تحليل سياسي

حرب الولايات المتحدة “غير المحدودة” في سورية

 

المحتويات

أولًا: مقدمة

ثانيًا: استراتيجيات قديمة متجددة

ثالثًا: أهداف عديدة

رابعًا: حجم الوجود العسكري

خامسًا: الاستفادة من الأكراد

سادسًا: الخاتمة

 

 

 

أولًا: مقدمة

منذ مطلع العام الحالي، أوضحت الولايات المتحدة بشكل تدريجي استراتيجيتها الحالية والمقبلة في سورية، وتدرجت هذه الاستراتيجية من تبرير وجود القوة العسكرية الأميركية في سورية بـ “محاربة الإرهاب”، لتنتقل إلى مرحلة الرفض العلني الكامل للوجود الإيراني في سورية، والتشديد على أن وجودها العسكري في سورية سيكون إلى أمد غير محدد طالما هناك جندي إيراني واحد في الأراضي السورية، وكذلك رفضها أي نقاش حول عملية إعادة إعمار سورية طالما هناك قوات أجنبية في سورية وعلى رأسها الإيرانية.

إعلان الولايات المتحدة أنها ستبقى عسكريًا في سورية إلى أجل غير محدد طالما هناك إيرانيون و(داعشيون) وتنظيمات إرهابية أخرى، من دون أن تُقدّم مخططًا لما ستقوم به حيال هذه القوى إن لم تخرج طواعية من سورية، يمكن أن يُساعد في فهم بعض مما يجري على الأرض السورية، وهو يعني في الدرجة الأولى -في رأي كثير من المحللين السياسيين- أن الحل السياسي مؤجل إلى أجل غير محدد أيضًا.

 

ثانيًا: استراتيجيات قديمة متجددة

في 17 كانون الثاني/ يناير 2018، أدلى وزير الخارجية الأميركي السابق ريكس تيلرسون بتصريح جاء في منزلة إعلان لاستراتيجية أميركية في ما يتعلق بالشرق الأوسط بشكل عام، وسورية بشكل خاص، وطرح جملة من القضايا التي لم تكن الولايات المتحدة قد أعلنت موقفًا صريحًا منها في وقت سابق.

وشرح تيلرسون أن القوات الأميركية ستبقى في سورية لمواجهة (تنظيم الدولة الإسلامية – داعش) ونظام الأسد وإيران، وأنها “لن ترتكب خطأها العراقي عام 2011” الذي خرجت بموجبه القوات الأميركية من العراق فاسحة المجال للهيمنة الإيرانية وتوسّع تنظيم القاعدة، واعتبر ذلك “مصلحة وطنية أميركية”.

تحدث الوزير الأميركي عن أن قوات بلاده ستبقى في الأراضي السورية شرق الفرات، إلى أن يختار السوريون حكومة جديدة تحوز على صدقية دولية، وشدّد على أنه “لن يُسمح لإيران بالاقتراب من هدفها الكبير وهو السيطرة على المنطقة”، وعلى الرغم من أنه لم يقل إن الولايات المتحدة ستطيح الأسد ونظامه، لكنّه شدد على أن انتخابات حرة وشفافة بمشاركة جميع الذين فروا من النزاع السوري ستؤدي تلقائيًا إلى رحيله وعائلته من السلطة نهائيًا.

في أيلول/ سبتمبر الماضي، وبعد نحو خمسة أشهر من تصريحات أدلى بها الرئيس الأميركي قيّد فيها التدخل العسكري الأميركي في سورية، وقال في نهايتها إنه سيسحب قواته من سورية، قرر ترامب اعتماد سياسة استراتيجية جديدة ترتكز على زيادة التدخل الدبلوماسي والعسكري فيها، حتى تحقيق الأهداف الأميركية في المنطقة، وتشمل إخراج القوات الإيرانية كافة من سورية والميليشيات الموالية لها. وهو ما كرره جون بولتون، مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، في أكثر من تصريح منذ ذلك الوقت.

في العاشر من تشرين الأول/ أكتوبر 2018، أعلن وزير الخارجية الأميركي الحالي مايك بومبيو، خلال خطاب أمام المعهد اليهودي للأمن القومي الأميركي، أن الولايات المتحدة لن تُموّل إعادة الإعمار في سورية، طالما أن إيران والميليشيات التابعة لها موجودة على الأرض السورية، وأشار إلى أن إدارة الرئيس دونالد ترامب تريد حلًا سياسيًا وسلميًا، لكنها تريد أيضًا “أن تخرج القوات الإيرانية، وتلك التي تدعمها إيران، من سورية بشكل نهائي”.

