير إلى مجرد “زواج مصلحة”، أو نموذج لسلطوية جديدة تهدف إلى تحدي الأحادية القطبية الأميركية.

وفي الشأن السوري، ووفق كل ما سبق، من الواضح أن الصين -بسبب براغماتيتها- لا يعنيها كثيرًا من الذي سيحكم سورية، ولا مستوى الشمولية أو الديمقراطية الذي سيُفرض على البلاد، بقدر اهتمامها بضمان حصتها في المشاركة لاستعادة الاقتصاد السوري وإعادة البناء، وهي في الغالب ترسم استراتيجياتها السورية من هذه المنطلقات.

شارك هذا المقال

قم بالتسجيل لتلقي النشرة الدورية