مراجعات كتب

مراجعة كتاب: من النهضة إلى الردة تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة

اسم الكتاب: من النهضة إلى الردة تمزقات الثقافة العربية في عصر العولمة

اسم المؤلّف: جورج طرابيشي

مراجعة: فادي كحلوس

دار النشر: دار الساقي 

مكان النشر: بيروت/ لبنان

تاريخ النشر: 2000

 

 

المحتويات

الهاجس النهضوي

عصر النهضة والجرح النرجسي

نسوية قاسم أمين وآلية التماهي مع المعتدي

أتغريب أم تحديث؟

طه حسين وسؤال مستقبل الثقافة

العرب من عصر البطولة إلى عصر الانحطاط

قراءة تحليلية نفسية في فلسفة زكي الأرسوزي القومية

الانفتاح والانغلاق

في الثقافة العربية الإسلامية

الآخر في التراث العربي الإسلامي

ياسين الحافظ: نهضوي بجلد ماركسي

نجيب محفوظ فيلسوفًا بالوكالة

محمد أركون

ازدواجية النص والخطاب

المثقفون العرب المرضى بالغرب

خطاب جلال أحمد أمين أنموذجا”

المثقفون العرب والعولمة

عولمة العالم العربي

 

 

 

الهاجس النهضوي

يبتدئ “طرابيشي” كتابه هذا بتعريف ذاته على أنه ينتمي إلى جيل الرهانات الخاسرة، فيقول: “جيلنا قد راهن على القومية وعلى الثورة وعلى الاشتراكية، وهو يراهن اليوم على الديمقراطية، لا لقيم ذاتية في هذه المفاهيم، بل كمطايا إلى النهوض العربي وإلى تجاوز الفوات الحضاري، الجارح للنرجسية في عصر تقدم الأمم”. لينتقل “طرابيشي” بعد ذلك إلى تحديد ملامح كتابه هذا بقوله: “ليس هنا موضع تحليل فشل تلك الرهانات، ولا ما أدت إليه من تعميق للفوات الحضاري، لكني أعتقد ان هذا الفشل بالذات هو ما ينبغي أن يحدو بنا إلى التخلي عن استراتيجية البدائل هذه لنوجه كل اهتمامنا إلى آليات النهضة بالذات. وهي آليات عقلية بقدر ما هي آليات مادية. إذ ليس يتبدل ما في الأعيان إلا بتبدل ما في الأذهان”. ويضيف: “إن النهضة هي الحاجة إلى النهضة على مستوى الوعي، فلا نهضة بلا إرادة النهضة”.

ينهي “طرابيشي” مقدمة كتابه هذا بالقول: “هذا الكتاب لا يدعي لنفسه أكثر مما يمكن أن يدعيه أي كتاب، مؤلف من مقالات مجموعة نشر بعضها ولم ينشر بعضها الآخر، والمعيار الذي تحكّم بجمع مقالات هذا الكتاب العشر، ليس وحدة الموضوع، ولا وحدة المنهج، بل فقط وحدة الهاجس النهضوي الذي كان وراء كتابتها”.

 

عصر النهضة والجرح النرجسي

نسوية قاسم أمين وآلية التماهي مع المعتدي

في هذا الفصل؛ يتناول “طرابيشي” الهوة الحضارية ما بين الشرق والغرب، كما يتناول عصر النهضة العربي، “إن عصر النهضة العربي لم يكن معنيًا بالقطيعة مع عصر الانحطاط بقدر ما كان معنيًا بالرد على “الجرح النرجسي العربي”. هذا الجرح الذي يصفه “طرابيشي” بالجرح الأنثروبولوجي. ويضيف: “كما في كل جرح نرجسي، لم يكن أمام الرد إلا أن يتخذ أحد شكلين: إما محاولة إنكار الجرح بالذات، وإما محاولة إبرائه ولأمه وعصر النهضة العربي جسّد المحاولتين كلتيهما”.  وشرحًا لما سبق يقول “طرابيشي”: “من ناحية؛ عبأ عصر النهضة العربي نفسه للمنافحة -أي الدفاع- عن القيم الموروثة من الماضي الزاهي معظمها، ولتأكيد استمرارها في الفاعلية وقدرتها على المواجهة (كما التيار السلفي بمختلف تنويعاته) ومن ناحية أخرى وهو التيار التحديثي بمختلف تلاوينه صبّ على النقد، أي على تشريح مظاهر التأخر في المجتمع العربي، وعلى ضرورة التغير في الفكر والواقع، حتى يستوي الشرق من جديد ندًا للغرب، ويستعيد مركزيته المهمّشة”.

