تحليل سياسي

محنة اللاجئين السوريين في “البازار” السياسي

 

المحتويات

أولًا: مقدمة

ثانيًا: جغرافيا النزوح واللجوء

النزوح الداخلي

اللجوء الخارجي

ثالثًا: تكيّف النازحين واللاجئين

في الداخل

في الخارج

رابعًا: اللاجئون في البازار السياسي

خامسًا: مصير اللاجئين السوريين

سادسًا: خاتمة

 

 

 

أولًا: مقدمة

عرّفت الاتفاقية الخاصة باللاجئين، الصادرة عن هيئة الأمم المتحدة عام 1951، اللاجئَ بأنّه الشخص الموجود خارج بلد إقامته المعتادة بسبب خوف مبرَّر، اجتماعي أو ديني أو سياسي، ولا يريد العودة إلى بلده خشية التعرُّض للاضطهاد، ونظرًا إلى أنّ الحكومة المعنيّة عاجزة أو غير راغبة بالقيام بواجباتها، فإنّ المجتمع الدولي سوف يضطّلع بهذا الدور.

وقّعت على هذه الاتفاقية 139 دولة، وهي مُلزمة بتنفيذ أحكامها تحت رقابة المفوضية العليا لشؤون اللاجئين، من أجل ضمان منح اللاجئين الصادقين اللجوء وعدم إرغامهم على العودة إلى بلدانٍ قد تتعرض فيها حياتهم للخطر، ومساعدتهم على البدء مجدّدًا من خلال العودة إلى بلدانهم، إن كان ذلك ممكنًا، أو إعادة توطينهم في البلدان المضيفة أو في بلدان ثالثة.

أين يقع اللاجئون السوريون من هذه الاتفاقية في ضوء محاولات بعض الدول التلاعب بهذا الموضوع واستغلاله لخدمة مشاريعها السياسية، ما قد يعرّض حياة اللاجئين للخطر، ويضيف محنةً أخرى إلى مأساتهم المستمرة منذ ثمانية أعوام؟

 

ثانيًا: جغرافيا النزوح واللجوء

وصل عدد المُهجّرين السوريين إلى ما يقرب من 13 مليونًا؛ أي ما يعادل 60 في المئة من السكان (معهد “بيو” للأبحاث، عن موقع “تلفزيون الحرة”، هكذا يتوزع اللاجئون السوريون في الخارج، 31 كانون الثاني/ يناير 2018)، وهي أكبر نسبة نزوح وتهجير شهدتها دولة في العقود الأخيرة، نزح نصف هؤلاء في الداخل وتغيّرت أعدادهم من وقت إلى آخر، تبعًا لديناميات الصراع، فيما لجأ النصف الآخر إلى الخارج، إلى بلدانٍ مجاورة أو بعيدة.

 

النزوح الداخلي

لم يحظَ النزوح الداخلي بالتغطية الإعلامية الملائمة كما هي الحال بالنسبة للجوء الخارجي، وكان الهاجس الأساس للهاربين بصمتٍ من الموت في الداخل هو المحافظة على الحياة، ولا سيما أن النزوح كان أساسًا إلى المناطق التي لم تصل إليها الحرب، والتي هي في الغالب الأعمّ تحت سيطرة النظام، ومن ثمّ كان ثمة استبدال لخوفٍ بخوف، وأحيانًا كان النزوح إلى المناطق التي تُسيطر عليها المعارضة على الرغم من المخاطر التي تحيط بها كحلّ أفضل من البقاء تحت رحمة النظام، ولم يخفّف من معاناة النزوج الداخلي قليلًا سوى احتضان المجتمعات الأهلية للنازحين وتوفير الحدّ الأدنى من سبل العيش لهم، قبل أن تبدأ بعض المساعدات الأممية بالتدفق منذ بداية عام 2013.

على العموم، كان النازحون في الداخل من الفئات الشعبية الأكثر فقرًا، وعاش معظمهم في مراكز إيواء موقّتة كالمدارس والمنشآت العامة، التي وفرها المجتمع المحلي لهم، وبلغ عددها 3400 مركز عام 2017. واضطر النازحون، في حالات كثيرة، إلى الهرب أو الانتقال من منطقة إلى أخرى، تبعًا لامتداد المعارك أو انحسارها.