هذا الإعلان والتصعيد الأميركي، يبدو نظريًا من الخارج وكأنه دفع للعملية السياسية في سورية، وعملية التغيير السياسي المأمول، لكنه في عمقه أيضًا لا يحل التساؤلات والغموض لعدم ذكر أي آلية يمكن أن تُلزم إيران بمغادرة سورية.

لكن آخر الإعلانات الأميركية كانت تُشير إلى فك الارتباط بين بقاء القوات العسكرية الأميركية والقضاء على تنظيم (داعش)، أي أنه بات تمركزًا واستقرارًا لا يرتبط بالقضاء على التنظيمات الإرهابية فحسب؛ ففي 15 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، قال جيمس جيفري، المبعوث الأميركي إلى سورية، إن قوات بلاده ستبقى موجودة في سورية بعد انتصار قوات التحالف على تنظيم (داعش) من أجل “ضمان ألا يُجدِّد نفسه”.

إذًا، الأسس التي تحكم الاستراتيجية الأميركية في المرحلة الحالية والمقبلة هي أولًا البقاء في سورية عسكريًا للقضاء على (داعش) والجماعات المتطرفة الأخرى وخروج القوات الإيرانية والميليشيات الموالية لها من كامل الأرض السورية، وثانيًا تحقيق انتقال سياسي حقيقي وكامل من دون رأس النظام السوري وعائلته، وثالثًا البدء بالتخطيط لعودة اللاجئين لسوريين بشكل طوعي وآمن والبدء بإعادة الإعمار.

إن تذكير المسؤولين الأميركيين، كل مدة، باستراتيجية الولايات المتحدة في سورية، إنما هو على الأرجح رسالة متكررة للروس وغيرهم، بأن كل المحاولات الروسية للالتفاف على الحلول وإشراك إيران في الحل السوري، أو قيام تحالف تركي – روسي عميق، أو محاولة تجاوز الأميركيين، لن تجدي نفعًا.

يعلو وينخفض مستوى الرسائل وفق الظرف الإقليمي والدولي، ووفق مستوى تقارب وتباعد الروس والأميركيين، فهو ينخفض أحيانًا وفق ما قال جيفري، في 20 تشرين الثاني/ نوفمبر 2018، بأن الإدارة الأميركية تحاول أن توضح للجانب الروسي أمرين: الأول هو أن “مصالح روسيا الأساسية” في سورية المتمثلة بوجود “حكومة صديقة” و”مواقع عسكرية” لا تُعارضها واشنطن، و”لن نحاول تغييرها”، وأوضح أن الأمر الثاني هو “أن من مصلحة روسيا أن نكون شركاء لها”، وأن من مصلحتها أن “تكون هناك حكومة سورية موجودة يدعمها الشعب”، وأكّد على أنه على روسيا “أن تبذل جهدها لتغيير سلوك النظام السوري”.

 

ثالثًا: أهداف عديدة

في التصريحات الصحفية نفسها، كشف جيفري عن أهداف أخرى لوجود القوات العسكرية في سورية، إضافة إلى محاربة (داعش) ومنع إيران من التمدد من العراق نحو سورية، وقال إن “وجودنا بشكل عام في سورية له أبعاد اقتصادية وأمنية وعسكرية، لدينا شركاء وحلفاء على الأرض، نركز على هزيمة (داعش) ومغادرة إيران لجميع الأراضي السورية، وتنشيط عملية سياسية لا رجعة فيها”.

وأضاف “لم تكن الولايات المتحدة جزءًا من تأسيس مسار أستانا، وهدف هذا المسار محدود جدًا، وهو لا يعدو أن يكون “آلية لتخفيف النزاع وعدم التضارب بين الدول الثلاث: تركيا، روسيا، وإيران”، ولن يكون مسارًا فعالًا لدفع العملية السياسية.

