وحدة المقاربات القانونية

صلاحيات رئيس الجمهورية بحسب الدستور السوري لعام 2012 مقارنة بالدستور التونسي لعام 2014

المحتويات

مقدمة

الهدف من الدراسة

مفهوم رئيس الدولة؛ مقارنة دستورية

لماذا المقارنة بالدستور التونسي 2014

صلاحيات رئيس الدولة ضمن إطار السلطة التشريعية

استنتاجات

الدستور السوري يكرس النظام الشمولي

الدستور التونسي يراعي مبدأ التوازن بين السلطات

خاتمة

 

 

 

مقدمة

بخلاف دساتير العالم المتمدن كلها التي توجب على رئيس الدولة أن يسهر على سيادة القانون، وتؤكد سيادة الشعب، وتراعي الفصل بين السلطات، وتحمي الدولة وتمكنها التقدم والنهوض والتنمية؛ فصّل حافظ الأسد دستور 1973 على مقاس نظامه الذي حكم به سورية، ومهّد بموجبه الحكم للوارث (الابن).

وجاء الدستور المعدل لعام 2012 بالتراتبية ذاتها، من حيث حجم الصلاحيات الممنوحة للرئيس الوارث بشار الأسد الذي خلفه في السلطة، عبر آليات أقلّ ما يمكن القول عنها إنها لم تكن دستورية؛ بل منحه الدستور الجديد صلاحيات مطلقة؛ من حيث السيطرة على السلطات الثلاث (التشريعية والتنفيذية والقضائية)، وبموجبها شكّل الرئيس دولة عميقة، أدواتها المنفِّذة أجهزة استخبارات مرتبطة به، وهي ذات صلاحيات مطلقة ابتلعت الدولة لمصلحة السلطة، في حين بقيت السلطات الدستورية الثلاث محض هياكل دولة شكلية ظاهريًا. ويتنافى ذلك مع نظرية مونتسيكيو (الفصل بين السلطات) التي تجعل من موقع الرئاسة محض رمز للدولة، يمثلها خارجيًا، وتتحدد مهماته بدستور[1].

 

الهدف من الدراسة

تهدف هذه الورقة إلى إجراء مقارنة بين الدستور التونسي الجديد لعام 2014، والدستور السوري لعام 2012 وتقديم رؤيا لدستور سوري يراعي مبدأ فصل السلطات الثلاث لدرء السلطة الشمولية والاستبداد. وتكمن أهمية هذه الدراسة بأنها تسعى إلى للاستفادة من التجربة التونسية لوضع رؤية وأسس لتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية. ويجب أن تراعى في الدستور السوري الجديد -الذي سيكون ثمرة الثورة- أيضًا مبدأ فصل السلطات بغية الوصول إلى مصاف دول عصرية حديثة في صناعة دساتير تحد من صلاحيات رئيس الدولة.

لقد اكتسب موضوع الدراسات الدستورية الحديثة وصلاحيات الرئاسة اهتمامًا متميزًا بعد مرحلة الربيع العربي، وغدا موضوع جدل حقوقي وفكري سياسي، لعل ذلك ازداد أكثر مع صدور الدستور التونسي الجديد لعام 2014، أثارت تلك المقارنات لدى المعنيين بالشأن السوري مزيدًا من الاهتمام للتشابه بين النموذجين.

ألغى الدستور التونسي لعام 2014، دستور تونس القديم لعام 1959 الذي كان يُشابه -من حيث الصلاحيات المطلقة لرئاسة الجمهورية التونسية- الدستور السوري (1973 -2012) بدرجة كبيرة، إذ كان رئيس الجمهورية يتمتع بصلاحيات مطلقة يجمع السلطات كلها بيده (حكم فردي دكتاتوري مطلق).

تأتي أهمية هذه الدراسة من أنها تسعى للاستفادة من التجربة التونسية في وضع رؤية وأُسُس لتقليص صلاحيات رئيس الجمهورية في الدولة السورية المستقبلية دستوريًا.

مفهوم رئيس الدولة؛ مقارنة دستورية

ترسخ دساتير كثير من دول العالم مبدأ فصل السلطات وعدم ازدواجية المناصب، والفصل التام بين السلطات ومهماتها، فنظام ألمانيا الاتحادية البرلماني، مثلًا، يحدد في المادة 55: “لا يجوز للرئيس الاتحادي أن يكون عضوًا في الحكومة التشريعية، أو أي هيئة أخرى”؛ وكذلك نصَّ الدستور الفرنسي، في المادة 61 على أن “رئيس الجمهورية هو من يحمي استقلال السلطة القضائية، ولا يجوز له عزل القضاة”. إذ الهدف هو الحد من صلاحيات رئيس الجمهورية في إصدار مراسيم وقوانين فيها تعدٍ على باقي السلطات.