يعيش المهجّرون في نوع من العزلة في مخيمات تتركّز في المناطق الشمالية والجنوبية من سورية، منشغلين في تأمين حاجاتهم الملحّة يومًا بيوم، ويخضعون لإرادات الجماعات/ الجهات المسلحة المسيطرة في مناطق وجودهم، سواء أكانت تابعة للنظام أو المعارضة، وكان الأمر المشترك في مراكز النزوح والمخيمات هو انعدام أو قلّة الخصوصية العائلية والفردية؛ بسبب اضطرار العائلات إلى السكن المشترك في مكان واحد واستخدام المرافق ذاتها في معظم الحالات.

 

اللجوء الخارجي

تعددت دوافع اللجوء إلى دول الجوار منذ عام 2011، فكان الهروب من نيران المعارك، أو من حرب النظام التي لم تُميّز بين مدنيين عسكريين، أو بسبب عسف الأجهزة الأمنية، أو هربًا من بعض الجماعات الإسلامية المتطرفة، أو تهربًا من القتال إلى جانب هذه الجهة أو تلك، أو أحيانًا بسبب الأوضاع المعيشية السيئة.

تركيا: شهدت تركيا حركة نزوح واسعة للسوريين بعد مواجهة التظاهرات بالقمع عام 2011، وسمحت السلطات التركية بعبور أفواج اللاجئين عبر الحدود الطويلة المشتركة حتى أواخر عام 2015، حين فرضت على السوريين الحصول على تأشيرات للدخول إلى أراضيها.

في آخر إحصاء لوزارة الداخلية التركية في 2018، بلغ عدد اللاجئين السوريين في تركيا ثلاثة ملايين و424 ألفًا، ويعيش معظمهم في المدن والبلدات التركية، إذ يقطن في مدينة إسطنبول وحدها أكثر من نصف مليون لاجئ، تليها شانلي أورفة وولاية هاتاي وغازي عنتاب ومرسين وأضنة، بمعدلات متناقصة تبدأ من حوالي نصف مليون إلى حوالي مئة ألف، وتحتوي مدن بورصا وكلّس وأزمير وقونيا على أعداد أقلّ من اللاجئين. أما اللاجئون القاطنون في المخيمات التي أقامتها تركيا قرب حدودها مع سورية، فيربو عددهم على 200 ألف بحسب مصدر الإحصاءات ذاته. معظم اللاجئين دون الثلاثين سنة من العمر.

لكن، منذ عام 2015، أعادت تركيا الداخلين إلى أراضيها بصورة غير شرعية إلى الأراضي السورية، ووقع جرحى وضحايا نتيجة لإطلاق قوات حرس الحدود التركية النار على المتسلّلين عبر حدود محافظة إدلب. كما اضطر الفارون من الهجوم الروسي-السوري أواخر العام 2017 إلى الالتحاق بالمخيمات قرب الحدود التركية، ولم تفلح مناشدة الأوروبيين للسماح لهم بدخول الأراضي التركية، وذلك وفقًا لما أوردته منظمة (مراقبة حقوق الإنسان/ هيومن رايت ووتش) في حينه.

ارتبطت هذه الإجراءات التركية، جزئيًا على الأقل، بالاتفاق التركي – الأوروبي للحدّ من تدفق اللاجئين إلى أوروبا، والذي تمّ توقيعه في شهر آذار/ مارس 2016. كما تحول اللاجئون السوريون إلى مادة دسمة في الانتخابات الرئاسية التركية في شهر حزيران/ يونيو 2018؛ بسبب التجاذبات الحاصلة بين المرشحين وتهديد بعضهم بترحيل اللاجئين. وبحسب دائرة الهجرة التركية، فقد بلغ عدد الولادات بين اللاجئين في تركيا نحو 276 ألفًا بين عامي 2011 و2017.

لبنان: بدوره، أغلق لبنان باب الدخول أمام اللاجئين السوريين منذ عام 2015، وأشارت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين عام 2018 إلى انخفاض أعداد المسجلين منهم للمرة الأولى، منذ عام 2014، إلى أقل من مليون، وذلك نتيجة لشحّ المساعدات الأممية، ما دفع بعضهم للهجرة إلى بلدان أخرى، فيما عاد القليل منهم إلى سورية. يعيش نحو 60 في المئة من مجموع اللاجئين السوريين، البالغ عددهم نحو المليون والنصف، في فقرٍ، وبأقل من 3 دولارات يوميًا للشخص الواحد (سكوت كريغ، المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في لبنان نقلًا عن موقع الجزيرة).