حول “قاسم أمين” يقول “طرابيشي”: “يتمتع “أمين” بقيمة تمثيلية خاصة بالنسبة لعصر النهضة العربي، فنزعته النسوية تلبست الشكلين معًا؛ ففي طور أول اشتغلت وفق النمط الإنكاري “إنكار الجرح”، فأخذت بالتالي شكل المنافحة المطلقة عن شرط المرأة في الحضارة العربية والشريعة الإسلامية، وشكل المنافحة المشروطة من موضعها في المجتمع المصري، وفي طور ثانٍ اشتغلت وفق النمط الإبرائي “إبراء الجرح”، فاتخذت شكل النقد الجذري لوضع المرأة في المجتمع المصري، وشكل النقد الجزئي لشرطها في الحضارة العربية والشريعة الإسلامية”.

حول ما مثّله “أمين” من معبر عن شكلي التعامل مع الغرب يقول “طرابيشي”: “ازدواجية قاسم أمين المتمثلة في إنكار واقعة الانجراح وشفاء الجرح في آن، تأخذ شكل تناقض فاضح، هذا التناقض الذي عُبر عنه من خلال كتب قاسم أمين الثلاثة”.

يسهب “طرابيشي” ما بعد ذلك في رصد مكامن التناقض والازدواجية التي مثلتها كتابات قاسم أمين، هذا الرصد أخذ شكل مقارنات حول موضوع واحد في كتب “أمين” وكيف تبدلت أفكاره بل وانعكست، وحول هذا يقول:

“كتاب “أمين” الأول “المصريون” رد على الدوق “داركور”، ويمثل إنكارًا خالصًا، لا سيما أن كتابه هذا برسم “الآخر” خصوصًا أن هذا “الآخر” هو مصدر الجرح”. ويكمل “طرابيشي”: لقد حرر قاسم أمين رده على داركور بين 1893 و1894، ولكن لم تمض سنوات ثلاث حتى كان بدأ العمل في تحرير كتابه “تحرير المرأة”. وقد جاءت الأفكار المتضمنة في هذا الكتاب مضادة لتلك التي وردت في كتاب “المصريون” إلى حد يصعب معه المرء أن يصدق أن كاتبهما شخص واحد”.

يختتم “طرابيشي” هذا الفصل بمتابعة مسار “قاسم أمين” من المنافحة إلى النقد فيقول: “في كتابه الثالث (المرأة الجديدة) يتحول خطاب “أمين” إلى النقد، ولا حاجة به إلى إخفاء الجرح النرجسي أو أفكاره أو الدفاع عن النفس بواسطة الهجوم، فالمطلوب الآن ليس ستر الواقع، بل فضحه وتعريته تمهيدًا لتغييره”.

وليخلص “طرابيشي” إلى نتيجة مفادها: “هكذا يكون قاسم أمين قد دار على نفسه دورة كاملة، من المنافحة إلى النقد إلى المنافحة المضادة، وفي دورته هذه مر بجميع الاطوار التي توازعتها مواقف المفكرين النهضويين من رعيله”.

 

أتغريب أم تحديث؟

طه حسين وسؤال مستقبل الثقافة

يناقش “طرابيشي” في هذا الفصل الفكرة الآتية: ابتداءً من واقعة الحداثة الأوروبية، غدا المستقبل مقولة مؤسِّسة لمختلف ثقافات البشر”. وينطلق “طرابيشي” في مناقشة هذه الفكرة من مقولة طه حسين المشهورة “علينا أن نصبح أوروبيين في كل شيء..” فيقول: “المستقبل لم يعد سترًا محجوبًا من عالم الغيب (…) بل غدا محطة الوصول التي لا مناص من أن ينتهي إليها كل قطار ينطلق على تلك السكة التي مدّتها الحداثة والتي يمكن أن تُسمى سكة حديد التخلف-التقدم”.  ويضيف: “ضرورة الوصول لا ترادف حتمية الوصول” و”لئن يكن المحل الهندسي لكل من محطتي الانطلاق والوصول متعينًا بضرب من ضرورة تاريخية، فإن المسافة الفاصلة بينهما هي مسافة من الحرية، فالمسار ليس مرسومًا سلفًا، بل هو برسم الاختراع، فبعد واقعة الحداثة الأوروبية لم نعد -نحن ولا غيرنا من شعوب العالم- نملك خيارًا في ألا نتقدم، تلك هي الحتمية. وهي فاعلة على صعيد الغاية، أما الحرية محصور نطاقها بالكيفية. فسؤال “كيف نتقدم؟” يبقى منذ بداية النهضة في القرن الماضي -وقد يبقى على امتداد القرن المقبل- سؤالًا خلافيًا.