يعرّف بعض الفقهاء الدستور بأنه (مجموعة من القواعد الناظمة للمجتمع، تكون محترمة من الشعب، وتتحقق فيه قواعد السمو على بقية القواعد القانونية. ورئيس الدولة هو رمز السلطة العامة، يمثلها بوصفها وحدة سياسية في الداخل والخارج).

يمكن تقسيم الدساتير المتداولة إلى أربعة أنواع؛ من حيث بيان المقصود فيها بـ (رئيس الدولة)[2].

  • دساتير حددت مركزه الدستوري: إذ تُحدد كيفية انتخاب الرئيس، وتحدد صلاحياته ومسؤولياته، ومنها القانون الأساسي لجمهورية ألمانيا الاتحادية (المادة 54).[3] وأيضًا الدستور السويسري (ينتخب كل من مجلس الشعب ومجلس المقاطعات من أعضائه رئيسًا لمدة عام، وكذلك ينتخب نائبيه الأول والثاني ولا يجوز انتخابهما في العام التالي)[4].
  • دساتير حددت وظيفة الرئيس: إذ جرى التركيز على وظيفة رئيس الدولة وواجباته، بمثل الدستور الفرنسي لعام 1958 المعدل 1962 (المادة 5).[5] وكذلك الدستور الإيطالي المادة 117: (منح رئيس الجمهورية صلاحيات تعيّن رئيس الحكومة الذي بدوره يعيّن رئيس الوزراء)6.
  • دساتير تبيّن تعريف الرئيس وتحدد واجباته: مثل دستور جنوب أفريقيا في (المادة 83)[6] الذي نص على أن رئيس الجمهورية هو (رئيس الدولة ورئيس السلطة التنفيذية الوطنية). وأيضًا دستور أرمينيا لعام [7]
  • دساتير تعرّف الرئيس فقط: كما في الدستور الإنكليزي والياباني، حيث القرار فيه للبرلمان، بعكس الدول التي تكون الكلمة فيها للرئيس كما في روسيا، إن (رئيس الاتحاد الروسي هو رئيس الدولة وله صلاحيات واسعة).

 

لماذا المقارنة بالدستور التونسي 2014

بسبب تشابه دستوري تونس لعام 1959 ودستور سورية لعام 1973 المعدل عام 2012، في منح صلاحيات مطلقة للرؤساء، حيث يصبح نظام الحكم شبه مطلق الصلاحيات (حالة تونس السابقة)، ونظام حكم مهيمن كامل السلطات (حالة سورية).

وبالنظر إلى حالة تونس وما أنجزته الثورة هو إلغاء دستور 1959 وتقييد صلاحيات الرئيس دستوريًا، وللاستفادة من التجربة التونسية في سورية المستقبل، قمنا بمناقشة الدستور التونسي لعام 2014. فقد منح هذا الدستور صلاحيات معينة تختلف عما كانت عليه في مرحلة حكم زين العابدين بن علي، وعن دستور المرحلة التأسيسية التي أتت بعد الثورة، حيث ركز على تحديد صلاحيات رئيس البلاد بمجالات السياسة الخارجية والدفاع والأمن، وتوزيع السلطة بين رئيس البلاد ورئيس الحكومة الذي مُنح أغلب السلطات المتعلقة بتسيير شؤون البلاد.[8] مع استقلال تام للسلطة القضائية.

إن نظام الحكم في تونس لا يتوافق مع النظام البرلماني المعروف في الدساتير الأوروبية، كسويسرا مثلًا، بل هو مزج بين النظام الرئاسي والنظام البرلماني، وجرت الموازنة بين الصلاحيات والسلطات الممنوحة لكل من رئيس الوزراء ورئيس الجمهورية، وجمع بين خصائص النظامين في آن واحد، ما يجعل نظام الحكم في تونس من الأنظمة السياسية المختلطة التي تراعي خصوصية الجمهورية التونسية الجديدة. وقد صاغ الدستور التونسي الجديد جملة من الأمور الأساسية في باب السلطة التنفيذية، تتعلق برئيس الجمهورية، أهمها:

  • هو رئيس الدولة، ورمز وحدتها، ويضمن استقلالها واستمرارها، ويسهر على احترام الدستور.
  • يُنتخب رئيس الجمهورية بالأغلبية المطلقة، لمدة خمس سنوات، وعبر انتخابات عامة وحرة ونزيهة ومباشرة وشفافة. ولا يجوز تعديل ذلك (الفصل 75).
  • وفي الباب الرابع/ القسم الأول من دستور 2014 من (الفصل 71 إلى الفصل 88) حددت مهمات رئيس الجمهورية وصلاحياته وسلطاته وطريقة انتخابه، كما حدد القسم الثاني من الباب الرابع من (الفصل 89 إلى الفصل 101) آلية تعيين الحكومة وتكوينها وتحديد مهماتها وصلاحياتها ومساءلتها وطريقة إقالتها واستقالتها.

أما في الدستور السوري فمدة ولاية الرئيس سبع سنوات، ويمكن التجديد لمرة واحدة، وهذه المدة طويلة، مقارنة بالدستور التونسي، وتؤدي إلى احتفاظ الرئيس بالمنصب مدة طويلة؛ ولا سيما إذا أعيد انتخاب الرئيس المنتهية ولايته مرة ثانية. لذا يجب تعديل هذه المادة في تقليص المدّة الرئاسية إلى أربع سنوات، مع إمكان إعادة انتخابه مرة واحدة، أو تبقى مدّة الرئاسة سبع سنوات، من دون إعادة انتخابه، ولا يجوز تعديل هذه المادة، وأول خطوة في هذا الاتجاه هي الأخذ بالنظام الرئاسي _ البرلماني. أسوة بالدول المتقدمة.

صلاحيات رئيس الدولة ضمن إطار السلطة التشريعية

نلاحظ في فصل الرئاسة في الجمهورية التونسية أن على الرئيس أن يخاطب مجلس النواب. ونجد في الفصل 80 أن من واجب رئيس الجمهورية، في حال حدوث خطر داهم مهدد لكيان الوطن وأمن البلاد واستقلالها -بصورة يتعذر معها السير الطبيعي لشؤون الدولة- أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية؛ وذلك بعد استشارة رئيس الحكومة ورئيس مجلس النواب، وإعلام المحكمة الدستورية، وأن يعلن التدابير في بيان إلى الشعب. ويجب أن تهدف هذه التدابير إلى تأمين عودة الأوضاع إلى مسارها الطبيعي في أقرب وقت، ويعدّ مجلس نواب الشعب في حالة انعقاد دائم طوال هذه المدّة. وفي هذه الحالة لا يجوز لرئيس الجمهورية حلّ مجلس نواب الشعب، كما لا يجوز تقديم لائحة لوم ضد الحكومة. وبعد مضي ثلاثين يومًا على سريان هذه التدابير، وفي كل وقت بعد ذلك “يعهد إلى المحكمة الدستورية بطلب من رئيس مجلس النواب الشعب، أو ثلاثين من أعضائه البتّ في استمرار الحالة الاستثنائية من عدمه، وتصرح المحكمة بقرارها علانية في أجلٍ أقصاه خمسة عشر يومًا.

أما المادة 103 في الدستور السوري، فقد جاء فيها بخصوص صلاحيات رئيس الجمهورية أنه يحق للرئيس إعلان حالة الطوارئ، وكذلك إلغاؤها، بمرسوم يُتّخذ في مجلس الوزراء المنعقد برئاسته، وبأكثرية ثلثي أعضائه، على أن يعرض الأمر على مجلس الشعب في أول اجتماع له، كما يبيّن القانون الأحكام الخاصة بذلك. (حالة الطوارئ استغلها رئيس الجمهورية مدة 40 عام وكمّت أفواه السوريين، وكانت تسوّغ للأجهزة الأمنية اعتقال أي شخص من دون العودة إلى السلطة القضائية).

يلاحظ بوضوح مدى الاختلاف في نص المادة بين الدستورين؛ فقد منح الدستور السوري الرئيسَ صلاحيات مطلقة واسعة، وجعله يمسك بالسلطات التشريعية والتنفيذية والقضائية، بينما قيّد التونسي ذلك بالفصل بين السلطات، وتحديد صلاحيات الرئاسة. وأصبحت هذه الحالة مناطة برئاسة الوزراء.