لا شك أن للولايات المتحدة مجموعة من الأهداف الاستراتيجية والغايات والمصالح المهمة جدًا لها من وراء تدخلها العسكري في سورية، وبناء ما يزيد على 14 قاعدة عسكرية في مناطق مختلفة داخل سورية، على رأسها المحافظة على عدم تحوّل سورية إلى دولة فاشلة بالمفهوم الأمني، وضمان عدم تغلّب فريق على آخر إلا ضمن ميزان دقيق وضعته وتعمل في تحالفاتها وفقه، وذلك عبر ضبط التوازن الإقليمي والدولي في سورية والشرق الأوسط، وضمان ألّا ينفلت الإرهاب، التكفيري أو الإيراني أو السوري، إلى خارج الحدود أو دول الجوار أو الغرب، وكذلك ضمان مصلحة وأمن حليفها الأساس في المنطقة “إسرائيل”.

كذلك، يقطع الجزء الشرقي من سورية الذي تتمركز فيه القوات الأميركية، التواصل الجغرافي بين سورية والعراق، ويوقف المد الإيراني المحتمل من الشرق، ويمنع إيران من إقامة ممرها البري الذي يربط بين طهران وبيروت، كما يمنع تسرب الميليشيات العراقية الموالية لإيران نحو سورية، بعد أن كانت إيران تحلم بالسيطرة على النفط في هذا الجزء من سورية لاستعادة جزء من استثماراتها المالية الضخمة في الحرب السورية.

يَضاف إلى هذه الأسباب العسكرية أسباب أخرى، منها مراقبة الأسلحة الكيماوية والأسلحة المحظورة، أكانت تلك التي يمتلكها النظام السوري أو التي تمتلكها إيران، وضمان عدم استخدامها أو انتشارها.

وفي هذا السياق يمكن استذكار ما ذكرته السفيرة الأميركية لدى الأمم المتحدة، نكي هيلي، في حديث مع شبكة (فوكس نيوز) الأميركية، بأن أهداف الولايات المتحدة في سورية ثلاثة؛ وهي ضمان عدم استخدام الأسلحة الكيماوية، وهزيمة تنظيم الدولة الإسلامية (داعش)، وضمان وجود نقطة مراقبة جيدة لمتابعة ما تقوم به إيران.

ومن غير المنطقي إهمال الجانب الاقتصادي الذي يمكن أن يدفع الولايات المتحدة للبقاء في بقعة خطرة كسورية، وهذا العامل يتعلق في الوقت الراهن بسيطرة القوات الأميركية على المنطقة الأهم بالثروات الباطنية في سورية، والتي تضم معظم آبار النفط السوري، ومخزونات الغاز الطبيعي الضخمة، وهي الآن تحت تصرف وإشراف هذه القوات، من دون وجود إمكانية لأحد لمحاسبتها عليها.

وفي الجانب الاقتصادي أيضًا، يمكن توقّع مقدار ما تستفيده الولايات المتحدة من بعض بلدان الخليج العربي ماليًا بشكل مباشر من جراء إبقاء قواتها العسكرية في سورية، وهي أموال نقدية في الغالب، ومن وجهة النظر الاقتصادية فإنها -كسيولة- تعادل عشرة أضعافها اقتصاديًا.

وفي هذا السياق، يمكن استذكار ما قاله الرئيس ترامب خلال مؤتمر صحفي في البيت الأبيض في 4 نيسان/ أبريل 2018، في سياق ردّه على الوجود الأميركي في سورية، وقال “أريد أن أعيد جنودنا إلى وطنهم… والتدخل الأميركي في سورية مكلف ويخدم مصالح دول أخرى، وقال إنه أكّد للسعودية، المهتمة ببقاء القوات العسكرية الأميركية في سورية: “إذا كنتم تريدون أن نبقى فربما يتعين عليكم أن تدفعوا”.

عاد ترامب، خلال مؤتمر صحفي له مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في 24 نيسان/ أبريل 2018 للتلويح بأن طلبه من السعودية ليس خياريًا وإنما إلزاميًا، حيث قال إن “دولًا غنية في الشرق الأوسط عليها أن تدفع المال وتُقدّم الرجال لمساعدة القوات الأميركية في سورية ما دامت هذه الدول لن تصمد أسبوعًا واحدًا من دون حماية واشنطن”.

وكان ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان قد صرح في حينه بأنه يرى أن على الولايات المتحدة أن تبقى في سورية للتصدي للنفوذ الإيراني، ووجّه له ترامب رسالة مباشرة بأن على السعودية أن تدفع فاتورة الوجود العسكري، وهو ما حصل.