حول الإجابة عن تساؤل “أتغريب أم تحديث؟” وعلاقتها بنموذج طرح طه حسين يقول “طرابيشي”: طه حسين يوحد بين الغائية والكيفية في الدعوة إلى التقدم (…) خالطًا بين الهوية والتماهي”. ويضيف: “قد نستطيع أن نحرز تقدمًا في صياغة الإشكالية إذا ما فرقنا بين التغريب والتحديث، فالتغريب سلب للهوية وإبدال وإفقار إلى حد الإعدام. والتحديث تطوير للهوية وإغناء وتفتيح للشخصية على تعدد لا متناه من الأبعاد”. ويؤكد “طرابيشي” في هذا الفصل أن التحديث: “يفهم التماهي مع الآخر على أنه تطوير وإغناء لهوية الذات، لا يقطع مع الماضي ولا مع تراث الذات، بل يوظفهما على العكس كعتلة رافعة في عملية التحول الحضاري للذات، وهذا بالغ الأهمية بالنسبة إلى أمة تراثية كالأمة العربية”.

 

العرب من عصر البطولة إلى عصر الانحطاط

قراءة تحليلية نفسية في فلسفة زكي الأرسوزي القومية

يتحدث “طرابيشي” في هذا الفصل محللًا فلسفة زكي الأرسوزي القومية، ومسألة “البعث” عنده. ومما تناوله “طرابيشي” هنا: السمتين الأكثر تميزًا لفكر الأرسوزي هما اللاتطور والتكرار، وبحب المنهج التحليلي النفسي؛ فإن اللاتطور والتكرار هما السمتان الأكثر تمييزًا للتثبيت العصابي، وأن فلسفة الأرسوزي هي فلسفة “رحمانية”، وبقدر ما يمكن تعريف الأرسوزي بأنه فيلسوف قومي نجد أن فلسفته في الأمة والقومية مصبوبة بتمامها في قالب ذلك التثبيت الجنيني على الأم الرحيمة. وانطلاقًا من هذا التصور “الأسري” للامة يفهم الأرسوزي الرابطة القومية على أنها رابطة أخوة.

يقول “طرابيشي”: “ولو شئنا ان نربط الميتافيزيقيا الأرسوزية بتيار بعينه من تيارات الفلسفة الكبرى لنسبناها حالًا إلى المذهب الفيضي الذي يتصور الوجود حركة صدور وارتداد لا نهاية لها، دارة مغلقة على ذاتها قد تعرف الجلي أو الانبساط ولكنها لا تعرف أبدًا التطور”. ثم ينتقل “طرابيشي” ليتناول بإسهاب ما أفضته النزعة الفيضية من تصور رحمي للأمة تحكمه مبادئ متلازمة، وهي: الأمة “أولًا رابطة اجتماعية وثانيًا رابطة قبلية وثالثًا رابطة لا زمنية ورابعًا رابطة متجددة وخامسًا رابطة مثالية وسادسًا وأخيرًا رابطة لغوية”.

ينتقل “طرابيشي” بعد ذلك إلى تناول “الموقف السلبي المتطرف للأرسوزي من التراث” فالأرسوزي يرى في التراث “عامل انفصال لا عامل اتصال، عامل ابتعاد لا عامل اقتراب من الرحم الأول الذي انبثقت منه. أي اللغة.”. ثم ينتقل إلى طرح سؤال عن “القاسم الدلالي المشترك بين الانحرافات الثلاثة التي وسمت بميسمها سيرورة الانتقال من المجتمع الجاهلي إلى المجتمع الإسلامي، وسيرورة تحول المجتمع الإسلامي نفسه من “الشباب” البنوي إلى “الشيخوخة الأبوية؟” ليقوم “طرابيشي” بتفنيد أجوبة أعطاها -خشية الوثوقية- صورة أسئلة تناولت الدلالات النفسية لمفردات الأرسوزي القومية “البعثية” وتعابيره وفلسفته.