وفي أمرٍ آخر؛ نقرأ في المادة 97 من الدستور السوري عن صلاحيات الرئيس: “يتولى رئيس الجمهورية تسمية رئيس مجلس الوزراء ونوابه، وتسمية الوزراء ونوابهم، وقبول استقالاتهم وإعفائهم من مناصبهم”. بينما يرد في الدستور التونسي (الفصل 89) أن الحكومة تتكون من وزراء وكتّاب دولة يختارهم رئيس الحكومة، ويتشاور مع رئيس الجمهورية بالنسبة إلى وزارتي الخارجية والدفاع، أي لا صلاحيات لرئيس الجمهورية إلا بالتشاور مع رئيس الوزراء، بخصوص وزارتي الدفاع والخارجية.

  • وأعطى الدستور التونسي صلاحيات مستقلة للمحكمة الدستورية التي تنظر في الطعون التي ترد إليها من مجلس النواب، وكذلك من رئيس الجمهورية لجهة شرعية القوانين، وكذلك البت في حالات إعفاء رئيس الجمهورية، وعزل رئيس الدولة؛ كما جاء في الفصل 88 من الدستور التونسي، وما قبله من فصول متعلقة بدستورية القوانين.
  • أما لجهة استقلال السلطة القضائية في الدستور التونسي، فهي واضحة ومحددة.

وقد جاء في الفصل 112 في تكوين المجلس الأعلى للقضاء: “يتكون المجلس الأعلى للقضاء العدلي ومجلس القضاء الإداري ومجلس القضاء المالي والجلسة العامة للمجالس القضائية الثلاث، ويتركب كل هيكل من هذه الهياكل في ثلثيه من قضاة منتخبين أغلبهم؛ والباقي معينين بالصفة. وينتخب المجلس الأعلى للقضاء رئيسًا له من بين أعضائه من القضاة الأعلى مرتبة، أي لا يوجد أي سلطة (لرئيس الجمهورية على السلطة القضائية نهائيًا) وهذا مؤيد في الفصل 113 (يتمتع المجلس الأعلى للقضاء بالاستقلال الإداري والمالي والتسيير الذاتي ويعد مشروع ميزانية ويناقشه أمام اللجنة المختصة في مجلس نواب الشعب.

أما الدستور السوري فالسلطة القضائية غير مستقلة ومجيرة لمصلحة سلطة الرئيس. كما هو واضح في المادة 133 أن رئيس الجمهورية هو من يرأس مجلس القضاء الأعلى، والمادة 141 أن رئيس الجمهورية هو الذي يسمي أعضاء اللجنة الدستورية العليا ويعينهم.

أما المادة 132 من الدستور السوري فتنص على أن رئيس الجمهورية يترأس مجلس القضاء الأعلى، ويبين طريقة تشكيله واختصاصه وقواعد سير العمل فيه. أما المادة 139 فقد جاء فيها “تؤلف المحكمة الدستورية العليا من خمسة أعضاء، يكون أحدهم رئيسًا، ويسميهم رئيس الجمهورية بمرسوم”، وقيّدت المادة 146 صلاحياتها ومهماتها بوصفها لجنة لمراقبة السلطة مصدرة القوانين.

إن مواد دستور 2012 الذي جاء على أرضية دستور 1973 تمنح الرئيس سلطات واسعة وشبه مطلقة، على سبيل المثال، المواد الدستورية لجهة:

  • صلاحية إصدار القوانين والمراسيم لرئيس الجمهورية، وتحديدًا لمدّة انعقاد مجلس الشعب، وقد جاءت تلك القوانين والمراسيم لتعمق النظام الفردي المطلق وتجذره، يضاف إليها صلاحيات السلطة التنفيذية بتعيين رئيس الوزراء ونوابه (المادة 97).
  • رئيس الجمهورية هو رئيس مجلس القضاء الأعلى، وينوب عنه أحيانًا وزير العدل (المادة 132). يرأس رئيس الجمهورية مجلس القضاء الأعلى، ويبين القانون طريقة تشكيله واختصاصه الذي هو جزء من السلطة التنفيذية، بحيث تصبح السلطة القضائية تابعة للسلطة التنفيذية ومرتبطة بها إداريًا وماليًا.
  • رئيس الجمهورية هو الرئيس الفعلي للمحكمة الدستورية، وهو الذي يسمي أعضاءها من خمسة أعضاء، ويعفيهم من مهماتهم، ويحيل إليها القوانين للنظر في مدى ملاءمتها للدستور.
  • هو الرئيس الفعلي للسلطة التشريعية من حيث آلية التشكيل، وامتلاكه الحق في حلّ البرلمان من دون العودة إلى بقية السلطات.