 

رابعًا: حجم الوجود العسكري

في حزيران/ يونيو 2014، أعلنت الولايات المتحدة عن تشكيل تحالف دولي ضد تنظيم (داعش)، وفي 23 أيلول/ سبتمبر 2014، أعلنت وزارة الدفاع الأميركية عن قيام القوات الأميركية بالتعاون مع دول أخرى، غربية وعربية (التحالف الدولي)، بشن هجوم على مقاتلي (داعش) داخل الأراضي السورية، وكان هذا التدخل العسكري الأميركي المباشر الأول في سورية عبر (التحالف الدولي).

منذ ذلك الوقت ازداد التدخل العسكري الأميركي، والقصف بالطيران بشكل أساسي، على أهداف تؤكد الولايات المتحدة أنها تابعة لمقاتلي تنظيم (داعش)، لكنها عمليًا تقتل الكثير من المدنيين، كما استهدفت عدة مرات قوات النظام السوري، خاصة بعد أن استخدم السلاح الكيماوي وكرر استخدامه، وصار للولايات المتحدة حضور عسكري مهم، يتفاوت بين قواعد كبيرة أساسية ذات طبيعة ارتكازية، أو قواعد عسكرية أصغر تُستخدم كنقاط عسكرية متقدمة داعمة للمواجهات العسكرية لـ (قوات سورية الديمقراطية)، الحليف الأساسي لها في سورية.

منذ بداية عام 2015 بدأ الوجود الأميركي العسكري يُصبح ملموسًا، فلم تعد الولايات المتحدة تعتمد على قواعد عسكرية في تركيا أو في شمال العراق أو على قطع بحرية في عرض المتوسط، وساعدها في توسيع هذا الوجود ذلك التحالف الدولي الذي تقوده، وتُشارك فيه دول أوربية كبرى كفرنسا وألمانيا وبريطانيا وهولندا وإيطاليا وغيرها، فضلًا عن دول عربية كالسعودية والإمارات، وهذا ما وجدته الولايات المتحدة فرصة لتثبيت حضورها العسكري الاستراتيجي في المنطقة عمومًا.

في تشرين الثاني/ نوفمبر 2014، أعلن ممثل هيئة الأركان المشتركة الأميركية كينيث ماكينزي أن عدد القوات الأميركية في سورية يبلغ نحو 500 عسكري، وأيّد البنتاغون العدد، وقال إنهم تحديدًا 503 من العسكريين الأميركيين المنتشرين في أراضي سورية.

لكن وسائل إعلام أميركية (سي إن إن) نقلت عن مسؤولين عسكريين أميركيين تأكيدهم – على خلاف ما أعلنت واشنطن عنه سابقًا- أن عدد القوات الأميركية في سورية وصل إلى 2000 عسكري، معظمهم من أفراد القوات الخاصة، وفرق مدفعية تابعة للبحرية الأميركية مزودة بمدافع متطورة يبلغ مداها 50 كيلومترًا.

ليس هذا العدد من العسكريين كبيرًا بالنسبة إلى الولايات المتحدة، خاصة إذا استذكرنا رغبة مستشار الأمن القومي الأميركي حينها الجنرال هربرت مكماستر التي أعلن عنها في نيسان/ أبريل 2017 في أنه يجب إرسال 50 ألف جندي أميركي إلى العراق وسورية.

ينتشر معظم الوجود العسكري الأميركي في سورية في المنطقة الممتدة من “المبروكة” شمال غرب الحسكة إلى “التايهة” جنوب شرق منبج، وفي 1 آذار/ مارس 2018، نقلت (وكالة الإعلام الروسية) عن مسؤول في مجلس الأمن الروسي قوله إن الولايات المتحدة أقامت نحو عشرين قاعدة عسكرية في سورية على أراض خاضعة لسيطرة الأكراد.

من الصعب التأكد من المعلومات الروسية، لكن المصادر الأهلية السورية تتناقل وجود 14 قاعدة عسكرية أميركية على الأقل، ومن أهمها:

– قاعدة رميلان؛ والتي تقع في مطار رميلان شرق مدينة القامشلي الحدودية مع العراق، وهي من أولى القواعد العسكرية الأميركية في سورية، حيث تم إنشاؤها في تشرين الأول/ أكتوبر 2015، وهي قاعدة كبيرة لديها القدرة على استقبال طائرات قتالية وطائرات شحن عسكرية.

– قاعدة المبروكة؛ وتقع غرب مدينة القامشلي.

– قاعدة خراب عشق؛ وتقع غرب مدينة عين عيسى.

