أحدث إصدارات المركز ودار ميسلون

حجر الذاكرة بعض من جحيم السجون السورية

 

في السجن لا حياة، فأنت مجبر على اختراعها، بل أنت مطالب بأن تمنح ذاكرتك ما يمكنّها اختراع الحياة أيضًا. نعم؛ في السجن نخترع الحياة ونصوغها، كما تستطيع ذاكرتنا أن تفعل، نخترع شخوصًا ونحبهم أو نكرههم، وربما نقتلهم، ونخترع مطارح ومعارك ننتصر فيها أو نهزم، ونخترع نساءً لكي نبكي حنينًا إليهن، فنضاجعهن كما لو أننا نصلي، ونكتئب إن هجرننا، وربما نحاول الانتحار.

في السجن، من لا يتقن اختراع الحياة، سيسحبه اليأس إلى لجّة الموت. في السجن، في هذا المضيق الذي يفصل بين موت وحياة، نتعلق بذاكرتنا وكأنها طوق نجاة، وحدهم من سُجنوا ومن يسجنون، لآماد طويلة وفي شروط شديدة القسوة والبشاعة والحرمان، كما هي حال السجون السورية، يدركون جيدًا معنى الذاكرة والحاجة إليها وحقيقتهما. السنوات التي تتناسخ وتترى، تجعل من الذاكرة ذاكرةً عطشى، فتحيلها ذاكرةً يشققها اليبس عميقًا، وذاكرةً تجهد لصون آخر عصارة فيها، ثم كي لا تموت فنموت نحن، نلهث وراء ما يمكن أن يسقيها، ولو قليلًا.

 

 

بسام يوسف

كاتب سوري من مواليد 1961، يحمل إجازة في العلوم الطبيعية – الكيمياء الحيوية من جامعة تشرين في اللاذقية 1985، ناشط سياسي، اعتقل مدة عشر سنوات من 1987 إلى 1997 لانتمائه إلى حزب العمل الشيوعي، رئيس تحرير جريدة “كلنا سوريون”، مقيم في السويد منذ 2015.

شارك هذا المقال

قم بالتسجيل لتلقي النشرة الدورية