الأردن: مع أن الأردن ليس من الدول الموقعة على اتفاقية اللاجئين في عام 1951، فإنّ ثمة تفاهمًا بين الحكومة الأردنية والمفوضية الأممية من أجل رعاية اللاجئين السوريين على أرضه، والذين يقدَّر عددهم بنحو المليون ونصف المليون لاجئ، لكنّ العدد المسجل من اللاجئين لا يتجاوز نصف هذا العدد، وانضمّ إليهم 100 ألف من الأطفال الذين وُلدوا على الأراضي الأردنية. يعيش أكثر من 80 في المئة من اللاجئين خارج المخيمات، ويتركّز العدد الأكبر من القاطنين داخل المخيمات في مخيم الزعتري (أكثر من 100 ألف)، يليه مخيم الأزرق (نحو 50 ألفًا). أكثر من 85 في المئة من الأسر السورية في الأردن تعيش تحت خطّ الفقر (المفوضية العليا لشؤون اللاجئين).

ويتوزع اللاجئون السوريون في بلدان عربية أخرى، ففي مصر يوجد 230 ألفًا بحسب إحصائية حكومية أُجريت في شهر تموز/ يوليو 2018، فيما وصل عدد الذين هاجروا إلى السودان منذ بداية الثورة إلى نحو 100 ألف حتى العام 2016 (زمان الوصل 27 كانون الثاني/ يناير 2018)، ويوجد نحو ربع مليون لاجئ في العراق (مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين في العراق، صحيفة إيلاف، 20 حزيران/ يونيو 2018)، ونحو 26 ألفًا في بلدان شمال أفريقيا العربية (المفوضية العليا لشؤون اللاجئين). أوصدت دول الخليج أبوابها أمام اللاجئين السوريين، والتجأ بعض السوريين المقيمين فيها إلى البلدان الأوروبية التي كانت قد فتحت أبوابها أمام اللاجئين.

أوروبا وأميركا: العدد الأكبر من اللاجئين السوريين في أوروبا موجود في ألمانيا (أكثر من نصف مليون) والسويد (أكثر من مئة ألف) والنمسا (50 ألفًا)، وتم توطين 24 ألفًا منهم بين عامي 2011 و2016، فيما يوجد نحو 100 ألف لاجئ في أميركا الشمالية، وقد جرى توطين معظمهم أيضًا (مركز “بيو” للأبحاث).

 

ثالثًا: تكيّف النازحين واللاجئين

على الرغم من ويلات الحرب كلها، كان النزوح فرصةً لإقامة علاقاتٍ جديدة أغنت الاجتماع السوري في الداخل، ومكّنت اللاجئين في الخارج من التعرّف إلى أوضاع الشعوب الأخرى، سواء في دول الجوار أو البلدان الأجنبية ذات الثقافات المختلفة إلى حدّ كبير.

 

في الداخل

لم تكن حقائق العلاقات الاجتماعية بين السوريين بعد الثورة في مستوى السوء الذي أراده النظام، وكل محاولاته بثّ التفرقة بين مختلف مكوّنات المجتمع السوري شديد التنوّع لم تنجح كما يريد. وعلى الرغم من أحوال الحرب، تمكّن السوريون من مدّ يد المساعدة بعضهم إلى بعض، وتقبُّل العيش المشترك، والتغلّب على العقبات التي كانت تحول دون تعارفهم على نحوٍ عميق في ظلّ الاستبداد.

أعلنت اللجنة الدولية للصليب الأحمر، منتصف عام 2014، أن عدد سكان الساحل السوري ازداد بنسبة 50 في المئة نتيجةً لتدفّق النازحين من مناطق مختلفة من سورية، وبخاصة من حلب وإدلب، وقدّرت أعدادهم بما يربو على مليون لاجئ، لكنّ هذا العدد لا يشمل النازحين غير المسجلين الذين لا يعيشون في مراكز الإيواء والمخيمات. وأضيف إلى هؤلاء عشرات الآلاف من أبناء الساحل الذين نزحوا إليه من مناطق الاشتباكات في شمال اللاذقية ومن مناطق سورية أخرى، ما جعل من الساحل السوري منطقة مكتظّة بالسكان، على تعدد انتماءاتهم العرقية والمذهبية، وأنتج ضغوطًا كبيرة على الموارد المتاحة لتخديمهم.