– قاعدة عين عيسى؛ وتقع في أقصى شمال سورية، وتعدّ أكبر قواعد الجيش الأميركي مساحة.

– قاعدة عين عرب؛ وتقع في ريف حلب الشمالي، وتضم مئات الجنود الأميركيين وعدد غير محدد من الخبراء العسكريين الذين يشرفوا على جزء من عمليات التحالف.

– قاعدة تل بيدر؛ وتقع شمال محافظة الحسكة والقامشلي.

– قاعدة تل أبيض؛ وتقع على الحدود السورية – التركية.

– قاعدة التنف؛ وتقع قرب الحدود مع العراق والأردن، وتضم منظومات صواريخ (ترددت أنباء في حزيران/ يونيو 2017 عن إنشاء الولايات المتحدة قاعدة ثانية لها هناك)

– قاعدة الزكف؛ وتقع على بعد نحو 70 كم إلى الشمال الشرقي من التنف، وهي قاعدة تكتيكية، أنشأتها الولايات المتحدة لمنع جيش النظام وحلفائه الموالين لإيران من التقدم إلى المنطقة الواقعة شمالي التنف تجاه الحدود العراقية (أخلتها الولايات المتحدة في حزيران/ يونيو 2017).

تقول الولايات المتحدة إنها لا تستخدم جميع هذه القواعد العسكرية الأميركية لشن هجمات، وإنما لقيادة الهجمات وتنسيقها، وتوفير الدعم لحلفائها في (قوات سورية الديمقراطية)، وتدريب بعض المقاتلين السوريين الذين درّبتهم لحماية بعض قواعدها في شرق سورية، وهي في واقع الأمر ليست في حاجة إلى شن هجمات من هذه القواعد باعتبار أن لديها قواعد عسكرية جوية ضخمة في تركيا وفي المتوسط، ووجودها في هذه القواعد رمزي، يؤكد للجميع أن هذه مناطق أميركية لا يجب الاقتراب منها. وبالفعل استخدمت القوات الأميركية القوة المفرطة في منع تقدّم مقاتلين روس (مرتزقة من مجموعة واغنر الروسية)، ومقاتلين تابعين للنظام وميليشيات تابعة لإيران، من دون أن تضع في الحسبان ردة الفعل الروسية الممكنة، ما يعني أنها جدّية في رسم حدودها داخل سورية بشكل لا تنازل عنه بالمطلق، ومن هنا تبرز أهمية القواعد العسكرية الأميركية.

طالب النظام السوري مرارًا بخروج القوات الأميركية من سورية، بحجّة أنها موجودة في الأراضي السورية من دون موافقته، ثم صارت إيران وروسيا تُلمحان إلى أن وجود القوات الأميركية لا مبرر له بعدما هزم التحالف (تنظيم الدولة الإسلامية) أو أوشك، إلا أن الإدارة الأميركية أعلنت رفضها هذه الفكرة، وسرّبت استراتيجيتها الجديدة التي يتم بموجبها الانتشار الدائم شرق سورية وفي المناطق التي تسيطر عليها (قوات سورية الديمقراطية)، حتى يتم تحقيق تسوية سلمية، وإنهاء الحرب السورية، والبدء بعملية انتقال سياسي، وربما أكثر من ذلك.

إذًا، ربط الجيش الأميركي نفسه بالحرب في سورية إلى أمد غير محدود، ومن المنطقي أن تؤرق هذه الاستراتيجية النظام السوري وروسيا وإيران، وأيضًا تركيا ما لم يكن هناك توافقات ضمنية بين واشنطن وأنقرة تُحافظ على العلاقة الاستراتيجية القديمة بين البلدين.

 

خامسًا: الاستفادة من الأكراد

يتساءل كثيرون في الكونغرس الأميركي عن ضرورة وجود الولايات المتحدة بشكل أعمق في الحرب السورية، ومدى خطورة وجود قواعد عسكرية لها في سورية، وجدوى تحالف الولايات المتحدة المُغامر مع الأكراد على حساب تراجع العلاقة مع تركيا، العضو في حلف الأطلسي والصديق القديم لأميركا.

تحالف الأميركيون مع (قوات سورية الديمقراطية) التي يتألف عمودها الفقري من أكراد شبه انفصاليين، يتبعون إلى حزب الاتحاد الديمقراطي، الذي يُعتبر ذراعًا سوريًا لحزب العمال الكردستاني المُصنّف لدى تركيا كتنظيم إرهابي، هذا التحالف تسبب في زعزعة العلاقة التركية – الأميركية وأوصلها في بعض الأوقات إلى مستوى القطيعة والتحدّي.