 

الانفتاح والانغلاق

في الثقافة العربية الإسلامية

الإشكالية الأساسية التي يتمحور حولها هذا الفصل من الكتاب، هي إشكالية التقدم والتأخر. يتناول “طرابيشي” هذه الإشكالية بدايةً من الفكرة الآتية: الإنسان الغربي الذي اكتشف أن الأرض ليست مركز الكون، سرعان ما عوّض هذا الإذلال النرجسي بأن جعل من ذاته مركز الأرض. أما الإنسان غير العربي فقد اكتشف نفسه متأخرًا في مرآة الغرب المتقدم. وفي الحالة العربية فإن جرحها كان مضاعفًا، وما زاد الأمر بالنسبة إليها هو اكتشاف تقدم الغرب بينما ظلت هي تراوح مكانها.

وقد اقترن السؤال لماذا تقدم الغرب؟ بسؤال آخر لا يقبل عنه انفصالًا، لماذا تأخرنا نحن العرب المسلمين؟

ينتقل بعد ذلك “طرابيشي” إلى مقارنة النهضة الأوروبية بالنهضة العربية فيقول: “نلحظ فارقًا أساسيًا؛ فالنهضة التي عرفتها أوروبا في القرنين 15 و16 قامت على محاكاة للعصور القديمة اليونانية – الرومانية. أما النهضة العربية التي تصورت نفسها نشأة مستأنفة، فكانت بالأحرى ضربًا من التقمص وإعادة التماهي، فقد كان المنطق الذي حكم عصر النهضة العربية هو أن على العرب أن يكونوا أنفسهم، لا أكثر ولا أقل، لينهضوا ويستعيدوا زهو حضارتهم في عصرها الذهبي”. وهذا ما أنتج -بحسب “طرابيشي”- “استمرار التخلف العربي، يُوجِد حاجة دفاعية إلى تضخيم الأنا وتحجيم الآخر”.

يرى طرابيشي أن ما فعلته أوروبا في عصر النهضة وأوروبا القرن السابع عشر هو “القطع” مع أوروبا القرون 12و13و14، أي القطع بالضبط مع القرون التي اقتاتت إلى حد كبير من مائدة الثقافة العربية الإسلامية، وأن هذه “القطيعة” هي التي استعصت -وما زالت على أن تأخذ طريقها إلى مجال “المفر فيه” بالنسبة إلى الثقافة العربية الحديثة. ليستنتج “طرابيشي” الآتي: يكمن مأزق الحداثة العربية ومدخل متاهتها في أن الثقافة العربية الحديثة قادت نفسها بنفسها إلى طريق مسدود لأنها -وهي المحكومة بالجرح النرجسي- ما أمكن لها أن تطور موقفها من ذاتها من موقف دفاعي إلى موقف نقدي.

ما يلي هذه السطور من هذا الفصل تناولت التأثير الكارثي لعصر الثورة العربي وتوقف مشروع النهضة التي صادرتها الثورة، وجرى أيضًا تناول ظاهرة الأصولية الإسلاموية ومطلبها الثقافي “أسلمة الإسلام” أو “إعادة أسلمته” فهي تتصور الواقعة الإسلامية “بدءًا مطلقًا وتريدها نهاية مطلقة”.

تناول “طرابيشي” في هذا الفصل، التجليات التي اجترحتها الحضارة العربية الإسلامية في طورها الانفتاحي، مرورًا بتكفير الغزالي للفلاسفة في “تهافت الفلاسفة” الذي يعدّه “طرابيشي” بداية سيرورة انغلاق الحضارة العربية على نفسها.

يختتم الكاتب فصله هذا بالقول: “إن المطلب الأول للأصولية اليوم هو “إعادة الأسلمة” وهذا المطلب لا يعني سوى العودة إلى ما انحط به الإسلام لا إلى ما أعطى به عطاءه الحضاري الكبير.  ويضيف رأيًا مفاده: لا غنى اليوم عن الاستدارة نحو مراكز الحضارة الحديثة مثلما اتجه الإسلام الأول بصورة تلقائية نحو مراكزها القديمة في دمشق وأنطاكية والإسكندرية، وهذا ما يحتاج إلى نظرية في الاتصال عجزت الثقافة العربية المعاصرة حتى اليوم عن صوغها، والخطر أن الأصولية -والشريحة الامتثالية السائدة من الأنتلجنسيا العربية- لا تقترحان سوى نظرية في الفصل. وهذا ما ينذر بعصر انحطاط عربي جديد ولكن مع فارق: فـ”المغول” آتون هذه المرة من داخل الحدود لا من خارجها.