إضافة إلى ذلك أعطى الدستور السوري الرئيسَ صلاحيات واسعة في نصوص الدستور:

  • المادة 98 يضع رئيس الجمهورية في اجتماع مع مجلس الوزراء برئاسته السياسة العامة للدولة ويشرف على تنفيذها.
  • المادة 99 لرئيس الجمهورية أن يدعو مجلس الوزراء للانعقاد برئاسته، وله طلب تقارير من رئيس مجلس الوزراء والوزراء.
  • المادة 100 يُصدر رئيس الجمهورية القوانين التي يقرها مجلس الشعب، ويحق له الاعتراض عليها بقرار معلل، خلال شهر من تاريخ ورودها إلى رئاسة الجمهورية، فإذا أقرها المجلس ثانية بأكثرية ثلثي أعضائه أصدرها رئيس الجمهورية.
  • المادة 103 يُعلن رئيس الجمهورية حالة الطوارئ ويُلغيها بمرسوم يُتخذ في مجلس الوزراء المنعقد برئاسته وبأكثرية ثلثي أعضائه، على أن يعرض على مجلس الشعب في أول اجتماع له، ويبين القانون الأحكام الخاصة بذلك.
  • المادة 105 رئيس الجمهورية هو القائد الأعلى للجيش والقوات المسلحة، ويصدر القرارات والأوامر اللازمة جميعها لممارسة هذه السلطة، وله التفويض ببعضها.
  • المادة 108 يمنح رئيس الجمهورية العفو الخاص، وله الحق برد الاعتبار.
  • المادة 111: (ثلاثة بنود)
  • أ- لرئيس الجمهورية أن يقرر حل مجلس الشعب بقرار معلل يصدر عنه.
  • ب- تجري الانتخابات لمجلس جديد خلال ستين يومًا من تاريخ الحل.
  • ج- لا يجوز حل مجلس الشعب أكثر من مرة لسبب واحد.

المادة 113 (ثلاثة بنود)

  • أ- يتولى رئيس الجمهورية سلطة التشريع خارج دورات انعقاد مجلس الشعب، أو في أثناء انعقادها، إذا استدعت الضرورة القصوى ذلك، أو خلال المدّة التي يكون فيها المجلس منحلًا.
  • ب- تعرض هذه التشريعات على المجلس خلال خمسة عشر يومًا من انعقاد أول جلسة له.
  • ج- للمجلس الحق في إلغاء هذه التشريعات أو تعديلها بقانون، وذلك بأكثرية ثلثي أعضائه المسجلين لحضور الجلسة، على ألا تقل عن أكثرية أعضائه المطلقة، من دون أن يكون لهذا التعديل أو الإلغاء أثر رجعي، وإذا لم يُلغها المجلس أو يُعدلها عُدّت مقرة حكمًا.

المادة 114

  • إذا قام خطر جسيم وحال يهدد الوحدة الوطنية أو سلامة أرض الوطن واستقلالها، أو يعوق مؤسسات الدولة عن مباشرة مهماتها الدستورية، لرئيس الجمهورية أن يتخذ الإجراءات السريعة التي تقتضيها هذه المتغيرات لمواجهة الخطر.

المادة 117

  • – رئيس الجمهورية غير مسؤول عن الأعمال التي يقوم بها في مباشرة مهماته إلا في حالة الخيانة العظمى، ويكون طلب اتهامه بقرار من مجلس الشعب بتصويت علني، وبأغلبية ثلثي أعضاء المجلس في جلسة خاصة سرية، وذلك بناء على اقتراح ثلث أعضاء المجلس على الأقل، وتجري محاكمته أمام المحكمة الدستورية العليا. وهذه المادة إحدى إشكالات تداخل السلطات إذ يعينها الرئيس بمرسوم، وهو من يقيلها.

إضافة إلى المواد: 96، 97، 101، 102، 104، 106، 107، 110، 112، 115، 116، التي ترسم صلاحيات الرئيس في سورية.

إضافة إلى هذه الصلاحيات كلها كانت أحكام عرفية منذ عام 1962 تمنح الأجهزة الأمنية سلطات مطلقة في قمع المعارضين وقانون طوارئ يكبل الحريات، ويقيدها وبموجب هذه القوانين كانت سورية سجنًا كبيرًا.