يضغط الجيش التركي ضد (قوات سورية الديمقراطية) المدعومة من الولايات المتحدة، ويشن هجمات قاسية ضد هذه الوحدات، ودعم فصائل عسكرية سورية معارضة للنظام من أجل ردع هذه القوات ومنعها من السيطرة على الشمال السوري، الأمر الذي تراه تركيا تهديدًا لأمنها القومي.

في المقابل، تستمر الولايات المتحدة بدعمها للقوات الكردية، وتُقدّم الدعم لها، لكنّها لا تسمح لها عمليًا بالتحرك خارج السرب الأميركي، وبعيدًا عن الخطط التي تضعها الولايات المتحدة، وكلما حصل تجاوز منها، فإن الولايات المتحدة لا تتدخل، وتصمت عن قصف القوات التركية للقوات الكردية وتغض الطرف متناسية أنها حليفة لها، كما أن الولايات المتحدة أعلنت أكثر من مرة أنها تتحالف مع القوات الكردية عسكريًا ولا تتحالف معها سياسيًا، وترفض مشروعها الانفصالي أو الفدرالي بطريقة فرض الأمر الواقع.

في المقابل، فإن تناقضًا يعتري علاقة الولايات المتحدة بالقوات الكردية، حيث تتمتع هذه القوات بعلاقة ليست سيئة مع النظام السوري، وتحاول أن تُحسّنها ضمن شروطها، وقام قياديون في حزب الاتحاد الديمقراطي الكردي و(الإدارة الذاتية الكردية) بزيارة لدمشق والتقوا بمسؤولين سوريين وبحثوا معهم إمكانيات التعاون والتنسيق على مستوى رفيع في العديد من القضايا، لكن السلطات السورية لم تتجاوب معهم وفق ما أرادوا، حتى الآن على الأقل، وتطرح هذه العلاقة الإشكالية أسئلة حول موقف الولايات المتحدة منها، وكيف تسمح للأكراد بمثل هذه العلاقة التي قد تفتح أبوابًا تؤدي إلى تواصل مباشر بين النظام السوري والولايات المتحدة.

تُنبّه “إسرائيل” من هذه الإشكالية، وترى أن الوجود العسكري الأميركي في سورية “أصبح بلا مغزى أو هدف”، خاصة أن روسيا “مستعدة إلى دعم (وحدات حماية الشعب الكردية)، إذا قرر ترامب معاقبتهم وحرمانهم من التمويل”.

الافتراض الإسرائيلي غير بعيد عن الواقع، فهذه القوات الكردية كانت طوال سبع سنوات براغماتية إلى درجة شديدة، بحيث غيّرت تحالفاتها عدة مرات، وتنقلت بين جهات متناقضة، وشابت علاقاتها صبغة انتهازية، حيث تنقلت بالعلاقة من روسيا إلى الولايات المتحدة، وهادنت النظام السوري والإيرانيين، وسعت للحصول على موافقة تركية لمشروعها شبه الانفصالي، كما تآلفت مع وجود قوات النظام السوري في المناطق التي سيطرت عليها، وتحالفت مع المعارضة السورية ثم عادتها.

على الرغم من أن الولايات المتحدة تدعم الأكراد عسكريًا في المرحلة الحالية، إلا أنه ليس مطروحًا أن تتخلى عن تحالفها مع تركيا، صاحبة أحد أكبر جيوش الشرق الأوسط، والتي تتحكم في سورية بعشرات الآلاف من المقاتلين السوريين، والشريك الاستراتيجي والعسكري القديم، وأيضًا التي تحتل المرتبة السابعة عشر في ترتيب أكبر اقتصادات العالم، والعضو في حلف شمال الأطلسي، كما أن القواعد العسكرية الأميركية، الحربية واللوجستية، في تركيا هي من أهم وأكبر قواعد الولايات المتحدة في المنطقة، ولهذا فإن الولايات المتحدة تضغط على الأكراد في ما يتعلق بتركيا تحديدًا وتمنعهم من تحقيق ما يريدون على حساب أنقرة، لكن تكتيكات الولايات المتحدة تُزعج الأتراك وتُبقي العلاقة غير مستقرة بين الطرفين.