 

الآخر في التراث العربي الإسلامي

يجري “طرابيشي” في بداية هذا الفصل مقارنة بين الثقافة العربية الحديثة والثقافة العربية المعاصرة، فيجد أن الأولى تدين للآخر بظهورها التاريخي بالذات، أما الثانية فهي تنزع أكثر فأكثر إلى تأسيس نفسها في قطيعة مع الآخر.

ويستغرب “طرابيشي” ميل شريحة واسعة من النخبة المثقفة المنتجة إلى هذه الثقافة وإلى معاداة الآخر. ويوصّف “طرابيشي” الثقافة العربية المعاصرة بأنها “من طبيعة نكوصية وبالتالي عصابية”. ويضيف: عصاب العداء للآخر قد يكون معتدلًا كمخرجات “محمد عابد الجابري” أو مغاليًا وصفيقًا كـمخرجات “منير شفيق”.

يتناول “طرابيشي” مصطلح “الآخر” بوصفه من مصطلحات الحداثة الغربية. ويطرح سؤالًا مهمًا هنا: إن لم تكن الحضارة العربية الإسلامية عرفت مصطلح “الآخر” فكيف تعقلت إشكاليته؟ وفي معرض إجابته يقول: من مطلع الجاهلية إلى آخر زمن ابن خلدون فرضت نفسها بلا منافسة في الحقل التداولي للثقافة العربية الكلاسيكية ثنائية “العرب والعجم”. ليؤكد “طرابيشي” بالأدلة والبراهين أن إشكالية “العرب والعجم” لم تكن إشكالية لغوية بل كانت تباطنها دلالة تبخيسية. ويضيف: “حتى إن بقي تعبير العرب والعجم دارجًا في الاستعمال إلى نهاية الحضارة العربية الإسلامية، فإنه قد تجرد تمامًا من طابعه الطباقي ولم يعد محلًا لأي حكم قيمة (…) لأن الآخر كان قد كفّ منذ زمن طويل على أن يكون آخر، ليغدوا ابتداءً من الطور الثاني للدولة العباسية ذاتًا مؤسسة وشريكًا كامل النصاب في تلك البوتقة التاريخية الكبرى التي كانتها أو آلت إليها الحضارة العربية الإسلامية قبل أن تغرق في ليل الانحطاط”.

ينتقل “طرابيشي” بعد ذلك إلى “المفاجأة” التي تخبئها لنا الحضارة العربية الإسلامية، وهي مناقضة لما قدمه المصابون بعصاب الانغلاق الحضاري من السلفيين الجدد، تلك المفاجأة تتبين من خلال وقفة مع محطات أربع: مع الجاحظ ومع التوحيدي ومع صاعد الأندلسي وأخيرًا مع ابن خلدون. يعدد “طرابيشي” أسباب اختيار ممثلي المحطات الأربع: الجاحظ، والمعارضة التي يجريها ليست بين حضارة وهمجية، بل تفريق وتقويم وترجيح من داخل ميزان الحضارة، وعصبيته للعرب لا تنقلب أبدًا إلى تعصب على العجم. أما أبو حيان التوحيدي: للقرن الرابع ميزته، فهو يمثل أعلى سقف ارتقت إليه الحضارة العربية الإسلامية. والحال أن التوحيدي ينهض بذاته سقفًا لهذا السقف، وموقفه من إشكالية العرب والعجم، هو رفض إجراء مفاضلة بين الأمم “لكل أمة فضائل ورذائل، ولكل قوم محاسن ومساوئ” فالتوحيدي بدل المفاضلة بين الأمم يقول بالتسوية بينها.

عن القاضي “صاعد” يقول “طرابيشي”: إشكالية صاعد ليست إثنية ولا لغوية ولا حتى بيانية، بل حضارية حصرًا. ويضيف: ما يدهش في المعيار التقويمي الذي يعتمده صاعد الأندلسي في تقويمه للأمة هو درجة إسهامها في الحضارة”. أما عن ابن خلدون فيقول: “يطالعنا ابن خلدون بمفهوم مدهش: الاستعجام. فقد كنا نحسب أن الاستغراب هو طريق الاندماج الوحيد في الثقافة العربية الإسلامية، لنكتشف أن الاستعجام يلعب دورًا موازيًا، بل مكافئًا”.