نجد أن الرئيس في سورية يجمع بين الصلاحيات كافة، وهو القائد للجيش والقوات المسلحة، ويعين الوزراء، ونوابهم ويعفيهم من مناصبهم، وينعقد مجلس الوزراء برئاسته، ومن حقه إعلان حالة الطوارئ، وتعيين كبار الموظفين المدنيين والعسكريين، وإبرام المعاهدات والاتفاقات، ومن حقة حل مجلس الشعب، ومن حقه منح العفو الخاص والمصادقة على العفو العام، ويعتمد البعثات الدبلوماسية والأجنبية، ومن حقه إعلان الحرب، والتعبئة العامة، وغير مسؤول عن الأعمال التي يقوم بها مهما بلغت جسامتها، ومن الواضح أن هذه الصلاحيات تعطل دور مؤسسات الدولة جميعها المرتبطة بشخصية الرئيس. وكذلك السلطة القضائية كما جاء في المادة 133التي تنص (بان رئيس الجمهورية هو من يترأس مجلس القضاء الاعلى)، وهو من يعين القضاة ويحدد مهماتهم ولرئيس الجمهورية تسمية أعضاء المحكمة الدستورية العليا (141) من الدستور السوري.

 

استنتاجات

الدستور السوري يكرس النظام الشمولي

لقد وضع الدستور السوري لعام 2012، ليمنع أي انتقال سياسي من نظام الاستبداد إلى نظام ديمقراطي. لذا كان من أهم أولويات اللجان القانونية التي تعنى بصوغ دستور سورية المستقبل، بحيث يعتمد على النظام التشاركي أو المختلط، ويوازن بين النظام البرلماني والنظام الرئاسي، وذلك للحيلولة دون الاكتواء بنار هيمنة رئيس الجمهورية وتفرده بالسلطة.

بنود دستور 2012 تختصر الدولة في شخص الرئيس، حيث يقبض على السلطات الثلاث بيده (تشريعية وتنفيذية وقضائية)، فهو نظام شمولي فردي يجمع بين النظام الرئاسي والوراثي، ما جعل مؤسسات الدولة المرتبطة بالرئيس معطلة تمامًا، ولا دور لها.

ولتفكيك هذه المنظومة الدستورية الشمولية في سورية، من الضرورة أن تكون مبادئ الحكم في سورية رئاسية، في ما يتعلق بالسلطة التنفيذية، وبرلمانية في ما يتعلق بالسلطة التشريعية، كما في الدستور الألماني الذي حدد في مادته 55 (لا يجوز للرئيس الاتحادي أن يكون عضوًا في الحكومة التشريعية أو أي هيئة أخرى، وقضاء مستقل تمامًا عن السلطة التنفيذية والتشريعية. وعدم ازدواجية المناصب كما في الدستور الألماني ينتخب أعضاء البوندستاغ (مجلس التشريع الاتحادي) عن طريق انتخابات حرة ومباشرة ومتساوية وسريّة أي كل فئات الشعب) هنا وضوح تام في الصلاحيات، ولا تحتمل التأويل وتأكيد استقلالية القضاء ففي المادة 64 من الدستور الفرنسي لعام 1958 المعدل 1962، رئيس الجمهورية (هو حامي القضاء) ولا يجوز له إصدار أحكام استثنائية لأكثر من 12 يوم إلا بإذن البرلمان؛ وأيضًا القانون الاتحادي والدول الإسكندنافية تخضع رئيس الدولة للمسائلة القضائية (المادة 61)[9] ترفع دعوى المحاسبة على الرئيس الاتحادي أمام المحكمة الدستورية بتهمة الإخلال بالقانون الأساسي لألمانيا أو بأي قانون اتحادي).

لذا نرى أنه من المفيد تقييد صلاحيات الرئيس، تجسيدًا لمبدأ فصل السلطات كما في الدساتير الحديثة، ويخضع فيه الرئيس للمحاسبة وعدم إطلاق العنان للسلطة التنفيذية في تنفيذ القرارات وفق هواها. وأن من الضروري أن يُبنى الدستور على أساس وظيفي لجهة رئيس الدولة، فمثلًا في الدستور الإيطالي لا يمكن الجمع بين منصب رئيس الجمهورية وأي منصب آخر، وينتخب الرئيس من السلطة التشريعية وعليه أن يحترم الدستور والالتزامات الناتجة عن قوانين الاتحاد الأوروبي أو الالتزامات الدولية، ويمنحه فقط تعيين رئيس الحكومة المادة 117 في الدستور الإيطالي (ولا يجوز الجمع بين رئيس الجمهورية وأي منصب آخر المادة 84) وبرلماني لجهة التشريع، كما جاء في الدستور السويسري المادة 163 تصدر الجمعية الاتحادية المراسيم الملزمة قانون في صورة قانون اتحادي. وتصدر المراسيم الأخرى في صورة قرار اتحادي، أي يمارس رئيس الجمهورية الصلاحيات المنوطة به، وفق أحكام النظام الرئاسي البرلماني، على أن يجري توزيع السلطات وفق الدستور.