تجدر الملاحظة إلى أن معظم النازحين من المناطق الثائرة كانوا من النساء والأطفال والعجزة، في حين بقي الرجال في مناطقهم للقتال أو هروبًا من التجنيد واحتمال اعتقالهم من قبل القوى الأمنية. تستثنى من ذلك شريحة من رجال الأعمال الحلبيين الذين نقلوا استثماراتهم إلى الساحل وساهموا بإنعاش اقتصاده، وهو الذي يفتقر إلى الكثير من الخبرات المهنية والصناعية. يتميز أبناء الفئة الأخيرة غالبًا بموقف وسطي في النظر إلى ما يحدث في سورية، ويميل بعضهم إلى تأييد النظام، فيما كان بعضهم مساهمًا في الفساد وشريكًا للمقرّبين من النظام في مرحلة ما قبل الثورة.

في تلك الأثناء، ساد المناطق الساحلية وضع معقّد وغريب، بخاصة بين عامي 2012 و2015، حيث كان الترقّب والحذر سيّد الموقف ولا يستثني أحدًا، وحاول النظام بث إشاعات عن احتمال قيام انتفاضات بين النازحين، وتحدّثت وسائل إعلامه عن وجود مستودعات سلاح ومتفجّرات يتمّ اكتشافها، كما ارتكب أنصار النظام أكثر من مجزرة لم يكن لها ما يبرّرها على الإطلاق سوى نشر الرعب والخوف، مثل مجزرة قرية “البيضا” عام 2013.

في الخارج

تختلف معاناة اللاجئين السوريين وقدرتهم على التكيّف من بلد إلى آخر، وترتبط بثقافة البلد ومدى تعقيد أو تيسير الإجراءات العملية لاستيعاب اللاجئ وتوفير الأمان له، كخطوة أولى.

يتميز لبنان عن غيره بمدى فوضى وعشوائية اللجوء وعدم وجود الرقابة الصحية والبنى التحتية، إلا فيما ندر، فضلًا عن الحرمان من حقّ العمل، وحرية السفر والتنقُّل، والتعرُّض للاعتداءات وصعوبة التقاضي.

وفي الأردن، الذي يعاني هو نفسه من صعوبة توفير العمل لمواطنيه، يتعرَّض اللاجئ السوري للاستغلال، فضلًا عن أحوال السكن البائسة في ضواحي المدن الفقيرة وغلاء إيجارات السكن. لكنّ أهم المشكلات المرتبطة بالنزوح في الأردن ولبنان هي أنّ نحو نصف الأولاد لا يذهبون إلى المدارس، وتزيد هذه النسبة قليلًا بالنسبة إلى الإناث.

وتختلف أوضاع اللاجئين السوريين في تركيا بين قاطني المخيمات والتجمعات الحضرية. يعتمد سكان المخيمات على المساعدات ويصعب حصولهم على فرص العمل، لكنّ أوضاعهم مقبولةً من حيث إمكانية الحصول على العلاج والمساعدات وفرص التعليم. أما سكان المناطق الحضرية من اللاجئين، ومع أنهم يتعرّضون للاستغلال ومصاعب الاندماج ومشكلات تعليم الأبناء، فقد تمكّنوا من تحقيق الكثير على صعيد ممارسة نشاطهم المهني والإنساني.