يخلص “طرابيشي” ويختم فصل الكتاب هذا بقوله: “الحضارة العربية الإسلامية لم تعرف لاهوت نفي الآخر، فهذا اللاهوت هو نتاج عصابي لتلك الشريحة من الإنتلجنسيا العربية التي يصدق فيها الوصف بأنها “مريضة بالآخر/ الغرب”.

 

ياسين الحافظ: نهضوي بجلد ماركسي

إن ما يراه جورج طرابيشي بياسين الحافظ بوصفه نهضويًا ماركسيًا، يمكن إيجازه بعباراته الآتية:

“ياسين كان متمردًا كبيرًا على أي شكل من التحنيط ومن عبادة الأسلاف بعامة”.

“في بنية وعي ياسين الحافظ النظري، يحضر الغرب كغربين: الأول، عرب عقلاني ديمقراطي تنويري علماني دنيوي بروميثيوسي، ذو وعي وحس تاريخي، ثم ماركسي، لينيني، تاريخاني. إن الغرب الذي بزغ في عصر النهضة وتابع نموه وتطوره في عصر الأنوار والثورة الفرنسية والمجتمع الصناعي والحركة الاشتراكية. والغرب الثاني: هو غرب الرأسمالية والاستعمار. وحول هذا يقول “طرابيشي”: “هذا الاستيعاء الفصامي للغرب لا يطابق أي واقع تاريخي، فماذا يبقى من حضارة الغرب لو فصلت عنها همجية الرأسمالية؟ ويجيب: ليس من غرب آخر غير غرب الرأسمالية، وما كان ليكون عقلانيًا وتنويريًا وعلمانيًا، لولا أنه كان في الوقت نفسه رأسماليًا، فنحن هنا أمام علاقة علة بمعلول.

يختتم طرابيشي تناوله النقدي لياسين الحافظ بقوله: حرض الحافظ على التذكير دومًا بأن الماركسية نفسها هي ثمرة حداثة المصنع الغربي وأنها تمثل النتاج الأرقى للفكر الغربي ولتقاليد العقلانية الغربية. ويضيف: لقد تبنى الحافظ بجرأة أطروحة عبد الله العروي التي مؤداها أنه بالنظر إلى الوضع التأخري والفوات التاريخي للمجتمع العربي، فليس من سبيل إلى تحديث الأيديولوجية العربية، تمهيدًا لتحديث المجتمع العربي نفسه، سوى عقد زواج فريد من نوعه بين الليبرالية التنويرية والماركسية التاريخانية.

نجيب محفوظ فيلسوفًا بالوكالة

يقول “طرابيشي”: هناك صعوبتان جوهريتان تعترضان كل محاولة لتحديد موقف نجيب محفوظ الفلسفي، الأولى أنه روائي والثانية تتمثل في انتمائه إلى ثقافة أغلقت باب الاجتهاد الفلسفي منذ قرون عدة. وأن المهمة التي حاول نجيب محفوظ أن يقوم بملئها بالنيابة عن “الفيلسوف العربي المستحيل الوجود” تتمثل في علمنه الدين. وقد كانت “أولاد حارتنا” أول خطوة في هذا السبيل”.

يشير “طرابيشي” إلى محاولات نجيب محفوظ في “تحرير الدين من التخثر القروسطي-الانحطاطي” عبر أعماله الروائية. فقد مثّلت قصة “حكاية بلا بداية ولا نهاية” فصل المجال العلمي عن المجال الديني وتحرير الدين من المؤسسة الدينية وإعادة توظيف قيمه في خدمة “الحارة وأولادها” أي في سبيل الدنيا والإنسان. وقد أكدت الحرية الإنسانية وإعادة فتح باب الاجتهاد في الدين.

يتناول “طرابيشي” محاور الإشكالية الدينية وكيفية طرحها من “محفوظ” ليخلص بأن المحاور هي: ميتافيزيقي- أخلاقي- أنطولوجي- أنثروبولوجي- أيديولوجي. ويربط “طرابيشي” كل محور من هذه المحاور بالعمل الروائي الذي حدث التعبير عنه فيه. ويقول أخيرًا: “ربما ينبغي إضافة محورًا سادسًا نسميه المحور الأسطوري، فقد كان على نجيب محفوظ أن يخرج رؤيته الفلسفية لله و للإنسان وللتاريخ إخراجًا روائيًا وبمنطق روائي وبمعمار روائي”.