كذلك دستور فنلندا وأيرلندا والنمسا النظام المختلط (نظام جمهورية شبه رئاسي ديمقراطي تمثيلي برلماني ويخول السلطة للشعب الذي يمثله النواب المجتمعين في البرلمان، ويضطلع البرلمان بالسلطة التشريعية، بينما يؤدي رئيس الجمهورية دورًا ثانويًا للغاية (يعد مجلس الدولة الحكومة أعلى مستويات الحكم في الدولة، ويجب أن يتمتع أعضاء الحكومة بثقة البرلمان) دستور فلندا.

 

الدستور التونسي يراعي مبدأ التوازن بين السلطات

كانت عملية التوازن بين النظامين الرئاسي والبرلماني في الدستور التونسي لعام 2014، واضحة من خلال جعل انتخاب الرئيس بصورة مباشرة من الشعب، وأن الحزب الفائز بأغلب المقاعد في البرلمان هو الذي يحق له تشكيل الحكومة، حيث تتوزع السلطات بين رئيس الجمهورية من ناحية، ورئيس الحكومة من ناحية أخرى. ولكن على الرغم من وضوح النصوص الدستورية، لا بد من حدوث تنازع الاختصاص في الواقع العملي، حيث ينظر إلى قواعد الدستور على أنها مثالية إلى حد ما، كما لم يحدد شكل نظام الحكم السياسي للبلاد بغير صفة أنه “جمهوري”؛ كما ورد في الفصل الأول، وترك الأمر معلقًا ليتماشى مع المرحلة التي تمر بها تونس. إن النظام البرلماني في الدستور التونسي، يجعل انتخاب الرئيس يجري من الشعب مباشرة، ما يجعل منصب رئيس الجمهورية منصبًا فخريًا بصلاحيات رمزية، لأن المسيّر الفعلي للسلطة التنفيذية سيكون رئيس الحكومة، فهو يمثل الأغلبية داخل البرلمان، وهو المسؤول أمام البرلمان، لأن تعيينه يجب أن يكون من طرف الأغلبية البرلمانية، وكذلك منح الدستور التونسي استقلالية تامة للسلطة القضائية ماليًا وإداريًا كما نص في الفصول 102 و105 و112 و113.

مثال الفصل 113 (يتمتع المجلس الأعلى للقضاء بالاستقلال الإداري والمالي والتسيير الذاتي ويعد مشروع ميزانية ويناقشه أمام اللجنة المختصة في مجلس نواب الشعب.

فالسلطة القضائية في الدستور السوري لعام 2012 غير مستقلة كما جاء في المادة 133 “يرأس مجلس القضاء الأعلى رئيس الجمهورية”، وكذلك المادة 141 لجهة المحكمة الدستورية “تؤلف المحكمة الدستورية العليا من سبعة أعضاء على الأقل، يكون أحدهم رئيسًا يسميهم رئيس الجمهورية”.

فإن تجاوز السلطة التنفيذية للسلطة القضائية يؤدي إلى الدكتاتورية حتما”.

 

خاتمة

يُعد الدستور التونسي الجديد لعام 2014 الذي ألغى السابق، وتجاوزه بمساره القانوني والعصري، أحد أبرز إنجازات ثورة الياسمين وقد شاركت في صوغه لجان تمثل أطياف المجتمع كافة في تونس الجديدة. وعلينا أن نسعى لصوغ دستور سوري عصري يكون على غرار الدستور التونسي، إضافة إلى الاستفادة من دساتير دول متقدمة تحصر صلاحيات رئيس الجمهورية بأدوار رمزية، وتحدد مهماته بوضوح.