وإذا أخذنا ألمانيا كمثال لدول أوروبا، والتي استقبلت مئات آلاف اللاجئين منذ عام 2015، فإن ثمة بعض المعاناة من التمييز العنصري في الجزء الشرقي من ألمانيا، مقارنة بغربها، فضلًا عن التمييز الديني المرتبط برفض الرموز الدينية الإسلامية، ومنها الحجاب. ولا تقلّ حياة اللاجئين في مراكز الاستقبال صعوبةً عن معاناتهم السابقة في ركوب البحر أو عبور البلدان للوصول إلى هذا البلد، ومنها الصعوبات المتعلقة بالإجراءات البيروقراطية وتعلّم اللغة والرعاية الصحية. ومع ذلك، يُبذل جهد كبير في مساعدة اللاجئين وتأهيلهم من قبل السلطات والمنظمات الأهلية والمدنية، وتقدّم لهم مساعدات مالية تمكّنهم من العيش الكريم. كما أنّ السويد مثال جيد للفرص والمساعدات التي يحصل عليها اللاجئون. وتتطلّع كندا للاستثمار في أطفال اللاجئين، الحاليين والقادمين، على نحوٍ خاص، كما تركّز في اختيارها على نوعية اللاجئ لرفد الاقتصاد الكندي بالمهارات، وتقدّم له ما يكفي لعيش كريم إلى أن يتمكن من إيجاد عملٍ يبدو أنه أكثر توافرًا ودخلًا، مقارنةً ببلدان غربية أخرى.

 

 

رابعًا: اللاجئون في البازار السياسي

لم تمضِ أيام قليلة على انتهاء قمة هلسنكي بين الرئيسين الأميركي والروسي، في 16 تموز/ يوليو 2018، حتى أعلن الروس عن خطّةٍ لإعادة مليون وسبعمئة ألف لاجئ سوري إلى ديارهم، مع توفير مراكز لاستقبالهم وتقديم المساعدات لهم وحمايتهم من ملاحقة السلطات الأمنية السورية. طلب الروس من الولايات المتحدة وأوروبا التعاون في هذا الأمر وفي إعادة إعمار سورية، لكنّ هاتين الجهتين سارعتا إلى الاعتراض على الدعوة الروسية وربطتا عودة اللاجئين بإنجاز الحلّ السياسي، وليس استباقًا له.

كما فعلوا مرارًا خلال سنوات تدخلهم الثلاث في سورية، يهرب الروس إلى الأمام في مساعيهم للاستفراد بالحلّ السياسي واستحقاقاته، ويحاولون دفع الآخرين للتعاون في تنفيذ خططهم الارتجالية، محدودة الجدوى السياسية في معظم الحالات، والتي غالبًا ما يكون مآلها الفشل. وإن كانت الإملاءات تصحّ، إلى حدّ ما، في علاقة الروس مع دول إقليمية مثل تركيا وإيران، فإنّ نجاحها شبه مستحيل مع الولايات المتحدة وأوروبا.

للروس، في الواقع، مشروعهم الخاصّ لحلّ سياسي في سورية، ويتلخّص بإجراء تعديلات على النظام الحالي، بحيث لا تحول تلك التعديلات دون تحقيق المصالح الروسية في سورية على المدى البعيد، وإذا أضفنا إلى ذلك محاولاتهم لهيكلة الأجهزة العسكرية والأمنية، تكون أركان الحلّ الروسي قد شارفت على الاكتمال، ما قد يقطع الطريق أمام الحلّ السياسي الذي تبنّته المجموعة الدولية في جنيف، استنادًا إلى قرارات مجلس الأمن ذات الصلة، وأهمها القرار 2254.

بكلام آخر، تحاول روسيا التملُّص من إجراءات ديمقراطية يمكن أن تتحقّق من خلالها إرادة الشعب؛ لأن ذلك قد يقلب الطاولة في وجهها، وتفضّل أن يكون وجودها في سورية “شرعيًا” ومُعترفًا به من خلال “رشوة” الدول المعنية بالمسألة السورية ودعوتها إلى تقاسم النفوذ والمصالح، فتحتفظ بالمكاسب التي حقّقتها خلال ثلاث سنوات من الجهد العسكري والسياسي.

انطلاقًا من ذلك، يحاول الروس التصدي للمشكلات الجوهرية الناشئة على هامش الصراع في سورية، مثل عودة اللاجئين وإعادة الإعمار التي لا طاقة لديهم على تحمُّل تكاليفها الباهظة، فيلجؤون إلى إقناع الآخرين بالمساهمة فيها، بمعزلٍ عن الحلّ السياسي الذي تبنّته المجموعة الدولية في جنيف.