تزامن إعلان الولايات المتحدة أن وجودها في سورية غير محدود بزمن، مع عودة الدفء إلى العلاقات التركية – الأميركية تدريجيًا، وميل تركيا تدريجيًا بعيدًا عن المشروع الروسي، وإعلان البيت الأبيض أنه سيُخرج إيران من سورية، ولهذا حاول وفد من الكونغرس الأميركي إقناع القيادة التركية بالتخلّي عن صفقة S400 مع روسيا، مقابل تسليم مقاتلات F35 لتركيا، وكل هذا مؤشرات تؤكد أن تحالف الولايات المتحدة مع تركيا استراتيجي، وتحالفها مع الأكراد تكتيكي، وقد تضع أسسًا جديدة لهذين التحالفين في الفترة المقبلة.

 

سادسًا: الخاتمة

ترى الولايات المتحدة أن إيران هي مصدر خطر حقيقي على الولايات المتحدة ومصالحها، وعلى الشرق الأوسط برمته، خاصة بعد أن عززت إيران وجودها في سورية بشكل كبير عبر الحرس الثوري الإيراني و(حزب الله اللبناني) والميليشيات العراقية والأفغانية الطائفية، وعبر تسهيل النظام لها للتغلغل في المجتمع السوري، والاستفادة من الصفقات الاقتصادية لكسب أموال تحتاج إليها إيران أو لكسر العقوبات المفروضة عليها، وتعتقد الولايات المتحدة أن إيران يمكن أن تُهاجم مصالح أميركية وأهدافًا غربية فيما لو غضت الولايات المتحدة الطرف عنها، وعليه فإن الولايات المتحدة ترى أن وجودها في سورية يضمن عدم تمدد إيران نحو المتوسط، وتقطع الطريق على هلال شيعي تسعى له إيران منذ سنوات.

كذلك، ترى الولايات المتحدة أن خطر (تنظيم الدولة الإسلامية) لم ينته بعد، ويمكن أن يتجدد في أي وقت، خاصة في ظل نظامين -سوري وعراقي- ضعيفين ومرتهنين لإيران، وضمن فوضى ونشاط الجماعات الجهادية العالمية في هذين البلدين، ومن الأفضل -وفق الرؤية الأميركية- أن تبقى في سورية لضمان بقاء هذه التنظيمات الإرهابية محصورة في هذه البقعة وعدم تمددها أو عودتها إلى الحياة من جديد.

وعلى الجانب الروسي، ترى الولايات المتحدة أن روسيا التي كُلّفت في مرحلة ما بتنسيق الملف السوري، لم تعد قادرة على إدارته، ولم تستطع تحقيق نجاحات واضحة فيه، وصارت تميل لدعم النظام السوري بلا حدود، وانخرطت مع إيران في تحالفات غير منطقية وليست ذات جدوى، وتُحاول أن تستفرد بالحل السوري وتسحب البساط من الأمم المتحدة نحو سوتشي وأستانا، ولم تستطع خلال هذه الفترة أن تُدجّن النظام السوري كليًا، وتمنع لعبه من وراء الستار، وعليه، فإن الوجود الأميركي في سورية بات أمرًا ضروريًا ورسالة لروسيا بأن الحل لن يكون إلا بموافقة أميركية خالصة، وأن الالتفاف على ما يريده البيت الأبيض أمر ممنوع وغير مجدي.

إضافة إلى ذلك، لا بد -في رأي الأميركيين- من منع التنظيمات الإرهابية وإيران وروسيا من الوصول إلى النفط السوري، وأفضل الحلول هو البقاء بجانب هذه الآبار، والاستئثار بها إلى أجل غير محدد، وهذا يضمنه الوجود العسكري غير المحدد.

إعلان الولايات المتحدة عن حرب غير محدودة في سورية، لا مكانيًا ولا زمنيًا، أمر يجب أن يُقلق المعارضة السورية، خاصة أن ذلك يعني ابتعاد الحل السياسي، أو عدم وجوده على الأجندة الأميركية، وسيُبقي الأطراف الإقليمية والدولية ناشطة في سورية ضمن هذه الحرب المفتوحة، والتي ستزيد من مستوى التحديات والمواجهة المباشرة وغير المباشرة بين هذه الأطراف، أيضًا إلى أجل غير محدد.

شارك هذا المقال

قم بالتسجيل لتلقي النشرة الدورية