وعلى ذلك؛ فإن الدستور السوري الذي نطمح إليه بعد انتصار الثورة، يجب أن يأخذ بمبدأ الفصل بين السلطات، وأن يجسد هذه النظرية قوانين ناظمة، كقانون الأحزاب وقانون الصحافة، وقانون انتخابات “دستوريا”، ويجسد ذلك عبر دستور عصري يقيد صلاحيات الرئيس أكثر من دستور تونس، وذلك وفق الآتي:

  • يمارس رئيس الجمهورية الصلاحيات المنوطة به وفقًا للنظام الرئاسي، على أن يجري توزيع الصلاحيات بينه وبين بقية السلطات بشكل منفصل.
  • صلاحيات الرئاسة تجاه الحكومة تقتصر على قبول استقالة الحكومة، أو عدّها مستقيلة، ولا مانع من الاستشارة في مجال الشؤون الخارجية والدفاع.
  • تُرفع مشروعات القوانين كافة من مجلس النواب إلى الحكومة، وليس إلى الرئيس، وتقتصر مهمة الرئيس هنا على إعلانها.
  • تحديد مدة الرئاسة بأربع سنوات، قابلة للتجديد مرة واحدة (وهذه المادة لا يجوز تعديلها قطعًا).
  • إعلان حالة الطوارئ تكون منوطة برئاسة الوزراء، بعد طرحها على مجلس النواب، وأخذ رأي اللجنة الدستورية، ولا مانع من أن يعلنها الرئيس، ويجب أن تكون في حالات استثنائية فقط، وبحدود ضيقة جدًا، مع اشتراط تحديد المدة الزمنية، وثم تطرح على البرلمان في حال التمديد. (في الأحوال الاستثنائية)، ويجب على الرئيس إعلان القوانين التي نالت موافقة الحكومة والبرلمان خلال عشرة أيام من وصولها إلى ديوان الرئاسة، وإعطائه الحق بطلب إعادة النظر في القانون مرة واحدة. وأيضًا، للرئاسة حق مراجعة المحكمة الدستورية في ما يتعلق بالاعتراض على دستورية القوانين المحالة من البرلمان، وعدم تدخل الرئيس في صلاحيات السلطة القضائية التي تكون مستقلة.
  • السلطة القضائية يجب أن تكون مستقلة ولا سلطان عليها وعدم تدخل رئاسة الجمهورية في تعيين السلطة القضائية، ويجب أن تكون تابعة لمجلس القضاء الأعلى. وكذلك المحكمة الدستورية يجب أن تؤلف من أعضاء مستقلين، يعينون عبر آليات تشريعية، أي من مجلس النواب، ويكونون مستقلين ماليًا وإداريًا عن السلطة التنفيذية (وزارة العدل) ورئاسة الجمهورية.

وهذا يساعد في صوغ دستور عصري، يؤسس لنظام ديمقراطي ذي بنية قانونية لا تؤدي إلى الاستبداد في أي حال، ويكون قائمًا على التعددية الحزبية، وسيادة القانون، وفصل السلطات، وترسيخ حقوق الإنسان، والوصول إلى دولة القانون والمؤسسات، ويحترم المعاهدات والمواثيق الدولية التي تصون حقوق الإنسان.

[1]صلاح الدين الفوزي: واقع السلطة التنفيذية في دساتير العالم. دار النهضة العربية، القاهرة 2002-2003، ص 2؛ مونتسيكو، روح الشرائع، عادل زعيتر (مترجم)، مؤسسة هنداوي المملكة المتحدة 2017. ص 226

[2]منصور خضران الداموك: مبادئ القانون الدولي وتطبيقاته، (القاهرة: دار النهضة، د.ت)، ص80.

[3]يجري انتخاب الرئيس الاتحادي خلال المؤتمر الاتحادي من دون مناقشة. ولأي ألماني حق التصويت في البوندستاغ Bundestag. دستور 1949 المعدل 2009

[4]الدستور السويسري المادة 152 دستور الاتحاد السويسري صدر عام 1999 تعديل 2014 نظام الحكم برلماني جمهورية فدرالية.

[5]يسهر رئيس الجمهورية على احترام الدستور، ويضمن عبر تحكيمه انتظام سير السلطات العامة واستمرارية الدولة، وهو حامي الاستقلال الوطني وسلامة أراضيه واحترام المعاهدات. (الدستور الفرنسي لعام 1958 المعدل 1962).

[6]مجموعة من المؤلفين، الدستور السوري قراءات وخيارات، (غازي عينتاب: مركز حرمون للدراسات، 2018).

[7]الدستور الأرميني 1995.

[8]زبير مولهي: أبرز صلاحيات رئيس الجمهورية التونسية شبكة حوار نت 26 تشرين الثاني/ نوفمبر 2014. http://www.alhiwar.net/PrintNews.php?Tnd=27031

الفصل بالدستور التونسي يساويها كلمة نص المادة في الدستور في سورية.

[9]الدستور الألماني الاتحادي، المادة 61.

شارك هذا المقال

قم بالتسجيل لتلقي النشرة الدورية