تستغلّ روسيا قضية اللاجئين لقطع الطريق أمام الحل الدولي، متناسيةً أن النظام الأمني الذي هرب منه الناس ما زال قائمًا، ولو أنّه صار دميةً بيد حلفائه إلى هذه الدرجة أو تلك. إنّ اليأس وصعوبة الحياة في بعض دول اللجوء، كلبنان والأردن، قد يدفعا بالقليل من اللاجئين للعودة، بخاصّةً الذين لم تُدمّر مساكنهم، حتى ولو لم تتوافر لهم ضمانات أمنية كافية. لكن، حتى الآن، يبدو أنّ معظم اللاجئين سيبقون في بلدان اللجوء أو يهاجرون منها إلى بلدان أخرى، ما دام الحلّ السياسي لا يتقدّم في طريق تجاوز النظام الحالي إلى غير رجعة.

في هذا السياق، تتعاون روسيا مع دول اللجوء المجاورة، ومنها لبنان، وتقوم بمحاولات حثيثة لإعادة اللاجئين من دون أن تتأمّن لهم الحماية الكافية المنصوص عنها في اتفاقية اللاجئين الأممية للعام 1951؛ ففي الرابع والعشرين من شهر تموز/ يوليو 2018 عُقدت مباحثات بين الجانبين الروسي واللبناني للتنسيق في هذا الشأن، وأعلنت المفوضية العليا لشؤون اللاجئين بدورها أنها “لا تشجّع على عودة اللاجئين الآن، لكنها لن تقف في وجه من يريد العودة الطوعية، سواء كأفراد أو جماعات”. وكانت منظمة (مراقبة حقوق الإنسان/ هيومن رايت ووتش) قد كشفت عن مضايقات وعمليات إخلاء قسرية للاجئين قامت بها بعض البلديّات اللبنانية مرات عدّة.

في هذا الصّدد، أعلن وزير الخارجية اللبناني، جبران باسيل، في المؤتمر الصحفي الذي تلا مباحثاته مع وزير الخارجية الروسي في موسكو، 20 آب/ أغسطس 2018، أن “لبنان يؤيد العودة السريعة للاجئين من دون حلّ سياسي” وأنه “لا يوجد مبرر لبقاء اللاجئين السوريين في لبنان”. لا فروف، بدوره، صرّح بأنه “يعمل على العودة الآمنة للاجئين السوريين إلى بلادهم” وأن “استقرار لبنان أساس للتوازن في المنطقة”.

الأردن، بدوره، وما إن سيطرت قوات النظام المدعومة من روسيا على معبر نصيب الحدودي في درعا، حتى طالب وزير خارجيته، أيمن الصفدي، في 6 تموز/ يوليو 2018، بضرورة عودة عشرات آلاف النازحين إلى جنوب سورية كأولوية قصوى، وأعلن أنه ناقش “الضمانات العملية” لعودتهم مع جميع الأطراف المعنيّة”. هنا أيضًا من الصعب الحديث عن “عودة طوعية”، في الوقت الذي تتزايد فيه الضغوط على اللاجئين، ومنها تضاؤل المساعدات المقدَّمة من المجتمع الدولي على نحوٍ ملحوظ. في كل الأحوال، لم يتجاوز عدد اللاجئين الذين عادوا إلى سورية بصورةٍ نهائية الـ 15 ألفًا طوال فترة اللجوء إلى هذا البلد، وذلك وفقًا لمعطيات المفوضية العليا لشؤون اللاجئين.

كما مارست تركيا سياسة الابتزاز على نطاقٍ أوسع، وحصلت على الكثير من المساعدات المالية من الاتحاد الأوروبي، مقارنةً بالأردن ولبنان، وذلك كضرب من “الرشوة” للحدّ من تدفّق اللاجئين منها إلى البلدان الأوروبية، الأمر الذي يتمّ بمباركة السلطات التركية وتحت أنظارها. فقد حصلت تركيا على 3 مليارات يورو من الاتحاد الأوروبي دفعةً واحدة في عام 2015 (اتفاقية الاتحاد الأوروبي مع تركيا، بروكسل، 29 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015)، علاوة على مبالغ أخرى تم الاتفاق على تقديمها بحسب تطورات الحالة. أما الأردن، مقارنةً بتركيا، فلم يتلقَّ سوى 28 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي (صحيفة الرأي الأردنية، 1 تشرين الثاني/ نوفمبر 2015)، على الرغم من أنه أعلن عام 2015 عن حاجته إلى 8 مليارات دولار للتعامل مع اللاجئين حتى 2018. بالطبع، لا يملك الأردن ولا لبنان أوراق ضغط مهمة على الغرب، وهما البلدان اللذان يتحملان العبء الأكبر للجوء السوري، مقارنةً بعدد سكانهما وإمكانياتهما.