 

محمد أركون

ازدواجية النص والخطاب

يقول “طرابيشي” مبتدئًا فصله هذا: “لقد فشل محمد أركون بعد نحو من عشرة كتب وربع قرن من النشاط الكتابي في المهمة الأساسية التي نذر نفسه لها بوصفه “وسيطًا بين الفكر الإسلامي والفكر الأوروبي”، فأركون لم يعجز فقط عن تغيير نظرة الغرب “الثابتة” إلى الإسلام، وهي نظرة “من فوق” بل قد عجز حتى عن تغيير نظرة الغربيين إليه هو نفسه بوصفه مثقفًا مسلمًا يتبنى المنهجية العلمية الغربية مطبقًا إياها على التراث الإسلامي. لينتقل بعدها “طرابيشي” إلى التغيير الذي طرأ على أركون بعد الضجيج واللغط الذي أثارته مقالته عن سلمان رشدي في صحيفة اللوموند وكيف نُعِت بالإسلامي المتطرف، فغدا خطابه ساخنًا تدفعه _بحسب تعبير طرابيشي_ حالة “نرفزة”، ومما يسرده لنا طرابيشي حول ذلك من كتابات أركون: “إن الحداثة مجلوبة من الغرب الإمبريالي، الحداثة أدخلت بشكل عدواني وفج و تكتيكي إلى المجتمعات العربية و الإسلامية” إضافة الى أمثلة أخرى كثيرة.

يتناول “طرابيشي” بعد ذلك الطروحات الثلاث التي يستعيدها أركون من تلك المقالة التي تنطوي على ازدواجية فكرية، ونذكر مثالًا أورده “طرابيشي”: في الوقت الذي يتمسك فيه أركون بمنجزات العلمانية ومكاسبها، فإنه لا يرى حرج نظرًا الى أن “كلمة العلمنة تثير نفوس مسلمين كثيرين في التخلي عن كلمة العلمنة بدون أن يترتب عن هذا التخلي أي خطورة”. ويضيف “طرابيشي” فيما يتعلق بالطبيعة الاحتقارية الثابتة لنظرة الغرب الى الاسلام، فإننا سنلاحظ أن الخطاب الأركوني يغيب أسماء مستشرقين ومؤرخين لامعين، لم يقفوا من الإسلام أو من العرب الموقف الاحتقاري أو المتعالي مثل: ماسينيون وبلاشير وكلود كاهين وفرنان بروديل, وغيرهم كثيرون.

يخلص المفكر جورج طرابيشي في هذا الفصل إلى استنتاج يوجزه كالآتي: لنا أن نستنتج _بعد فشل أركون والخطاب العربي كله؛ الحديث والمعاصر بتغيير نظرة الغرب إلى الإسلام والعرب_ إن هذا الفشل المكرر قد يدل لا على استحالة تغيير تلك النظرة، بل على عدم سداد الإستراتيجية العربية أو الإسلامية التي تضع رهانها كله على تغيير نظرة الغرب إلينا. وهذه مناسبة لندعو بدورنا إلى تأسيس “سيكولوجيا” لدراسة الأسباب “النفسية” التي تتحكم في الطلب العربي أو الإسلامي الذي هو من طبيعة نرجسية نهمة، لتغيير نظرة الغرب _مصدر الجرح النرجسي_ إلينا، وتحكم عليه سلفا” بالفشل وعدم التلبية.

 

المثقفون العرب المرضى بالغرب

خطاب جلال أحمد أمين أنموذجا”

أهم ما تطرق إليه “طرابيشي” في هذا الفصل خلال تناوله لنموذج خطاب جلال أمين:

“كتاب جلال أحمد أمين يكرر بأسلوب صحافي الأفكار المتداولة في سوق الأدبيات المعادية للعولمة”.

“الآلية المعتمدة في تصوير جلال أحمد أمين للأشياء، هي التهويل والتهوين معا”.

“ما يدعو جلال أحمد أمين العرب إليه ليس مقاطعة عصر العولمة وحدة، بل الخروج من العصر بإطلاق، فنقد العولمة ليس عنده إلا ذريعة لنقد الحداثة، لأن عامل هذه الحداثة هو الغرب”.