وهكذا، على الرغم من مساعدة الدول المجاورة في تأمين ملاذٍ آمن للسوريين، فقد مارست هذه الدول سياسة ابتزاز المجتمع الدولي إلى هذه الدرجة أو تلك، من خلال تضخيم تكاليف اللجوء على اقتصادها للحصول على المزيد من الأموال والمساعدات، مع أن اللجوء ذاته قد استنزف مدّخرات اللاجئين السوريين، والتي أضيفت إلى اقتصاديات الدول المضيفة.

 

خامسًا: مصير اللاجئين السوريين

تخشى بعض دول الجوار ذات البنية الديموغرافية الحساسة، كالأردن ولبنان، من أن يتم توطين قسم من اللاجئين على الأقل في بلديهما، ما قد يُفضي إلى الإخلال بالتوازنات الاجتماعية وانهيار البنى السياسية الهشة، وهذا ما يفسّر ارتفاع وتيرة التصريحات الأخيرة من قبل مسؤوليّ هاتين الدولتين حول ضرورة عودة اللاجئين السوريين إلى بلادهم بأسرع وقت.

من جهته، يشعر النظام السوري بأنه بات منتصرًا بدعم حلفائه، فيحاول إعادة الأمور إلى ما كانت عليه قبل 2011، بعد كل هذا الخراب والموت والمتغيرات التي حدثت على الصّعد والمستويات كافة. كما أن الدول الكبرى ليست مستعدة لتحمُّل مسؤولياتها كما يجب؛ تحاول روسيا فرض نفسها كصاحبة النفوذ الأكبر في سورية، وتتّسم سياسة الولايات المتحدة بالتّردّد، وهي مشغولة بتدبير مصالحها في أكثر من منطقة من العالم، مع أنّ ثمة مؤشرات لتفعيل السياسة الأميركية في الآونة الأخيرة، فيما تتبع المنظمات الدولية مموليها وسياسات الدول المهيمنة على القرارات الدولية.

ومثلما لم تكن الأوضاع الدولية والإقليمية مواتية للثورة السورية في البدايات، فهي تبدو كذلك الآن بالنسبة إلى ما يُحاك حول موضوع اللاجئين، الذين وجدوا أنفسهم ضحية للتجاذبات السياسية، وفي أحسن الأحوال، النظر إلى قضيتهم كمسألة إنسانية محضة، فيما يتناسى العالم أنّ السبب الذي دفعهم للهروب ليس كارثة طبيعية، إنما نظام استبدادي أغلق الأبواب في وجه الحلول السياسية، وشرّع الحل الأمني في وجه المنتفضين من أجل الحرية.

وبعيدًا من دعايات النظام السمجة، وضمانات الروس التي تفتقر إلى الآليات التنفيذية لتحقيقها، فإن اللاجئ، حتى على مستوى غريزة البقاء، سيجري عملية مقارنة بين الأحوال التي يعيشها في بلد اللجوء وتلك التي سيعود إليها في بلده، وسيختار الأفضل والأكثر أمانًا، إن لم يُرغم على العودة تحت الضغط والتضييق عليه في بلدان اللجوء.

في الواقع، ليس ثمة ضمانات للاجئين العائدين، وهو ما يفسّر إحجام الكثيرين عن العودة، من جهة، وتلكؤ المفوضية العليا لشؤون اللاجئين في قبول الإجراءات التي تقوم بها الدول المعنية للتعجيل بعودتهم لأهداف سياسية تخصّها، من جهة أخرى.

المخاطر والمشكلات التي تنتظر عودة اللاجئين السريعة ليست قليلة، منها الخوف من انتقام النظام، وقوائم المطلوبين للأجهزة الأمنية والتي تصل إلى أكثر من مليون مطلوب، وعدم جاهزية البنى التحتية في المناطق المدمّرة، وغياب الاستقرار والأمن؛ بسبب استمرار الحرب، علاوة على خطر التعرّض لمضايقات النظام وأجهزته، والتي تتجاوز حدّ الاعتقال في الكثير من الحالات، فتكون العودة أشبه بفخّ جديد يقع فيه اللاجئون، ولا سيما أن الضغوط المطبّقة عليهم، بخاصة من قبل روسيا ولبنان والأردن، تترافق بتناقص الدعم المُقدَّم لهم من قبل المؤسسات الدولية، ما قد يدفعهم لعودة قسرية غير مضمونة العواقب.

على العموم، ترتبط عودة اللاجئين السوريين من دول الجوار بأمرين داخليين مهمين:

  1. تحول ملحوظ في الحالة السياسية السائدة، بما يؤكد السير في اتجاه حلّ سياسي، ويبعد قوى الأمر الواقع المهيمنة عن المشهد العام، سواء في مناطق النظام أو في باقي المناطق. بكلام آخر، تحتاج العودة إلى وجود مؤشراتٍ كافية على انزياح الممارسات الاستبدادية التي تراكمت خلال عقود، فضلًا عن أشكال الاستبداد الأخرى التي تسيّدت في مرحلة ما بعد الثورة في المناطق التي خرجت من تحت عباءة النظام. كما يتطلب الأمر توافر الضمانات الدولية الكافية لحماية اللاجئين العائدين.
  2. توافر الحدّ المقبول من الخدمات، وانطلاق ورشات إعادة الإعمار على نطاقٍ واسع لتأمين الناس الذي فقدوا مساكنهم ومصادر عيشهم، ما يجعل الشعور بالتغيير نحو الأفضل أمرًا واقعًا، وليس مجرّد فقاعات إعلامية.

أما بالنسبة إلى المهاجرين واللاجئين في البلدان الأوروبية، فإن عودتهم ستكون مجرّد حالات محدودة وفردية، نظرًا إلى توافر شروط الحياة الحرة والكريمة في هذه البلدان؛ لأن عدم توافر هذه الشروط أصلًا هو الذي دفع العديد من السوريين لعبور البحار والبراري وتعريض أنفسهم لشتّى المخاطر من أجل الوصول إليها، حتى قبل الحرب.

 

سادسًا: خاتمة

أسباب اللجوء السوري بيّنة؛ الهروب من القمع والحرب وفقدان الأمان السياسي والاجتماعي والغذائي، ومعالجة الأسباب هي المدخل الملائم لعكس هذه الظاهرة المأسوية التي حلّت بالسوريين ودفعتهم لعبور شتّى المسالك والطرق للوصول إلى برّ الأمان. فالقمع الذي مارسته أجهزة الاستبداد هو ما دفع العديد من السوريين لمغادرة بلادهم قبل الثورة، وما تحوّل بعدها إلى تسونامي هروب جماعي. من هنا يأتي ارتباط عودة اللاجئين بحلٍّ سياسي ديمقراطي يضمن حقوقهم وحمايتهم.

والحرب، التي هي مزيج من إجراءات القمع والتدخلات الخارجية والأجندات المعادية للثورة، لا بدّ أن تتوقف أيضًا، كشرط مسبق ليفكّر اللاجئون في العودة الجماعية من بلدان الجوار، إلى جانب توفير الأمان الاجتماعي من خلال تأمين فرص العمل الضرورية من أجل حياة كريمة.

ترتبط عودة النازحين في الداخل بمدى عودة الأمور في مناطقهم الأصلية إلى حالة قابلة للعيش، وقد عاد الكثير منهم ليرمِّموا منازلهم ويسكنوها مجدّدًا. ومن المتوقّع، في حال تقدَّم الحل السياسي، أن يعود الكثير من اللاجئين من بلدان الجوار، في حين سيبقى معظم الحاصلين على الإقامة والجنسية في البلدان الغربية، نظرًا إلى الميزات الكثيرة التي يتمتعون بها ويصعب توافرها في سورية على المدى المنظور.

مهما يكن، سيعيد المهجّرون السوريون تقييم التجارب السيئة والجيدة التي اكتسبوها في بلدان اللجوء في الخارج ومناطق النزوح في الداخل، ما يغني أنماط حيواتهم بالخبرات المكتسبة.

شارك هذا المقال

قم بالتسجيل لتلقي النشرة الدورية