“أول الأخطار التي يتوقف عندها جلال أحمد أمين هو ما تتعرض له الديانات كلها من القهر على يد المجتمع التكنولوجي الحديث”.

“الهوية معناها التفرد، والهوية الثقافية هي التفرد الثقافي، والتقدم التكنولوجي ينطوي يطبيعته على تهديد الهوية الثقافية”. ليختتم “طرابيشي” بعد هذا “التفنيد” بالفكرة الآتية: “الحضارة تسعى إلى التوحيد حيث تسعى الثقافة إلى التفريد، ولا يعود يسري مفعول التنوع الثقافي إلا ضمن نطاق الوحدة الحضارية”. ويشير أخيرًا إلى ثلاثة مسارات يمكن لجدلية “حضارة توحيد ثقافة تفريد” أن تتوقف أو ترتكس إذا ما انزلقت في واحدة منها, وهذه المسارات هي 1-مسلك استئصالي 2-نزوع بعض الثقافات إلى تأسيس نفسها في حضارة بديلة. 3-انزلاق بعض الثقافات إلى استراتيجية انغلاقية تراهن على القطع مع الحضارات.

 

المثقفون العرب والعولمة

يتناول “طرابيشي” العولمة بداية، بوصفها مسألة أخلاقية ليتناول بعدها مسألة “تعولم العالم” فيقول: “العولمة لا تعني شيئا” آخر سوى صيرورة العالم واحدا”، فقبل الاقتصاد وقبل الإعلام وقبل الصناعة الثقافية، فإن العالم نفسه هو الذي يتعولم”. وبعنوان جانبي “بين المؤامرة والرؤية الكارثية” يقول “طرابيشي”: ما دمنا بصدد الحديث عن انعكاسات العولمة على الثقافة العربية، فلنقل إن أكثر هذه الانفعالات فاعلية هو الكيفية التي يجري بها استقبال العولمة، وأعني دومًا مفهومها. وحول هذا، يشير “طرابيشي” إلى نظرة المثقفين العرب إلى العولمة بوصفها مؤامرة، ويستشهد من كتاباتهم ما يدعم إشارته، ومن هؤلاء المثقفين: عبد الإله بلقزيز، مطاع صفدي، برهان غليون، محمد عودة، حسين أحمد أمين، محمد عابد الجابري، سيد البحراوي، ومحمود أمين العالم.

يعود بعدها “طرابيشي” ليؤكد خطورة خطاب “العصاب الجماعي العربي” الناجم عن الجرح النرجسي منذ اكتشاف الذات العربية نفسها متأخرة، فيقول: بعض منتجي هذا الخطاب يتخذون من العولمة ذريعة لتجديد التشهير بالحداثة. ليقوم “طرابيشي” بإدراج أمثلة حول أصحاب ذلك الخطاب.

 

عولمة العالم العربي

يقول طرابيشي: “صاغ عبد السلام المسري مفهوم “العولمة المضادة وقد حذر هو نفسه من التعاطي “الطوباوي” مع المفهوم، مؤكدًا أن “الضدية” التي يتضمنها هذا المفهوم ينبغي أن تفهم لا على أنها ضدية متناقضة بل ضدية جدلية، ويعقب طرابيشي: أحد تعريفات العولمة أنها إلغاء الحدود، فلنبادر إلى القول إن الحدود التي يذهب بنا الفكر إلى ضرورة إلغائها في العالم العربي هي الحدود الثقافية. ويضيف: ليس لنا أن نتصور عملية اختراق الحدود الثقافية أو إلغائها على أنها سلبية خالصة، وإن خير وسيلة لمواجهة العولمة هي الحضور لا الغياب.

يختتم “طرابيشي” كتابه هذا بالقول: إن الحراك الثقافي مخرج أمثل من المأزق المزدوج الذي يهدد عملية التمفصل ما بين ثقافة العولمة والثقافة العربية، مأزق الانغلاق على الذات والتشرنق في خصوصية أو أصولية ثقافية خانقة، ومأزق الانخلاع من الذات والانجراف في سيرورة عولمة ثقافية ماحقة، فالثقافات القومية ومنها العربية، تحتاج في سيرورة تمفصلها مع الثقافة المعولمة إلى أجنحة بقدر حاجتها إلى جذور.

 

شارك هذا المقال

قم بالتسجيل لتلقي النشرة الدورية